الفقه الإسلامي - العبادات الشعائرية - الصلاة - الدرس 22 : سجود السهو
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-12-08
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

سجود السهو :

 وصلنا في الفقه إلى موضوع: "سجود السهوِ"، وسجود السهوِ يجبُ لترك واجب، فإذا تُرِك الواجب يجب سجود السهوِ لترميم النقص، فيجب سجدتان بتشهد وتسليم، لترك واجب سهواً وإن تكرر! وإذا ترك المصلي واجباً سهواً، وإن تكرر، و ترك أحد أركان الصلاة، فصلاته باطلة! ويجب أن يعيدها، ولو ترك أحد واجبات الصلاة فعليه أن يسجد للسهو دون أن يعيدها، فإذا ترك بعض السنن والمستحبات فلا شيء عليه، لكنه قد أساء لترك واجب سهواً وإن تكرر و لو ترك واجبين أو ثلاثة يجزئهما سجود سهوٍ واحد في نهاية الصلاة، أما إن كان تركه لهذا الواجب عمداً فوجبت إعادة الصلاة، إن تركه سهواً وجب عليه سجود السهو، فإن تركه عمداً وجب عليه إعادة الصلاة لجبر نقصها، لكن هناك حالات ثلاثة يسجد فيها الرجل لو ترك واجباً عمداً! هذه الحالات الثلاثة من ترك القعود الأول.
 فلو فرضنا أربع ركعات، القعود الأول واجب، فلو ترك الرجل القعود الأول عمداً يُجزِئه سجود السهو، أو تأخير سجدة من الركعة الأولى إلى آخر الصلاة، إذا سجد سجدة واحدة، وما أن يتابع هذه السجدة في آخر الصلاة يجزئه سجود السهو عن هذا السهو، أو العمد، ومن تفكّر عمداً حتى شغل باله عن ركن وجب عليه أن يسجد للسهو فمتى يأتي بسجود السهو؟ العلماء قالوا: بعد السلام، لا بعد التسليمتين، ولكن بعد التسليمة الواحدة، يسلم نحو اليمين ثم يكبر، ويسجد سجدتين ويقعد ويتشهد، ثم يسلم تسليمتين.
 وإن سجد للسهو قبل أن يسلم كُرِهَ ذلك منه تنزيهاً، وعليه أن يسلم تسليمة واحدة.

حالات سقوط سجود السهو :

 ويسقط سجود السهو في حالات منها: طلوع الشمس بعد السلام في صلاة الفجر، ولو أن إنساناً يصلي في غرفة مرتفعة تُطِلُّ على المشرق، وهو يصلي برز قرن الشمس سقط عنه سجود السهو! لأنه لا يجوز أن تسجد وقت طلوع الشمس، ولا وقت توسطها في كبد السماء، ولا قُبَيل غروبها، يجب أن تصلي بعد أن ترتفع الشمس في كبد السماء، مقدار رمحين وحتى تزول من كبد السماء، و قُبَيل أن تصفرّ إذا آن أوان غروبها، في هذه الأوقات الثلاثة مكروه أن تصلي، فلو صدف أنك صليت صلاة الفجر، وحينما صليت رأيت قرن الشمس قد طلع سقط عنك سجود السهو، ويسقط أيضاً باحمرارها في العصر، وما يمنع البناء بعد السلام، لو أنه سلّم فسال منه دم غزير انتقص وضوءه، فهذا الدم الغزير يمنعه من متابعة صلاته، إذاً هذا الدم الغزير يسقط عنه سجود السهو.

حكم المأموم الذي لم يسهُ لكن الإمام سها :

 والآن نتحدث عن المأموم الذي لم يسهُ، لكن الإمام سها، والإمام سجد سجدة السهو، والمؤتم ملزم أن يسجد مع إمامه! فالإمام سها في الركعة الأولى، مثلاً سجد سجدة واحدة ونسي، ووقف في الركعة الثانية فجاء مؤتم ائتم به في الركعة الثانية فهذا المؤتم ما سها، ولا رأى إمامه سها، فإذا سجد الإمام للسهو عليه أن يسجد معه متابعة للإمام.
 فيسجد المسبوق مع إمامه، ثم يقوم لقضاء ما سُبِقَ به، ولو سها المسبوق فيما يقضيه، المسبوق وقف ليصلي فسجد سجدة واحدة، فعليه أن يسجد مرة ثانية لسهوه هو لا لسهو إمامه، وبعضهم اعترض! كيف يجوز أن نسجد مرتين لسهوين في صلاة واحدة؟ فكانت الإجابة: إن هذه الصلاة بحكم الصلاتين، مرة كنت مأموماً، ومرة كنت مفرداً.

الإمام لا يسجد للسهو في الجمعة والعيدين :

 ولا يأتي الإمام بسجود السهو في الجمعة والعيدين، و لو فرضنا تشّهد الإمام أو نسي سجوداً ثم سجد لهذا السهو يحدث بلبلة في الجمعة! بعضهم يقول: يا أخوان أعيدوا الصلاة، وأحدهم يقول: لا هي صحيحة، لئلا تحدث فتنة بين الناس، ولئلا يحصل بلبلة، واضطراب، و زعزعة بالثقة لهذا الإمام، فلا ينبغي للإمام أن يسجد للسهو في الجمعة والعيدين، هكذا الفقه.
 الآن من سها عن القعود الأول من الفرض، إذا قال: الله أكبر أعطاها نبرة القيام، وينبغي له أن يقعد، إذا وصل إلى القيام الكامل عليه أن يسجد للسهو، فإذا كان أقرب إلى القعود يقعد ولا شيء عليه، حتى أن بعضهم قال: إذا كان أقرب إلى القيام عليه سجود سهوٍ، وإذا كان أقرب إلى القعود لا شيء عليه! وهناك أحكام دقيقة في سجود السهو نتابعها إن شاء الله في درس قادم.

* * *

آداب تقديم الطعام إلى الزائرين :

 والآن إلى بعض فصول علوم إحياء الدين: آداب تقديم الطعام إلى الزائرين.
 يقول الإمام جعفر بن محمد رضي الله عنهما: "إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس! فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعماركم " فإذا جلس الإنسان إلى أخ مُحِبْ محبة سابقة، هناك صفاء و مودة، فشيء من الإخلاص ووجهة إلى الله عز وجل، فهذه ساعة مباركة أن تجلس إلى أخيك وتأكل معه، فأطيلوا الجلوس فإنها ساعة لا تحسب من أعماركم.
 ويقول الإمام الحسن رضي الله عنه: "كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه يحاسب عليها، إلا نفقة الرجل على إخوانه في الطعام"، الطعام الذي قدمه الرجل ابتغاء مرضاة الله يقول عليه الصلاة والسلام:

((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ، وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]

 وقيل في رواية أخرى: "وَالمُتَبَارِيَانِ لا يُؤْتَىَ طَعَاَمَهُمَا".
 من هما المتباريان؟ الذي يود أن ينافس أخاه في تقديم الطعام، أن يقدم طعاماً أطيب، أو أنفس، أو مستواه أرقى، فزها به، فهذا طعام لم يُرَدْ به وجه الله سبحانه وتعالى، ومجموعة الأحاديث الواردة في هذا الفصل تعني أولئك الذين يقدمون الطعام كما قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان: 9]

 أحياناً تقديم الطعام لأخ في الله يزيد المودة هذا إن لم يكن فقيراً، فإذا كان فقيراً وأطعمته طعاماً طيباً لم يذق منه من أشهر عديدة فلك أجر كبير، حتى إن بعضهم قال: هذا قول فقط " لقمة في بطن جائع خير من عمارة جامع ".

مجتمع فيه تفاوت لا يستحق الحياة :

 والإمام ابن المبارك رضي الله عنه كان في طريقه إلى الحج فرأى طفلاً ينقّب في القمامة فلاحظه فإذا هو يعثر على طير ميت! فأخذه وانصرف به، فتبعه فعرف أن له أهلاً فقراء فقراً مدقعاً، فأعطاهم نفقة الحج وعاد إلى بلده! وقيل: إن بعض الناس رأوه في الحج يطوف حول الكعبة! وقيل: إنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام وهنأه على هذا العمل! لا تستبعدوا هذا، الآن في الشام في هذا البلد الطيب هناك امرأة تشتري لأولادها أيدي الدجاج -الأيدي هذه التي لا تؤكل- ولا يمكن أن تؤكل تسلقها وتقدمها لأولادها اليتامى، فإذا وصل إلى علمك حال مثل هذه الحالات فإن أهل بلد بأكملهم يأثمون، إذا كان فيهم من هو محتاج أو مسكين، وقد تقول أنت: أنا لا علم لي بذلك! أجيبك بقول النبي الكريم:

((من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ))

[ المعجم الأوسط عن حذيفة]

 أنا بدأت أرى كثيراً أناساً ينقبون في الحاويات ليأخذوا بعض الخضر الفاسدة ينظفونها ويأكلونها! ما رأيكم بإنسان ينفق أموالاً على شهوات مترفة بتبذير وإسراف وأناس ينقّبون في القمامة؟ هؤلاء لا يستحقون الحياة، هذا المجتمع الذي فيه هذا التفاوت لا يستحق الحياة، قال تعالى:

﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾

[ سورة الحج: 45]

من دواعي إهلاك الأمم أن الحاجات الأساسية مفقودة و الترف موجود :

 ومن دواعي إهلاك قوم أن الحاجات الأساسية مفقودة، والترف على أوجه:

﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾

[ سورة الحج: 45]

 الإنسان أحياناً يسمع أخباراً كالخيال: أخ ذهب إلى أمريكا، قال لي: عدد الأماكن ومحلات البيع الراقية لبيع ما يحتاجه الكلاب شيء يأخذ بالألباب! يحير العقول، وإن ما يستهلكه كلاب أمريكا من اللحوم يزيد على ما يستهلكه الشعب الهندي بكامله، أربعمئة وخمسين مليون من اللحوم، أماكن لتصفيف شعر الكلاب وأطعمة وألبسة خاصة بالكلاب..
 شيء يكاد لا يصدق، شعوب تموت من الجوع، وشعوب تنفق على كلابها ما لو أنفق على هذه الشعوب لكفتهم، لذلك هذه من علامات قيام الساعة، أناس يموتون تخمة، وأناس يموتون جوعاً!

((لا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُهَا، وَلا تَزَالُ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَتْ مَائِدَتَهُ مَوُضُوعَةٌ بَيِنَ يَدْيِهِ حَتَىَ تُرْفَعْ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 فإذا الإنسان وضع مائدة لإخوانه المؤمنين تصلي الملائكة عليه حتى يرفعها.

من علامة المؤمن أنه لا يحسد ولا يطعن ولا يغتب :

 بالمناسبة النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]

 فإذا خالفت هذا الحديث، وتلك السنّة، وقعت في شر عملك، ورجل غير مؤمن تدعوه لطعام نفيس فيحسدك على هذا الطعام، ويتكلم بحقك كلمات لا تليق، الذنب ذنبك، لا يأكل طعامك إلا تقي، من علامة المؤمن وهذا ما أنا متأكد منه أنه يفرح للخير يصيب أخاه!
 و إذا شعرت أن هذا الأخ المؤمن كريم والذي أصابه خير لا يستحقه، أو كثير عليه، أو ليته يتحول إليك، فأنت لست مؤمناً أبداً! وعلامة أخوتك في الله أنك تفرح له، وأنت لا تملك بيتاً، وأخوك اشترى بيتاً، و من علامة إيمانك أنك تفرح له كما لو أن هذا البيت لك! وأنت معك ليسانس ولم تتعيّن، وأخوك تعيّن فتفرح له، وأنت لم تتزوج، وأخوك تزوج تهنئه وتفرح له، لأنه إذا قوي أخوك فهو قوة لك، فإذا كان أخوك في حاجة فهذا عبء عليك، فالمؤمن لا يحسد، ولا يطعن، ولا يغتب، وهذا كله من علامة المؤمن، ولذلك فالنبي الكريم قال:

((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]

 وفي بعض الأقوال لا أدري مبلغها من الصحة أنه: لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه، ويبدو أن الإنسان مع إخوانه يزداد طعامه، فتأتي القابلية أحياناً، وله عادات دقيقة في بيته لا يتجاوز حدوداً معيّنة، معتدل جداً، لكن إذا كان مع إخوانه المؤمنين الصادقين يمكن أن يأكل زيادة عن الحد فقال بعضهم: هذا مما عفا الله عنه.
 وكان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة لذلك، ويقلل إذا أكل وحده، ولكن يوجد بعض الناس بالعكس! تفضل كُلْ، يكون نائماً عندك، أو يحرجك، فلا يأكل إلا أكلاً يحرج به الحاضرين، يقوم الناس للنوم ويقوم هو قيام ليل وليس فقط للصلاة وللأكل، يلتهم وحده ما لذّ وطاب، ومع الناس طعامه قليل! لا بالعكس كُل وحدك طعاماً قليلاً، وكل مع الناس أكلاً طبيعياً معقولاً حتى تشجعهم، أما أن تأكل مثل المشمئزين من الطعام، وفي الليل يأكل ما يشاء، و هذا شيء يتنافى مع آداب الطعام.

إكثار الأكل مع الجماعة :

 قال: كان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة، وليس معنى يكثر ألا يبقي شيئاً من الطعام، يأكل أكلاً طبيعياً ليشجع الناس على الأكل، ويقلل الأكل إذا أكل وحده، وفي الخبر أيضاً: ثلاثة لا يحاسب الرجل عليها: أكلة السحور، لأنه من الممكن أن يكون النهار طويلاً في الصيف حوالي اثنتي عشرة ساعة ولديه عمل شاق، وأكل طعاماً يسند جسمه زيادة فقام بقلي البيض، وتناول الجبن، وتناول بعض الطعام الدسم، وبعضهم يقول: إن أكل السحور مما عُفِيَ عنه، لأنه قد يكون عمله شاقاً، و قد يكون الصيام طويلاً سبع عشرة ساعة! انظر للفقه سبحان الله يوجد فيه واقعية، ثلاثة لا يحاسب عليها العبد: " أكلة السحور، وما أفطر عليه، وما أكل مع إخوانه"، إذا أكل مع إخوانه عليه ألا ينفرهم من الطعام بل يشجعهم على الطعام و لكن بشرط أن يكون الطعام كافياً للجميع، وإذا كانت كمية الطعام لا تكفي يقوم بنصف الطعام ويخبرهم هذه سنّة يا أخي! لا هذه ليست سنّة، وإذا كان الطعام كثيراً ولا حرج فتناول طعاماً اعتيادياً.
 قال الإمام علي رضي الله عنه: "لأن أجمع أخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة" ، وكان ابن عمر يقول رضي الله عنهما: "من كرم المرء طيب زاده في سفره"، أحياناً الإنسان يذهب إلى الحج، أو إلى العمرة، يسافر مع إخوانه فيأخذ معه بعض الطعام، وتجد أحدهم جائعاً والطعام لم يجهز بعد تقدم له شطيرة، هذا مصاب ببعض الدوار فأملك بعض الليمون فأقدمها له، و هناك من يستعد رغم أنه غير مكلف بهذا الشيء، فالطعام على المجموع، لكن لديه بعض الليمون الفائض عن حاجته، ولديه بعض البرتقال، ولديه قطعتان من الحلوى فأخذها معه، وهناك طفل جائع والطعام لم يجهز بعد، فتقدم له بعض الطعام، من كرم المرء طيب زاده بسفره، وبذله لأصحابه.
 سبحان الله أعرف أناساً أحبهم يحملون بعض السكاكر كلما رأى طفلاً يعطيه واحدة، وهي لا قيمة لها، ولكن لها قيمة كبيرة عند الله عز وجل، الطفل جُبِل على حب من أحسن إليه.

الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق :

 وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: "الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق"، والنبي الكريم كان يقول:

(( إنَّ طعامَ الواحدِ يكفي الاثنين و إن طَعَام الاثْنَينِ يَكفِي الِثَلاْثة و الأربعة))

[ ابن ماجه عن عمر بن الخطاب]

 وكان يذمُّ من أَكل وَحْدهُ، وَمَنَع رفْده، وَضَرَب عَبْدَه، وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن، ولا يتفرقون إلا عن طعام، أي دخلت لبيت فأقل شيء قدمه لك فنجان قهوة، وليس لديه سكرة، أو كأس من الشاي، وجِدَ الإكرام، من زار حياً ولم يكرمه فكأنما زار ميتاً! ويقول الله تعالى يوم القيامة:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي؟ قَالَ:يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

إكرام الضيف عمل طيب :

 وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا جَاءَكُمُ الصَّانِعُ بِطَعَامِكُمْ قَدْ أَغْنَى عَنْكُمْ عَنَاءَ حَرِّهِ، وَدُخَانِهِ، فَادْعُوهُ، فَلْيَأْكُلْ مَعَكُمْ، وَإِلا فَلَقِّمُوهُ فِي يَدِهِ ))

[ أحمد عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ]

 هذا الزائر ضيف الله، وفي بعض الأحاديث: إنه يأتي برزقه ويرتحل بذنوب القوم! هذا الضيف، ولكنك تعلم علم اليقين ما إذا كان هذا الإكرام خالصاً لوجه الله عز وجل.
 أخ في الله مسافر زارك من بلد آخر، وأغلب الظن لم يتناول غداءه قدم له الغداء، أغلب الظن لم يتناول عشاءه قدمه له، دعه ينم عندك و لو على المطرح لا مانع، فإذا أكرم الإنسان أخاً مسافراً غريباً من بلد آخر؛ أطعمه، وسقاه، وأكرمه، وبيّته عنده، فهذا عمل طيب، وكبير جداً، حتى أن النبي الكريم يقول:

((مَا أَحَبَّ عَبْدٌ عَبْدًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إلا أَكْرَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ))

[ أحمد عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]

((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَطَابَ الْكَلامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ))

[الترمذي عَنْ عَلِيٍّ]

 انظر لهذا الكلام ما أجمله:

(( لِمَنْ أَطَابَ الْكَلامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ))

[الترمذي عَنْ عَلِيٍّ]

((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، أَوِ الَّذِينَ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ ))

[ أحمد عن حمزة بن صهيب عن أبيه]

الكرم من علامة الإيمان :

 سيدنا إبراهيم عندما جاءه ضيوف، قال: فما لبث إلا أن جاء بعجل حنيذ أي مشوي على الحجارة، فقربه إليهم قال: ألا تأكلون؟ الكرم من علامة الإيمان، ولا يجتمع بخل مع إيمان، ولا يجتمع شحٌّ مع إيمان، والشح أشد من البخل، ولا يجتمع الجبنُ مع الإيمان، ولذلك في الدعاء الشريف: "اللهم إنا نعوذ بك من الجبن والبخل، ومن العجز والكسل، ومن غلبة الدَين،وقهر الرِجال، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء".

((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وكان السلف الصالح كراماً، لي صديق توفيت والدته فكنت في تعزيته، وكنت في آخر يوم، وفي آخر الوقت، فالذي جذب نظري أن زوج الفقيدة ويزيد عمره عن الثمانين عاماً يبكي بكاءً مرّاً، ويبدو أن الزوجة المتوفاة لا يقل عمرها عن السبعين عاماً، فلما انتهت قراءة القرآن والذكر، بدأ من في المجلس يخفف عنه ألمه، فقال كلمة تأثرت لها، قال: والله بقيت عندي أربعين عاماً ما نمت ليلة وأنا غاضب عليها! وكانت تقوم في أول الليل لتطبخ لضيوفي، كان مضيافاً جداً، وكان يطلب منها يا فلانة رضي الله عنك قد جاءنا ضيوف، قومي بتحضير الطعام من فضلك، أما اليوم فتحصل مشاجرة من أجل وضع مائدة فطور، لماذا الأكل؟ وإذا كان سهلاً قدم له الطعام في المطعم وأرحنا! لذلك هناك شاعر وصف قوماً بخلاء فقال:

بيض المطابخ لا تشكو إيماؤهم  طبخ القدور ولا غسل المناديل
***

 فهذا البيت دائماً نظيف ومرتب لا يتسخ أبداً، وأشعر أحياناً أن هناك مشكلة من أجل تقديم طعام لضيف مع الأزواج المحدثين، هذا الجيل الجديد، شيء صعب، مشقة، و لا يقدم الطعام إلا بشق الأنفس بعد أن كان هناك حوالي خمس مشاجرات حتى استطاع أن يعزمه على الفطور الصباحي! قال هذا الرجل: أربعون سنة لم ينم ليلة واحدة وهو غضبان منها! وكان أغلب الأيام يوقظها من النوم للطبخ لأنه مضياف.

* * *

الدخول للطعام :

 الآن الدخول للطعام: قال تعالى:

﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾

[ سورة الحج: 45]

 فالإنسان لا يملك الحق أن يدخل لبيت في وقت الطعام كي يُطعَمْ، هذا اسمه تطفل ودناءة نفس، وفي الخبر: "من مشى إلى طعام لم يدعَ إليه مشى فاسقاً وأكل حراماً".
 والنبي الكريم كان صاحب أدب رفيع، ذات مرة دعي وعنده رجل من أصحابه، وهذا الإنسان غير مدعو، فلما انطلق إلى بيت المضيف، انطلق معه هذا الرجل، أحياناً يكون هناك حرج، طاولة تتسع لخمسة كراسي وكرسي سادس لا يملك، دعوا خمسة، وأحياناً يكون الطعام محدوداً جداً، خصص لكل شخص أوقية لحم، فجاء رجلان غير مدعوين لم يشبع أحد منهم، وكثيراً ما تحصل، فالنبي الكريم عندما فتح الباب المضيف: " قال له: هَذَا تَبِعَنا، فَإِنْ شِئْتَ دَخَلْ، وَإنْ شِئْتَ اِنْصَرَفْ ".
 استأذن من المضيف، وعلّم الذي تبعه من غير إذن، إذا وجدت أناساً متجهين لجهة علّهم مدعوون أما أنا فلست مدعواً، ولا ينقص من قدرك أنك لست مدعواً، قد تكون مكانتك عند الله أعلى من كل هؤلاء المدعوين، المؤمن ثقته بالله، لا أعرفك ولا يوجد بيننا أي علاقة أو وارد، لم يدعني، فلم يحصل شيء، هناك شخص إذا كان لم يُدعَ تجده قد تأثّر وبدأ يقول: ليس لي قيمة، أهملوني، تجاوزوني، نسوني، هذه من الله عز وجل، فالنبي الكريم قال له: "هَذَا تَبِعَنا، فَإِنْ شِئْتَ دَخَلْ، وَإنْ شِئْتَ اِنْصَرَفْ ".

من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقاً وأكل حراماً :

 إذاً من مشى إلى طعام لم يدع إليه، مشى فاسقاً، وأكل حراماً، وأحياناً الإنسان يدعى لعقد قران يحضر معه ولديه، هدية القران كلفتها ثماني عشرة ليرة، و في هذه الحال سيعطيك واحدة لك، ولكل ابن واحدة، فهذه مشكلة، أحضر الحلوى على عدد الحاضرين، عزم مئة شخص وأحضر مئة وعشراً، فوجد أن هناك خمسين ولداً زيادة لا يوجد شيء يكفي، وهنا إحراج، فالإنسان من المفروض إذا لم يخبرك الداعي بإحضار ابنك بالذات لا تحضره رجاءً! قال لك: أحضر معك ابنك فلاناً، سمّاه بالذات تحضره، وإن لم يسمه لا تحضره، وعوّد ابنك أنه إذا كان غير مدعو ألا يذهب معك، ما هذه خذني معك يا أبي؟ لم يدعك يا بني هذا من أصول الضيافة، الإحراج صعب، لأن الإنسان أحياناً يهيئ نفسه لعدد معين فوجد هناك زيادة بالعدد! لكن إذا دخل إنسان لبيت من دون أن يقصد وقت الطعام ووضِع الطعام، واتفق أن صادفهم على طعام عليه ألا يأكل ما لم يؤذن له! يا الله بسم الله حماتي تحبني، ما هذا الحظ الجيد؟ ما هذا الكلام؟ ألا يأكل ما لم يؤذن له، فإذا قيل له كُل، ماذا يفعل؟ من يجيب؟ قال: نظر، فإن علم أنهم قالوا ما قالوا عن محبة فليأكل، وإن قالوا ما قالوا حياء منه فلا يأكل، تفضل كُل، لا شكراً، لكن أحياناً إذا كان هناك دعوة متينة يمسكه من يده ويقول له: تفضل، لا نأكل قبل أن تأكل معنا، إذا رأى أن هناك حرارة بالدعوة وهو جائع يأكل، ولكن كلمة رفع عتب، فجلس على الطعام! قال: فإذا دعي ما لم يؤذن له، فإن قيل له: كُل، قال: نظر، فإن علم أنهم قالوا ما قالوا عن محبة أكل، وإن قالوا ما قالوا عن حياء فلا ينبغي له أن يأكل، بل ينبغي له أن يتعلل، لست بجائع، الآن قد تناولت، هذا ليس كذباً، لأنهم دعوك دعوة ظاهرة، فليس فيها حرارة ولو كنت جائعاً.

من كان جائعاً فقصد بعض إخوانه ليطعمه فلا بأس :

 إذا الإنسان غير كريم أكل البخيل داء، لكن هناك حالة أنه جائع وزوجته في بيت أهلها وله أخ محب وذهب إليه وقت الغداء ليأكل معه، هذه لا يوجد فيها شيء، ومعنى ذلك أن هناك محبة بالغة، فإذا كان لك أخ وعلاقتكم مع بعضكم حميمة، ولا يوجد في بيته شيء من طعام الغداء مثلاً وأخوك قريب منك، والله جئت نتناول الغداء معاً، فهذا الأخ يمكن أن يدخل على قلبه سرور لا يعلمه إلا الله، وهذه نعفو عنها، لكن بشرط أن يكون هناك علاقات متينة جداً، قال: من كان جائعاً فقصد بعض إخوانه ليطعمه فلا بأس فهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام.
 أنا أعرف الكريم فوراً، إذا قال لك أحدهم: سأتناول العشاء عندك، تشعر بسرور لا يعلمه إلا الله، طبعاً من غير تكلف، تقدم له كل ما وجد عندك، والدخول على مثل هذه الحالة إعانةٌ لهذا المسلم على حيازة ثواب الطعام، تكون قد أكسبته هذا الثواب لكن إذا كانت علاقتك معه متينة لدرجة متناهية.
 الآن آداب تقديم الطعام كثيرة نكتفي بالأدب الأول، نتابعها في درس قادم إن شاء الله.

* * *

آداب تقديم الطعام :

 آداب تقديم الطعام، ترك التكلف، وتقديم ما حضر، فإن لم يحضر شيئاً ولم يملك فلا يستقرض لأجل ذلك! لا يجب التكلف بل تكتفي بتقديم ما حضر، فليس عنده شيء، ولا يملك المال، نهى الشرع عن أن تستقرض مالاً من أجل تقديم الطعام للضيف!
 قال بعض السلف: التكلف أن تطعم أخاك طعاماً لا تأكله أنت، فمثلاً: إذا قال لك أخوك: سأتغدى عندك، فأنت بالأحوال الطبيعية هل تحضّر ثلاثين لوناً؟ لا، لونان أو ثلاثة، الأكل الطبيعي، إذا كنت قد أطعمته من الأكل الطبيعي فكان قدومه خفيفاً، ولم تشعر بأي حرج لأنك لو لمحت وجهه في الشارع في اليوم التالي تدِرْ له ظهرك وتتجاوزه، أما لأنك لم تتكلف من أجله فأصبح الكرم سهلاً وليس صعباً، لا يوجد بيت لا يوجد فيه طعام، ولكن الآن يمتنعون لأنهم يدعون بقولهم: لا يوجد شيئاً مقدّر، يريد شيئاً يفتخر به، يعلو على هذا الضيف، أما إذا كنت قدمت له الموجود فهذا هو الحسن.
 و أحياناً يكون أخ عندك سهران يوجد حسابات بالاجتماع، تعَبٌ ومللٌ من الساعة الثامنة حتى الثانية عشرة، قدم له كعكة أو سندويشة من المطبخ فلا يوجد أي خطأ، إذا كنت لم تتكلف قضية سهلة، و إذا كنت تهيئ المائدة في غرفة الطعام، وكل شخص ثلاثة صحون، وثلاث شوكات، وسكينة، ووضع الطقم الزجاجي، تعمل خمس ساعات، فهذا يسبب الملل والنفور، فبالشرع نهى النبي الكريم عن التكلف.
 أن تطعم أخاك ما تأكله أنت، بل تقصد زيادة عليه في الجودة والقيمة، اسمعوا لهذا الكلام و هو للفضيل: قال الفضيل: " إنما تقاطع الناس بالتكلف " كان هناك مجلس قرآن يجتمعون خمسة يقرؤون القرآن، أحدهم قدم محلاية، شيء جميل، والآخر قدم محلاية ومدلوقة، والثالث قدم محلاية ومدلوقة وعصافيري، والرابع أحضر صدر كنافة، وأحدهم درويش لا يستطيع حمل هذه الأشياء فامتنع عن المجلس! ثم التغت الجلسة! فما الذي قطع هذا المجلس الكريم؟ هذا البذل، قال: "إنما تقاطع الناس بالتكلف "، وهذا شيء لا يجوز، إذا كان هناك مجلس طيب، ذكر لله عز وجل، فالحد الأدنى كأس من الشاي فقط! وهذه تستمر، " إنما تقاطع الناس بالتكلف " يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه! وقال بعضهم: ما أبالي بمن أتاني من إخواني فإني لا أتكلف له، إنما أُقَرِبُ له ما عندي، ولو تكلفت له لكرهت مجيئه ومللته.

معاناة الإنسان أحياناً من عسر وقت لا عسر مادي :

 أحياناً الإنسان ليس بعسر مادي، بل بعسر وقت، لا يملك الوقت ليتجول على بائعي الفاكهة ويحضر الفاكهة، فترة بعد الظهيرة لم يبق من البضاعة الجيدة شيء، بل كله سيئ، أسعار مرتفعة و سيئة، ولا يوجد من يحضر له، فابنه بالدرس، والابن الثاني بجهة معينة،و ليس هناك من يحضر له حاجته، فعوّدوا أنفسكم وأنتم مؤمنون أن تكونوا طبيعيين، وجِدَ عنك ما تقدمه قدمه، وإن لم يتوفر اكتفِ بكأس من الشاي فقط، أو فنجان قهوة، ولديك بعض البرتقال قدمه و لا مانع، لديك بعض الفاكهة قدمها وإن لم تتوفر فلا مشكلة.
 أعرف بعض الناس لهم دور استمر سبعة عشر عاماً! مثلاً أخوان طيبون كل يوم ثلاثاء عند أحد منهم، و عادة الدور يستمر سنة أو سنتين ثم يفرط وحده! فسأل أحدهم: هؤلاء ما سر هذه الديمومة؟ فاجتمع رأيهم على أشياء ثلاثة: عدم التكلف، وعدم الغيبة، والعنصر النسائي غير موجود أبداً، فهذا الاجتماع استمر سبعة عشر عاماً!
 إذا كان هناك بعض الاختلاط يقول لها: لقد دققت النظر فيه زيادة، تجيبه: والله لم أنظر إليه، فيحصل بينهم شِجَار لأن الشكوك تأخذ مكانها فوراً، والمسلم طاهر.

من التكلف أن يقدم المضيف جميع ما عنده :

 ومن التكلف أن يقدم المضيف جميع ما عنده، فيلحف بعياله ويرضي قلوبهم، مثلاً: أحضر نوعاً من الحلوى إلى البيت، الأطفال يشتهون هذه الحلوى، وضع الصحن كله لاثني عشر شخصاً تناولوه كله، فالطفل ألا يشتهي أن يتناول بعضها؟ فمن التكلف والإجحاف أن تقدم كل ما عندك للضيف! فهناك حقوق برقبتك، أطفال في البيت، والدتك، زوجتك، الطعام يُشتهى.
 والله سمعت عن شخص عزم أصدقاءه فأحضر طعاماً بالألفات، خروفاً مكتّفاً، وحلويات، ووالدته في الطابق الأسفل، وأخواته البنات، والأب متوفى، فلم يستطع أن يقدم شيئاً لوالدته في الأسفل من هذا الطعام! وهناك أناس أعوذ بالله قلب مثل الصخر، قال: ومن التكلف أن تقدم جميع ما عندك تلحف بعيالك وتؤذي قلوبهم.
 ورجل دعا سيدنا علياً، فقال رضي الله عنه: أجيبك على ثلاثة شروط: ألا تدخل من السوق شيئاً، قدّم من الذي عندك، وألا تدخر ما في البيت، وألا تجحف بعيالك "وليس كل شيء أتناوله أنا، أبق شيئاً لعيالك، ومن السوق لا تحضر شيئاً، وإذا كان لديك قدّم لي ولا تخبئ عني شيئاً! شروط دقيقة جداً.
 قال: دخلنا على جابر فقدّم إلينا خبزاً وخلاً، وقال: "لولا أنا نهينا عن التكلف لتكلفت لكم"، وقال سلمان رضي الله عنه: "أمرنا النبي الكريم ألا نتكلف بالضيف فيما ليس عندنا، وأن نقدم إليه ما حضرنا ".
 وأيضاً رجل زاره أخوانه فقدم لهم طعاماً خشناً، وقال لهم: لولا أن الله لعن المتكلفين لتكلفت لكم، قول لطيف جداً.

أعظم الناس وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه :

 يقولون: لا ندري أيهما أعظم وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه أم الذي يحتقر أن يقدم ما عنده؟ لا تعرف مكانتي، نعمة من الله لديه بعض الكعك قدم لك كعكاً وشاياً فماذا بهما؟ ليس لديه غيرها، قطعة بسكويت مع فنجان قهوة، فهذا ما عنده، و إذا احتقرت ما قدم إليك، فلديه بعض البرتقال الصغير، لأن أطفاله كثيرون أحضر من القياس الصغير، وضع أمامك منه، ماذا بها؟ نعمة الله عز وجل، فإذا احتقرت ما قدم لك فأنت أعظم الناس وزراً، وكذلك: أن تحتقر شيئاً تقدمه لضيفك! فلا تستحي من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه، زارك ضيف، ولديك في صحن الشوكولا ثلاث قطع، تقول له: يا أخي الفضلة للفضيل لا شيء فيها، ونحن نقول: هذا عيب إذا لم يكن الصحن ممتلئاً، قال: " لا أدري أيهما أعظم وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه أم الذي يحتقر ما يقدمه " وفي درس قادم إن شاء الله تعالى نتابع هذه الآداب، فهذه أشياء نعيشها جميعاً لا يوجد أي بيت يخلو من ضيوف.

* * *

شمائل النبي صلى الله عليه و سلم :

1 ـ النبي الكريم عظيم الحلم لا يقابل السيئة بالسيئة بل يعفو ويغفر :

 والآن إلى بعض شمائل النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: أُثِرَ عنه حديث شريف: " كاد الحليم أن يكون نبياً ".
 صحابي جليل تهجّم عليه رجل، وأقذع له في الكلام، بقي هادئاً ساكناً وادعاً، فلما انتهى من كلامه قال له: إن كنت صادقاً فيما تقول غفر الله لي، وإن كنت غير ذلك غفر الله لك، فكاد الحليم أن يكون نبياً، "فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر " فاعفُ عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين، فاصفح الصفح الجميل.
 قال تعالى:

﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾

[ سورة يوسف: 92]

 سيدنا يوسف لمن ائتمر به وأراد أن يقتله، كان صلى الله عليه وسلم عظيم الحلم، لا يقابل السيئة بالسيئة، بل يعفو ويغفر، وما انتقم لنفسه في شيء قط! إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله، قال: اتسع حلمه لجميع خلق الله حتى لأعدائه الذين آذوه! استمعوا: قال: لما كانت غزوة أحد، وكُسِرَت رَبَاعيته، وجرحت شفته السفلى، وشُجَّ في جبهته الشريفة حتى سال منه الدم، قال: فجعل يجففه لئلا ينزل على الأرض، لأنه لَو وَقَعَ مِنْهُ شَيء عَلَى الأرْضِ لنزل عليهم العذاب من السماء، لم يدع الدم ينزل على الأرض، ولقد شقَّ ذلك على الصحابة فقالوا: رسول الله، نبي هذه الأمة، سيد الخلق، حبيب الحق، يُشَجُّ رأسه؟ تُكسَرُ رباعيته؟ تجرح شفته السفلى؟ يسيل الدم منه؟ شقَّ هذا على أصحاب النبي، فقالوا يا رسول الله: لو دعوت عليهم دعاؤك مستجاب، هؤلاء أعداء الله، فقال:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

(( قَالَ عبد الله: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ))

[ البخاري عن عبد الله]

 لو علموا مقامي ما فعلوا ذلك، أحياناً الإنسان له ابن يقع بالساعة، وأثناء هذه النوبة ضرب أباه! فهل يحقد الأب على ابنه؟ لا، أحياناً طفل صغير والده يقوم بقلع ضرسه، فيقوم الطفل بحركة يضرب بها وجه أبيه، أو يجرحه، من ألمه، فالأب قلبه كبير، وقلب رسول الله يتسع للخلق جميعاً، يسع الأعداء.

2 ـ النبي الكريم يغضب لله تعالى ويرضى لرضاه :

 أحياناً الإنسان يضيق ذرعاً بصديقه، بأخيه، بزوجته، وكان عليه الصلاة والسلام يغضب لله تعالى، ويرضى لرضاه، فاسمعوا هذا الكلام ما أجمله: ولم يكن تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، الدنيا وكلها إن أقبلت لا يفرح، وإن أدبرت لا يغضب، ولم يكن يغضب لنفسه، بل كان يغضب لربه تعالى! وقد جاء في حديث هند بن أبي هالة الذي رواه الترمذي وغيره، يصف النبي الكريم:

(( لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تُعرِض للحق لم يعرفه أحد، ولم يكن بغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها))

[ الترمذي عن هند بن أبي هالة]

 وذات مرة غضب صلى الله عليه و سلم من العمل الذي ينكره المؤمن كما في الصحيحين وغيرهما.

((أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ، مِنْ أَجْلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ! ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ ))

[البخاري عن أبي مسعود]

 كان يغضب لله عز وجل، ولكن هذا الغضب لا يخرجه عن الحق.

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا، وَلا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ ))

[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 انظر لهذه القصة: بين الزوجين تعاهد نفسك إذا غضبت اسكت لا يحدث شيء، تفوهت بكلمة قاسية على والدتك، فاصمت أنت صمتاً رهيباً وعندئذ هي خافت! ولم تتابع في الحديث، فعوّد نفسك إذا غضبت فاصمت، لأنك إذا تكلمت وأنت غضبان سيكون كلامك قاسياً جداً وستجرح وتكسر، فعندما يغضب الإنسان يسكت، ولا يتفوه بأي كلمة، ومن السنة أن يتوضأ! وإذا بقي غضوباً يخرج من البيت، ويعود بعد ساعتين وليس فيه شيء، فعود نفسك أن تصمت إذا غضبت، أما أي كلمة تقولها وأنت غضبان فسوف تهدم بها عمل سنوات! وأحياناً الإنسان يستميل زوجته ويدللها ويكرمها على نية أن يضع لها الحجاب، ويعاملها شهراً شهرين أو ثلاثة أو سنة، ويغلط غلطة بكلمة قاسية، وكل شيء بناه خلال السنتين هدمه، مثلاً شتم والدها، وهذا لا يصح، فإذا غضبت فاسكت، وطّن نفسك أن تطبق هذه القاعدة، إذا غضبت فاسكت، وتوضأ واخرج.

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ! فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَوْمَأَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى فِيهِ وَقَالَ: اكْتُبْ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلا حَقٌّ ))

[الدارمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

3 ـ غضب النبي لا يخرجه عن الحق :

 غضبه لا يخرجه عن الحق، انظر إلى الناس بين بعضهم يغضب فيتكلم بالباطل، يتهم ويفتري، أما المؤمن فلا يغضب.
 قال: يا أمير المؤمنين أتحبني؟ قال: والله لا أحبك! سيدنا عمر، قال: وهل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال: لا والله، حقك سيصلك، فعلامة المؤمن أنه إذا غضب لا يخرجه غضبه من الحق.
 هناك قول آخر: ولا يدخله غضبه في باطل، لا يخرجه من الحق ولا يدخله في باطل، هذا عن غضب النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف أنه لله، وعن حلمه صلى الله عليه وسلم، وكيف أن قلبه الكبير وسع جميع أصحابه، رضي الله عنهم أجمعين.

والحمد لله رب العالمين