خطبه الجمعة - الخطبة 0240 : خ1 - حقوق الجار5 ، خ2 - الإعجاز العددي للقرآن الكريم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1988-12-23
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

اقتران الإيمان بالعمل :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لازلنا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي يقول فيه : " أتدورن ما حقّ الجار ؟ إذا استعان بك أعنتهُ ، وإذا استقرضكَ أقرضْته ، و إذا افتقر عدت عليه ، وإن استنصرَكَ نصرْتَهُ ، وإن أصابه همّ واسَيْتهُ ، وإن أصابتهُ مصيبة عزَّيته ، وإذا مات شيَّعْته ، وإذا مرض عُدْته ، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الرّيح إلا بإذنه ، وإذا اشْتريْت فاكهة فأهْدِ له منها فإن لم تفعل فأدخلها سرًّا ، و لا يخرج بها ولدك ليَغِيظ ولده ، ولا تؤذِه بقُتار قدرك إلا أن تغرف له منه ".
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في هذه الخطبة حديثٌ عن فقرة من هذا الحديث : وإذا افتقَرَ عُدْت عليه .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإيمان في القرآن الكريم قُرِنَ بالعمل في أكثر من مئتي آية ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾

[ سورة فصّلت : 30]

 وبعد هذه الآية ، قوله تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

[ سورة فصّلت : 33]

 فحينما قرَن الله سبحانه وتعالى الاستقامة بالإيمان ، وقرَن العمل الصالح مع الدّعوة إلى الله تعالى ، مفاد ذلك أنّ الإيمان لا معنى له ، ولا جدْوى منه ، ولا يرقى بِصَاحبه إن خلا من الاستقامة ، وأنّ الدعوة إلى الله تعالى لا تُجدي ، ولا تؤتي أُكلها ، ولا تفعل فِعْلها ، ولا تحقّق أهدافها ، إن لمْ يرافقها العمل الصالح .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في الإسلام شيئان مهمّان ؛ الانضباط والعمل الصالح ، قال بعضهم : " والله لتَرْكُ دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجَّةً بعد الإسلام " وقال عليه الصلاة والسلام: " والله لأنْ أمْشيَ مع أخٍ مؤمنٍ في حاجته خيرٌ لي من صيامِ شهرٍ ، واعتكافه في مسجدي هذا ".

الإسلام انضباط و عطاء و بذل و تضحية :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حينما فهم المسلمون أنّ الإسلام أداءٌ شكليّ للعبادات ، وقعوا في وهْمٍ كبير ، وابتعدوا عن جوْهر دينهم ، ولمْ يحقِّقوا الهدف المرجوّ ، ولم يسعدوا بإسلامهم ، لأنّه أصبح إلى أن يكون طقوسًا أقربُ منه إلى أن يكون عبادات حقيقيّة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ربّنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال : 72]

 يجبُ أن تعطيَ لله تعالى ، ويجبُ أن تمنعَ لله ، ويجبُ أن تغضبَ لله ، ويجبُ أن ترضى لله ، ويجبُ أن تصلَ لله تعالى ، ويجبُ أن تقطع لله تعالى ، ويجبُ أن يكون الإسلام مترجمًا في سُلوكك ، في بيتك ، في جلستك ، في نزهتك ، في عملك ، في دكّانك ، في معملك، في دائرتك ، في أرضك ، ليس الإسلام صلاةً جَوفاء ، قال تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[ سورة العنكبوت : 45 ]

 أيْ أكبرُ ما فيها ، من لم يكن ورعٌ يصدُّه عن معصيَة الله إذا خلا لمْ يعبأ الله بِشَيءٍ من عمله .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حينما فهم الصّحابة الكرام الإسلام فهموه انْضِباطًا ، وعطاءً ، وبَذْلاً ، وتَضْحِيَةً ، جعلهم الله خلفاء على الناس ، قال تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

[ سورة النور : 55]

المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضهُ بعضًا :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه المقدّمة الهدف منها ألا يظنّ الإنسان أن الإسلام صلاةٌ فقط ، ألا يتوهّم الإنسان أنّ الإسلام صلاةٌ فقط ، ألا يتوهَّم المسلم أنّ الإسلام صيامٌ فقط، وأنّ الإسلام حجّ فقط ليس غير ، وأنّ الإسلام دفعٌ لهذا المال ليس غير ، الإسلام بذْلٌ وعطاء ، الإسلام انضِباط ، يجبُ أن تعرف حقوق الجار ، يجبُ أن تعرف حقوق الزوجة ، يجبُ أن تعرف الزوجة حقوق الزوج ، يجبُ أن تعرف حقوق الابن عليك ، يجبُ أن يعرف الابن حُقوق الأب ، يجبُ أن تعرف حقّ المسلم ، يجبُ أن تعرف حقّ القريب ، يجبُ أن تعرف حقّ أصحاب الرّحِم .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ليس الإسلام بالتَّمَنِّي ، و لا بالتَّحَلِّي ، ولكن ما وقر في القلب ، وصدَّقه العمل .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام :" المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص ، يشدّ بعضهُ بعضًا " هل المجتمع الإسلامي ينطبقُ على هذا الوصف النبويّ ؟ هل الناس على مستوى الحي ، على مستوى الأُسرة ، على مستوى العمل ، على مستوى الحِرْفة ، على مستوى الزّمالة ، هل الناس المسلمون ينطبقُ عليهم هذا الحديث النبويّ الشريف ؟ ينطبقُ عليهم هذا الوَصْف النبويّ للمجتمع الإسلامي ؟ المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص ، يشدّ بعضهُ بعضًا ، لن يرضى الله عنَّا ، ولن يرحمنا ، ما لم نكن كذلك ، إذا أردْتم رحمتي ، فارْحموا خلقي ، ارْحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء ، والله ما آمن ، والله ما آمن ، والله ما آمن من بات شبعان ، وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ أخوك المسلم يجبُ أن تعود عليه بِبِرِّك ، يجبُ أن تتفقَّد أحواله ، يجبُ أن تبذل له مِمَّا أعطاك الله تعالى ، يجبُ أن ترعى حُرمته ، يجبُ أن تحفظ غيبته ، له حقٌّ عليك ، المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضهُ بعضًا ، تقدَّم خطوةً نحو أخيك ، ويتقدّم هو خطوةً نحوك ، فإذا أنتما تلتقيان على حبّ الله تعالى ، اللهمّ اجمَعْنا عليك ، وفرِّقْنا عليك .

المجتمع الإسلامي مجتمع مودة و رحمة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ وصْفٌ نبويّ آخر للمجتمع الإسلامي ، مثلُ المؤمنين في توادّهم ، وتراحمهم ، هكذا قال النبي ، وهكذا يصف النبي ، هكذا يُقرّر النبي ، لا بدّ من أن تكون الرَّحْمة ، والمودَّة بين المؤمنين ، لا بدّ من أن تسود المودَّة والرّحمة ، العلاقات الاجتماعيّة فيما بين المؤمنين وإلا فما هذا الإيمان ؟ وما هذا الإسلام ؟ وهل الإسلام صومٌ وصلاةٌ ليس غير ؟ من شاء صام ، ومن شاء صلّى ، ولكنّها الاستقامة ، المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم ، كمثل الجسد الواحد ، الجسد الواحد ، هناك ارتباطٌ عُضويّ فيما بين أجزائه ، فإذا تألَّم الإنسان من يده ، بات الجسد كلّه شاكيًا ، بات الجسدُ كلّه أرقًا ، مثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عُضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى ، هذا وصْفٌ نبويّ آخر للمجتمع المؤمن ، كيف أنام الليل وأخي يقلقُهُ ما يقلقه ؟ كيف أنام الليل وأخي يتضوَّرُ جوعًا ؟ كيف أنام الليل وأخي يتقلَّبُ في فراشه لا ينام لِهَمٍّ نزل به ؟ لا يرحم الله سبحانه وتعالى عباده إلا إذا تراحموا .

المسلم أخو المسلم لا يظلمهُ ولا يسْلمه :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ وصْفٌ نبويّ ثالث ، للمجتمع المؤمن :

(( المسلم أخو المسلم لا يظلمهُ ، ولا يسْلمُه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ))

[ مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ]

(( أنفق بلال ، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

[ رواه الطبراني عن ابن مسعود ]

 عبدي في الحديث القدسي :

(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

[ متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لو تيقَّن المؤمن أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يضيعُ عندهُ مثقال ذرَّة ، أيُّ قرشٍ تدفعهُ ، وأيُّ وقتٍ تبذلُه ، وأيُّ جهدٍ تعطيه ، وأيُّ عطاءٍ تؤدِّيه ، الله سبحانه وتعالى يعلمهُ ، ويقدِّرُه ، ولا بدّ من أن يكافئ عليه إن في الدّنيا ، وإن في الآخرة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ المسلم أخو المسلم لا يظلمهُ ، ولا يسْلمُه ، إذا أخذْت من الشاري فوق ما يجبُ فقد ظلمتهُ ، إذا بعتهُ حاجةً ، ولم تبيِّن له عَيبَها فقد ظلمْتهُ ، إذا أوْهمْتهُ أنّ هذه البِضاعة صُنِعَت في بلد كذا وكذا وهي ليْسَت كذلك فقد ظلمتهُ ، إذا ماطلْت عليه ، وأخَّرْته في التسليم فأوْقعْتَ به الضَّرر ، فقد ظلمتهُ ، إذا غيَّرْتَ صِفات البضاعة بعد أن اشتراها على صفاتٍ معيّنة فقد ظلمْتهُ ، هنا الدِّين في البيع والشّراء ، في المحاككة في الدّرْهم والدِّينار ، سيّدنا عمر رضي الله عنه ، قال لأحدهم : ائتِ بِمَن يعرفك ؟ فجاءهُ بِرَجلٍ ، قال : أتعرفُهُ ؟ قال : نعم، قال : هل سافرْت معه ؟ قال : لا ، قال : هل حاككْتهُ بالدّرهم والدِّينار ؟ قال : لا ، قال : هل جاورْتهُ ؟ قال : لا ، فقال : إنّك لا تعرفهُ .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ تقدَّموا قليلاً ، أخوةٌ لكم لا يجدون مكانًا يجلسون فيه ، تزاحموا تراحموا ، افْسَحوا يفسح الله لكم .
 من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، يا أخي الكريم إذا أحبَّ الله عبْدًا جعل حوائج الناس إليه ، ومن كان يُلَبِّي حاجات الناس ستَرَهُ الله ، وحفظه الله ، وأكرمه الله في الدنيا والآخرة ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرَّج عن مسلمٍ كربةً ، قد يحلّ على الإنسان ضيقٌ ، قد يحِلُّ به همّ ، قد تنزلُ به نازلةٌ ، قد يقلق لِشيءٍ مُخيف ، إذا كان بإمكانك أن تُزيحَ عنه هذا الضِّيق ، أن تفرّج عنه هذا الكرْب ، أن تفرّج عنه ما هو فيه ، ومن فرَّج عن مسلمٍ كربةً فرَّج الله عنه بها كربةً من كرب يوم القيامة ، ومن ستَرَ مسلمًا سترهُ الله يوم القيامة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا حديثٌ شريف يجبُ أن يكون ماثلاً في أذهاننا :

(( المسلم أخو المسلم لا يظلمهُ ، ولا يسْلمُه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرَّج عن مسلمٍ كربةً فرَّج الله عنه بها كربةً من كرب يوم القيامة ، ومن ستَرَ مسلمًا سترهُ الله يوم القيامة ))

[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ]

 كُنْ سِتِّيرًا ، كُنْ محسِنًا ، كُنْ مفرِّجًا للكروب ، كُن حلاَّلاً للمشكلات ، وكُن معقِد أمل الناس ، كنْ مصْدر أمْنٍ ، وطمأنينة ، كُنْ مصْدَر عطاءٍ ورخاء ، هكذا يريدك الله عز وجل.

الصدقة في المساكين و ابن السبيل :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ في صحيح مسلم قصّة رواها النبي عليه الصلاة والسلام:

((بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدْ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ : فُلَانٌ لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ ، َقَالَ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنْ اسْمِي ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ : اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا ؟ قَالَ : أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا ، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]

 ثلثٌ يأكلهُ ، وثلثٌ يزرعهُ في العام القادم ، وثلثٌ يتصدَّق به ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ إنّ لله خلقًا خلقهم لِحَوائج الناس ، يفْزعُ الناس إليهم في حوائجهم ، أولئك الآمنون من عذاب الله تعالى .

التّواصل و التّراحم و التّعاون بين المسلمين :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا التوجيه الكريم ، كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في مستواه الرفيع ، فقد أعدّ سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه صرَّةً فيها أربعمئة دينار ، فعن مالك الدار أن عمر بن الخطاب أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلام:

(( اذهب بها إلي أبي عبيدة بن الجراح ثم تله في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع ، فذهب بها الغلام إليه فقال : يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجاتك فقال : وصله الله ورحمه ، فقال : تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفدها ، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال : اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتله في البيت حتى تنظر ما يصنع فذهب بها إليه فقال : يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجاتك فقال : رحمه الله ووصله ، تعالي يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا ، اذهبي إلى بيت فلان بكذا ، فاطلعت امرأة معاذ وقالت : ونحن والله مساكين فأعطنا فلم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحا بهما إليها ورجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك وقال : إنهم إخوة بعضهم من بعض))

[ رواه الطبراني عن مالك بن أوس]

 هكذا المؤمنون ، هذا التراحم ، هذا التواصُل ، هذا التعاوُن ، هذا البذْل ، وهذا العطاء ، هذا ثمن أن تكون مؤمنًا ، ليس الإيمان بالتَّمَنِّي ولا بالتَّحَلِّي ، ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل ، الحديث في هذه الخطبة عن مطلق العمل ، قد تمْلكُ جهدًا ، وقد تملكُ خِبْرةً ، وقد تملكُ علمًا ، وقد تملكُ مالاً ، قد تُميط الأذى عن الطريق ، قد تأخذ جارك إلى طبيب ، هذا كلّه من العمل الصالح ، وإن افتقرَ عُدْت عليه .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ تروي كُتب السيرة أنَّ سيّدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وفدَ عليه أعرابيّ يسألهُ حاجةً ، والحياءُ يمنعهُ من ذِكْرها ، قال هذا الأعرابي : يا أمير المؤمنين لمْ يبْق عندي ما يُباعُ بدِرهمٍ ، تُغنيك حالةُ منظري عن مخبري ، إلا بقيَّةُ ماءِ وجْهٍ صُنتُهُ عن أن يُباع وقد أبحْتك فاشْتر ، فما كان من هذا الخليفة العظيم إلا أن أعطى هذا الأعرابي ما يُغنيه ، وقال: خُذْ الكثير ، وكن كأنَّك لمْ تبِع ماء الحياء ، وكأنّنا لمْ نشْتر .
 هناك من يعطي ، ويذْكُر هذا العطاء ، إنّ ذِكْر العطاء يُذْهب الأجْر والثّواب ، هذا المؤمن إذا أعطى لا يمنّ ، ولا يذكر ، ولا يشهِّر ، إنَّما يبتغي بذلك وجه الله سبحانه وتعالى، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 9]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الإمام عليّ كرّم الله وجهه : " قِوام الدِّين والدنيا أربعة رجال ، عالمٌ مستعملٌ علمهُ ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغنيّ يجودُ بِمَالِه ، وفقير لا يبيعُ آخرتهُ بِدُنياه ، فإذا ضيَّع العالم علمهُ اسْتنكف الجاهل أن يتعلّم ، وإذا بخل الغني بِمَاله ، باع الفقير آخرته بِدُنيا غيره " .
أيها الأخوة المؤمنون ؛ وأيّها الأخوة أحباب رسول الله ، هكذا الإسلام ، وهكذا الإيمان ، الإسلام انضباط ، والإسلام عطاء ، ركعتان من ورِعٍ خير من ألف ركعةٍ من مخلِّط ، الإسلام عملٌ صالح ، والعمل الصالح يرفعه ، قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأحقاف : 19 ]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هنيئًا لِمَن تزوَّد للآخرة ، وهو في الدنيا ، قال تعالى:

﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾

[ سورة البقرة : 197]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الإعجاز العددي للقرآن الكريم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ موضوع إعجاز القرآن الكريم شيءٌ باتَ مُسَلَّمًا به ، هناك إعجازٌ رياضي ، وهناك إعجازٌ تشريعي ، وهناك إعجازٌ بلاغيّ ، وهناك إعجازٌ بياني ، وهناك إعجازٌ علمي ، أنواع الإعجاز التي جاء بها القرآن ، والتي جعلها إعجازًا إلى أبد الآبدين موضوع مُسلَّمٌ به ، ولكنّ الشيء الذي يلفت النَّظر أنّ من هذه الإعجازات ، ومن بين قائمة الإعجازات القرآنية الإعجاز العددي ، و الإعجاز الحِسابي ، فمَن يُصدّق أنّ في القرآن الكريم كلّه بدءاً من سورة الفاتحة وانتهاءً بِسُورة الناس ومن الدّفة إلى الدفّة كما يقولون ، في القرآن الكريم كلّه وردَت كلمة البَرّ اثنتَي عشرة مرَّة بالتمام والكمال ، لو فتحْت معجم القرآن الكريم المفهرس وجدْت أنّ كلمة البَرّ وهي تعني اليابسة ، والبِرّ الإحسان ، والبُرّ القمْح ، ونحن نقصِدُ البَرّ . البَرّ وردتْ اثنتَي عشرة مرَّة ، وفي مرَّةٍ واحدة وردَت بصيغةٍ أخرى قال تعالى:

﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً﴾

[ سورة طه : 77]

 فإذا جمعنا هذه الكلمات ، مجموعها ثلاث عشْرة كلمة ، والنبي عليه الصلاة والسلام لمْ ير البحر ، ولمْ يركب البحر ، ولا يعنيه من البحر شيئًا ، لكنّ كلمة البحر ، وردَت في القرآن الكريم ثلاثًا وثلاثين مرَّة ، وإذا شئْتم ارجعوا إلى معاجم القرآن الكريم في هذا اليوم ، واستعرضوا الآيات التي وردَت فيها كلمة البحر ، فإذا جمعْتَ آيات البرّ ، وهي ثلاث عشْرة آية مع آيات البحر وهي ثلاثٌ وثلاثون كلمة ، يكون المجموع ستاً وأربعين آيةً ، تُشَكِّل وحدةً هي البرّ والبحر ، فإذا قسَّمْت آيات البرّ على هذا المجموع كانت النِّسْبة بالضّبْط هي نسبة البرّ إلى البحر على وجه الأرض . النّسبة هي واحدٌ وسبعون بالمئة بحراً ، وتسعٌ وعشرون بالمئة بَرّاً، فإذا قسَّمت ثلاث عشرة على سِتّ وأربعين يكون الرّقم مُساويًا لهذه النِّسْبة ، فهل هذا الكلام كلامٌ بشر ؟ كيف جاءَ عدد آيات البَرّ مع عدد آيات البحر ، مع نسبة آيات البَرّ إلى مجموع آيات البرّ والبحر ؟ كيف جاءَت هذه النِّسْبة مطابقة لنِسْبة البَرّ إلى البحر ؟! هذا لَوْنٌ من إعجاز القرآن الكريم ، واصْطُلح على تسميَة هذا الإعجاز بالإعجاز الحِسابي .
 الشّهر ذُكِرَ اثنتي عشرة مرّة بالتمام والكمال ، هل هذا صُدفة ؟ هل هذا كلام بشر ؟ كلّما مرَّت الأيام ، وكلّما تقدّم العلم ، وكلّما تقدَّمَت البحوث العِلْميّة يُكتشفُ في القرآن الكريم أوجهٌ للإعجاز لم تكن معلومةً من قبل .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا القرآن الكريم كلام الله ، وفضْلُ كلام الله على كلام خلقه كَفَضْل الله على خلقِهِ ، هذا القرآن الكريم ، هو الكتاب المقرّر ، الذي نؤدِّي فيه جميعًا الامتحان هنيئًا لمن تعلّمه ، وهنيئًا لمن قرأه ، هنيئًا لِمَن علّمه ، هنيئًا لمن تعاملَ معه ، هنيئًا لِمَن جعلهُ دستورًا في حياته ، هنيئًا لمن أخذ به ، هنيئًا لمن صدَّقه ، هنيئًا لمن عمل به ، القرآن غنًى لا فقْر بعده ، ولا غنًى دونه ، القرآن شافعٌ مشفّع ، وهو حبلُ الله المتين .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ عودوا إلى هذا القرآن ، ارجعوا إليه ، فهو النَّبْعُ الأوّل للإسلام ، قال تعالى:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

[ سورة الإسراء : 9]

 قال تعالى:

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

[ سورة طه : 123 ]

 قال تعالى:

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[ سورة البقرة : 38]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ألوان الإعجاز لا تعدّ ولا تحصى ، هذا بعضٌ من إعجاز القرآن الكريم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

والحمد لله رب العالمين