التربية الإسلامية – موضوعات مختلفة في التربية - دروس حوارية - الدرس (28-28) : البرنامج العملي لما بعد رمضان
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-11-25
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

أعياد المسلمين تأتي عقِب عبادات :

 أيها الإخوة الكرام ، قبل كل شيء كل عام وأنتم بخير ، وأعياد المسلمين كما تعلمون تأتي عقب عبادات كبرى ، فعيد الفطر السعيد يأتي عقب فريضة الصيام ، وعيد الأضحى المبارك يأتي عقب الحج ، لذلك فرح المسلم بأعياده فرح ديني ، وما قوله تعالى :

﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 ما هذه التكبيرات إلا تكبيرات الشكر ، لذلك هذا درس وحيد بعد العيد ، وننتقل إن شاء الله في الدروس القادمة إلى فقه السيرة النبوية ، ونستمر .
 وما التكبيرات التي وردت في القرآن الكريم عقب آيات الصيام :

﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

 إلا من أجل أن نتابع المكتسبات التي كسبناها في رمضان بعد رمضان .
 لذلك ما اصطفى الله من أشهر العام شهر رمضان إلاّ ليكون فيه الصفاء والقرب والعبادة ، والتلاوة ، والصلاة في المسجد فجراً وعشاءً إلا لينسحب هذا المكتسب على أشهر العام ، أما حينما نقول : إننا نعود إلى ما كنا عليه فما استفدنا من شهر الصيام إطلاقاً .

﴿ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً ﴾

( سورة النحل الآية : 92 )

(( مثل المنافق في الصيام كمثل الناقة حبسها أهلها فلا تدري لا لما حبست ، ولا لما أطلقت ))

 ما الذي فعلته في الصيام ؟ صليت العشاء في المسجد ، وصليت التراويح ، وهي قيام الليل ، وصليت الفجر في المسجد .

بنود البرنامج العملي لِما بعد رمضان :

البند الأول : صلاة الصبح والعشاء في المسجد جماعة :

 البند الأول في هذا الدرس : أن تسعى جهدك أن تصلي فرضي الفجر والعشاء في المسجد ، فَعَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ))

[ البخاري ]

 عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَهُوَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَهُوَ كَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ ))

[ مسلم ]

(( ابن آدم : لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس ، وقبل الغروب أكفك ما بينهما ))

[ ورد في الأثر ]

 الإنسان فوقه أخطار لا تعد ولا تحصى ، والدعاء النبوي الشريف :
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ :

(( اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ، وَابْنُ عَبْدِكَ ، وَابْنُ أَمَتِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي ، وَنُورَ صَدْرِي ، وَجِلَاءَ حُزْنِي ، وَذَهَابَ هَمِّي ، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا ، قَالَ : فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا ؟ فَقَالَ : بَلَى ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا ))

[أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود]

(( أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السماوات والأرض ، وأشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن تحل علي غضبك ، أو تنزل علي سخطك ))

[ رواه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن جعفر ]

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ))

[ رواه مسلم ]

 الإنسان نقطة دم لا ترى بالعين ، تتجمد في مكان بالدماغ فيفقد بصره ، وفي مكان آخر يفقد ذاكرته ، وفي مكان ثالث يفقد حركته ، نحن تحت ألطاف الله عز وجل .

(( لا تعجز عن ركعتين قبل طلوع الشمس ، وقبل الغروب أكفك ما بينهما ))

(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ ))

[ البخاري ]

 في رعاية الله ، في حفظ الله ، في توفيق الله ، في تأييد الله ، في نصر الله .

(( مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَهُوَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَهُوَ كَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ ))

 هذه واحدة .
 أنت في رمضان صليت الفجر في جماعة ، والعشاء في جماعة .

البند الثاني : المواظبة على قيام الليل :

 الآن أنت في رمضان صليت قيام الليل ، صليت عشرين ركعة ، أو ثماني ركعات ، ماذا عليك لو استيقظت قبل الفجر بربع ساعة , وصليت ركعتين ، وقدر ورد في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))

[ مسلم ]

 صليت في رمضان عشرين ركعة كل يوم ، صلِ بعد رمضان ركعتين فقط ، أو أربع ركعات ، ولا مانع من أن تقرأ من المصحف ، كختمة ، كل ركعة صفحة ، ضع أمامك مصحفًا ، وابدأ ختمةً لقيام الليل ، كل ركعة صفحة ، وتدبر كلام الله عز وجل .
 أنا أعطيكم برنامجًا عمليًا ، أنت في رمضان صليت الفجر في جماعة ، والعشاء في جماعة ، وصليت القيام حاول أن تصلي العشاء في المسجد ، والفجر في المسجد ، وأن تصلي ركعتين قبل الفجر في بيتك قيام ليل واقرأ بهما صفحتين .

البند الثالث : المواظبة على تلاوة القرآن :

 أنت في رمضان تلوت القرآن الكريم ، أليس كذلك ؟ ينبغي أن تقرأ كل يوم ست صفحات أو خمسًا ، أو أربعًا ، ابدأ بختمة تلاوة ، الختمة الأولى ، ختمة قراءة لقيام الليل اقرأ أربع صفحات ، أو خمسًا ، أو عشرًا ، بقدر طاقتك ، إذا أقبلت النفس فاحملها على النوافل ، وإذا فَتَرتْ فاحملها على الفرائض ، فأنت بين حالة إقبال وفتور ، إياك ، ثم إياك ، ثم إياك أن تقول كما يقول الجهلاء : ساعة لك ، وساعة لربك ، هذه مقولة شيطانية ، أنت لله دائماً .

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة التوبة الآية : 111 )

 صار معنا الفجر في المسجد ، والعشاء في المسجد ، وأربع صفحات قرآن ، أو خمس ، أو ست ، ربع ساعة أو أقل عشر دقائق ، وركعتان قيام ليل .

البند الرابع : المواظبة على غضِّ البصر :

 ماذا فعلت في رمضان أيضاً ؟ كنت في رمضان تغض البصر عن محارم الله .

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾

( سورة النور الآية : 30 )

 فإذا وفقك الله في رمضان في غض البصر فينبغي أن تتابع هذه العبادة بعد رمضان .

(( من غض بصره عن محارم الله أورثه حلاوة في قلبه إلى يوم يلقاه ))

[ ورد في الأثر ]

 ينبغي أن تتابع هذه العبادة بعد رمضان .

(( من غض بصره عن محارم الله أورثه حلاوة في قلبه إلى يوم يلقاه ))

(( ومن ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم ))

(( والنظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله ، فمن تركها خوفا من الله آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه ))

[ أخرجه الحاكم وصحح إسناده من حديث حذيفة ]

 إذاً : البند الثالث بعد رمضان : أن تتابع غض البصر ، وغض البصر من أولى ثمراته الوفاق الزوجي ، وكان الإمام الشعراني رحمه الله تعالى يقول : " أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي ، مادام الزوج طائعاً لله ، غاضاً للبصر ، فالله عز وجل يرزقه محبة زوجته ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))

[ ورد في الأثر ]

 مِن نِعم الله الكبرى أن تحب زوجتك ، حلالك ، أم أولادك التي أكرمك الله بها ومن شقاء الإنسان أن يبغض زوجته ، وأن يحب امرأة لا تحل له .

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))

 إذاً : فلنتابع بعد رمضان غض البصر كما كنا في رمضان .
 وأنتم جميعاً في رمضان تستمعون إلى الدعاء الشهير : اللهم أعنا على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان .

البند الخامس : ضبطُ اللسان بعد رمضان :

 في رمضان أغلب الظن أنك ابتعدت عن الغيبة والنميمة ، أما أن تكون المجالس بعد رمضان مجالس غيبة ونميمة ، وخوض في أعراض الناس ، وافتراءات ، وغمز ، ولمز وما شاكل ذلك فهذا محرّم ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ إِلاَّ قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً ))

[ رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ ))

  بل هم في غيبة ، ونميمة وغمز ، ولمز ، وسخرية ، ومحاكاة

(( إِلاَّ قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ ))

(( وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾

( سورة الأحزاب )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾

( سورة الأحزاب )

(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))

[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]

 أيها الإخوة ، في رمضان صليت الفجر في جماعة ، وبعد رمضان ينبغي أن تصلي الفجر في جماعة ، في رمضان صليت العشاء في جماعة ، وبعد رمضان ينبغي أن تصلي العشاء في جماعة ، في رمضان صليت قيام الليل ، وبعد رمضان ينبغي أن تصلي قيام الليل ولو ركعتان ، في رمضان تلوت القرآن ، وبعد رمضان ينبغي أن تتلو القرآن كل يوم ، في رمضان غضضت بصرك عن محارم الله ، وبعد رمضان ينبغي أن تتابع هذه العبادة وفيها آية كريمة :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

 الآن في رمضان ضبطت لسانك عن الغيبة والنميمة والبهتان والقذف والغمز واللمز والسخرية ، والتقليد ، والمحاكاة ، وقد عد الإمام الغزالي عد معاصي اللسان أكثر من ثلاثين معصية .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))

[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وأحمد]

 السيدة عائشة وصفت السيدة صفية رضوان الله عليهما بأنها قصيرة ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))

[ رواه أبو داود والترمذي ، عن عائشة رضي اللّه عنها ]

 هذه مجالس النساء .
 فلذلك أيها الإخوة ، ضبط اللسان الذي كان في رمضان ينبغي أن يستمر بعد رمضان .
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ، وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))

[ أحمد ]

احذر لسانَك أيُّــها الإِنسانُ  لا يلدغنَّك إنـه ثُـــعبانُ
كم في المقابرِ من قتيلِ لسانِه  كانت تهابَ لقاءَه الشجعانُ
***

 قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ :

(( أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ قُلْتُ : بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ : كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا ، فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِم ْ))

[ أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم ]

 مرة ثانية :

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))

[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وأحمد]

 دققوا ثانية في كلمة قصيرة ، قالتها السيدة عائشة عن أختها صفية ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))

 الفجر ، والعشاء ، والقيام ، والتلاوة ، وغض البصر ، وحفظ اللسان .

البند السادس : المواظبة على الصدقة :

 أنت في رمضان تصدقت ، وكان عليه الصلاة والسلام جواداً ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، وبعد رمضان ينبغي أن تتصدق ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ))

[ متفق عليه عن عائشة ]

 الأعمال المستمرة تحدث في النفس التراكم ، فتتراكم ثقتك بنفسك ، ويتراكم إقبالك على الله ، وتتراكم قربك من الله ، لذلك :

(( أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ))

 عَنْ عَلْقَمَةَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَصُّ مِنْ الْأَيَّامِ شَيْئًا ؟ قَالَتْ :

(( لَا كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً ... ))

[ متفق ]

 مستمراً ، لذلك بطولتك أنك إذا فعلت عملاً صالحاً ينبغي أن تتابعه .
 مثلاً : أعجبك درس السبت في هذا المسجد ، البطولة أن تتابعه ، فرضاً لو أحب الواحد المطالعة ، ويحب المقالات الطبية ، اشترى مجلة طبيبة فقرأها كلها ، هل يصبح طبيبًا ؟ هل يستطيع أن يفتح عيادة ؟ هل يستطيع أن يكتب الدكتور فلان ؟ يقصّون رقبته ، ما اسمها هذه ؟ هذه ثقافة ، عنده ثقافة طبية ، قرأ المقالة ، فتكلم كلمتين في بالطب ، أما أن يفتح عيادة ، أين الدكتوراه ؟ أين البكالوريا العلمي ؟ أين 230 علامة ؟ أين أول سنة علوم عامة ؟ أين ثاني سنة تشريح ؟ أين ثاني سنة فيزلوجيا ؟ أين رابع سنة علم الأمراض ؟ أين خامس سنة علم الأدوية ؟ أين السادسة والسابعة التاج ، أين هم هذه كلها ؟.
 فكل إنسان حضر درس علم والله شيء حلو ، الله يجزيه الخير ، بعد ذلك كان عنده عقد قران ، فقام رجلٌ وألقى كلمتين ، هذه ثقافة ، لا تقدم ولا تؤخر ، كما لو قرأت بعض المقالات الطبية ، لا يمكن أن تكون طبيباً ، بالضبط ، هذا واضح .
 الزم مجلس علم ، اقرأ كتاباً على يد عالم ، اسمع شرائط ، في العقيدة ، في السيرة ، في الفقه ، في التفسير ، في الحديث ، اجلس مع طلاب العلم ، استمع إليهم حاورهم ، أسالهم ، لمجرد أنك تطلب العلم إنك تؤكد إنسانيتك .
في الإنسان حاجات سفلى ، نحن والبهائم سواء ، نحن ننام والحيوان ينام ، نحن نتزوج والحيوان يتزوج ، نأكل ويأكلون ، نشرب ويشربون ، أليس كذلك ؟ نحن على أرقى ، هناك غرفة نوم ، هناك طاولة سفرة على أرقى ، مادامت النوازع أرضية فقد هبطت عن مستوى إنسانيتك ، واللهُ عزوجل أودع الله فيك حاجة علوية ، قوة إدراكية ، فإذا لبيت هذه الحاجة فأنت إنسان .
 لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطِك شيئاً .

(( مَثَلُ الَّذي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذي لا يَذْكُرُهُ ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّت ))

[ رواه البخاري، عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه ]

 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ ))

[ الترمذي ، أحمد ]

 عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ : ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ))

[ رواه الترمذي عن أبي أمامة ]

(( وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ))

[ الترمذي عن أبي الدرداء ]

 إذاً ينبغي أن تطلب العلم كي تعرف من أنت ، لماذا أنت في الدنيا ؟ ما هو العمل المجدي ؟ كيف لا تندم ، ما العمل الذي إذا فعلته لا تندم أبداً .
 أيها الإخوة ، كل الذي أتمناه عليكم أننا بعد رمضان ينبغي أن نحافظ على مكاسبنا التي حققناها في رمضان ، بدءاً من صلاة في المسجد فجراً وعشاء ، ثم تلاوة القرآن ، ثم قيام الليل ، ثم غض البصر ، ثم حفظ اللسان ، ثم الأعمال الصالحة ، هذا الذي يأتيه ملك الموت على أي شيء يندم ؟ على العمل الصالح .

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

( سورة المؤمنون )

 أيها الإخوة ، هناك شيء دقيق جداً ، أحد الصالحين حفر في صحن داره قبراً ، وصار يضطجع فيه كل يوم خميس ، ويتلو قوله تعالى :

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

 فيخاطب نفسه ويقول : قومي لقد أرجعناك ، تفضلي ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللّذّاتِ ـ مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات ـ ))

(( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ أخرجه الشيرازي ، و الحاكم ، والبيهقي ، عن علي ]

(( إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ))

[ أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن واثلة ]

البند السابع : المواظبة على القربِ من الله :

 في رمضان كنت أقرب إلى الله ، والحقيقة الدقيقة أن طالب العلم ، وأن الصادق مع الله يجعل من شهور العام كلها رمضان ، رب رمضان ، ورب شوال ، ورب ذي القعدة ورب ذي الحجة ، ورب محرم ...إلخ .
الله موجود :

إذا كنت في كل حال معي  فعن حملي زادي أنا في غنى
فأنتم هو الحق لا غـيركم  فياليت شعري أنــا من أنا
***

 ما الذي يمنع أن تكتب برنامجا يوميًا لك : الصلاة في المسجد ، تلاوة أربع صفحات ، قيام ليل ركعتين ، اكتب برنامجًا ، وحاسب نفسك فيه ، واكتبْ مخالفات لنفسك ، إذا قصرت في يوم فادفع صدقة ، هذا هو السير إلى الله ، هذا تجده في القبر .

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

( سورة الشعراء )

 قال العلماء : " القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله ، والقلب السليم هو القلب الذي لا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله ، والقلب السليم هو القلب الذي لا يعبد غير الله ، والقلب السليم هو القلب الذي لا يحتكم إلا لشرع الله " .

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

درسٌ شحذٌ للهمَم ، ورفعٌ على القِمم :

 هذا هو القلب السليم .
 أيها الإخوة ، هذا الدرس شحذٌ للهمم ، وتأجيج للمشاعر ، وحفاظ على المكتسبات ، لجعل أشهر العام رمضان ، لإدامة الصلة بالله ، لترميم الخطأ .
 بعض الشعراء ولا أحب أن أذكر اسمه يقول :

رَمَضانُ وَلّى هاتِِها يا ساقي  مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ
***

 مرة سمعت أنه عُوتب من قِبَل طالب علم ، يوم كان حياً ، القصة قديمة ، فلما عُتب وهو الذي مدح رسول الله في قصيدتين شهيرتين كيف يقول :
 رَمَضانُ وَلّى هاتِِها يا ساقي مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ
 كان هذا الشاعر ذكياً جداً ، فدافع عن نفسه بآية كريمة قال :

﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴾

( سورة الشعراء )

 أيْ ما فعلها ، هكذا قال .
 على كلٍ ، هذه سقطة من سقطات المؤمن ، أن يعود بعد رمضان إلى ما كان قبل رمضان ، وكأنه ألغى هذا الشهر الكريم ، وكأنه جعله طقساً ، ولم يجعله عبادة ، ما الطقوس ؟ الأديان الوضعية الأرضية هي طقوس ، يعني حركات ، وسكنات وإيماءات ، وتمتمات ، وكلمات ، وأفعال لا معنى لها ، ما لها معنى إطلاقاً ، بينما العبادات معللة بمصالح الخلق ، العبادة معللة .

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾

( سورة العنكبوت الآية : 45 )

 العبادة ، الصيام :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

( سورة البقرة )

 الحج :

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾

( سورة المائدة الآية : 97 )

 الزكاة :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

( سورة التوبة الآية : 103 )

 فالعبادات معللة بمصالح الخلق .
 أيها الإخوة الكرام ، إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى .

والحمد لله رب العالمين