موضوعات متنوعة - مقدمات كتب : مقدمة كتاب الإسراء والمعراج.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-01-14
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سـيد المرسـلين وإمـام المعلمين سـيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين.
اللهم أخرجنـا من ظلمـات الجهل والوهم، إلى أنوار المعـرفة والعلم، ومن وحول الشـهوات، إلى جنـات القربـات.
وبعد فهذا كتيب، متواضع في حجمه، جعلت مـن موضوعه ـ الإسراء والمعراج ـ منطلقاً إلى إيضاح بعض الحقائـق التي يحتاجـها المؤمن في سيره إلى الله فلعلها تنيـر له الطريـق، فيسـهل عليه حينئذ، تذليل العقبات، وبلوغ الغايات.
فما مـن محنـة يمـر بهـا المؤمن، إلا ووراءها منحة
من الله الجليل الكريم. وما من شـدة تنزل بالمؤمن، إلا ووراءها شدة إلى الله العلي الكبير.
روى الإمـام مسـلم في صحيحه عـن صـهيب أن رسـول الله قال:

(( عجباً لأمر المؤمن، إن أمـره كلـه خير، وليـس ذلك لأحـد إلا للمؤمن، إن أصـابته سـراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صـبر فكان خيـراً له ))

وشـاءت حكمة الله جـل جلالـه أن يـكون النبـي  مبلغاً، ومبيناً، ومشرعـاً، في أقوالـه، وفي أفعالـه، وفي إقراره، وفي صـفاته، لأن الله عصـمه عن أن يخطئ فـي كل أولئك:

﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُـمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ النحل: 44 ]


لهذا أمـرنا الله في نص القرآن الكريم بدلالة قطعية أن نأخذ عنه فقال:

﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ الحشر: 7 ].


وشـاءت حكمة الله أيضـاً، أن تكون المهمـة الكبـرى التي أنيطت بالنبي ، والتي تبرز أثـر النبوة المعجز فـي أمتـه والأمم الأخـرى هـي مهمـة القدوة، والأسـوة، والمثل، لأن أكثـر النـاس يحسـنون الحديث عن المثـل العليا، ولكنهـم لا يعيشـونها، لهذا كانت حيـاة الأنبياء إعجـازاً ونتائـج دعوتهم إعجـازاً، قال تعالـى:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾

[ الأحزاب:21 ]


روى الإمـام أحمد فـي مسـنده، والترمذي، وابـن حبـان، وابـن ماجـه، عن أنس، رضـي الله عنـه أن رسـول الله  قال:

(( لقـد أوذيـت في الله، ومـا يـؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحـد، ولقد أتـت علـي ثلاثـون، مـن بين يوم وليلة، ومالي ولبـلال طعام، يأكلـه ذو كبد، إلا شيء يواريه إبط بلال ))

لقد تحمل النبي  كل ألـوان التـكذيب والسـخرية والإيـذاء فـوقف المـوقف الـكامل، وما زاد عن أن قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.

ولقد ذاق النبي  لذة النصر يوم فتح مكة على الذين أخرجوه وبالغوا في الإساءة إليه، ونـكلوا بأصـحابه أشد التنـكيل، فـوقف المـوقف الـكامل، إذا كادت عمامتـه تلامس عنق بعيره، شـكراً لله، وتواضعاً، وما زاد عـن أن قال لهم:

(( اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

* * *
فلعل في حـدث الإسـراء والمعراج الـذي جعله الله تـكريماً لنبيه المصـطفى، ومسـحاً لجراح الماضي، وتثبيتاً لـقلب النبي الـكريم، وتطميناً على مسـتقبل الدعوة، وتعويضاً عن جفوة الأرض، بحفاوة السـماء، وعن قسـوة عالم الناس، بتكريم الملأ الأعلى.
لعل في حدث الإسراء والمعراج الذي يعد من أضـخم أحداث الدعوة الإسـلامية حيث سـبقته البعثة وجـاءت مـن بعده الهجرة دروسـاً بليغة للمسـلمين في حاضرهم وفي مستقبلهم.
أرجوا الله أن يـكون عملي المتواضع هذا خالصـاً وصـواباً.
والله من وراء القصد.
والحمد لله رب العالمين