العقيدة الإسلامية - الدرس (17-63) : الإنسان يستنتج من خلق السموات والأرض
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1987-01-04
بسم الله الرحمن الرحيم

  الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإنسان بعقله يتوصل إلى معرفة أسماء الله الحسنى من خلال علمه وقدرته  في الكون:

 أيها الأخوة, أنهينا في الدرس الماضي الأدلة الأربعة على وجود الله سبحانه وتعالى.
  قبل الحديث عن أسماء الله الحسنى, لاشك أنكم إذا دخلتم إلى بيت وكان هذا البيت غاية في الإتقان و في التناسب والتزيين و الأناقة لابد أن تستنبط أن الذي صممه وبناه و كساه وزينه وفرشه و رتبه ونسّقه غاية في الذوق, فنحن في الدروس الماضية استنتجنا من هذا الكون أنه لابد من وجود خالق له, لأن للخلق خالقاً ولكل نظام منظم ولكل صنعة صانع ولكل صنعة متقنة صانع متقن ولكل سير مسيّر, لابد من أن نقف عند فكرة واحدة وهي أن الإنسان بإمكانه أن يستنتج من خلق السموات والأرض فضلاً عن حقيقة الوجود أسماء الله الحسنى أو صفاته العليا, فإذا علمتم مثلاً أن الأرض تدور حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو متراً في الثانية الواحدة, وأنّ الأرض بقاراتها الخمس وبحارها ومحيطاتها وجبالها وسهولها كلها محمولة في الفضاء وكلها تجري حول فلك ما, لابد من أن تستنبط أن الذي يحركها هو الله:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

( سورة الزمر الآية: 67)

  لابد أنه قدير والقدرة واضحة, وإذا علمت أن الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرّة وأنّ الشمس متألقة منذ خمسة آلاف مليون عام, وأن بين الشمس والأرض مئة وستة وخمسين مليون كيلومتر, وأنّ هناك نجوماً تتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما, وأن في الكون مليون مليون مجرّة وأن في كل مجرّة مليون مليون كوكب، وأن بعض المجرات تبعد عن الأرض ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئية, وأن الضوء يمشي في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر فكم يمشي في الدقيقة أو في الساعة أو في اليوم أو في العام ؟ وهذه المجرة بُعدُها عنّا ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئية, فمن هذه الأرقام والحقائق التي أصبحت بديهية في هذه الأزمان تستنبط أن الله سبحانه وتعالى قوي و من النظام الدقيق الذي تسير عليه تستنتج أن الله سبحانه وتعالى عالم.
 فإذا رأيت آلة ضخمة يزيد حجمها عن حجم هذا المسجد إذ يوجد آلات عملاقة مثل آلات الحفر فهل يُعقل أن تصدق أن دكاناً في بعض أسواق دمشق صنعتها أو مصنع هذه الآلة الضخمة أن يكون دكاناً في بعض الأزقة في دمشق ؟ لابد من أن يكون معمل هذه الآلة يحتل آلافاً مؤلفة من الأمتار المكعبة، و أن يكون فيه عدد كبير جداً من المهندسين, وخبرات متراكمة منذ عشرات السنين, و مواد أولية ثمنها مئات الملايين، ومواد أولية على فئات فنية وأجهزة عالية الدقة ونظام إداري دقيق هذه الآلة لابد لها من معمل، فهذه الأرض وما فيها وهذه المخلوقات وما تمتاز به من دقة متناهية لابُدَّ من خالقٍ خلقها.

صفات الله العليا تتجلى في الكون منها:

1- العلم والقدرة:

  أما صفات الله العليا في الكون بأنه مبني على علمٍ متناهٍ من الدقة، فلو أخذتم جسم الإنسان وهو أعقد آلة في الكون، فالعين وحدها فيها علم لا ينقضي، نحنُ هُنا في هذا المسجد نتكلّم حقائق مُبسّطة جداً ما قولكم ؟ لو رأيتم في بعض المكتبات عشرين أو ثلاثين أو خمسين مجلداً بأصغر حرف وأرق ورق وأغلظ حجم كلها عن القلب, وكتب أخرى عن العين, فلو درس المرء بدولة متفوقة هذه العلوم يبقى سنوات طويلة في دراستها, والمُختص بالأوعية طبيب أوعية, وطبيب بولية، و جهاز البول وحدهُ عالمٌ قائِمٌ بذاته, وطبيب القلب، وطبيب العصبي المختص بالأمراض العصبية، وهذه الكُتب التي في المكتبات إنما هي عِلمُ الله عزّ وجل كشوفات, الإنسان كشف بعض الحقائق سجلها في الكتاب, الإنسان لم يخلق هذه الحقائق بل كشفها، فرقٌ كبير بينَ أن يكشِفَها الإنسان وبينَ أن يخلِقَها الله فهو الذي خلقها والإنسان كَشَفَها، وكلما زِدنا في العلم تعمقاً زاد علمنا بجهلنا، لو يُتاح لكَ أن تذهب إلى مكتبة وتنظر ما كُتِبَ عن العين، وما كُتِبَ عن اليد، وعن بعض الأمراض، و عن الكليتين، وعن أمراض جهاز الهضم، و الكبد، والمفاصل، موضوع الولادة والرحم عالم قائم بذاته، والطفولة عالم قائم بذاته، وطبيب أمراض عصبية، و طبيب أمراض عقلية وطبيب عظام، و طبيب هضمية، وطبيب في الغدد الصُم مستقل، وطبيب في الأنف والأذن والحنجرة، وطبيب للعيون، وطبيب للأسنان، إنَّ في مكتبة طبيب الأسنان مئة كتاب عن الأسنان هذا علمُ الله عزّ وجل, واللهُ سبحانهُ وتعالى سَمَحَ للإنسان أن يعرِفَ بعضَ الحقائق، وقد عرفها فألّفَها في كتاب فهذا علمُ الله عزّ وجل.
 لو انتقلتَ إلى علم الفيزياء ووقع تحت يدكَ كتاب في اللغة الأجنبية تجد ثلاثين صفحة عن المراجع كُل صفحة فيها أربعون أو خمسون اسماً لكتاب " هذه فيزياء " الحرارة باب كبير، والضوء، والحركة، والصوت، والكهرباء كلها واسعة الدراسة، والفيزياء النووية موضوع مستقل، والكيمياء العضوية واللاعضوية، والمعدنية، و الفيزيائية إنها أبوابٌ لا تُغلق، فإذا ذهبتَ إلى موضوعات الفلك فشيء عجيب، فإذا انتقلت إلى عالم النبات فكم من كتاب هناك ؟ إذا انتقلتَ إلى عالم الحيوان، و الأطيار، و الأسماك فكم نوع من السمك، و بُنية السمكة، وأنواعها بحسب حجومِها، ووظائِفِها، و توحشِها، و نموها ؟ والنباتات التي تنمو في البحار بحث واسع قائم بذاته، والنباتات النهرية، والأسماك النهرية وأسماك المياه المالحة هذه كُلها عناوين, و كل علمٍ توصّل إليه الإنسان إنما هو علم الله عز وجل, هذا علمُ الله كشفه الإنسان، فإذا ظنّ أنه عالم فهو جاهل فهذا علمُ الله:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾

( سورة الإسراء الآية: 85)

 فكل ما في الكون ينطق بعلم الله وبقدرة الله, والأرض بحجمها إذا دخلت في ثقب أسود في الفضاء الخارجي يصبح حجمها كالبيضة وبالوزن نفسه, عشرة آلاف مليون مليون مليون طن هذه قدرة الله عزّ وجل.

2- الحكمة واللطف:

 كل شيء ينطق بحكمة الله ولطفُ الله عز وجل, الهواء دليل على لطف الله عز وجل و شيء مخيف إذا تحرك اقتلع مدناً بأكملها, وهناك أعاصير تهب في بعض بلاد أمريكا لا يبقى من المدينة شيء, وعندي صور مدينة بأكملها تصبح أثراً بعد عين, وقرأت قصة في بعض المجلات أن رجلاً عنده بيت كبير وأمام هذا البيت سيارته وكان مسافراً, عاد إلى بلدته وقد أصابها الإعصار فلم يجد من بيته وسيارته إلا المحرك على بعد خمسة عشر كيلومتراً, هذا الهواء إذا هبّ دمّر كل شيء, فإذا سكن فشيء لطيف بيننا لا يُعيق الرؤية.
 هل تستطيع أن تحمل بناء شامخاً من دون أعمدة تمشي من خلاله ؟ إنه شيء فوق طاقة البشر هذه هي الجاذبية:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾

( سورة الرعد الآية: 2)

  هناك عمدٌ ولكنكم لا ترونها هي موجودة, حتى إن بعض العلماء قال: القمر مرتبط بالأرض بجاذبية, لو مُثّلت بحبل فولاذي مضفور من أمتن أنواع الحبال لكان قطره خمسين كيلومتراً هذا الحبل يمثل انجذاب القمر إلى الأرض, وأما انجذاب الأرض إلى الشمس, فلو أنّ هذه الانجذابات كانت ممثلة بحبال فولاذية لا ترى في السماء شيئاً كلها شبكة من الحبال, وهذه الحبال موجودة لكنك لا تراها لطيفة تطير عبرها، في تجاذب بين الكواكب وأنت تمشي بين هذه القوى المتجاذبة هذا لطف إلهي.
 الماء لطيف جداً لا لون له، ولا طعم، ولا رائحة، ينساب في صفة النفوذ حتى إنه لشدة رقته لا يقاس، يكاد ينفذ في أماكن لا ترى إنه دليل لطف، وربنا عزّ وجل إذا أحب أن يقلع سن الطفل مباشرةً من دون طبيب أسنان ومن دون مخدر ومن دون بكاء الطفل, أثناء الطعام يكتشف أن سنه في فمه مع اللقمة، اتضح للعلماء أن السن يتآكل من جذره بالتسلسل إلى أن يبقى معلقاً على نقطة إذا جاءه ضغط يسير ينقلع, هذا قلع السن عن طريق الله مباشرة أيوجد ألطف من ذلك ؟
 إذا أحببت أن تأكل قطعة حلوى من صنع الإنسان يقول لك ثقيلة على المعدة فكُل برتقالة أو تفاحة فهي شيء خفيف في تصميم لطيف، بنية الفاكهة، نوع سُكرِها، قِوامُها نوعُ المواد فيها غايةٌ في اللُطف.

إذا أعطى الله أدهش:

 في الكون أدلة كثيرة على علمه و قوته وغِناه فإذا أعطى أدهش, وقد شاهدت مرة قمحة واحدة أنبتت سبع عشرة سنبلة, فعددنا بعض السنابل فوجدناها خمسين قمحة, إذاً ألف وسبعمئة وخمسون قمحة من قمحة واحدة إذا أعطى أدهش, غرام واحد للبذور ينتج طناً يعني مليون ضعف, وبعض بذور الخضراوات إنتاجها مليون ضعف إذا أعطى أدهش, من حين لآخر ربنا عزّ وجل يضاعف الفاكهة أضعافاً مضاعفة, قد يضمن الضمّان المشمش بخمس ليرات و يبيعه بعشر إذا به يضطر لبيعه بليرة ونصف فما السبب ؟ لأن الكمية خمسة أضعاف الكمية المعقولة، سنة الكرز وسنة المشمش يقول لك: الدُراق هبطَ سعره فبائعو الفواكه ينزعجون إذا هَبَطَ السعر يعتبرون ذلك إهانة للفاكهة فيقولون: قيمته عشر ليرات فيُباع بليرتين, أمّا المؤمن فيفرح إذا هبط السعر ليأكُلَ عِبادُ الله من هذه الفاكهة, إذا أعطى الله عزّ وجل أدهش, حاجة القطر إلى البطاطا مثلاً 150 ألف طن, بينما كان الإنتاج السنة الماضية 350 ألف طن, فبيع الكيلو 35 قرشاً سورياً من حين لآخر ويعطي الله عز وجل أمثلة قال الله:

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾

( سورة الحجر الآية: 21)

  كل شيء عندنا خزائنه, قرأت في بعض النشرات حتى الآن مضى شهران من الشتاء أكثر المناطق معدل الأمطار فيها 225 مم تقريباً مقابل 13 ملم نزلت في العام الماضي مع أن الإنسان زعم أن خطوط المطر انتقلت وهذه سنوات عجاف فيها تصحُّر وجفاف ولكن كل الأقوال ذهبت أدراج الرياح، فجاءت الأمطار والثلوج إذا أعطى أدهش, كريم سبحانه وتعالى غني لطيف رحيم.

3- الرحمة:

  هل أقول لكَ كيف تكشف رحمته ؟ ليس هناك من رجل إلا في حياته أم, إما أم له أو أم لأولاده, فلينظر إلى الأم كيف تعطف على أولادها إنها نفحة من رحمة الله سبحانه ؟

" أتلقي هذه المرأة ولدها إلى النار ؟ قالوا معاذ الله، قال والذي نفس محمد بيده لله أرحم بعبده من هذه بولدها "

( ورد في الأثر )

 هذه رحمة الله.

4- العدل:

 الله عز وجل عادل, لو سألت بعض القضاة ولو قرأت كتباً تتعلق ببعض الجرائم تشعر أن الذي هداهم إلى المجرم هو الله عز وجل, يعني على أبسط وأتفه سبب ألقي القبض على المجرمَ هذه عدالة السماء، والذي أريد أن أقوله: أن الكون إضافة إلى أنه دليل قطعي على وجود الله عز وجل هو دليل أيضاً على صفاته وأسمائه, إذا رأيت ناقلة نفط كبيرة تتسع لمليون طن لا يمكنك أن تقول: إن قاعدة صنعها في " نبع بردى مثلاً, هل تصدق أنها صُنعت في بحيرة بردى ؟ مستحيلة, لابد من قاعدة كبيرة ضخمة, كم من المهندسين فيها ؟ كم من الحديد الأطنان فيها ؟ يُقال: إن المحرّك الذي يحرك دفتها يعادل قدرة ألفي حصان فقط لتحريك الدفة, السماكة حوالي ثلاثة أرباع المتر وصفيحة كبيرة جداً وراء فرّاش كبير بألوف الأحصنة من أجل أن تسير, ومع ذلك مثل هذه الناقلة تحطمت في بحر الشمال إثر عاصفة من عواصف البحار وغرقت وتلوث البحر بالنفط, كل ما أريد أن أقوله: هو أنك تستطيع أن تصل إلى أسماء الله الحسنى من خلال الكون, وأنك إذا فكرت في كل شيء حولك ترى رحمة الله.

5- الجمال:

 انظر إلى طفلك الصغير تجد به نفحة من جمال الله عز وجل تجلى الله عليه باسم الجميل, انظر إلى الوردة الجميلة وغيرها الأزهار تجد أنها قد أخذت مسحة من جمال الله، هذا اللون الأزرق في البحر من أعطاه هذه الدرجة ؟ تأمل في بعض الأزهار ألوانها من يُقدّرُ هذا الشيء ؟ انظر إلى الفراشة، و إلى بعض النباتات، و إلى اللون الأصفر في التفاح كيف يوشح بخدٍ أحمر ؟ وانظر إلى لون الكرز و الخيار هذا اللون الأخضر اللماع والأخضر الداكن كُل شيء أمامك له ألوان جميلة جداً، هذه كلها مخلوقات تجلّى الله عليها باسم الجميل,
 يقال لكَ: هناك منطقة جميلة بحار، وجزيرة خضراء، وسماء زرقاء، و أشجار خضراء و صوت الشلال ترتاح له, لكنك إذا دخلت إلى معمل لا تتحمل صوت الآلات, فقد يكون صوت الشلال أكثر صخباً لكنَّ هذا الصوت من تصميم الله عز وجل.
 اسمع إلى زغردة العصافير صباحاً و إلى صوت الشحرور تشعر أن الله جميل, وهناك أشجار تسمى الصنوبريات فأنت لا تشبع من النظر إلى السرو، وهناك أشجار سرو كوكبية، و أشجار على شكل صفائح إنها شيء جميل جداً فماذا أقول ؟ كل ما في الكون ينطق بأسمائه الحسنى " وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ".
  السعيد من نَفَذَ من خلال هذه الآيات إلى خالق الأرض والسموات, ومن عرف الله من خلال هذه الآيات.

والحمد لله رب العالمين