محاضرات وندوات خارجية - أستراليا - الرحلة1 - المحاضرة ( 09 - 18 ) : المركز الثقافي1 - الذوبان في المجتمع الغربي ( سؤال وجواب ).
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-03-11
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 معنا سيادة الدكتور محمد راتب النابلسي.
 أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إنه لشرف كبير للجمعية السورية اللبنانية أن تستضيف فضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي، وحضوركم هذا اللقاء هو أفضل دليل لرغبتكم الاستماع إلى هذا الضيف الكريم، وخير ما نبدأ به هو كلمة إمامنا وشيخنا الشيخ يحيى الصفوي.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من سار على نهجه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
 أما بعد:
 ما أحوجنا أن نتعلم من أصحاب العلم والخبرة، وأن نتعلم من أصحاب القدوة، فالعلم زاد يحتاجه كل إنسان، ومن أكبر ما نعانيه في حاضرنا أننا نأخذ علومنا عن أجهلنا، وهذا ما حدَّث عنه النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.))

[ البخاري، مسلم، الترمذي، ابن ماجة، أحمد، الدارمي ]

 فنعمة كبرى منَّها الله تعالى علينا أن جمعنا بداعية له باع طويل في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى هو فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ محمد راتب النابلسي حفظه الله تعالى.
 سيرته كما أُخبرناها من مواليد دمشق، وهو أستاذ محاضر في كلية التربية بجامعة دمشق، وهو خطيب ومدرِّس ديني في مدارس دمشق، له خمسة مؤلفات تقريباً، دروسه القيِّمة تُذاع في إذاعة قطر وأبو ظبي وفي إذاعات لبنان والكويت وحتى في أستراليا، شارك في العديد من المؤتمرات الإسلامية العربية والدولية كمؤتمر أسيسفو في الرباط، وكذلك بعض المؤتمرات الإسلامية التي عُقدت في تركيا، وفي مالي، وفي أمريكا، له موقعان على شبكة الإنترنت ولهذين الموقعين الدور الكبير في نشر الإسلام لأن الحرب العلمية تغزوها الشبكات الإنترناتية، فلنرحب مجدداً بفضيلته راجين أن يكون هذا اللقاء تعريفاً لنا عن مواضيع تهمنا كجالية وتهمنا كمسلمين لنأخذ رأي إنسان بعيد ينظر من بعيد، فالذي ينظر من بعيد وعنده الحكمة ربما كانت نظرته مختلفة إلى من ينظر إلى الأمر عن قرب، نجدد ترحيبنا به.
 اللقاء سيكون كالآتي سنحاوره في خمسة أسئلة عن مواضيع اخترناها تتعلق بكل عائلة وبكل إنسان في مجتمعه الغربي، ثم بعد ذلك نفتح معكم الباب لنتلقى أسئلتكم وطبعاً ليست كل الأسئلة ستُلقَى وإنما الأسئلة التي تحقق أكبر نفع للمسلمين والتي فيها منافع إيجابية سوف نطرحها بمشاركة فضيلته في المواضيع المختلفة، نبدأ هذا اللقاء بالسؤال الأول:
 س ـ فضيلة الدكتور راتب النابلسي مشكلة الذوبان من أكبر المشاكل التي تعاني منها الجاليات الإسلامية في البلاد الأجنبية، وفي البلاد الغربية، كيف يواجه المسلمون هذه المشكلة ؟
 ج ـ بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، بادىء ذي بدء أشكر ترحيبكم واستقبالكم وحفاوتكم وتكريمكم لي وأرجو من الله سبحانه وتعالى أن أكون أهلاً لهذا الترحيب وهذا الاستقبال، قضية الذوبان قضية مصيرية، ومعنى مصيرية أنها تتعلق بمصير الإنسان الأبدي، الناس الشاردون يعيشون الحياة الدنيا فقط، والمؤمنون يعيشون الحياة الدنيا لتكون الحياة الدنيا ثمناً لجنة الله عز وجل، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إذا كان الله عز وجل يقول:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

[ سورة الشعراء ]

 أمراض الجسد مهما تكن وبيلة تنتهي عند الموت، بينما أمراض النفس تبدأ بعد الموت وتُشقي صاحبها إلى أبد الآبدين، القضية ببساطة بالغة: زجاجتان من الماء ؛ الأولى ماؤها صافٍ والثانية ماؤها نجس، فإذا خلطناهما من المتضرر الأوحد ؟  صاحب الماء الصافي، حينما يقول الله عز وجل:

﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾

[ سورة التوبة: الآية 28 ]

 هذا نجس حكمي، بمعنى أنه يعيش لشهوته، يأكل المال ولا يعبأ من حلال أم حرام، يمارس شهواته ولا يعبأ أمشروعة أم غير مشروعة، علاقاته غير متينة، أمره غير منضبط، أسرته متفلتة، يأكل المال الحرام وهو مرتاح، فهذه الشخصية المنحرفة الشهوانية الأنانية هذه شخصية إذا خالطتها وأقمت معها علاقات حميمة لا بد من العدوى، فلا بد من التميز، أول نقطة في هذا الموضوع علاقات العمل مسموح بها في حدود أداء الواجب وتلقي التوجيهات، لكن العلاقات الحميمة مع الطرف الآخر، وأعني بالطرف الآخر الذي شرد عن الله وأراد الحياة الدنيا فقط، الناس أيها الإخوة على اختلاف مللهم، ونِحَلِهم، وأجناسهم، وألوانهم، وأعرافهم، وأديانهم، ومبادئهم، واتجاهاتهم، وطوائفهم، لا يزيدون عن رجلين فقط ؛ رجل عرف الله واستقام على أمره وأحسن إلى خلقه فسعد في الدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله وتفلت من منهج الله وأساء إلى خلق الله فشقي في الدنيا والآخرة، لا تهمني الأسماء يهمني المضمون، قد ينتمي إنسان إلى الإسلام وهو من الشاردين عن الله، الله عز وجل يقول:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾

[ سورة الليل ]

 معنى ذلك إنسان آمن بأنه مخلوق للجنة فقط، وأنّ الدنيا مرحلة تمهيدية للجنة، وأن فيها دفع ثمن الجنة، لذلك أطاع الله عز وجل، أعطى واتقى أن يعصيه، وصدق بالحسنى، والحسنى هي الجنة، وبنى حياته على العطاء، على البذل، يعطي من وقته، ومن ماله، ومن علمه، ومن قدرته، ومن كل شيء، يبتغي بهذا وجه الله عز وجل، الطرف الآخر سمه ما شئت، وقد يكون الطرف الآخر ممن وُلد من أبوين مسلمين، فالطرف الآخر، لماذا قلت الطرف الآخر ؟ لأكون واقعياً، المسميات لا تعنيني، الأسماء لا تعنيني، تعنيني المضامين، الطرف الآخر آمن بالدنيا فقط ولم يعبأ بشيء آخر، إلهه هواه، يعبد المال من دون الله، يبيع دينه وآخرته بعرض من الدنيا قليل، بيته متفلت، ليس عنده قيم ينضبط بها، ولا مبادئ يؤمن بها، ولا أهداف نبيلة يسعى إليها، قال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)﴾

 كذب بالجنة وقال: الدنيا هي كل شيء، والغني فيها هو أسعد الناس فيها، كذب بالحسنى، واستغنى أن يطيع الله عز وجل، وبنى حياته على الأغنى، أنا أتمنى على إخوتي الأكارم أن يكون هذا التمييز واضحاً، الأسماء لا قيمة لها أبداً، إنسان آمن بالحسنى فاتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، وإنسان آخر كذب بالجنة، وآمن بالدنيا واستغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، الآن لو أنك اختلطت بالطرف الآخر، وأقمت معه علاقة حميمة، أصبح هناك اندماج، أصبح هناك رحلة طويلة، علاقات أسرية، لا بد من أن تكون العدوى بينكما، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13)﴾

[ سورة الممتحنة: الآية 13 ]

 وقال:

﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

[ سورة المجادلة: الآية 22 ]

 أعود إلى مثل الزجاجتين ؛ زجاجة من ماء صافٍ، وأخرى من ماء نجس، إن خلطنا الماءين من المتضرر ؟ صاحب الماء الصافي الطاهر لذلك لا بد من أن تكون متميزاً عن غير المؤمنين، في احتفالاتك، وفي علاقاتك، وفي نزهاتك، وفي نمط حياتك، وفي قيم بيتك، هذا التغير هو الذي يحميك من العدوى، لليهود تجربة في هذا، أينما سرت في بلاد العالم هناك حارة لليهود يحافظون فيها على لغتهم وقوميتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وإذا كان المسلم في بلاد المشرق بحاجة إلى أخيه المؤمن فهو في بلاد المهجر بحاجة ألف مرة إلى أن يكون معه، وأن يتعاون معه، وأن يتخذه أخاً وصديقاً كي يحافظ على لغته، وعلى قيمه، وعلى دينه، هناك شيء آخر، يقول بعض الحكماء: أنا أسمح للرياح أن تدخل، وأفتح نوافذ بيتي لأجدد هواء غرفتي، ولكني لا أسمح للرياح العاتية أن تقتلعني من جذوري.
 كما يقول أحد العلماء حينما سئل: ماذا نأخذ وماذا ندع من حضارة الغربيين ؟ قال: نأخذ ما في رؤوسهم وندع ما في نفوسهم، إحساسنا ملكنا، وإحساسهم ملكهم، والثقافة قدر مشترك بين الجميع، ثقافة أية أمة بمثابة عسل استُخلص من زهرات مختلف الشعوب على مر الأجيال وهل يُعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها، وأنا سمعت في هذه الأيام القلائل عن بعض الأسر الذين انغمس أولادهم في المخدرات، وعن بعض الأسر الذين زلت أقدام بناتهم في المنكرات، هذا بلد الاختلاط، وهذه ثمرة من ثمرات العلاقات الحميمة بين المؤمنين والطرف الآخر، فلا بد من أن تحصِّن أسرتك من أي عدوى من الطرف الآخر.
 ذكرت قبل يومين أنه في حدائق الحيوان التقليدية تجد الوحوش في الأقفاص، والزوار طلقاء، بينما حدائق الحيوان في إفريقيا تجد الوحوش طلقاء، والزوار لا بد من أن يُحصِّنوا أنفسهم بسيارات مصفحة وإلا قُتِلوا.
 ذروة الحياة اليوم كحدائق الحيوان في غابات إفريقيا، الوحوش طليقة بسبب الفساد، الأفلام، المخدرات، الإباحية، الزنى، الشذوذ، هذا كله موجود بكثرة، وزير الصحة البريطاني الحالي عقد مؤتمر صحفي قال فيه: أنا شاذ جنسياً، بكل بساطة، معنى ذلك هذه انحرافات خطيرة أنا أقول لكم مؤتمر السكان الذي عُقد في القاهرة يدعو إلى ماذا ؟ يدعو إلى تعريف الزواج بأنه عقد بين شخصين، بين ذكر وأنثى، أو بين أنثى وأنثى، أو بين ذكر وذكر، هذا تعريف الزواج في مؤتمر السكان، مؤتمر السكان يبين أن هناك علاقة جنسية، وأن هناك زواجاً، وأن هناك إنجاباً، فقد تكون العلاقة الجنسية مع امرأة، والزواج مع امرأة، والإنجاب من امرأة، مؤتمر السكان يدعو أن تكون المرأة حرة أن تسكن في غير بيت زوجها، وأن تسافر من دون إذنه، وأن تتخذ أي عمل شاق ولو أنها ترفض من دون إذنه، مؤتمر السكان في القاهرة يدعو إلى تأخير زواج الشباب إلى ما بعد الأربعين، والبديل أن يمارسوا العلاقات الجنسية مع صديقاتهم في بيت أبيهم وأمهم وعلى مسمع ومرأى منهم، ومع دعم من القانون، هذا هو الطرف الآخر، فإذا اختلطنا به ضيَّعنا أعراضنا، إذا اختلطنا به ضيَّعنا أماناتنا، إذا اختلطنا به ضيَّعنا ديننا، واستحققنا نار جهنم في الآخرة.
 فالسؤال الذي تفضَّل به الأخ الكريم جزاه الله خيراً ـ الشيخ يحيى حفظه الله ورعاه ـ قضية مصيرية وهي قضية ذوبان المسلم في المجتمعات الأخرى، أي أنها تحدد مصير هذا الإنسان وأهله، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾

[ سورة التحريم: الآية 6 ]

 والله أيها الإخوة ـ لا سمح الله ولا قدَّر ألف مرة ـ حينما يكتشف الأب أن ابنه منحرف جنسياً أو يتعاطى المخدرات أو له رفقاء سوء، والله يدخل على قلبه من الألم ما ينسيه حليب أمه الذي رضعه من قبل، قضية خطيرة جداً، مهما حققت في هذا البلد من إنجاز، من بيت فخم، من دخل كبير، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.
 إذاً الذوبان قضية خطيرة جداً، لا بد من أن تكون احتفالاتك إسلامية، ولا بد من أن يكون بيتك إسلامياً، ولا بد من أن يكون طعامك إسلامياً، ولا بد من أن يكون أصدقاؤك مسلمين، ولا بد من أن يكون أصدقاء ابنك من أسر إسلامية محافظة، وهذا الذي يسعى للحفاظ على شخصيته وشخصية أهله وأولاده إنسان يسير في طريق السلامة والسعادة وكما قال الله عز وجل:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

[ سورة الإسراء: الآية 9 ]

 س ـ دكتورنا نريد فقط أن ندخل بهذه المسألة مداخلة بسيطة: عندما تريد من المجتمع أن يكون داخل قفص، أي تطلب من الجالية ـ باختصار الكلام ـ أن تكون داخل قفص، والحقيقة من خلال تعاملنا مع الناس أنهم يضجرون من هذا القفص، الناس من خلال تعاملنا معهم وحديثنا معهم عن المنكرات يتضجرون، ترك الحفلات يتضجرون، ترك اللقاءات المُخالِفة مع الأجانب يتضجرون، فلذلك الضجر الذي يُلقي اللوم على الغرب كيف نستطيع أن نعالج هذا التضجر ؟
 ج ـ أولاً ينبغي أن يُعالَج بمزيد من العلم، لأنك حينما ترى القيود الشرعية ضماناً لسلامتك وليست حداً لحريتك، تكون قد فقهت في الدين وقد قال النبي الكريم:

((النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ.))

[ مسلم، البخاري، ابن ماجة، أحمد، مالك، الدارمي ]

 حينما نرى أن أوامر الشرع وحدوده ضمانٌ لسلامتك وليست حداً لحريتك، نكون قد فقهنا، لكن هذا الذي ليس مستعداً أن يدع شيئاً من رغباته، وشهواته، ونزواته، وعلاقاته، و اختلاطاته، ثم يريد أن يكون مسلماً، ويحظى بالجنة نقول: هذا من سابع المستحيلات، لأنه من أحب آخرته أضرَّ بدنياه، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، لا بد من أن تكون علاقات طيبة بين المؤمنين، زيارات كما قال الرسول الكريم:

(( قَالَ عُبَادَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: حَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ بِمَكَانِهِمُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ.))

[ رواه أحمد ]

 الإنسان اجتماعي، ينبغي أن تكون علاقاتك مع المؤمنين، سهراتك، زياراتك، نزهاتك، اجتماعاتك، لقاءاتك مع المؤمنين تزداد بهم إيماناً وطُهراً، لا تُصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله، ينبغي أن تختار أصحابك بعناية فائقة، لأن الصاحب ساحِب، والقرآن الكريم في آيات كثيرة يحذِّر المؤمنين من أن يركنوا إلى الذين ظلموا قال تعالى:

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾

[ سورة هود: الآية 113 ]

 أول شيء من ثمار العلاقات الحميمة مع الطرف الآخر الاختلاط، ينبغي أن ترى زوجته، وأن يرى زوجها، وهذا شيء في النصوص القطعية واضح، الاختلاط ثغرة، انحراف الأولاد ثغرة ثانية، انصراف الأسرة عن الدين كلياً ثغرة ثالثة من هذا الاختلاط، فلا بد من التضحية إن هذه الدنيا دار التواء لا دار احتواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لن يفرح لرفاء، ولن يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، أنا أقول هذا الكلام بلسان من ؟ يضغط على بعض العلماء من الإخوة ضعاف الذمة، أنا لا أتخلى عن علاقاتي مع الطرف الآخر وسهراتي المختلطة، ومتابعة كل شيء يُعرض على الشاشة، واقتناء الأجهزة التي تزيدني انحرافاً عن الدين، ولست مستعداً أن يحافظ أولادي لا على صلاتهم، ولا على عباداتهم، ومع ذلك أنا مسلم يا أخي، أنا عندي خلفية إسلامية، أنا عندي اتجاه إسلامي، أنا عندي أرضية إسلامية، أنا عندي نزعة إسلامية، هذا النموذج عند الله مرفوض، لأن الله عز وجل لا يتعامل بالتمنيات، وقد قال تعالى:

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾

[ سورة النساء: الآية 123 ]

 هذه حقيقة ثابتة، فإن كان الإنسان غير مستعد أن يتخلى عن شيء من رغباته، وعاداته، وتقاليده، ونزواته، ومُتعه الرخيصة، واتجاهاته، فسنقول له كما قال الله عز وجل:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾

[ سورة التوبة: الآية 24 ]

 أحب من الله أي من أمره في قرآنه، ومن رسوله أي من أمره في سنته.
 س ـ طبعاً أطلنا الكلام في هذا الموضوع، والكلام الذي دار حتى الآن هو حول موضوع العلاقات الفردية، أي القفص الذي تحدث عنه فضيلة الدكتور تحدثنا تباعاً عنه داخل البيت أو في حدود تعاملاتنا الفردية، وطبعاً المجتمع مكوّن من فرد وجماعات، النقطة الثانية التي نريد لفضيلته أن يشير إليها هي قضية الحاجات الاجتماعية مثل المؤسسات كمدارس، كجامعات، كأماكن تنزهات معينة، كوسائل اجتماعية معينة، كل هذه الأمور هل هناك أسس لجعلها في هذا القفص أم أنها يمكن أن تبقى في دائرة التعامل مع غير المسلمين بها ؟
 ج ـ ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، والله الذي لا إله إلا هو في هذه الأيام القلائل التي أمضيتها عندكم والله كان هناك سهرات قطعة من الجنة.
 لو أن كل بضعة إخوة كرام التقوا أسبوعياً وتسامروا، تذاكروا في العلم، حلوا مشكلات بعضهم، هم وأسرهم دون اختلاط طبعاً، النساء في مكان، والرجال في مكان، والأولاد مع بعضهم، ما الذي يمنع أن تكون اجتماعياً إلى أقصى درجة لكن مع المؤمنين ؟ ما الذي يمنع أن تكون في جلسة طاهرة ليس فيها مزاح جنسي ولا تعليقات ولا غمز ولا لمز ؟ ما الذي يمنع أن تكون مع أخيك دائماً، أن تكون في نزهة معه، وأن تُدخِل على قلبه السرور دائماً؟
 إنك حينما تكون مخلصاً ومصراً على طاعة الله يعطيك الله البدائل، البدائل هي أخ مؤمن.
 ذكرت البارحة نقطة قلت: والله إن أشد ذواقي الغناء في العالم لو علموا كم يُطرَب المؤمن بكتاب الله وهو يقرؤه أو وهو يستمع إليه لتخلوا عن أغنياتهم المفضلة، من ترك الأغاني أغناه الله عنها بالقرآن قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ.))

[ مسلم، البخاري، النسائي، أبي داود، أحمد، الدارمي ]

 من ترك رفاق السوء الذين يهمزون ويلمزون، ويتلصصون على أعراضنا، من ترك رفاق السوء أبدله الله المؤمنين الأعفة الأخيار، فلا تصدق ما من شيء نهى الله عنه إلا وجعل له بديلاً، كن اجتماعياً إلى أقصى درجة، وكن مع أخيك دائماً ولكن في حدود الأدب والعفة والاستقامة والطهر في حدود المنهج الإلهي الذي أُمرنا به، أنتم في أمسِّ الحاجة إلى بعضكم البعض، والله كلما رأيت وداً بين إخوة في المهجر امتلأ قلبي سروراً، وكلما رأيت خصومات بين إخوة في المهجر امتلأ قلبي أسىً، أنت في أمسِّ الحاجة إلى أخيك وأنت في المهجر، في أمسِّ الحاجة إلى أن يكون ابنك صديقاً لابنه، إلى أن تكون زوجتك صديقة لزوجته، وأن تكون معه كل أسبوع، ما الذي ـ كما قال عليه الصلاة والسلام:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

[ سورة سبأ: الآية 46 ]

 ما الذي يمنع أن تجلسوا جلسات أسبوعية كل إخوة بحسب السكنى أو العمل أو العلاقات أو القرابة ؟ جلسة أسبوعية نتذاكر بها خطبة الجمعة التي سمعناها، بعض آيات القرآن، بعض أحاديث رسول الله، بعض مواقف النبي الكريم، ونلتقي ويُسر بعضنا ببعض.
 قضية الاختلاط قضية مصيرية، القصص التي أقرأ عنها، والتي أسمع بها والله لا تعد ولا تحصى من الاختلاط، لكن أريد أن أكون واقعياً، هناك لعبة شد الحبل إن جلست مع الطرف الآخر كمصطلح في هذا اللقاء، وقد يكون الطرف الآخر مسلم لكن لا ينتمي لهذا الدين، ولا يطبق من هذا الدين شيئاً، ولا يعبأ إلا بالدرهم والدينار، لو أنك طبَّقت لعبة شد الحبل في هذا الموضوع، إن جلست مع أناس من الطرف الآخر وتمكنت أن تشدهم إليك اجلس معهم، أما إن شدوك إليهم فدعهم، أحد العلماء في الشام له كلمة رائعة يقول: أنا لا أتمنى عليكم أن تأخذوا أخاً من جامع إلى جامع، أتمنى عليكم أن تأخذوا إنساناً من الملهى إلى الجامع.
 إن أردت أن تكون مع الطرف الآخر ينبغي أن تخالطه ولكن ضمن حدود ومنهج، فإذا جلست معه وتمكنت أن تأخذ بيده إلى الله وأن تؤثر فيه اجلس معه، أما إن شدك إليه وخرجت من عنده وأنت تتساهل في الصلاة وتكره هذا الدين فالقضية أصبحت خطيرة جداً.
 س ـ فضيلة الدكتور اللغة العربية هي لغة القرآن، وإن الجيل الثاني الناشئ في هذه الجالية يعاني من جهله في اللغة العربية الفصحى فهماً وقراءة وكتابة، هل يجوز التساهل في تعلم اللغة العربية ؟ وما هي الوسائل التي تُيسِّر لطالبها أن يتعلمها، وأنت طبعاً أخصائي في هذه الغاية ؟
 ج ـ بسم الله الرحمن الرحيم: يقول عملاق الإسلام سيدنا عمر رضي الله عنه: تعلموا العربية فإنها من الدين.
كفى هذه اللغة شرفاً أن الله اختارها لكلامه بلسان عربي مبين، قال تعالى:

﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً﴾

[ سورة الزخرف: الآية 3 ]

 وقد تعلمنا في الجامعة وفي مادة فقه اللغة بالذات أن اللغة العربية من أرقى اللغات الإنسانية بشكل موضوعي، هذا القول قاله عالِم فرنسي، إلا أن اللغة تقوى بقوة أهلها، وتضعف بضعفهم، هذه حقيقة، مثلاً write تعني يكتب، book تعني كتاب، table تعني طاولة، أما في العربية أسرة واحدة كتب، كتاب، مكتب، من أسرة واحدة، اللغة العربية لغة مختزلة، اكتب كلمة محمد تجدها مؤلفة من أربعة حروف، بينما Mouhammad في الإنكليزية تجدها مؤلفة من تسعة حروف، الذي يكتب العربية يستطيع أن يكتب تصريحاً لمسؤول سياسي بسرعته هو، دون لغة اختزال، على كل أدق ما في هذه اللغة الإعراب، حركة هي حرف علة مخطوفة، حرف العلة حركة مُشبَعة، الألف فتحة مشبعة، والواو ضمة مشبعة، والياء كسرة مشبعة، والفتحة ألف مخطوفة، والضمة واو مخطوفة، والكسرة ياء مخطوفة، فبحركة واحدة تعرف من هو الفاعل، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

[ سورة فاطر: الآية 28 ]

 من حركة العلماء عرفت أن الذي يَخشى هو العالِم وليس الله عز وجل، رجل ضعيف في اللغة أراد أن يتفاصح قال:

ولست أبالي حين أَقتلُ مسلماً على  أي جنب ألقى في الله مصرعي
***

 صار من أهل النار إلى أبد الآبدين، البيت قاله أحد الصحابة:

ولست أبالي حين أُقتلَ مسلماً على  أي جنب ألقى في الله مصرعي
***

 بين أَقتُل وبين أُقتل من الجنة إلى جهنم، حركة واحدة، قال الإمام الشافعي:

أحب الصالحين ولست منهـم  لعلي أن أنال بهم شفاعـة
وأكره من بضاعتهم المعاصي  ولو كنا سواء في البضاعة
***

 فتمثل أحدٌ هذه الأبيات فقال يخاطب أحداً تعظيماً له:

أحب الصالحين ولست منهـم  لعلي أن أنال بهم شفاعـة
وأكره من بضاعتهم المعاصي  ولو كنا سواء في البضاعة
***

 هذا البيتان للإمام الشافعي، حركة تقلب المعنى رأساً على عقب، منصِب رئيس الجمهورية، منصَب، اختلف الوضع اختلاف كلي، هناك باللغة العربية ما يسمى بالكلمات المثلثة، بَرٌ، و بُرٌ، و بِرٌ، البَر هو اليابسة، والبُر هو القمح، والبِر هو الإحسان، خَلْق، و خُلُق، و خَلِق، الخَلق البنية، والخُلق الأخلاق، والخَلِق المغترب، قَدَم، و قَدُم، و قَدِم، قدَم سبقه في قدمه، قدُم حضر، قدِم أصبح قديماً، في اللغة العربية ما يسمى اتساع اللغة في التعبير، نقول نظَرَ، ونقول رأى، نظر ذات طابع مادي، أما رأى قد تكون قلبية، رأيت العلم نافعاً هذه رؤية قلبية، أما حدَّج نظر مع المحبة، حدِّج القوم ما حدَّجوك بأبصارهم، أما شَخصَ نظر مع الخوف، حدّق اتسعت حدقة العين، حملق ظهر اللون الأحمر في باطن الجفن الحملاق، حدَّق، وحملَق، وبحلق، شَخَصَ أي نظر مع الخوف قال تعالى:

﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

[ سورة الأنبياء: الآية 97 ]

 لاح شيء ظهر واختفى، أما لمحت نظرت أنت وأعرضت، استشرق نظر مع التوقف، استشف نظر مع حركة اليد مثال: استشف القماش، فبين استشفَّ واستشرق وحلّق وبحلق وحدّق، وبين رنا، وبين نظر، وبين لاح ولمح، فرق كبير جداً فهذه اللغة العربية دقيقة جداً ويكفي لها شرفاً أن الله اختارها لكلامه.
 أيها الإخوة:
 هذه اللغة العربية في الحديث الشريف حديث مبهِم يتطابق مع أحدث نظرية في القوميات قال عليه الصلاة والسلام:

((من تكلم العربية فهو عربي ))

 أي إنسان من أية قومية إذا تكلم العربية انحدرت إليه قِيَمها وحضارتها ومبادئها:

(( ليست العربية من أحدكم من أم أو أب ولكن من تكلم العربية فهو عربي))

 النبي عليه الصلاة والسلام يؤكد أن غير العربي لو تكلم العربية لأصبح عربياً، فكيف بعربي المولد، من أب عربي، ومن أم عربية، وهو لا يتكلم العربية، أنا أشعر أن بعض الطوائف غير الإسلامية تعتني بلغاتها في المهاجر عناية فائقة، بينما معظم أطفال المسلمين في المهاجر يتكلمون اللغة التي يعيشون فيها، وقد يحملون أولادهم على التكلم بالعربية فلا يستطيعون، إذاً ينبغي أن يكون واضحاً في ذهنك أن تعليم أبنائك اللغة العربية لغة آبائهم وأجدادهم ولغة القرآن جزء من انتمائهم لهذه الأمة، وأن الاستغراق في اللغة الإنكليزية في بلاد المهجر يبعدهم عن أمتهم، وعن دينهم، وعن قرآنهم، وعن نبيهم، وعن تراثهم، ينبغي أن تنطق أنت في البيت باللغة العربية، وألا تسمح لابنك أن يتكلم اللغة الإنكليزية وهو في البيت، وينبغي أن تُخضعه لدورات.
 هنا تأتي نقطة دقيقة ؛ أبناء الجاليات الإسلامية في المهاجر بدؤوا بإنشاء المساجد، الآن في أمريكا هناك ما يزيد عن ثلاثة آلاف مسجد، الآن ينبغي أن يدخل المسلمون مرحلة جديدة، أن ينتقلوا لا إلى إنشاء المساجد بل إلى إنشاء المدارس، لا بد من مدرسة عند الجاليات الإسلامية يتعلم الأولاد فيها القرآن، واللغة العربية، والتاريخ الإسلامي، وجغرافية بلادهم ووطنهم، من أجل أن يبقى ابنك منتمياً إلى هذه الأمة، المشكلة أنه إذا كشف الله لك النقاب أنّ أحفادك في المستقبل ليسوا مسلمين، وليسوا عرباً، ولا يتكلمون العربية إطلاقاً، هناك جاليات في البرازيل قديمة جداً الآن أولادهم، وأولاد أولاد أولادهم لا يعرفون عن أمتهم شيئاً، ولا علاقة لهم بأمتهم أبداً.
 أيضاً قضية اللغة قضية مصيرية، لن تسعد إلا إذا كان ابنك امتداداً لك، أما إذا كنت أنت في واد وابنك في وادٍ آخر فهذه مشكلة، لذلك ما الذي يمنع أن ترسل أولادك إن أمكنك ذلك من حين لآخر إلى ديار المشرق شهراً أو شهرين في الصيف ليعيشوا جو الإسلام، وجو اللغة العربية ؟ أو ما الذي يمنع أن تتعاونوا على إنشاء مدارس تعلمون أولادكم فيها اللغة العربية بشكل جيد ؟
 كنت في أمريكا فوجدت أن أبناء الجالية الإسلامية في ديترويت معظم أبنائهم لا يتكلمون اللغة العربية إطلاقاً إلا من ثلاثمئة أسرة ثلاث أسر فقط، هؤلاء أرسلوا أولادهم إلى بلاد المشرق أو أخضعوهم إلى دورات مكثفة فكانت النتيجة أن هذه الأسر الثلاث يحفظ أولادهم كتاب الله، وهم إلى نخاع عظامهم متمسكون بأمتهم وبدينهم.
 أيضاً قضية اللغة العربية قضية مصيرية، واللغة العربية كما قيل أن قيمة المرأة في المجتمعات المادية فقط في جمالها، وجمال الرجل في فصاحته، هناك أخطاء كثيرة جداً، مثقف يقرأ سورة ياسين فيقول: يس، عوضاً عن ياسين والقرآن الحكيم، ومعه لسانس، أنا أجد أن هناك من يحمل لسانس، لا يستطيع أن يقرأ القرآن بلا أخطاء ولا سطر.
 فيا أيها الإخوة:
 أتمنى أن تقفوا جميعاً لإنشاء المدارس، النتائج خطيرة جداً، والله يأتي على الأب ساعة إذا شرد ابنه عن الدين وأصبح مستغرباً، يكره دينه، ويكره أمته، والله كل الميزات التي تحصِّلونها في هذه البلاد سوف تغدو تافهة أمامكم مقابل أن الإنسان خسر ولده.
 س ـ دكتور طبعاً الأسئلة كثيرة، والوقت ضيق، والترجمة تطيل، نريد أن نسأل سؤال من يستطيع أن يفهم العربية الآن من بين الحاضرين نرجو أن يرفع يده ؟
 حسناً الآن سنترجم ما قاله الدكتور ثم نعود إلى الأسئلة.
 فضيلة الدكتور النظام المدني هو النظام القاصي في بلاد الغابرين فهل يجوز للمسلم أن يخضع لنظام مدني بحجة وجوده في دولة أجنبية ؟ وما هي ضوابط التعامل مع النظام المدني في حال تعارضه مع أوامر الشريعة وخصوصاً فيما يتناول قضايا الأحوال الشخصية ؟
 ج ـ أيها الإخوة الكرام:
 حينما نعرف الله، ونعرف سر وجودنا وغاية وجودنا، ونعرف أن هذه الدنيا إعداد لسعادة أبدية، عندئذ يسهل علينا أن نرفض كل شيء حال بيننا وبين سعادتنا، أما إذا شردنا وغفلنا وأردنا الحياة الدنيا فقط من الصعب علينا كثيراً أن نتخلى عن مكتسبات وفَّرتها لنا بلاد الغرب أو بلاد المهجر فخضعنا لمقتضيات المعيشة في هذه البلاد، ونسينا أن الله عز وجل سوف يسألنا، فمن أجل أن يأخذ بعضهم جنسية في أمريكا يقدم تصريحات عديدة ويوقعها بخلاف القرآن الكريم، ويقسم على ولاء لبلد يُناصب المسلمين العِداء.
 أنا أرى أن الدين ينبغي أن يكون في حِرز حريز، وأنه ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، لو وقع خلاف بين زوجين في بلاد الغربة وهناك محاكم إسلامية تحكم وفق منهج الله ومحاكم مدنية، فلو أن الزوجة أصرَّت على أن ترفع القضية لمحكمة أجنبية لتأخذ نصف ثروة زوجها، قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 36 ]

 فالذي يرضى أن يتخلى عن دينه، وأن يرفض حكم الله عز وجل وحكم رسوله من أجل مكاسب دنيوية هذا بعيد عن الإيمان بعد الأرض عن السماء، فالقاعدة أنه:

((عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.))

[ البخاري، مسلم، النسائي، أبي داود، أحمد ]

 هذه أول قاعدة، القاعدة الثانية وهذا قد يكون غير متوافر هنا، أما إذا كنت في بلد لا تستطيع أن تقيم فيه شعائر الله، فوجودك في مثل هذا البلد معصية كبيرة، إذا مُنِعت أن تصلي، مُنعت أن تُحجِّب ابنتك، مُنعت أن تقيم شعائر الله، فهذه مخالفة واضحة جداً، لذلك هناك هجرة في سبيل الرحمن، وهجرة في سبيل الشيطان.
 حينما تنتقل من بلد إلى بلد تجد فيه متسعاً لإقامة شعائر الله فهذه هجرة في سبيل الرحمن، أما حينما تخسر دينك، ودين زوجتك، ودين أولادك، والله كم من زوج ذهب إلى بلاد الغرب وزوجته محجبة هي الآن في وضع متفلت لا يُوصف، حينما يخسر الإنسان دينه وأهله وأولاده ويُحصِّل المال الكثير ـ اسمحوا لي أن أقول لكم ـ إنّ هذه هجرة في سبيل الشيطان، لكن أنا لا أعتقد ذلك، هناك من يستطيع أن يقيم شعائر الله بِحُرِّيَّة تامة، هذه نعمة كبرى حافظوا عليها، لكن دقق، لا تكسب أبداً، ولا تعد رابحاً إذا كانت دنياك عريضة والثمن هو دينك، لا تكون رابحاً أبداً ولا متفوقاً إذا حُلَّت كل مشكلاتك المالية والثمن كان أهلك، لا تُعدّ رابحاً ولا متفوقاً إذا حُلَّت كل مشكلاتك الاجتماعية والثمن أولادك، قاعدة عامة.
 أنا لا أدري يتضح هذا على هذه البيئة أم لا يتضح، سمعت أن هناك حريات جمة، وأنه بإمكانك أن تقيم شعائر الله، وأن تصلي، وأن تصوم، وأن تغض البصر، وأن تُحجّب نساءك، ولكن إذا أُجبرت على معصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولو سألت ألف عالم وعالم لا تجد غير هذا الجواب.
 أما الآن هناك اتجاه غريب، اتجاه إلى تيسير كل شيء عن طريق الفتوى، حتى صرت أقول أنّ لكل معصية فتوى، فأنت ماذا تريد الفتوى أم التقوى ؟ إن أردت التقوى فلا تعبأ بهذه الفتاوى، أقول لك كلاماً صريحاً صادقاً وواقعياً، لو أن معك فتوى من رسول الله فرضاً، من رسول الله المعصوم الذي يُوحَى إليه، سيد الخلق وحبيب الحق، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله، الدليل:

(( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا.))

[ البخاري، مسلم، النسائي، أبي داود، ابن ماجة، أحمد، مالك ]

 الآن الفكرة المتممة: والله الذي لا إله إلا هو زوال الكون أهون على الله من أن تؤثر طاعته ثم تخسر، وزوال الكون أهون على الله من أن تؤثر دنياك على طاعته ثم تربح، سبحانك كما قال النبي الكريم:

(( النَبي صلَّى الله عليهِ وسلم قال: إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ.))

[ الترمذي، النسائي، ابن ماجة، أبي داود، أحمد، الدارمي ]

 تطيع الله، وتخاف على دينك، وترفض مكسباً كبيراً، وتخسر، هذا يتناقض مع وجود الله، تؤثر الدنيا، ولا تعبأ بالآخرة، وتربح، هذا مستحيل، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

[ سورة الأنفال: الآية 36 ]

 أرجو أيها الإخوة أن تسامحوني، من السهل جداً أن يهبط الدين العظيم إلى حاجات الناس ومصالحهم الموقرة، شيء مريح جداً لعالِم أن يدغدغ مشاعر الإخوة المؤمنين، أن يُسهِّل عليهم دينهم، أن يقول لهم افعلوا ولا حرج في كل شيء، انتهت مساعدتهم، ما هي الأماني على الدعوة إلى الله ؟ أن تعطي الحق ولا تأخذك في الله لومة لائم، فأنا أقول لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
 سأضرب لكم قصة عن فلاح بسيط عاش حياته كلها فقيراً مدقعاً، أُعطي قطعة أرض من أرض إقطاعي بحسب بعض القوانين في بلد من بلاد المشرق، فهذا الفلاح فرح فرحاً لا حدود له، أمضى حياته فقيراً ثم تملّك أرضاً، له شيخ في مصر، فذهب إلى شيخه ليبشره، فقال له شيخه: يا بني هذه الأرض حرام أن تأخذها، إنها أرض مغتصبة، كل هذا الفرح وذاك التألق انطفأ، هو انتقل من إنسان فقير مدقع إلى مالك أرض، قال له: ماذا أفعل يا سيدي ؟ قال له: حاول أن تشتريها من هذا الإقطاعي لعله يبيعك إياها تقسيطاً، أعطه حلي زوجتك، فذهب إليه وقال له: والله أنا أُعطيتُ من أرضك عشرين دونماً، ووهبت لي بحسب بعض القوانين، ولي شيخ قال لي بأن هذا شيء محرّم، فهل تبيعني إياها يا سيدي تقسيطاً ؟ فقال له هذا الإقطاعي: والله يا بني أنا خسرت أربعمئة دونم، لم يأت لعندي سواك، فهذه هدية مني إليك.
 حرص هذا الإنسان على طاعة الله أخذ الأرض حلالاً، مستحيل وألف مستحيل أن تريد طاعة الله وأن تجد سداً أمامك، الأمر ميسّر، إلى أن يأنس الله منك صدقاً، فإن كان هناك مشكلة فقل: لا لا أفعل، وآلاف القصص أناس أصرّوا على طاعة الله ويسّر الله لهم طلبهم، لا تعجز، قال عليه الصلاة والسلام:

(( قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.))

[ أحمد، أبي داود ]

 س ـ فضيلة الدكتور طبعاً في هذه القضية المخالفات التي نسمع عنها داخل البلدان الأجنبية كثيرة، منها ذهاب المرأة إلى دولة لتُطَلَّق، منها الاحتكام وخصوصاً ما نسمعه أسفاً عن مجالس إسلامية تحتكم إلى محاكم مدنية، هذه من أعظم القضايا التي وصلنا إليها، انتقل الأمر من الأفراد إلى المؤسسات، فهل يمكن أن تعطينا مخرجاً لحل الخلافات على صعيد المؤسسات الكبيرة ؟
 ج ـ سمعت أنه في بعض الأقطار الإسلامية أُسس وقف لحل المشكلات الدولية، وقف له مركز، وله بناء، وله سيارة، وفيه علماء كبار، وهناك خبراء اجتماعيين، فأي خلاف بين الزوجين يُرفع إلى هذا المكتب، والمكتب يتولى الاتصال بالأفراد، ويقنع الأطراف، ويضع الحلول الإسلامية، العلة ليست في الإسلام، بل في المسلمين، لو أردنا لكان كل شيء، كل ما يريد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربهم، أنا سمعت عن طيار في شركة طيران عربية قدّم كتاب استقالته، ولا يملك عملاً آخر، قال: أنا لا أطير على طائرة يوزَّع عليها الخمر، هذه استقالتي، ولأنه طيار متفوق، الإدارة درست طلبه واتخذت قراراً أن تستثني طائرته من توزيع الخمر، بعد حين صدر تعميم يمنع توزيع الخمر على كل رحلات هذه الشركة، ماذا فعل هذا الطيّار ؟ أراد طاعة الله فعمّم الخير على كل الخطوط.
 الله ينتظرك، ينتظر أن تبادر، أن تقول لا أفعل هذا، والله قصص حول هذا المعنى لا تُعد ولا تحصى، حينما يأنس الله منك صدقاً يؤتيك سؤلك، قال تعالى:

﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20)﴾

[ سورة الإسراء: الآية 20 ]

 قلوب العباد بيد الله، أنت حينما تصرّ على أن تصلي الجمعة، بالمناسبة لو كنت متفوقاً في عملك، ولو كنت خطيراً في عملك، لاحترم الآخرون دينك، لا يُسمح لنا بصلاة الجمعة، لأن وجودك في المعمل أو في المؤسسة أو في الشركة ثانوي جداً، عليك مليون مأخذ، أما لو كنت متفوقاً ونشيطاً ومنضبطاً لاحترم هؤلاء دينك.
 الآن ولا سيما في بلاد المهاجر لا يُحترم دينك إلا إذا تفوقت في عملك فأنت حينما تتفوق في عملك يُحترم دينك وتأخذ إجازة بصلاة الجمعة، وإجازة بعطلات المسلمين الرسمية، حتى يُحترَم حجاب زوجتك، حينما تكون متفوقاً في عملك.
 س ـ فضيلة الدكتور ننتقل إلى ناحية اجتماعية أخرى، الحجاب فريضة إلهية على المرأة، وأصبح مفهومه عند النساء وضع الإشارب على الرأس، ثم تتزين، وتلبس الطيب من اللباس، وتختلط مع الرجال الأجانب، نريد توضيح نظرة الإسلام إلى الحجاب، وكيف يجب أن نفهمه كمسلمين ؟
 ج ـ واحد من مدينة في سورية أراد أن يُلقي طرفة قال: فتاة ترتدي إشارباً، وبنطالاً ضيقاً، إنها أرادت أن ترضي الله وعبيده في وقت واحد.
 يا أيها الإخوة:
 دائماً بعض الأخوات الكريمات يتساءلن لقد فرض الله الجهاد على الرجال، ونحن لا إصر علينا، لقد فرض الله حضور الجمعة والجماعات على الرجال وهناك من نساء الصحابة الكرام من رفعت هذه الشكوى إلى رسول الله.
 فتاة تمشي في أحد شوارع القاهرة رأت شيخاً أزهرياً، قالت له: يا سيدي، هل النبي محمد عليه الصلاة والسلام يحق له أن يقول لنا: ناقصات عقل ودين ؟ قال لها: والله ليس له حق في ذلك، ولكن هذا القول قاله لنساء الصحابة، أما أنتن فلا عقل ولا دين.
 يا أيها الإخوة الكرام:
 الفتاة حينما تؤمن إيماناً حقيقياً أن لها عبادة تتميز بها عن غيرها، وهي خاصة بها، إنها عبادة الحجاب، إنها تتخلى عن بعض حريتها، لا شك أن الشاب في الصيف يرتدي قميصاً خفيفاً بكُمٍ قصير، لكنّ الفتاة المسلمة، المؤمنة، الطاهرة، العفيفة، لا تستطيع أن ترتدي شيئاً خفيفاً أبداً، ولا حتى في الشتاء، كل سنتمتر من ثيابها متعلق بدينها، إنها متميزة بحجاب يسهم في إعفاف شباب المسلمين، الفتاة التي تُبرِز مفاتنها في الطريق إنها تعتدي على الشباب، لأن بين هذا الشاب وبين زواجه عشرون عاماً أحياناً، أو خمس وعشرون عاماً أحياناً، ماذا يفعل في هذه الأعوام ومفاتن النساء في الطريق ؟ وقد لا يملك الإيمان القوي لغض بصره.
 فأول حقيقة يجب أن نعتقد أنّ كل سنتمتر مربع من حجاب المرأة متعلق بإيمانها، وهي بهذا تعبد الله عبادة متميزة، وأنها تسهم في إعفاف شباب المسلمين، وإذا كانت فقيهة وتعرف تكريم الله لها، وأنها يمكن أن تكون في أعلى درجة في الجنة ـ دققوا ـ النبي عليه الصلاة والسلام في كتاب للبخاري يقول:

(( أول من يمسك بِحِلَق الجنة أنا، فإذا امرأة تنازعني، تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت: من هذه يا جبريل ؟ قال: هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم ))

 أي أول من يدخل الجنة رسول الله، هل تصدقون أنه قد يموت المرء شهيداً عند الله ويستحق الجنة إذا دافع عن عِرضه، دافع عن أمه، عن زوجته، عن ابنته، عن أخته، المرأة مكرّمة جداً، قال عليه الصلاة والسلام:

(( أكرموا النساء فو الله ما أكرمهن إلا كريماً و لا أهانهن إلا لئيماً، يلدن كل كريم ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً ))

 حياة المسلم الزوجية شيء لا يُصدَّق، فيها الوفاء، والطُهر، والعفاف، والحب.. فهذه الفتاة ـ اسمحوا لي بهذا المثل ولو كان مضحكاً ـ السيارة الخاصة تبدو متينة لأن استعمالها محدود، أما السيارة العامة هذه التي تظهر بمفاتنها كلها للناس في الطريق، للغادي والرائح، هذه كمركبة عامة، والتي جمالها لزوجها وأولادها ومحارمها هذه لها مكانة كبيرة جداً.
 أيها الإخوة قضية الحجاب قضية دقيقة، الثياب ينبغي أن تكون ثخينة لا تصف ما تحتها، النبي قال:

(( رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي نِسَاءٌ كَاسيَاتٌ عَارِيَاتٌ))

[ رواه أحمد ]

 تكتسي ثوباً رقيقاً شفافاً يشف عما تحته، وينبغي أن يكون ثوب المرأة فضفاضاً لئلا يصف أعضاءها بالحجم، الثوب الرقيق يصف أعضاءها باللون، والثوب الضيق يصف أعضاءها بالحجم، والثوب الصارخ في ألوانه يلفت النظر، فينبغي أن يكون ثوب المرأة ثوباً ساتراً فضفاضاً ثخيناً له ألوان مقبولة، ألوان معتدلة، من دون أن يكون اللون فاقعاً، بقي أن نقول أن حجاب المرأة عبادة.
 مرة قرأت كتاباً عن المرأة لعالِم في الشام أعجبتني هذه الفكرة وأنا سأنقلها لكم، لو أن امرأة وقفت لتلقي محاضرة أمام خمسة آلاف رجل، وكانت في زينة لا تُحتمل، متكشفة، تبرز مفاتنها، تعتني بجسمها وبأناقتها، الخمسة آلاف رجل الذين يستمعون إليها كم واحد منهم ينتبه لكلامها ؟ ولا واحد، أما لو أنها محشومة فسيفهمون كلامها حرفاً حرفاً، متى ترقى المرأة لتساوي الرجل ؟ إذا كانت محتشمة، جمالها لبيتها، رقتها لأولادها، لمحارمها، أما قوله تعالى:

﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32)﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 32 ]

 ما الذي يحصل ؟ رقتها لغير زوجها، ولطفها لغير زوجها، وأناقتها للطريق، ماذا بقي للزوج ؟ أسوأ ما فيها، البيت المسلم بيت متميز، فلذلك قضية الحجاب قضية أساسية جداً، لكن نحن نتربص مع الجميع، لأن الله تعالى قال:

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾

[ سورة التوبة: الآية 6 ]

 يعني أي أخت مقصِّرة في الحجاب نستقبلها، ونقنعها، ونتلطف معها لأن الله عز وجل أمرنا أن نكون هكذا، أما حجاب المرأة جزء من نظام الأمة الإسلامية، أما أن تكون المرأة سلعة على علب البويا، لا تجد بضاعة للبيع إلا تُروَّج بصورة امرأة شبه عارية، هذا امتهان للمرأة، هذا احتقار لها، إنها سلعة من السلع، أما المرأة في الإسلام فهي أم وزوجة وابنة وأخت موقرة.
 والله امرأة أنصارية بلغها أن النبي قد قُتِل في أُحُد، بحثت عنه في ساحة المعركة فإذا بأبيها مقتولاً، وزوجها مقتولاً، وابنها، وأخيها، وتقول: ما فعل رسول الله ؟ إلى أن وقعت عينها على عينه فقالت: يا رسول الله كل مصيبة بعدك جنة.
 صحابية كانت تقف وتقول لزوجها: اتق الله فينا، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام، ماذا تفعل المرأة المسلمة اليوم ؟ مصمم أزياء يهودي في فرنسا إذا قصَّر الثياب تقصِّر ثيابها، إذا ضيَّقها تضيِّقها، مَنْ قدوتها ؟ مصمم أزياء، لو دخلوا جحر الضب لدخلته، هل هذا هو الإسلام ؟ أهكذا أعراض المسلمين، هذه الفتاة المتفلتة في الطريق من الجالية الإسلامية أليس لها أب مسلم يردعها ؟ أليس لها زوج يردعها ؟ أليس لها أخ يردعها ؟
 كلما قلَّ ماء الحياء قلَّ ماء السماء، وكلما رخُص لحم النساء غلا لحم الضأن، وكلما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة، هذه الحقيقة، وهذا الذي ألهمني الله إياه في موضوع الحجاب.
 س ـ بعض ما يتعلق بالترجمة، الذي أعطانا سؤالاً بالعربية نجيب عليه بالعربية، والذي أعطانا سؤالاً بالإنكليزية سنترجم له الجواب، طبعاً سنمر سراعاً على الأسئلة كل سؤال دقيقتان نقلاً عن إجابة فضيلة الدكتور.
والحمد لله رب العالمين