التفسير المطول - سورة الأحزاب 033 - الدرس (09-18): تفسير الآية 33 ، ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-11-22
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس التاسع من سورة الأحزاب، في الدرس الماضي وصلنا إلى قوله تعالى:

﴿ وَقَرْنَ (33) ﴾

( سورة الأحزاب )

 طبعاً:

﴿ وَقَرْنَ ﴾

 معطوفة على قوله تعالى:

﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) ﴾

مستويات الرجل والمرأة:

1 – مساواة المرأة مع الرجل في التكليف والتشريف:

 في الدرس الماضي بَيَّنْتُ لكم بشكلٍ مُفَصَّل أن المرأة مساويةٌ للرجل في شيئين ؛ في التكليف وفي التشريف.

2 – للمرأة خصائص وللرجل خصائص:

 وفي الوقت نفسه، المرأة لها خصائص، والرجل له خصائص، هذا مستنبط من قوله تعالى:

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ﴾

(سورة آل عمران: من آية " 36 " )

3 – للمرأة وظيفة وللرجل وظيفة:

 للمرأة وظيفة، وللرجل وظيفة، فكان محور الدرس الماضي أن الله سبحانه وتعالى حينما خلق الذكر والأنثى، وضع للذكر والأنثى منهجاً.

4 – من لوازم المرأة القرار في البيت:

 من لوازم منهج الأنثى أن يَقْرَرْنَ في بيوتهن.

معنى وأحكام: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ

 معنى:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (33) ﴾

1 – معنى قَرْن لغةً:

 فعل أمر مضارع يَقِرُّ، ماضيه وَقَرَ بمعنى ثقل واستقر.

2 – معنى قَرْن شرعا:

 الأصل في مكان استقرار المرأة بيتها،

(( وأيُّما امرأةٍ قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))

[ فيض القدير شرح الجامع الصغير ]

3 – من نتائج قرار المرأة في البيت:

 والمرأة التي تهز سرير ابنها بيمناها تهزُّ العالم بيسراها، لأنه كلما كانت اللبنة الأولى، وهي الأسرة ؛ صحيةً، متوازنةً، منتظمةً، مستقيمةً كان الإنتاج خارج البيت مُضاعفاً، فنجاح الرجل في عمله، أساسه نجاحه في بيته، إنتاج الرجل أساسه راحة قلبه من طرف بيته.
 لذلك حينما أمر الله سبحانه وتعالى الإناث، أو نساء النبي خاصة، والنساء عامة أن يقررن في بيوتهن، فلأن البيت هو مكان تربية الأولاد، هو مكان العناية باللبنة الأولى ألا وهي الأسرة، وهذا تم شرحه في الدرس الماضي.
 وليس معنى:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (33) ﴾

4 – جواز خروج المرأة من البيت للحاجة والضرورة:

 ألاّ تخرج المرأة إطلاقاً من البيت، أي من رحم أمها إلى الدنيا، ومن بيت أبيها إلى دار زوجها.
 أمّا مَن قال: " تخرج من دار زوجها إلى القبر "، فهذه مقولةٌ فيها مُبالغة، ليس معنى قوله تعالى:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (33) ﴾

 أنّ المرأة ممنوعةٌ أن تخرج من البيت إطلاقاً، هناك ضروراتٌ أباحها الشرع، وهناك خروج من البيت أجازه الشرع، والضرورة تقدَّر بقدرها، ولا أدلَّ على ذلك من قول ابنتي سيدنا شعيب:

﴿ قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23) ﴾

( سورة القصص )

 أي أن هناك ضرورة، على كلٍ هذا تم شرحه في الدرس الماضي:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (33) ﴾

البيت هو المكان الطبيعي الفطري للمرأة:

 كما أن مكان العمل هو مكان العامل، وكما أن الدائرة هي المكان الطبيعي للموظف، وكما أن العيادة هي المكان الطبيعي للطبيب، وكما أن المكتب هو المكان الطبيعي للمحامي، وكما أن المَتْجَر هو المكان الطبيعي للتاجر، وكما أن الحقل هو المكان الطبيعي للمُزارع، كذلك البيت، الخلية الأولى، اللبنة الأولى هو المكان الطبيعي للمرأة، وحينما يُرْزَقُ الرجلُ امرأة صالحةً تحفظه إذا غاب عنها، تطيعه إذا أمرها، تسره إذا نظر إليها فقد حاز الخير الكثير، هذا تم في الدرس الماضي.
 لكن حينما تخرج المرأة من بيتها لتزور أباها أو لتزور أمها، أو حينما تخرج من بيتها لضرورة ؛ كأن يكون قد توفي زوجها وأولادها صغار، فخرجت من بيتها لتشتري بعض حاجاتها، وليس لها أخٌ يقضي لها هذه الحاجة، ولا ابنٌ في سنٍ مؤَهَّله أن يقضي لها هذه الحاجة، حينما تخرج المرأة لواجبٍ، أو لمباحٍ، أو لمندوبٍ شرعي، فهي عندئذٍ تخرج من بيتها لسببٍ أقرَّه الشرع، وسمح به.
 والآن إذا خرجت:

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (33) ﴾

من ضوابط خروج المرأة: وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِليَِّةِ الأُولَى

 الأصل أن تستقري في البيت، أيتها المرأة المسلمة، الأصل بيتكِ، بيت زوجكِ، بيت أولادكِ، الأصل أن تربي أولادكِ تربيةً صالحة ينتفعون بها وينفعون الناس مِن بعدُ، هذا هو الأصل، فإذا خرجتِ من البيت لضرورةٍ أو لسببٍ أقر به الشرع فإيَّاك أن تتبرجي، هذا محور الدرس اليوم.

1 – معنى التبرج لغةً:

 ما معنى بَرَجَ في اللغة ؟ معنى بَرَجَ في المُعْجَم ظهر وارتفع، والبُرْج أعلى مكان في البناء، البرج أعلى مكان وأظهر مكان في البناء، والبروج، بروج السماء التي تحدث عنها القرآن فقال تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ(1) ﴾

( سورة البروج )

 هي بُرج الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، والأرض في دورتها حول الشمس تمرُّ باثني عشر بُرْجَاً، في كل فصلٍ تمر بثلاثة بروج، فحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ(1) ﴾

 أي هذه المجموعات الظاهرة المتألِّقة، البَيِّنَة، التي يراها سُكَّان الأرض وهم في دورتهم حول الشمس.
 إذاً: بَرَجَ بمعنى ظهر وارتفع، والبُرْج أعلى مكانٍ في البناء، والبروج مجموعاتٌ من النجوم عظيمة تُرى في كل فصلٍ في أثناء دورة الأرض حول الشمس، هذه بَرَجَ، هذه صيغة فَعَلَ، فهي بمعنى ارتفع وظهر، أما تَبَرَّجَ، فعلى وزن تَفَعَّلَ، وزن تَفَعَّلَ يفيد التكرار مثل، تَجَرَّعَ الكأس جُرْعَةً بعد جرعة، تجرع الكأس أي شرب الكأس على جُرُعَات.

2 – معنى التبرج شرعًا:

 فمعنى قوله تعالى:

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ (33) ﴾

 بالمعنى الدقيق: ولا تُظْهِرْنُ مفاتنكن، أي أن الله سبحانه وتعالى أكرم المرأة فأسبغ عليها شيئاً من الجمال، بعض الجمال، أو أكثر الجمال، هذا الجمال حينما أسبغه الله عليها جعله سبباً لسعادة زوجها بها، جعل هذا الجمال ليسْكُنُ زوجها إليها، فإذا استخدم هذا الجمال لغير ما خلق له، لغير زوجها، للأجانب، لمن في الطريق فقد أضلت المسعى، فالله سبحانه وتعالى أراد أن تكون هذه المرأة شيئاً مصوناً، بعيداً عن وحول الطريق، بعيداً عمّا تقع عليه العيون، فحينما سمح لها أن تخرج لعلةٍ شرعيةٍ، لسببٍ شرعيٍ، لعذرٍ شرعيٍ، لضرورةٍ شرعيةٍ، حينما سمح لها أن تخرج، أمرها أو نهاها عن أن تتبرج، والتبرج إظهار ما يجب إخفاؤه عن الأجانب، إظهار ما يجب إخفاؤه في الطريق.
 يجب إخفاؤه في الطريق ؛ ولكن يجب التبرُّج في البيت، وإذا خرجت

﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِليَِّةِ الأُولَى ﴾

 عثرت على نصٍ رائعٍ للسيدة عائشة رضي الله عنها، قيل لها: " يا أم المؤمنين، ما تقولين في الخِضَاب وفي الصباغ، وفي التمائم، وفي القرطين، وفي الخلخال، وفي خاتم الذهب، وفي رقاق الثياب ؟ ".
 مرة ثانية.. يا أم المؤمنين، ما تقولين في الخضاب وفي الصباغ، وفي التمائم، وفي القرطين، وفي الخلخال، وخاتم الذهب، ورقاق الثياب ؟ فقالت: << يا معشر النساء قِصَّتُكُنَّ قصة امرأةٍ واحدةٍ، أحل الله لَكُنَّ الزينة غير متبرجاتٍ لمن لا يحلُّ لَكُن >>.

وجوب التبرُّج في البيت:

 إذاً: يجب على المرأة أن تتزين لزوجها، ويجب عليها في الوقت نفسه أن تُخفي هذه الزينة عن غير زوجها، فإذا فهمت المرأة المسلمة أن النهي عن التبرج يعني نهياً عن التبرج مطلقاً فهذا فهمٌ أعرج، إنها أمرت أن تتزين لزوجها لتحفظه من أن يَخْطِفَ بصره، أمرها الشرع أن تتزين لزوجها لتكون سكناً له كما أراد الله عزَّ وجل، أمرها الشرع أن تتزين لزوجها لتُعينيه على طاعة الله عزَّ وجل، أمرها الشرع أن تتزين لزوجها لئلا تحدثه نفسه الضعيفة أن ينظر إلى غيرها.
 لكن إذا خرجت المرأة من البيت لعلةٍ شرعيةٍ، لضرورةٍ شرعية، لعذرٍ شرعيٍ:

﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ﴾

 أي أيتها النساء المؤمنات لا تظهرن ما منح الله لكُنَّ من جمالٍ لغير أزواجكُن.

من معاني التبرج:

 نعود إلى الآية، بعضهم قال: لا تُظهرن ما يُسْتَدْعَى به شهوة الرجل، أيْ أنّ أيّ شيءٍ أظهرنه استدعى به شهوة الرجل فهذا محرَّم، هذا مقياس دقيق، دعونا من التفاصيل، ودعونا من الخِلافيات، أي شيءٍ يلفت نظر الرجال ممنوعٌ أن تظهره المرأة.

﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾

( سورة النور: من الآية 31 )

 ظهر عن غير قصدٍ منها، كأن تكون طويلة القامة، ماذا تفعل بطولها ؟ كأن تكون ممتلئة الجسم، كأن ترتدي ثوباً أسود اللون، هذا اللون أي لونٍ إذا اختارته بعنايةٍ قد يكون لوناً دقيقاً، ماذا تفعل بطولها أو بامتلاء جسمها، أو بلون معطفها ؟ هذا الذي ليس بإمكانها ألاّ تظهره..

﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾

 ولم يقل الله عزَّ وجل: إلا ما أظهرن منها، إلا ما ظَهَرَ عن غير قصدٍ، وعن غير إرادةٍ، وعن غير مشيئةٍ، إذاً: أي شيءٍ يلفت النظر إليها ممنوعٌ أن تظهره، وقد يكون أجمل ما في المرأة وجهها، إذاً:

﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾

( سورة النور: من الآية 31 )

 بإمكانها أن تظهره أو ألا تظهره، بإمكانها أن ترخي عليه حجاباً، بإمكانها أن تضرب بخمارها من رأسها على صدرها مروراً بوجهها، بإمكانها كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: <<كن محرماتٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الركبان إذا مرّوا بنا أو حاذونا أسدلت إحدانا جلبابها على وجها >>، بهذه العبارة.
 على كلٍ سأريكم من خلال ما ورد في التفاسير كيف كانت المرأة في الجاهلية تتبرج.

صورة التبرُّج في الجاهلية:

1 – الفروع:

 قال الإمام مجاهد: " كانت المرأة تخرج تمشي بين الرجال "، أن تمشي بين الرجال نوعٌ من أنواع التبرُّج، ألم يقل الله عزَّ وجل في قصة سيدنا شعيب:

﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ( 23 ) ﴾

( سورة القصص )

 أي أنّ مزاحمة الرجال، وأن تسير المرأة بين الرجال هذا من التبرُّج، هذا ما قاله الإمام مجاهد.

2 – الصورة الثانية:

 وقال قتادة: " كانت لهُنَّ مِشْيَةَ تكسرٍ وتَغَنُّج "، لذلك:

﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾

(سورة النور: من الآية 31)

 هناك جمال الحركة، وهناك جمال الصوت، وهناك جمال اللون، وهناك جمال القَوام.

﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) ﴾

 المرأة منهيةٌ عن أن تتكسَّرَ في صوتها كي تلف النظر إليها، ومنهيةٌ عن أن تتحرك حركةٌ تلفت النظر..

﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾

(سورة النور: من الآية 31)

 ومنهيةٌ عن أن تخضه بالقول..

﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) ﴾

فلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ

 ومنهيةٌ أيضاً أن تظهر من أعضائها، ومن خطوط جسمها، ومن ملامحها، ومن شكلها، ومن لونها، ما يلفت النظر إليها، كلام واضح كالشمس، من قوامها، ومن خطوط جسمها، ومن حجم أعضائها، ومن لَوْنِهَا، ومن شكلها، ومن ملامح وجهها، ما يلفت النظر إليها، فالتبرج إظهار ما يجب إخفاؤه، إظهار كل زينةٍ طبيعيةٍ منحها الله للمرأة أو غير طبيعية.
 وقال ابن حيان: " كانت تُلقي الخمار على رأسها ولا تشده، فتظهر قلائدها وقرطها، ويظهر قرطُها وعنقها، هذا التبرج الذي كان في الجاهلية الأولى ".
 وقال ابن كثير: " ربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها، وأقرطة أذنيها ".

الجاهلية الأولى والجاهلية الثانية:

 هذا الوصف الذي ورد في كتب التفاسير عن تبرج الجاهلية الأولى، وسبحان الله ! لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وصف هذه الجاهلية بأنها جاهليةٌ أولى، ومن وصف الجاهلية بأنها أولى يستنبط أن هناك جاهليةٍ ثانية، ربما كانت أشد من الأولى، نساءٌ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( كاسيات عاريات ))

 إما لأن الثوب شفاف يشفُّ عما تحته، أو لأنه ضيق يصف حجم أعضائها، فهن كاسيات لكنهن عاريات، مائلاتٌ مميلات، فالعنوهن لأنهن ملعونات..

(( سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى السُّرُوجِ كَأَشْبَاهِ الرِّجَالِ، يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، عَلَى رُءُوسِهِمْ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ، الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ، لَوْ كَانَتْ وَرَاءَكُمْ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَخَدَمْنَ نِسَاؤُكُمْ نِسَاءَهُمْ، كَمَا يَخْدِمْنَكُمْ نِسَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ ))

[مسند أحمد عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو]

 إذاً:

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ (33) ﴾

 لا تظهرن الفتنة أو الجمال الذي أودعه الله فيكُنَّ، هذا الجمال يجب أن يظهر للزوج، وأن يختفي عمن سواه، أما إذا فسقت المرأة، وفجرت قُلبَت الآية، فكل جمالها في الطريق، وكل جمالها للأجانب، وكل أنوثتها ولطفها، ورِقَّتها لغير زوجها، وكل ما يستوحشُ منه لزوجها، هذا من الخروج عن منهج الله عزَّ وجل.

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (33) ﴾

 بعضهم قال: إن للحشمة جمالاً، وإن للتبذُّل ولكشف الأعضاء جمالاً، لكن الإنسان كلما ارتقى يعجب بجمال الحشمة لا بجمال التبذُّل، كلما ارتقى ذوق الإنسان يعجبه في المرأة حياؤها وحشمتها، هكذا ورد في القرآن الكريم حينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23)فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾

(سورة القصص )

 ما الذي لفت نظرها في سيدنا موسى ؟ قوته، وأمانته، عفته، فما نظر إليها، بل أطرق في الأرض، فلما أراد أن يذهب إلى بيت أبيها قال: سيري خلفي، ودليني على الطريق، وما الذي أعجبه فيها ؟ حياؤها، ومن علامات قيام الساعة أنهُ ينزع الحياء من
 وجوه النساء ـ وقحةً تُحِدُّ النظر إليك ـ وتُرفعُ النخوة من رؤوس الرجال، وتُنزع الرحمة من قلوب الأمراء ـ لا حياء في وجوه النساء، ولا نخوة في رؤوس الرجال، ولا رحمة في قلوب الأمراء.

إياكم والدياثة !!!

 وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( الديوث لا يدخل الجنة، قيل: من هو الديوث يا رسول الله ؟ قال: الذي يرضى الفاحشة في أهله، ولا يغار على عرضه ))

(( ثَلاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ ))

(مسند أحمد عَنْ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ )

 فالذي لا يغار على عرضه أو يرضى الفاحشة في أهله فهو ديوث، الإنسان له فطرة، حدثني أحدهم مرّة أنه قرأ في مجلةٍ عن امرأةٍ تعمل في التمثيل، ليست مسلمةً، سئلت عن شعورها وهي تبدي للناس محاسنها ؟ قالت: "إنه شعور الخزي والعار، وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الناس، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين وفي غرفٍ مغلقة ".
 هذا التخطيط الإلهي، وهذه هي الفطرة، فلذلك عندك النقل، وعندك العقل، وعندك الفطرة، فإذا خالفت النقل، أو خالفت العقل، أو خالفت الفطرة، فقد ضل الإنسان سواء السبيل، فالعقل يأمره بذلك، والفطرة تأمره بذلك، والنقل يأمره بذلك، والذوق الرفيع يأمره بذلك.

ما هي الجاهلية التي وصفت في القرآن الكريم ؟

 وبعد فلدينا سؤالٌ دقيق: ما هي الجاهلية التي وصفت في القرآن الكريم ؟

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (33) ﴾

النوع الأول: الجهل بحقائق الدين:

 الجاهلية استخدمت في القرآن الكريم بتعريفين، مرةً:

﴿ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138) ﴾

( سورة الأعراف )

 لا تعرفون حقيقة الألوهية ؟ لا تعرفون من ربكم ؟ ولا من إلهكم، ولا من خالقكم، لا تعرفون حقائق التوحيد، لا تعرفون عظمة الله عزَّ وجل.
 إذاً: الجاهلية هنا بمعنى الجهل بحقائق الإيمان.

النوع الثاني: الانحراف عن منهج الله:

 ومرة ثانية جاء الوصف على لسان سيدنا يوسف حينما قال:

﴿ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ(33) ﴾

(سورة الأعراف)

 فالجاهلية في القرآن ؛ إما جهلٌ بحقائق الدين، أو انحرافٌ عن منهج الدين، فالإنسان إذا كان مسلماً وخالف منهج الله عزَّ وجل فهو جاهلي، والإنسان إذا كان أخلاقياً، وما عرف منهج الله عزَّ وجل فهو جاهلي، يدلنا على ذلك مقالة النبي عليه الصلاة والسلام لأحد أصحابه في ساعة ضعفٍ، وقد تشادَّ مع صحابي آخر، وكان أسود اللون، فقال هذا الصحابي لذاك العبد الأسود: " يا ابن السوداء "، فما كان من نبيِّنا عليه الصلاة والسلام إلا أن قال له:

(( إنك امرؤٌ فيك جاهلية ))

[ متفق عليه عن الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ]

 أراد هذا الصحابي أن يكفر عن ذنبه، فوضع خدَّه على الأرض، ولم يرض إلا أن يطأ خده هذا الذي عيره بسواد لونه.
 ففي صحيح مسلم عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلامِهِ مِثْلُهَا، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَذَكَرَ أَنَّهُ سَابَّ رَجُلا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ، قَالَ: فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ وَخَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدَيْهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ عَلَيْهِ ))

[ متفق عليه عن الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ]

 إذاً: الجاهلية أن تجهل، والجاهلية أن تنحرف، إذاً ليست الجاهلية فترةً زمنيةً، ولكنها حالةً اجتماعية.

الجاهلية الأولى أحياناً أهون من الجاهلية المعاصرة:

1 – مع امرئ القيس:

 قد نكون نحن الآن في جاهليةٍ جهلاء، لأن عنترة العبسي عاش في الجاهلية وقال:

وَأَغَضُّ طَرفي ما بَدَت لي جارَتي  حَتّى يُواري جارَتي مَأواها
***

 فهذا الشاعر الجاهلي الذي عاش في عصر الجاهلية غض بصره عن جارته، فإذا كان إطلاق البصر، والتلصُّص على عورات المسلمين من سمات هذا العصر، فنحن في جاهليةٍ جَهْلاء.

2 –أم سلمة وقصتها مع الرجل المشرك:

 إنّ أم سلمة فيما أذكر أرادت أن تلحق بزوجها في المدينة، فركبت ناقتها، بعد أن بقيت عاماً أو أكثر أثر مشادّةٍ بين أهل زوجها وأهلها حول ابنها سلمة، وحينما رَقَّ قومها وقوم زوجها لها، وسمحوا لها أن تنطلق إلى زوجها في المدينة، ركبت ناقتها، شاهدها أحد المشركين، وكَبُرَ عليه أن تسافر وحدها إلى المدينة، فرافقها، ولها وصفٌ دقيٌق لا يُصَدَّق، كلما أرادت أن تستريح أناخ جملها، وابتعد عنها كثيراً، وتركها تستريح، فإذا حان وقت المسير عاد إليها، وغض بصره، وأركبها الجمل، وقاده اثني عشر يوماً إلى المدينة دون أن يراها، هذا في الجاهلية وقد كان مشركاً.

الجاهلية حالة مَرَضية وليست فترةً زمنيةً:

 فلذلك الجاهلية ليست فترةً زمنيةً ؛ بل هي حالةٌ مرضية، قد تكون في أي عصر، فحينما ينطلق الناس نحو شهواتهم، وحينما تخرج النساء كاسيات عاريات مائلاتٌ مميلات، فنحن في جاهلية، وحينما يختلط الرجال بالنساء، وينشأ عن هذا الاختلاط الفتن، وخراب البيوت، ومشكلات الأُسَر، هذا أيضاً من الجاهلية، فلذلك الموضوع خطيرٌ جداً، فأنت كمسلم هناك منهج رسمه الله لك، فإما أن تعرفه فأنت إذاً مؤمن ومسلم ؛ وإما أن تجهله فأنت جاهلي، الآن عرفته، إما أن تسير عليه فأنت مسلم ومؤمن ؛ وإما أن تخالفه فأنت جاهلي، كما قال عليه الصلاة والسلام: لأحد أصحابه:

(( إنك امرؤٌ فيك جاهلية ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن أبي أمامة ]

 ولك أن تقول لكل إنسان يجهل حقائق التوحيد، يجهل حقائق القرآن، يفتخر بجهله: إنك امرؤٌ فيك جاهلية، وكل إنسانٍ يعرف بعض الحقائق ويحيدُ عنها، " إنك امرؤٌ فيك جاهلية "، هذا هو الجهل، إذا: إما أنّ الجاهلية من جهل الحقائق، وإما أن الجاهلية من عدم تطبيق الحقائق، إذاً:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (33) ﴾

ليست هذه الآية خاصة بنساء النبي فانتبهوا !!!

 هذا نهي، ومرة ثانية أقول لكم: إنّ مَن يتوهم أن هذه الآية تختص بها نساء النبي، فقد وقع في وهمٍ كبير، لأن الله عزَّ وجل إذا أمر نساء النبي وهن المُحْصَنَات، العفيفات، الطاهرات، التقيَّات، القانتات، إذا أمرهن ألا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، فلأن يكون الأمر موجهاً إلى عامة النساء المؤمنات من باب أولى.

يا أيتها المسلمة إيّاك أن تؤذي الشباب !!!

 والمرأة المؤمنة لا تقول مثلاً: أنا حينما أسير في الطريق لا يجرؤ أحدٌ أن يخاطبني بكلمة، نقول لها: أيتها الأخت الكريمة إذا كان في مظهركِ ما يلفت النظر إليكِ فقد آذيتِ المسلمين، وأنتِ لا تدرين، إذا كان في مظهرك ما يؤذي الشباب، أو يؤذي العُزاب، أو يؤذي المتزوجين فقد ساهمتِ في خراب البيوت، وأنت لا تدرين، وأنتِ في أعلى درجات الإباء والعِزَّة، إن مظهركِ هذا يؤذي المسلمين، يؤذي الشباب، يؤذي المحرومين، يؤذي من ليس له زوجة، فما هذا القول بأنكِ شريفة !! وبأنكِ عزيزة، وبأنكِ صارمة، وبأنكِ شديدة، إن هذا المظهر الذي يلفت النظر إليكِ فيه أذىً وأي أذىً، إنكِ إن نظر إليكِ شابٌ وتحَسَّر، أو نظر إليكِ متزوجٌ وتألَّم فقد ساهمتِ في خراب بيته وأنت لا تدرين، فالمرأة المؤمنة لا تؤذي الناس بشكلها، ولا بقوامها، ولا بزينتها.
 ومرةً ثانية: الزينة الطبيعية التي أودعها الله في المرأة، والزينة المجلوبة التي تصنعها بأيديها، سواء بسواء، فلا هذه ولا تلك، لذلك العورة قد تظهر لا بلونها ؛ ولكن بحجمها من خلال ضيق الثياب، وقد تظهر بلونها من خلال رِقَّةِ الثياب، فالثياب الرقيقة والضيقة هذه لا يمكن أن تكون مباحةً في الإسلام، فكل ما يبدي مفاتن المرأة منهيةٌ أن تظهره.

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ (33) ﴾

 لا تظهرن، البارجة غير القارب، البُرج أعلى ما في البناء، البروج نجومٌ عظيمة.

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ (33) ﴾

 أي تبرج المرأة الجاهلة التي لا تعرف قيمتها، لا تعرف وظيفتها في المجتمع، لا تعرف دورها الخطير، لا تعرف لمن هذا الجمال، لا تحمل المرأة لوحةً حمراء، لوحتها سوداء، هي لزوجها فقط لا لعامة الناس، هذه التي تعطي مِن أنوثتها، ومن حركاتها، ومن صوتها، ومن جمالها، لكل مَن ينظر إليها، هذه ليست امرأةٌ خاصةٌ لزوجها ؛ بل هي عامة، إذاً:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ (33) ﴾

مِن طرق عدم التبرج: إقامة الصلاة على وجهها:

 لعل الله سبحانه وتعالى حينما بدأ بأن يقررن في بيوتهن، وألاّ يتبرَّجن، أراد أن يبين لهن الطريق، إنكن إن أقمتن الصلاة، فبالصلاة وبالقرب من الله عزَّ وجل، وبشعور المرأة بأنها قريبةٌ من الله عزَّ وجل، بأن الله يحبها، وبأن الله يرضى عنها، حينما لا تؤذي عباد الله المؤمنين، لعلها بهذا القُرب تستعين على أن تنفذ أمر الله عزَّ وجل.
 الإنسان دائماً عنده في حياته عوض، مثلاً: يقولون: إن عملية البيع لا تتم إلا بحالة نفسية، عملية الشراء وعملية البيع لا تتمان إلا بحالة نفسية، فأنت كمشترٍ لا يمكن أن تشتري هذا الكتاب إلا إذا رأيته أثمن من مالك، من ثمنه، قال لك ثمنُه: عشرون ليرة، ما لم تر أن قيمة الكتاب أثمن من عشرين لا ينعقد البيع، والبائع لا يمكن أن يبيع الكتاب إلا إذا شعر أن ثمنه أغلى منه.
 فهذه المرأة التي تقبل أن تتحجب، وأن تطبق شرع الله عزَّ وجل، وأن تستقر في البيت، وأن تبتعد عن كل زينةٍ تلفت النظر، ما الذي يعينها على ذلك ؟ أن تتصل بالله عزَّ وجل، إذا ذاقت حلاوة القُرب، إذا ذاقت معنى أن يرضى خالق الكون عنها، إذا ذاقت أن الله يحبها، ويحب أمثالها، وأن الله راضٍ عنها، إذا ذاقت هذه المرأة طعم القُرْب طبقت أمر الله بقَضِّهِ وقضيضه، من ألِفِهِ إلى يائِهِ.
 إذاً:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ (33) ﴾

 الآية دقيقة جداً، أي تبرجن في بيوتكن، فإذا خرجتن من بيوتكن لعذرٍ شرعي فلا تبرجن في الطريق، لأن هذا الجمال لأزواجكن لا لعامة الناس..

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (33) ﴾

معنى إتيان الزكاة :

 قال بعض العلماء: وآتين الزكاة هنا بمعنى تصدَّقن الصدقة النافلة، فالمرأة لا تخلو أن يكون لها مال، فلابدَّ من أن تتصدق من مالها على الفقراء والمساكين، على امرأةٍ ضعيفةْ، على امرأةٍ أرملةٍ، على امرأةٍ مسكينةٍ، على طفلٍ يتيم، هذا معنى الزكاة، باعتبار المرأة إذا ملكت النصاب عليها الزكاة قولاً واحداً، تجب عليها الزكاة، لكن يغلب على المرأة أن تكون نفقتها على زوجها، فإذا أُمِرَت بالزكاة فأغلب الظن أن هذه الآية موجهة إلى الصدقة النافلة..

﴿ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (33) ﴾

وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَه

 هذا من عطف العام على الخاص، أي أن المرأة المسلمة لا تخرج عن منهج الله أبداً، لا تحيد عن شرع الله أبداً ؛ لا في حركتها، ولا في صوتها، ولا في مظهرها، ولا في ثيابها، ولا في طاعة زوجها، ولا في رعاية أولادها.

(( انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ أي يعدل الجهاد في سبيل الله ))

[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقى فى شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]

﴿ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (33) ﴾

 في كل شيء، حتى في علاقتها بزوجها، حتى في تربيتها لأولادها، حتى في علاقتها بأهلها.

﴿ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (33) ﴾

 حتى في خروجها، حتى في ثيابها، حتى في حِجابها، حتى في ترك العطر في الطريق، حتى في عدم الخروج من البيت من دون إذن الزوج، على المرأة المسلمة أن تتقصّى أوامر الله عزَّ وجل، وأوامر النبي عليه الصلاة والسلام فيما يَخُصُّها، وهذه الآية:

﴿ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (33) ﴾

 هذه من عطف العام على الخاص.

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) ﴾

إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً

1 – ما هو البيت في هذه الآية ؟

 نجد في هذه الآية معنى دقيقاً جداً وجليلاً، هو أنّ كلمة ( البيت ) جاءت في الآية معرفة، إذا قلت: البيت أي الكعبة، البيت الحرام، في الأرض بيتٌ واحد، هو البيت الحرام، هذه ( ألْ ) هي ( ألْ ) العهدية، تكون أنت في دائرة فيها مئتا موظف، وفيها مدير، فكلَّما قلت: المدير مثلاً حضر أو غاب، والمدير أصدر قرارا، كلمة المدير بهذه الدائرة تعني مدير هذه الدائرة، هذه ( أل ) للعهد، ولأن بيت الله الحرام بيتٌ واحدٌ في الأرض، لذلك ورد ذكره معرفٌ بـ ( أل ) العهدية.

2 – من هم أهل البيت في هذه الآية ؟

 أما هنا فشيءٌ جديد، أهل بيت النبي نساؤه، هم أهل البيت، إذاً: بيت النبي شيءٌ مقدس جداً، وجاءت الكلمة أيضاً لمنزلته، لأن الناس لو رأوا النبي في أعلى درجة، ولم يروا نساءه في المستوى اللاَّئق بهن تتزلزل نفوسهم، يختل توازنهم، فليس من المعقول أن تفصل إنساناً عن بيته، هذه زوجته لِمَ لا تكون على وضعٍ مقبول، هؤلاء أولاده، هؤلاء بناته، فإذا دعا الإنسان إلى الله عزَّ وجل فلينتبه إلى البيت، لأن خللاً في البيت يضعف الدعوة إلى الله عزَّ وجل، فإذاً ربنا عزَّ وجل في عليائه، خالق السماوات والأرض قال:

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ (33) ﴾

3 – التبرّج والانحراف رجس:

 التفلُّت من أوامر الشرع، إظهار الزينة، أن يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن، هذا رِجس أي نَجَس.

﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ (32) ﴾

 هذا نَجَس رِجس.
 إظهار الزينة لغير الزوج هذا رجس، فربنا عزَّ وجل كي ينفرنا من هذا الانحراف سماه نَجَساً، فأن تَظهر المرأة فاتنةً، أو أن تعرض مفاتنها على الناس، أو أن تتساهل في حجابها، أو ألا تكون دقيقةً في إخفاء زينتها، إن هذا العمل سماه الله في القرآن الكريم: رجساً.

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ (33) ﴾

 أي أنّ الله عزَّ وجل تولَّى في عليائه تطهير أهل بيت النبي وتأديبهن، وفي معنى آخر: أن هذا البيت بيت النبي مقدس جداً، لو لم يكن في مستوى الرسالة لاضطرب الناس، لشك الناس في هذه الدعوة، فالمرأة التي تلوذ بالنبي إذا انحرفت سببت للأتباع اضطراباً، وزلزلةً، وقلقاً، وشكاً، وطعناً، فلذلك أهل بيت النبي يجب أن يكونوا في المستوى اللائق بالنبي، لذا تولى الله بنفسه تأديبهن.

4 – استنباط لطيف يهم الداعية على الله:

 وقياساً على هذا إنك إن أردت أن تدعو إلى الله عزَّ وجل فالناس يرقبون بيتك، يتبعون أهل بيتك، يتبعون بناتك، يتبعون أولادك، هل هذا الذي تدعونا إليه مطبقٌ في بيتك ؟ أم أن الدعوة ارتزاق ؟ هل هذا الذي تدعونا إليه مطبَقٌ في حياتك الخاصة ؟ لأن الناس لو رأوا خلافاً ومسافةً بين ما هو كائن وما يجب أن يكون تزلزلوا، واضطربوا.
 إذاً:

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) ﴾

قصة وعبرة:

 كتبت امرأةٌ قصةً قصيرةً تقول فيها: مرضت مرضاً شديداً بعد خلع ضرسٍ، قاسيت منه آلاماً مبرحة حرمتني طعم النوم والأكل شهراً كاملاً، إذ لم يكن يكفّ وقعُ الألم لحظةً ليلاً أو نهاراً، وزاد الورم حتى كاد خّدِّي ينفجر، وامتد إلى عنقي ورأسي، وأغلق جَفْنَيْ عينَيّ، فحار في أمري الجرَّاحون والأطباء، وعجز الطب وعز الدواء، وقُطع الأمل بتاتاً من الشفاء، وإذا بيد الله الكريمة تمتد وتمسح المرض والورم، وتمحو على مهلٍ الجرح وتصرف الورم، فوقف الأطباء مدهوشين من هذه المعجزة، وقالوا خاشعين: حقاً إن الله القدير الرحيم يحيي العظام وهي رميم، فعاينت تفاهةَ الخَلق، وعجْزَ من ادعى العلم، وأدركت أن الخالق سبحانه أبر وأرحم بعبده من كل إنسان.
 قالت: وفي أثناء مرضي عادتني سيدةٌ فاضلة، وقالت لي مجاملة: إنكِ لا تستحقين كل هذا العذاب، أنت السيدة المؤمنة المُصَلِّيَة الحاجة لبيت الله الحرام، فماذا اقترفتِ من آثام حتى تُعاقبي بهذه الآلام ؟!
 قالت: فصرخت قائلةً: لا تقولي ذلك، فإن الله لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، إنني آثمة أستحق كل هذا العذاب، هذا الفم الذي أدَّبه الله بالمرض والألم كان يُصْبَغ، وكان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، وهذا الوجه الوارم كان يتجمَّلُ بالمساحيق، وهذا الجسم الطريح كان يتبرَّج بالثوب الأنيق، وهذه الهامة المتألمة المتأججة بنار الحمى كانت لا تحجب بالنقاب كما أمر الله، وهي الآن تحجب قهراً باللفائف الطبية، لم اختمر بخمار الاحتشام فخمرَني الله بخمار الآلام، جَمَّلْتُ فمي ووجهي بالأصباغ والأدهان، فصفعهما الله صفعة العذاب والهوان.
 هي أديبة أيضاً كما يبدو.
 قالت: إنكِ لم تفعلي إلا ما يفعله غيركِ ؛ بل وأقل مما يفعله غيركِ، فكل النساء يتبرجن، ويتجملن أكثر منكِ، وهاهُن يرتعن في بحبوحة الصحة، ويرفُلْنَ في حُلَلِ السعادة!
 فقلت: هذا من فضل ربي عليّ، وحبه لي، ورحمته بي، فإذا أحب الله عبداً ابتلاه، وطهَّره بعذابه وربَّاه، ثم إذا أراد ساق له العافية ونَجَّاه، ففاز بجزاء الصبر، وحظي بفضيلة الشكر، وسعد بالتوبة والطهر، فشكراً لله على هذا الدرس النافع، وهذا الألم الشافي الناجع، وهذا العقاب المؤدِّب الرادع، وهذا المرض المُهَذِّب اللاذع، إن الله سبحانه وتعالى يأمرني بعمله، بفعله بهذا المرض، بعد أن أمرني بكتابه، إن لم أستجب لكتابه استجبتُ لفعله، فكيف لا أشكره على هذه العناية ؟ وكيف لا أطيع من يرعاني هذه الرعاية ؟ وهكذا شُفيت من مرضي ضعيفة الجسم قوية الإرادة، ضعيفة الهوى قوية الصبر، وفهمت
ما قاله الله لي بهذا المرض، وما سكبه بقلبي بلا ألفاظ، وما صوره لعيني فرآه عقلي جلياً وضاحاً.
 فهمت كيف يجب أن يُحاط رأسي ووجهي بالخمار، كما مثله الله لي، وأن يدعو فمي ولساني بالشكر خوفاً وطمعاً، فكنت بعد مرضي غير ما كنت قبله، وكانت أعظم نعمةٍ علي أن جعلتني أقهر هوى نفسي وصبرت يومي، وأصبحت أغنى وأقنى من أمسي.
 هذا درس، فهذا الوجه، هذا الجمال الذي منحه الله للمرأة، إن لم يحجب بالنقاب ربما حُجِبَ باللفائف الطبية.
والله سمعتُ عن امرأةٍ متبذلة تعادي كل امرأةٍ تضع الحجاب، تعاديها وتكيدُ لها، وتوقع بها الأذى، أصاب رأسها مرضٌ عُضال، فاضطرت لحلق شعرها كله، وأشار عليها الطبيب أن تضع الحجاب ليتسرَّع شفاء المرض، فتوسلت إليه أن تضع الباروكة قال: لا، لا، الحجاب ضروري، فالباروكة تؤذي الجلد، فرأتها امرأةٌ وقد تنقَّبت بالحجاب، لم تصدق، ولكنه ليس حجاب الإيمان، ولكن حجاب المرض.
 إذا آذت المرأة عباد الله بشكلها، وزينتها، وحركتها، وصوتها، إن كانت مؤمنةً، وإن كان فيها بقيةٌ من يقينٍ وعقيدة، ربما ساق الله لها من الآلام ما يردعها، وهذه قصةٌ واقعية، هذه المرأة التي أصابها مرضٌ شديد، وحينما تابت إلى الله عزَّ وجل عاد إليها شفاؤها وثقتها بالله عزَّ وجل.
 في الدرس القادم أرجو الله سبحانه وتعالى أن نفسر قوله تعالى:

﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ(35)﴾

 إلى آخر الآيات.

والحمد لله رب العالمين