خطبه الجمعة - الخطبة 0100 : خ1 - من معاني الصيام ، صلة الرحم ، خ2 - التقصير يرافقه تعويض.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-10-18
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى :

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر.

عظمة الله الأكبر بالأفعال وليس بالأقوال

أيها الإخوة الكرام ؛ ربنا جل جلاله في كتابه الكريم ، وفي آيات الصيام :
بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 185]

وقد تمت عدة رمضان:

﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 185]

وها أنتم تكبرون الله ، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 185]

لا تقليداً ، تقولون الله أكبر لِما وصلتم إليه من الهدى ، لِما أعانكم الله عليه من صيام رمضان ، ومن قيام رمضان ، ومن غض البصر ، ومن حفظ اللسان .
الله أكبر كلمة يقولها الصائم حينما يفطر ، شكراً لله عز وجل على ما أنعم الله عليه من نعمة الهدى ، لكن أيها الإخوة ؛ الكلمات التي يرددها المسلمون في أعيادهم ، هذه الكلمات إما أن تكون ذات مضمون بها يرقون ، وإما أن تفرغ من مضمونها ، عندئذٍ تردد ترداداً عشوائياً أجوفاً لا معنى له .
أيها الإخوة الكرام ؛ حينما تطيع إنساناً وتعصي الله ما قلت الله أكبر ولا مرة ولو رددتها بلسانك ألف مرة ، لأنك في الحقيقة أطعت القوي ، وقد بدا لك أن طاعة هذا الإنسان أولى لك من أن تطيع الله ، فإذا أطاع الإنسان مخلوقاً كائناً من كان وعصا خالقه ما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة .
المسلمون قالوا الله أكبر ، فتحوا بها مشارق الأرض ومغاربها وكانوا لا يزيدون عن عشرة آلاف صحابي ، بينما المسلمون اليوم مليار ومئتا مليون ، وليست كلمتهم هي العليا ، وهم يقولون الله أكبر ، هم إن قالوها بألسنتهم ولم تؤكدها أفعالهم كأنهم هم ما قالوها .
أيها الإخوة الكرام ؛ بماذا جاء الأنبياء ؟ الأنبياء جاؤوا بالكلمة الطيبة ، قال تعالى :

﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾

[ سورة إبراهيم الآية: 24]

الكلمة الطيبة المستندة إلى واقع ، الكلمة الطيبة المستندة إلى فطرة ، الكلمة الطيبة مستندة إلى نقل صحيح ، الكلمة الطيبة مستندة إلى منطق العقل ، والنقل ، والواقع ، والفطرة أساس الكلمة الطيبة ، ثم إنها مطبقة ، ثم إنها مطبقة بإخلاص ، فكلمة تتوافق مع العقل ، ومع النقل ومع الواقع ، ومع الفطرة مطبقة بإخلاص ، هذه الكلمة يمكن أن تفعل في الناس فعل السحر .

﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾

[ سورة إبراهيم الآية: 24]

أيها الإخوة الكرام ؛ الإنسان العاقل لا يجامل نفسه ، لا يتملقها ، لا يدعها في غفلة ، وفي جهل ، لا يكن كالنعامة بغرس رأسه في الرمال لئلا يرى عدوه .
كلمة الله أكبر كلمة الإسلام ، يقولها المصلي في صلاته ليشعر أن الله الذي يتجه إليه أكبر من كل شيء آخر ، فلا يلتفت إلى سواه ، يقولها المجاهد في الحرب ، حينما يقول الله أكبر ، الله أكبر لعدوه مهما علا واستكبر ، يقولها الذي يفطر بعد رمضان بعد أن هداه الله إليه وإذا وصلت إلى الله وصلت إلى كل شيء .

(( ابن آدم اطلبنِ تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

يا أيها الإخوة الكرام ؛ تخلف المسلمين يعني أن تنفصل هذه العبادات ، وتلك الكلمات عن واقعهم ، أنتم قلتم الله أكبر ، ورفعتم بها أصواتكم ، وطبقتم بها سنة نبيكم ، ولكن دققوا في أعمالكم ، وفي بيعكم وشرائكم ، وفي علاقاتكم الأسرية ، وفي علاقاتكم بمن حولكم ، ومع من فوقكم ومع من دونكم ، إن كان في هذه العلاقات مجاملة لإنسان على حساب دينك ، أو إرضاء لمخلوق على حساب طاعتك لله فاعلم علم اليقين دون مجاملة ، ودون مواربة ، وكن صريحاً ، والحقيقة المرة أيها الإخوة أفضل بكثير من الوهم المريح ، إن تطرق لإنسان أن يطيع زيداً أو عبيداً ، أو يخضع لفلان أو علان ، أو أن يرضي زوجته في معصية ربه ، والشيء الذي لا يمكن أن يقال ، لقد رأى طاعتها أكبر من طاعة الله ، فهو ما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة .

العبادات الشعائرية ومن ثم العبادات التعاملية

ثم إن الله سبحانه وتعالى جعل عيدي الفطر والأضحى عقب عبادتين ففي عيد الفطر يقول الله عز وجل :

﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 185]

يعني أنتم في رمضان وصلتم إلى الله ، وذقتم طعم القرب منه ، وحلاوة المناجاة ، وروعة الصيام ، وجمال القيام ، أنتم وصلتم إلى الله فحافظوا على وصلتم إليه .
أيها الإخوة الكرام ؛ أناس كثيرون يصلون إلى القمم ، ولكنهم لا يستطيعون أن يمكثوا فيها ، والبطولة لا أن تصل إلى قمة الجبل ، بل أن تبقى في القمة ، كل إنجاز حققتموه في رمضان الآن بطولتكم أن تحافظوا على هذا الإنجاز ، غضضتم أبصاركم في رمضان ، فالبطولة أن تبقى هذه الطاعة مستمرة إلى أن تلقوا الواحد الديان ، ضبتم ألسنتكم في رمضان ، البطولة أن تتابعوا هذا الضبط إلى نهاية الدوران .
أيها الإخوة الكرام ؛ صعود وهبوط ، صعود وهبوط ، المحصلة صفر ، لكن رمضان قفزة نوعية مستمرة ، وقفزة مستمرة ، وقفزة مستمرة ، إنك بهذا تتابع الترقي ، بينما بعض الناس يتابعون التدني .
والشيء الذي يلفت النظر في كتاب الله أن في آيات الحج ، وفي سورة الحج يقول الله عز وجل :

﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة الحج]

لعل النبي صلى الله عليه وسلم استنبط من هاتين الآيتين الكريمتين تكبيرات العيدين .
أيها الإخوة الكرام ؛ لا يليق بالمؤمن أن يقول كلاماً لا معنى له ، لا يليق بالمؤمن أن يقول كلاماً هو في واد وهذا الكلام في واد آخر .
أيها الإخوة الكرام ؛ نحن في رمضان قمنا بعبادة شعائرية ، وفي الحج نقوم بعبادة شعائرية ، والصلاة عبادة شعائرية ، ولكن الأخطر من هذا كله العبادات التعاملية ، لا يخفى عليكم أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 45]

لا يخفى عليكم أن الحاج حينما يحج بيت الله الحرام بمال حرام ، ويقول : لبيك اللهم لبيك ، يناديه منادٍ في السماء قائلاً له : لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك .
حينما ينفق الإنسان ماله وليس منضبطاً بشرع الله ولا بمنهجه ، قال تعالى :

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآية: 53]

حينما يصوم الإنسان رمضان ، ولا يتقي فيه الواحد الديان .

((رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ))

[أخرجه الحاكم في مستدركه وابن خزيمة عن أبو هريرة]

أيها الإخوة الكرام ؛ العبادات الشعائرية يوم فيه جائزة لعبادتك التعاملية ، بقدر انضباطك بعبادتك التعاملية تلقى ثمرة يانعة في عباداتك الشعائرية .
أيها الإخوة الكرام ؛ الإسلام منهج متكامل ، لا يمكن أن تأخذ جزء منه فتقطف ثماره إن هذا منهج متكامل ، إن لم تأخذ كله لا تستطيع أن تقطف ثمرة منه .
أيها الإخوة الكرام ؛ كل ما في الأمر أن المؤمن يشمر بعد رمضان ليتابع السير إلى الله ، يشمر بعد رمضان ليحافظ على منجزات رمضان ، يشمر بعد رمضان فلعله فاته أن يكون في المستوى اللائق في رمضان ، الله سبحانه وتعالى مع الإنسان في كل زمان ومكان ، معه في كل شهور العام ، معه في كل مكان حل به ، فالله سبحانه وتعالى جعل رمضان شهراً تطيعه فيه من أجل أن تذوق حلاوة القرب ، ليشيع هذا الاتصال في كل أشهر العام ، جعل البيت الحرام مكاناً تصفو فيه النفس ، من أجل أن يشيع هذا الصفاء في كل مكان ، اصطفى النبي العدنان لتسعد بدعوته وبسنته إلى يوم القيامة .
أيها الإخوة الكرام ؛ نحن في العيد ، وفي يوم الجائزة ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة في أفواه الطريق فنادوا: يا معشر المسلمين أغدوا إلى رب كريم، رحيم، يمن بالخير، ويثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا العيد نادى منادٍ من السماء ارجعوا إلى منازلكم راشدين، فقد غفر لكم ذنوبكم كلها))

ويسمى ذلك اليوم في السماء بيوم الجائزة ، فنحن في يوم الجائزة فطوبى لمن صلى رمضان ، إيماناً واحتساباً ، طوبى لمن صام رمضان إيماناً واحتساباً ، طوبى لمن أنفق ماله في رمضان ، إيماناً واحتساباً ، طوبى لمن قرأ القرآن في رمضان ، إيماناً واحتساباً ، فهذا اليوم يوم الجائزة .
أيها الإخوة الكرام ؛ كان صلى الله عليه وسلم إذا استهل شهر رمضان استقبله بوجهه ثم يقول :

((اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ـ والعافية المجللة ودفع الأسقام، والعون على الصلاة والصيام، وتلاوة القرآن ـ))

[ أخرجه الطبراني عبد الله بن عمر]

كان يدعو ويقول :

(( اللهم سلمنا لرمضان، وسلمه لنا، وتسلمه منا متقبلاً يا رب العالمين))

صلة الرحم في العيد

أيها الإخوة الكرام ؛ شيء آخر في العيد : العيد مناسبات لصلة الرحم ، وصلة الرحم في الإسلام نوع من التكافل الاجتماعي ، فكل مسلم مكلف في العيد أن يتفقد رحمه مطلق أقرباءه ، من جهة الأب أو من جهة الأم ، الأقرباء من أية جهة كانوا هم من الأرحام ، هذا ما استقر عليه رأي العلماء ، فأنت في العيد تصل رحمك ، وهذه الصلة على مستويات ثلاثة :

المستوى الأول :

أن تزورهم ، وأن تهنئهم بالعيد .

المستوى الثاني :

أن تتفقد أحوالهم ، فما شُرع لنا أن نزور أقاربنا في رمضان كي نسلم عليهم فقط ، صلة الأرحام تعني تفقد أحوالهم ، والتبصر في معيشتهم ، فإن كانوا في حاجة إلى مساعدة ، إلى معونة فبادر إلى هذا العمل الطيب ، فالله سبحانه وتعالى يثيب عليه الجزيل .

المستوى الثالث :

أن تدلهم على الله ، أن تأخذ بيدهم ، أن تبين لهم ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((بلِّغُوا عني ولو آية))

[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

ولأن الدعوة إلى الله عز وجل في القرآن الكريم فرض عين على كل مسلم ، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة العصر الآية: 1ـ3]

التواصي بالحق أحد أركان النجاة الأربعة ، لا تنجو إلا إذا تواصيت بالحق ، والإيمان لا يستقر في نفس الإنسان إلا ويعبر عن ذاته بذاته بعمل صالح ، ومن أجل الأعمال الصالحة كلمة حق تلقيها على أخ في الله .
أيها الإخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( صلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمرون الديار، ويزدن في الأعمار))

ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( ليس شيء أُطيع الله تعالى أعجل ثواباً من صلة الرحم، وليس شيء أعجل من البغي وقطيعة الرحم، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع))

من أجل الأعمال في الإسلام أن تتفقد أقاربك ، من أجل هذه الأعمال أن تأخذ بيدهم إلى الله ، من أجل هذه الأعمال أن تدلهم إلى الله عز وجل ، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح :

((أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال: إيمان بالله. قال: قلت: يا رسول الله، ثم مه ؟ قال: ثم صلة الرحم. قال: قلت: يا رسول الله، ثم مه ؟ قال: ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبغض إلى الله ؟ قال: الإشراك بالله. قال: قلت: يا رسول الله ثم مه؟ قال: ثم قطعيه الرحم))

[ أخرجه أبو يعلى عن رجل من خثعم]

أيها الإخوة الكرام ؛ من علائم تخلف المسلمين فإنهم لا يعرفون بعضهم بعضا فقد قال عليه الصلاة والسلام :

((تعلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم))

[أخرجه البخاري والترمذي عن أبو هريرة]

ينبغي في العيد أن تتعرف على أقرباؤك الصغار ، أولاد أقرباؤك الكبار ، أن تتعرف على أسمائهم ، وأحوالهم ، ودراساتهم ، وأوضاعهم ، من أجل أن المعرفة ، ومن أجل أن يبنى على هذه المعرفة كلمة حق تلقى على أسماعهم ، أو معونة تأخذ بيدهم إلى الله عز وجل .
أيها الإخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( صلة الرحم مسرات في المال، محبة في الأهل، منسأة في الأجل))

أيها الإخوة ؛ العيد مناسبة سنوية لصلة الأرحام ، والعيد مناسبة سنوية للأعمال الصالحة ، فكم من عمل صالح ملئ البيت فرحاً وسروراً ، كم من عمل صالح رسم على وجوه الصغار البسمة والضياء ؟ كم من عمل صالح فرجت به كرب المكروبين ، وضيق المتضايقين .

((مَن نَفَّسَ عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدنيا نَفَّسَ اللهُ عنه كُربة من كُرَب يوم القيامة ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبو هريرة]

أيها الإخوة ؛ شيء آخر : هذه اللقاءات في العيد ينبغي أن تستثمر في ذكر الله عز وجل ، فذكر الله من أجل الأعمال ، قال عليه الصلاة والسلام :

((ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم، وأرفَعِها في درجاتك، وأزكاها عند مليكِكم ، وخير لكم من الوَرِق والذهب، وخير لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقَكم ؟ قالوا بلى، قال: ذِكْرُ الله وما والاه ))

[أخرجه الترمذي ومالك عن أبو الدرداء]

تصلون أرحامكم ، زيارة ، وتحسنون إلى ضعفائكم أحساناً ، وتذكرون بالله تذكيراً عندئذٍ يغدو العيد كما أراده الله عودة إلى الله ، وإقبالاً عليه ، واصطلاحاً معه ، وشكراً لله على نعمة الصيام والقيام التي منحنا إياها .
أيها الإخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سينا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

لكل مقصر مع الله له فرصة تعويض

أيها الإخوة الكرام ؛ يقول الله جل جلاله في الحديث القدسي :

(( ليس كل مصلٍ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا، يدعوني فألبيه، يسألني فأعطيه، يقسم علي فأبره، أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها، ولا يتغير حالها ))

أيها الإخوة الكرام ؛ ورد في الأثر القدسي :

(( أن عبدي خلقت لك ما في السماوات وما في الأرض ولم أعَ بخلقهن، أفيعيني رغيف أسوقه لك كل حين، لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموما، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، قال: يا ربي أي عبادك أحبك إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي لي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي، ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني وذكرهم ببلائي كي يخافوني ))

وفي الأثر القدسي :

(( إني والإنسان والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلى صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتباغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض علي منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنتهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عند بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم لولدها))

أيها الإخوة الكرام ؛ لو أن إنساناً قصر في رمضان ، لو أن إنساناً لهى في رمضان ماذا يفعل ؟ هل ييأس ؟ ليبدأ بشهر شوال ، المؤمن يمكن أن يجعل من كل أشهر العام رمضان ، فالله سبحانه وتعالى مع كل إنسان ، في كل زمان ، وفي كل مكان ، وبابه مفتوح لكل إنسان .

((إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يُمهِلُ حتى إِذَا ذَهَبَ ثُلُث الليل الأَوَّلُ، نَزَلَ إلى السماء الدنيا فيقول: هل مِنْ مُستَغْفِرٍ؟ هل مِن تائِبٍ؟ هل من دَاعٍ؟ حتى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبو هريرة]

أيها الإخوة الكرام :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر]

(( عبدي لو جئتني بملء السماوات و الأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ))

(( نبأ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ))

(( لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد))

أيها الإخوة الكرام ؛ جرت العادة أن نلتقي ثاني أيام العيد في القاعة الجنوبية فكل من أخوتنا الكرام يهنئ إخوانه بعيد الفطر السعيد ، وهذه الزيارة تغنيكم عن كثرة الزيارات في أيام العيد ، فالمعايدة في القاعة الشرقية تبدأ من الساعة العاشرة ، وحتى الساعة الثانية ، ومن الساعة الخامسة ، وحتى الساعة العاشرة ، ففي هذين الوقتين يمكن أن تلتقي إخوانك الكرام ، وأن تهنئهم بالعيد ، وأن تغنيك هذه المعايدة عن زيارات كثيرة ، تستهلك بها الوقت والجهد .
ثم إن الإخوة الكرام تمنوا علي أن يأخذوا فرصة بعد العيد يستجمون بها فعطلت الدروس بعد العيد درس الجمعة والسبت والأحد والاثنين ، ونستأنف الدروس إن شاء الله في يوم الجمعة واحد آذار .
وكل عام وأنتم بألف خير

والحمد لله رب العالمين