التفسير المطول - سورة الأنعام 006 - الدرس(53-73): تفسيرالآيات 127 ـ 129، شياطين الإنس والجن
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-03-03
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثالث والخمسين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية الثامنة والعشرين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

يوم الحشر

 أيها الإخوة الكرام ، هناك حدث سيكون يوم القيامة تشير إليه كلمة

﴿ وَيَوْمَ ﴾

 يعني في هذا اليوم في يوم الدينونة ، في يوم تسوية الحسابات ، في يوم الجزاء ، في يوم الحساب .

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾

 أي يجمعهم ، هؤلاء الناس الذين بغوا ، وطغوا ، وظلموا واستعلوا ، واستكبرا ، وأخذوا ما ليس لهم ، وبنوا مجدهم على أنقاض الآخرين ، وبنوا ثروتهم على إفقار الآخرين ، وبنوا وجودهم على إزهاق أرواح الآخرين ، هؤلاء حسابهم عسير .

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

( سورة آل عمران )

 سيدنا عمر بن عبد العزيز كلما دخل إلى مكان عمله يتلو هذه الآية :

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

(سورة الشعراء)

 هذا الذي أمر بهدم سبعين ألف بيت بغزة ، في ثانية واحدة انتهى ، كان في قبضة الله في ثانية واحدة ، فلذلك :

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ﴾

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾

( سورة الغاشية)

 هل تريد أن أنبئك من هو المنتصر الحقيقي ، وقد يكون بمقاييس البشر منهزماً ، هو الذي يموت موحداً ، ويموت طائعاً لله عز وجل ، ولو قتل مظلوماً .

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

( سورة آل عمران )

 أفضل ألف مرة أن تكون في العناية المشددة ، شدة ، وضيق ، وحرج ، من أن تُهمل في الدنيا ، ثم تحاسب في الآخرة ، الله عز وجل يعجب من هؤلاء الذين يقترفون الكبائر ويقول الله عنهم :

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾

( سورة البقرة )

 كيف يصبرون ؟ لذلك بعضهم عثر على نص لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول استغنيت به عن 400 ألف حديث ، قال :

(( اعمل للجنة بقدر مقامك فيها ، واعمل للدنيا بقدر بقاءك فيها ، واعمل لله بقدر حاجتك إليه ، واتقِ النار بقدر صبرك عليها ))

[ورد في الأثر]

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ﴾

 ليس هناك تجمعات .

﴿ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ﴾

( سورة الأعراف الآية : 48 )

 في الدنيا تجمعات ، دولة عظمى تعتدي ، ودول العظمى أخرى تخاف منها فتناصرها ، ولا تعبأ بالحق إطلاقاً ، هناك تجمعات في الدنيا ، أما في الآخرة :

﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾

(سورة الأنعام الآية :94 )

﴿ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ﴾

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا معشر الْجِنِّ ﴾

يا معشر الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ

 أيها الإخوة ، كلمة معشر أي أناس اجتمعوا في مكان واحد ، في حرفة واحدة من قوم معينين ، تعايشوا ، اجتمعوا وتعايشوا ،

﴿ يا معشر الْجِنِّ ﴾

 لذلك جميع المخلوقات مسيرة إلا الإنس والجن ، فهما صنفان مخيَّران ،

﴿ يا معشر الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ﴾

 لأن رئيس الشياطين إبليس اللعين قال :

﴿ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

( سورة ص)

 يعني أراد إغواء البشر ، وقال :

﴿ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

( سورة الحجر )

 فلذلك هذا الشيطان الرجيم إبليس اللعين يريد أعواناً من الإنس ليكونوا أدواته في إضلال البشر ، لذلك قال الله عز وجل في معرض الحديث عن الشياطين :

﴿ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 112 )

 ولماذا قدم شياطين الإنس ؟ لأن أذاهم أكبر ، هو منك من بني جنسك ، إنسان يحدثك ، تحدثه ، يقنعك ، تقنعه ، شيطان الإنس أخطر من شيطان الجن ، فالشيطان يحتاج إلى معاونين من الإنس ، وكلما كثر المعاونون ازدادت قوة الشيطان وهيمنته .
 لكن بالمناسبة أيها الإخوة ، لا بد من التوضيح ؛ لو أن عمل الشيطان سلبي قطعاً لما سمح الله له ، لكن الشيطان دون أن يريد ، ودون أن يشعر يوظف الله شره للخير المطلق.
 أوضح مثلٍ : يلقي الشيطان في رُوع الإنسان أن الله من خلقه ؟ فهذا الشاب المؤمن يأتيه هذا الوسواس ينخلع قلبه ، يتألم أشد الألم ، يذهب إلى العلماء ، يلتزم بمجالس العلم ، يطلب العلم إلى أن يصبح مؤمناً قوياً ، من الذي كان سبب قوته ؟ الشيطان ، من دون أن يشعر ، ومن دون أن يريد ، تماماً كهذه الصور التي رسمت ، ماذا فعلت ؟ نبهتنا إلى محبتنا بهذا النبي الكريم أيقظت فينا محبته ، أيقظت فينا الانتماء إليه ، رجعنا إلى السيرة ، والله الذي لا إله إلا هو ولا أبالغ سوف يدخل في دين الله مئات الألوف بل الملايين في المستقبل بسبب هذه الصور .
 دائماً وأبداً كل شيء وقع أراده الله ، بمعنى سمح به ، وكل شيء أراده الله وقع وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، ولكل واقع حكمة ، وقد يكون المُوقِع مجرماً ، لكن ما دام الذي وقع قد وقع فهناك حكمة لا يعلمها إلا الله .
 فالشيطان يريد أن يضل الإنسان ، لكن في أحيان كثيرة يريد أن يضله فيهتدي ، يريد أن يضله فيلجئه إلى مجالس العلم ، يريد أن يضله فيحمله على التوبة ، من دون أن يشعر ومن دون أن يريد ، لذلك :

﴿ يا معشر الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ﴾

 طبعاً هناك من الجن من هو مؤمن ، الحديث اليوم لا عن الجن المؤمنين ، بل عن الجن الكافرين ،

﴿ يا معشر الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ﴾

 بشكل عام الاستكثار مجاوزة الحد ، هناك إنسان يستكثر من المال ، مع أن حاجته إليه لا تزيد على واحد بالمليون من حجم ثروته ، يقاتل من أجل الدرهم والدينار ، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ، وغاب عنه أن الكسب شيء ، وأن الرزق شيء آخر ، الكسب ما كتب باسمك من أموال منقولة وغير منقولة ، أما الرزق فهو الذي انتفعت به فقط ، الطعام الذي تأكله ، الثياب التي ترتديها ، البيت الذي تسكنه ، الزوجة التي تعيش معها هذا رزقك ، وهذا الرزق الذي أكلته فني ، والذي لبسته بلي ، ليس لابن آدم إلا ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى ، أو تصدق فأبقى ، الذي هو لك وانتفعت به ثلثه الذي يبقى يوم القيامة ، وما سوى ذلك فهو من المستهلكات ، أما الكسب فيعني حجمك المالي ، رصيدك ، أموالك المنقولة وغير المنقولة ، هذه تحاسب عليها حساباً شديداً من أين اكتسبتها ؟ مع أنك لم تنتفع بها لذلك :

(( خذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرَيْها هَمّا ))

[ رواه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

(( ومن أخذ منها فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر ))

[ رواه الديلمي عن أنس رضي الله عنه ]

﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾

( سورة الملك)

 سمعت عن شخص عاش في بلد الحرمين 35 سنة ما صلى فرض صلاة ، ولا حج ولا اعتمر ، وهو في اكتمال الرجولة في الـ55 ، في بلد جميل جداً في أوربا يمضي إجازته احتشى قلبه ، فمات في غرفته في الفندق ، وترك أكثر من أربع مليارات ليرة ، فالإنسان يكون في قبضة الله في ثانية ، قد يكون قويًّا ، قد يكون غنيًّا ، فالذي يقول : أنا ، لا يعرف الله ،

﴿ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ﴾

 بالمناسبة أعتقد اعتقاداً جازماً أن أحداً لا يملك أن يضل أحداً ، لكن المُضل يستطيع أن يُضل الضال ، أيْ يرغب في الضلالة ، فيأتي هذا الشيطان فيقنعه بفساد معين فيفعله ، الكلام سيأتي بعد قليل :

وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ

﴿ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾

 الجن أرادوا أن تكون لهم الغلبة على الإنس ، فاستكثروا من أعوانهم ، وأجروا على يدهم بعض الخوارق من أجل إضلال البشر ، وشعروا أن هؤلاء الذين أعوانهم خاضعون لهم ، تبعاً لهم ، فاستعلوا ، أضلوا واستعلوا ، وأما الإنس شهواتهم كلها الدنيئة والخسيسة حققوها بإطار ديني ، وهذا ما يفعله إخوان الشياطين بالموبقات ، والخمور ، والزنا ، يفعلونه باسم إنسان يريد أن يخرج منك الشيطان ، ويبتز أموال الناس بالباطل ، وقد ينتهك أعراضهم ، والقصص لا تعد ولا تحصى ، كما أن الجن استكثروا من الجن أكثروا أعوانهم ، وأعوانهم أضلوا البشر ، فشعروا بالقوة والهيمنة والسيطرة ، وحققوا شهوة الأنا ، والإنس استطاعوا أن يحققوا شهواتهم متوهمين أن هذا له إطار ديني .

﴿ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾

 هناك منافع مشتركة ، الإنسي أعطي شيء من بعض الخوارق ، والجني استعلى ، وحقق هدفه من الإضلال ، والإنسي الضال ازداد ضلالاً .
 أيها الإخوة الكرام ، أصل التدين أن تشعر بحاجة إلى قوي يحميك ، هذا أصل التدين ، حتى الديانات الأرضية الوثنية تحقق هذا الهدف ، الإنسان خُلق ضعيفاً ، وخُلق عجولاً .

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

( سورة المعارج )

 فالإنسان عنده خلل في أصل خلقه ، هذا الضعف لصالحه ، لو أن الله خلقه قوياً لاستغنى بقوته عن فشقي باستغنائه ، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره .
 إذاً إنّ الإنسان يحتاج إلى جهة قوية يعتمد عليها ، يلجأ لها ، يتوكل عليها ، يستمد منها ، هذه حاجة فطرية ، وهذه الحاجة هي أصل التدين ، والحاجة إلى الدين كحاجتك إلى الهواء ، لكن بين المسلم وبين غير المسلم أن المسلم وصل إلى الإله الحقيقي ، إلى الخالق الحقيقي ، إلى المسير ، إلى الرب ، إلى القدير ، إلى العليم ، إلى الغني ، إلى الرحيم ، إلى العدل ، بينما غير المسلم توهم الألوهية في شمس ، أو في قمر ، أو في حجر ، أو في مدر أو في بقرة ، أو في أشياء لا تعد ولا تحصى ، قدسها ، وأسبغ عليها القدسية ، والتجأ إليها واحتمى بها متوهماً .
 فلذلك أيها الإخوة ، حتى الإنسي حينما يستعين بالجن يشعر بأنه مع قوي ، لأن الجني عنده إمكانات لا يملكها الإنسان ، حينما قال الله عز وجل :

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا ﴾

( سورة الرحمن الآية : 33 )

 لماذا بدأ الله بالجن ؟ لأنه أقدر على قطع المسافات الشاسعة من الإنس ، إذاً الجن عندهم قدرات واسعة جداً ، الإنس استعانوا بهم فاستعانوا بهم ، فشعروا أنهم مع الأقوياء ، وحققوا شهواتهم في إطار ديني ، أكثر الذين يتعاملون مع الشياطين لا يصلون إطلاقاً ، وأكثرهم يختلي بالنساء ، ومعظمهم يزني بهن ، ويبتز أموالهن ، والقصص التي بحوزتي لا تعد ولا تحصى ، يحققون شهواتهم بأقذر طريقة ، هم استمتعوا ، الإنس استمتع ، والجن استعلى الجن حقق هدفه واستعلى ، والإنس استمتع ،

﴿ اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾

 أيها الإخوة ، لا تعجب من هؤلاء الذين يعتنقون ديانات وثنية ، هم يحققون حاجة فطرية بشرية .
 والله كنت مرة في لوس أنجلوس ، وقد أخذني صديق إلى معبد لديانة بشرق آسيا ، البناء يزيد على عشرة ملايين دولار ، الأصنام هناك من البرونز الخالص ، وصدر الصنم من أغلى أنواع الماس ، البرلنت ، ورأيت أناساً يسجدون أمام الأصنام منبطحين على بطونهم ، ويحملون أعلى الشهادات ، الإنسان ضعيف .
 لكن أيها الإخوة ، حينما يقع الإنسان في ضيق شديد ينسى الشياطين ، ويذكر الله عز وجل .

﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

(سورة يونس)

 هؤلاء الذين يعبدون من دون الله آلهة عند الشدة الشديدة ينسون هذه الآلهة ، ويلجؤون إلى الله ، وصدقوا أن طائرة كانت تقلّ خبراء من بلد ملحد ، قديماً ، تهاوت من الداخل ، دخلت الطائرة في سحابة مكهربة ، وكانت على وشك السقوط ، فما كان من هؤلاء الخبراء الملحدين إلا قالوا : يا الله .

﴿ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ *انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِم ﴾

( سورة الأنعام الآيات : 23 ـ 24 )

 الإنسان في الدنيا يكذب على نفسه ، يتوهم شيئاً غير صحيح ، لذلك :

﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 شيء آخر ، ثمة ذنب لا يغفر ، هو الشرك ، وذنب لا يترك ، هو ما كان بينك وبين العباد ، وذنب يغفر ، وهو ما كان بينك وبين الله ، لذلك قال تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )

 يعني أن هناك علاقة سبب بنتيجة ، أنك إذا أشركت لا سمح الله ولا قدر هذا الشرك يحملك على إثم كبير ، الآية :

﴿ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ ﴾

 فيعيش الإنسان عمرًا يحقق فيه هدفه .

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾

( سور فاطر الآية : 37 )

وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا

﴿ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾

 وما مِن إنسان بريء والشيطان أضله ، هذه حقيقة ، ما مِن إنسان بريء كلياً والشيطان نقله إلى الكفر ، هو كافر كفراً مبطناً ، فجاء الشيطان ، وحرك كفره .
 إن طالبًا بمدرسة في صف فيه خمسون طالبًا ، لا يستطيع هذا الطالب الفاسد إلا إفساد طالب يريد الفساد ، لكن الذي لا يريد الفساد ممتنع عنه .

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾

( سورة الحجر الآية : 42 )

﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾

( سورة آل عمران الآية : 155 )

 حينما يعصي الإنسان الله يضعف مركزه عند الله ، فيستزله الشيطان ،

﴿ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾

 أما

معنى : خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ

﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾

 هذه قضية خلافية تحتاج إلى شرح .
 يقول الله عز وجل في آية أخرى :

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾

( سورة هود )

 لذلك قال العلماء : وعيد الله يقع أو لا يقع ، أيْ أنّ الله عز وجل يضع إنسان في النار ملايين السنين ، ثم لحكمة بالغةٍ بالغة يخرجه منها ، ورد في بعض الأحاديث أن الإنسان يخرج من النار إذا كان في قلبه مثقال ذرة من خير ، ولا يخلد في النار إلا من شرد عن الله شروداً البعير .
 أما القسم الثاني :

﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾

( سورة هود الآية : 108 )

 آيات كثيرة :

﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾

( سورة الجحر )

 فماذا تعني هذه الآية ؟ مع أهل النار القضية سهلة ، وعيد الله يحقق ، أو يعفو ، ولحكمة بالغة ، لكن الجنة هذا وعد غير الوعيد ، الوعد محقق قطعاً ، فكيف لا يحقق ؟ هذا الكلام فيه إشارة إلى طلاقة الإرادة الإلهية ، كيف ؟
وجدت بيتًا أعجبك ، وثمنه خمسة ملايين ، والثمن غالٍ ، وصاحب البيت قبض الثمن بالتمام والكمال عداً ونقداً ، ووقّع لك العقد ، هلب له فضل عليك ؟ أبداً ، أخذ حقه كاملاً ، وما باع البيت إلا بعد أن أيقن أن ثمنه خير منه ، هذا عندنا قانون في البيع والشراء ، ما مِن إنسان يبيع حاجة إلا وعنده شعور أن ثمنها أغلى منها ، وما مِن إنسان يشتري حاجة إلا بإحساس أنها أثمن من ثمنها ، وإلا لولا هذه الحقيقة لما كان بيع ولا شراء .
 لو أنّ إنسانًا وهبك خمسين مليونًا ، وقال لك : لكن لا بد من أن تشتري مفتاحه ، ومفتاحه ثمنه عشر ليرات ، فإذا دفعت ثمن مفتاح البيت هل تشعر أن صاحب البيت الذي وهبك البيت تفضل عليك ، أنت حينما اشتريت البيت بقيمته بالتمام والكمال عداً ونقداً لا تشعر ثانية أن الذي باعك البيت له فضل عليك ، قبض ثمنه بالتمام والكمال ، أما حينما يهبك الله الجنة بأعمال محدودة أعمالك الله عليها في الدنيا ، والجنة إلى أبد الآبدين ، أنت لم تدفع ثمن الجنة ، لكن دفعت ثمن سببها ، السبب هو المفتاح ، البيت بخمسين مليونًا ، ودفعت عشر ليرات ، صنعت مفتاحًا له ، ودخلته ، وأصبح ملكك ، لذلك كلمة :

﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾

 لا يتوهم أهل الجنة أنهم دخلوها بثمنها ، بأعمالهم ، لا ، دخلوها بفضل الله ، ولكن ربما اقتسموها بأعمالهم ، ادخلوا الجنة برحمتي ، واقتسموها بأعمالكم ، من هنا النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى هذا المعنى أننا ندخل الجنة برحمة الله ، لا بأعمالنا .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ ، قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَا أَنَا ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ ))

[ متفق عليه ]

 فالجنة محض فضل ، والنار محض عدل ، وحينما يقول الله عز وجل :

﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾

 أي أنكم لم تتملكوها بثمنها ، بل تملكتموها بفضل الله لكم ، أنتم دفعتم ثمن سببها ، ثمن مفتاحها فقط ، هذا معنى :

﴿ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾

﴿ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾

( سورة هود )

 وتأكيداً للحقيقة الصارخة من أن الشيطان لا يُضل الإنسان .

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

( سورة إبراهيم)

 الشيطان كفر حينما يدعي من أضلهم أنه أضلهم .
 أوضحُ مثلٍ ذكرته عشرات المرات بإنسان يرتدي ثيابًا جميلة جداً ، غالية جداً ، فاقعة ، فاتحة في الصيف ، ونزل في حفرة فيها مياه سوداء آسنة ، مياه المجاري ، وانطلق إلى المخفر ليشتكي على إنسان ، سأله المحقق : هل هو دفعك إلى هذه الحفرة ؟ قال له : لا والله ، حرام ، قال له : هل أجبرك على أن تنزل بها ؟ قال : لا ، قال له : هل شهر عليك مسدسًا ، وأمرك أن تنزل بها ؟ قال : لا ، فقال له : لماذا تشتكي عليه إذاً ؟ قال : هو قال لي : انزل ، فنزلت !!!

﴿ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ﴾

 دقق :

﴿ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾

 مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن يكون للشيطان علينا سلطان ، لكن الشيطان لا يغوي إلا الضال ، لا يغوي إلا المنحرف ،

﴿ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾

 لا أحد يضل أحدًا ، الشيطان يضل الضال ، أو يضل من يرغب في الضلالة ، بالضبط ، يُضل من أراد أن يُضَل .

﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الحشر)

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا معشر الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾

وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون

 في النهاية :

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

 هذا كلام دقيق ، أنت مخيّر ، لو أن إنسانًا مخيَّرًا أراد أن يسرق ، يسمح الله له أن يسرق ، لكن لا على من يختاره هو ، على من يختار الله له ، الله ينسق .

﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً ﴾

( سورة النور الآية : 3 )

المسلم بين إغواء شيطان الإنس وشيطان الجن

 والسارق لا يسرق إلا ممن يستحق أن يسرق منه ماله ، هذه حقيقة .

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

 هناك ظالم ، هناك فاجر ، هناك طاغية ، هناك مجرم يصب جرمه على إنسان ، كي أكون دقيقًا معكم : تسليط هذا المجرم على هذا الإنسان يكون لحكمة بالغة ، قد يكون ابتلاء ، قد يكون رفع درجات ، وقد يكون استحقاق عذاب ، قد يكون عقابًا ، لكن لحكمة بالغة الله يسمح للظالم أن يظلم لمن يُعد ظلمه الظالم له حكمة بالغة .
 إذاً في الحياة المادية ليس هنا ك ظلم ، الظلم في النفوس فقط ، وخطة الله تستوعب خطة الكفار ، والكافر يتوهم أنه مطلق ، وقوي ، يقتل ، ويبطش ، ويهدم ، ويستعلي ، لكن خطة الله استوعبت خطته ، فهو لا يفعل إلا ما يريد الله عز وجل ، ولا يمكن للكافر أن يسبق الله بمعنى أن يفعل شيئاً ما أراده الله ، أو أن يتفلت من عقاب الله .

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 84)

 ونحن في أمسّ الحاجة إلى التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، والآن نحن بحاجة إلى التوحيد كي نرتاح الأمر بيد الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

( سورة فاطر الآية : 2 )

 للتوضيح مرة ثانية : لو أن ظالماً أصاب بظلمه إنسانًا فلا ينبغي أن نقول : هو يستحق ، لا ، قل : تسليط هذا الظالم على هذا الإنسان لحكمة بالغة ، الحكمة أوسع من يستحق لحكمة بالغة ، قد يكون استحقاقاً ، وقد يكون رفع درجات ، وقد يكون ابتلاء ، لكن فيه حكمة ، وقد قال الله عز وجل :

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 255 )

 عنده في ملكه ، معنى الآية دقيق جداً ، لا يمكن لشيء في الكون أن يمس شيئاً في الكون إلا بإذن الله ، وأوسع آية :

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ﴾

 في ملكه

﴿ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

 فالنار لا تحرق إلا إذا أذن الله ، والأفعى لا تلدغ ، والقنبلة لا تنفجر ، والصاروخ لا يصيب إلا أن يأذن الله .

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

( سورة البقرة )

 أيها الإخوة الكرام ، الجن موجودون ، وشياطين الإنس والجن يرتعون ويمرحون .
 أضربُ مثلاً أوضح فعل الشيطان ، أنه يكرّه الزوج بزوجته ، ويحبب الزوج بامرأة أخرى لا تحل له ، زوجة صديقه ، هذا هو الفساد ، يقول لك أين الشيطان ؟ الشيطان يجري في عروق بالناس .

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾

( سورة مريم )

 إنّ الخيانات الزوجة ، الشقاء الأسري ، كراهية الزوجة ، الملل من الزوجة ، هذا من آثار فعل الشيطان ، الشيطان له أكبر دور أن يزهدك بزوجتك ، وأن يحببك بأية امرأة قد تكون من حيث المستوى الجمالي 1% من زوجتك ، والشيطان يحبّب لك تلك المرأة ، ويزهدك بالتي تحل لك ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))

 أقول لكم كلامًا دقيقًا : علامة أنك على منهج الله ينبغي أن تحب زوجتك ، هي حلالك ، والله يرضى عنكما إذا كان في ود ومحبة ، أما إذا كان بينكما كراهية وملل وسقم وتجهم ، وكلام قاس ، وكل نعومة الزوج ، ولطفه ، ومرحه ، وحديثه العذب مع امرأة لا تحل له فهذا من فعل الشيطان ، طبعاً هذا واحد من أفعاله .

﴿ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 102 )

 الشيطان موجود ، والإنسان أحياناً لا يشعر فيكون كلامه شيطانيًا ، ففي جلسة يتكلم الإنسان بالحق ، بالقرآن بالسنة ، أحد الجالسين لا يحلو له إلا أن يطعن في المتكلم ، لأنه شعر بتأثير ، هو عن غير وعي ، وبعقله الباطن يأتي بشبهة ما أنزل الله بها من سلطان ، الشيطان ينطق ، الشيطان يتحرك ، فلذلك الشيطان موجود ، وله أثر كبير .
 تروى طرفة ، لكن لها مغزى كبير ، أن الشيطان التقى بطاغية ، فقال له الطاغية : ماذا أفعل ؟ أعطاه الشيطان حلاًّ للقضاء على خصومه ، قال له : هذا فعلته ، أعطاه حلاًّ ثانيًا ، فقال له : فعلته ، حلَّا ثالثًا ، قال له : فعلته ، رابعًا ، خامسًا ، سادسًا ، سابعًا ، ثامنًا تاسعًا ، عاشرًا ، قال له : كلها فعلتها ، قال له : انتهى ما عندي ، بعدما سكت هذا الشيطان قال له : أنت ماذا تريد أن تفعل ؟ قال له كذا وكذا ، قال له أعوذ بالله خَفِ الله يا رجل .
 لذلك قدم الله شياطين الإنس على شياطين الجن .

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

(سورة إبراهيم)

 الإله يصف مكر الكافرين بأن الجبال تزول منه ، طبعاً من سابع المستحيلات أن نحرك جبل قاسيون إلى مدينة درعا ، ولكن الله عز وجل وصف كيد الكفار فقال :

﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾

(سورة إبراهيم)

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

( سورة البروج)

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

(سورة آل عمران الآية : 120)

 الكرة في ملعبنا .

﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾

(سورة الأنفال الآية : 19 )

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

( سورة النساء)

والحمد لله رب العالمين