التفسير المطول - سورة الأنعام 006 - الدرس(36-73): تفسير الآية 99 ، التفكر في خلق السماوات والأرض
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-09-02
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس السادس والثلاثين من دروس سورة الأنعام .

 التفكر في الكون يدل على أن في الكون إلهاً عظيماً :

 مع الآية التاسعة والتسعين ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)﴾

 أيها الأخوة الكرام ، هذه الآيات الكونية لها مثيلات كثيرات في القرآن الكريم ، تزيد على ألف وثلاثمئة آية ، هدفها التعريف بالله عز وجل ، إن نظرتَ إلى السماوات والأرض :

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (73)﴾

( سورة الأنعام الآية : 73 )

 إن نظرت إلى هذا الطعام الذي تأكله ،

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾

 فالتفكر في الكون يدل على أن في الكون إلهاً عظيماً ، يأتي الوحي فيذكر أن هذا الله العظيم هو الله الذي خلقكم ، والذي خلق الأكوان ، وخلق الإنسان ، ومتحكم بالحواس ، وما إلى ذلك

﴿ وَهُوَ ﴾

 الله عز وجل

﴿ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾

ما من كائن حي إلا وقوامه الماء فالماء قوام حياة الأحياء :

 في آية أخرى يقول الله عز وجل :

﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ (30)﴾

( سورة الأنبياء الآية : 30 )

 الماء قوام حياة الأحياء ، وما من كائن حي إلا وقوامه الماء ، أما هذا الماء فالأصل أن الماء في البحار ، ونظرية تشكل البحار لا تزال مُختَلفاً فيها ، على كلٍ ببساطة بالغة : لو أنك وضعت وعاء على موقد ناري ، هذا الماء في الدرجة المئة يتبخر ، معنى تبخر ؛ أي انتقل من حالة مائعة إلى حالة غازية ، والأجسام جميعها قد تتحول من وضع غازي إلى مائع إلى صلب ، أو بالعكس ، من صلب إلى مائع إلى غازي ، فالتسخين يقلب العنصر من صلب إلى مائع إلى غازي ، والتبريد يقلب العنصر من غاز إلى مائع إلى صلب.
 هذه البحار سائلة ، مساحاتها واسعة جداً تزيد على أربعة أخماس الأرض ، ولهذه المساحة مغزى علمي كبير ، لولا هذه المسطحات المائية لما وجدت ورقة خضراء في اليابسة، الشمس تسلط على هذه المساحات الواسعة من البحار فتتبخر ، أي تنتقل من حالة مائعة إلى حالة غازية ، الغلاف الذي يحيط بالأرض بمسافة خمسة وستين ألف كم ، هذا الهواء من خصائصه أنه يحمل بخار الماء ، لكن هناك خصيصة فرعية لولاها لما كانت الأمطار ، هذا الهواء يحمل بخار الماء بنسبة تتناسب مع حرارته ، فمثلاً هواء حار يحمل كمية بخار ماء كبيرة ، فإذا بردناه يتخلى عن الكمية الكبيرة إلى الكمية التي تناسب الحرارة التي هو فيها .
 أول خاصة أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه الشمس بحسبان ، بمسافة تكفي لتبخير الماء ، بخار الماء يتصاعد ، يحمله الهواء ، الآن نحتاج إلى رياح ، كيف تكون الرياح ؟ الأرض فيها منطقة باردة ومنطقة حارة ، فالأصل أن الهواء في المنطقة الحارة ممدد مخلخل ، ضغطه منخفض ، وأن الهواء في المنطقة الباردة كثيف ، وضغطه عالٍ ومتماسك ، دائماً فرق الضغطين يجعل الهواء في المنطقة الأكثر ضغطاً يتجه إلى المنطقة الأقل ضغطاً ، لذلك لا بد من أن يتحرك الهواء من القطب إلى خط الاستواء بفعل الفرق بين الضغطين ، الهواء ذو الضغط المرتفع ينتقل إلى المكان الذي فيه ضغط منخفض تماماً ، ومع دورة الأرض تكون جهة هذا الهواء شمال شرق ، لذلك هناك هواء ناتج من فرق الضغطيين ، هذا الهواء يحمل بخار الماء ، فإذا وصل إلى منطقة باردة تخلى هذا الهواء عن بخار الماء الزائد فكانت الأمطار ، إذاً :

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾

 هذه القطرة لو لم يكن هناك هواء وسقطت ، سرعتها وتسارعها يقلبها إلى مطرقة ، وزنها اثنا عشر كيلو ، لكن هذه المطرقة مدببة لا تبقي على وجه الأرض إنساناً ، لكن الهواء هو الذي يخفف هذه السرعة ، ويجعله مطراً ، رحمةً ، غيثاً ، نعمة كبرى .

خلق الرياح من آيات الله الدالة على عظمته :

 أيها الأخوة ، كلما تعمقت بالعلم عرفت عظمة الله عز وجل ، فإلهنا ، ربنا جل جلاله يقول :

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾

 بحار بمساحات واسعة ، خصيصة في الهواء ، وهي حمل بخار الماء ، خصيصة فرعية ، أن كل درجة حرارة للهواء تحتمل كمية من بخار الماء ، الآن لا بد من أن يساق هذا السحاب أي بخار الماء إلى مناطق الأرض كي ينقلب إلى أمطار فلا بد من رياح ، وخلق الرياح من آيات الله الدالة على عظمته ، خلْق الرياح متعلق بالضغط المرتفع والضغط المنخفض ، طبعاً جرب ذلك .
 لو أنك دفأت غرفةً ، وشققت الباب ، وأشعلت شمعة ، تجد أن الهواء البارد يدخل إلى الهواء الدافئ ، لأن الهواء البارد مضغوط ، والهواء الحار أقل ضغطاً .
 مرةً فيما أذكر كنت في الحج ، أقلعت الطائرة من جدة ، وقد لاحظت أن إقلاعها ليس حاداً بخط مائلٍ نحو الأرض ، لذلك أخذتْ مسافة أطول حتى ارتفعت عن سطح الأرض، أما في دمشق فالإقلاع بخط يشكل مع أرض المطار زاوية أكبر ، فلما سألت أحد الطيارين عن هذا السر ، قال : الهواء في دمشق بارد ، لذلك يحمل الطائرة بمسافة أقل ، تقلع ، أما الهواء في جدة فساخن ، مخلخل ، لا يحمل الطائرة ، تحتاج إلى مسافة أطول كي ترتفع عن الأرض ، فالفرق بين الضغطيين هو السبب ، الرياح تسوق السحاب .
 الآن لو أن هذا السحاب يحمل في منطقة دافئة كمية بخار ماء كبيرة ، ثم واجه جبهة باردة يتخلى الهواء عن الكمية الزائدة ، عن النسب الدقيقة في حمل بخار الماء ، لا بد من ذرات تنعقد عليها حبة المطر ، إما الغبار أو أي ذرات أخرى ، هذه الذرات تنقلب إلى حبات مطر لطيفة ، لولا الهواء الذي يوازن سرعتها لوصلت إلى الأرض بوزن يقدر باثني عشر كيلو ، ولأنها صغيرة جداً لثقبت رؤوس الناس ، لكن الهواء يخفف من سرعتها ويجعلها متوازنة .

النبات والبذور من آيات الله الدالة على عظمته :

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ﴾

 تنظر إلى الأرض في الشتاء يابسة ، تراب ميت ، فإذا جاءه الماء في الربيع رأيت هذه الأرض اهتزت وربت ، الحشائش، الأزهار ، النباتات ، الشجرة التي في نظرك حطب تزهر ، ثم تورق ، ثم تثمر ، هذه آيات نألفها ، لكن الإنسان إذا ألف الشيء لم يفكر فيه ، هذه الشجرة مصنع .
 حدثني أخ مزارع ، قال لي : أحياناً تقدم شجرة التفاح الواحدة أربعين صندوقاً بلا عادم ، بلا صوت ، بلا ضجيج ، بلا تلوث ، معمل قائم بذاته ، يحتاج إلى الماء ، لذلك الله عز وجل يقول :

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 الحديث في درس سابق عن أن هذه البذرة التي تأتيها الرطوبة فينشق الرشيم ، وينبت سويقاً وجذيراً ، وما في البذرة من مواد غذائية يكفي لنمو السويق والجذير حتى يتمكن الجذير من امتصاص غذاءه مباشرة .

﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 والحقيقة أن هذه الآية دقيقة ولها معانٍ كثيرة ، أحياناً نأكل أوراق النبات ، وأحياناً نأكل جذعه ، وأحياناً نأكل جذره ، وأحياناً نأكل أزهاره ، وأحياناً نأكل ثماره ، فغذاؤنا متنوع ،

﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 شيء آخر ، أدويتنا من النباتات ، طعامنا من النبات ، ألبستنا من النبات ، أغذيتنا من النبات ، أثاث بيوتنا من النبات ، نوافذنا من النبات ، أساسات منازلنا من النبات ، لو أردت أن تدرس أنواع النبات ، نبات تنظف به ما بين أسنانك ، ونبات هو كالفرشاة ـ السواك ـ ونبات ليفي لتنظيف جسمك ، ونبات لصنع مسبحة تسبح الله فيها ، ونبات مطاطي لتعامل به المواد الصلبة مع بعضها بعضاً دون أن تتكسر ، لا بد من مادة مرنة بين المواد الصلبة ، نبات يُصنع منه الورق ، نبات تصنع منه الأكواز ، مواد تصنع منه العقاقير ، نبات حدودي بين البساتين ، نبات زينة ، نبات جمالي ، نبات يجلب الأوكسجين ، لو أردت أن تعدد أنواع النبات لأمضيت كل العمر ولا تنتهي ، ولكن لو أردت أن تحصي أشكال الأوراق؛ ورق كالخيط تماماً ، أوراق الصنوبر خيوط ، أورق دائرية ، مربعة ، مكسرة ، منتظمة خضراء داكنة ، خضراء غير داكنة ، الألوان والأشكال لا تعد ولا تحصى ، لكن الذي يلفت النظر ـ دققوا الآن فيما سأقول ـ إن أعظم معمل صنعه الإنسان لا يرقى إلى مستوى الورقة الخضراء ، تتم فيها تفاعلات لا تصدق ، الورقة تأخذ الفوتون من الشمس ، وتأخذ الآزوت ، وتأخذ المعادن من التربة منحلة بالماء ، ثم تصنعها مادة سائلة يسميه العلماء الكيلوس ، هذه المادة تصنع منها الجذور ، والجذوع ، والفروع ، والأغصان ، والأزهار ، والأوراق ، والثمار ، سائل واحد هذا الكيلوس الصاعد هو الماء الذي أذيبت فيه المعادن في التربة ، لأنه صاعد يحتاج إلى دسامات ، عدم رجوع ، لذلك في الأنابيب الصاعدة تجد دسامات عدم رجوع ، لكن هذه الأنابيب مدعمة بألياف محيطية لئلا تنسحق عند نمو النبات ، لو أن أنبوباً في المركبة انثنى لانقطع الماء عن المحرك واحترق المحرك ، حتى الماء لا ينقطع ليغذي أعالي الشجر ، هذا الأنبوب مدعم بألياف حلزونية من أجل ألا تضيق لمعته مع نمو النبات ، هناك ألياف تمنع أن تضيق اللمعة ، وهناك دسامات تمنع رجوع الماء ، هذه الخاصة الشعرية كل شيء يتحرك نحو الأسفل ، نحو الجاذبية ، فكيف يصعد الماء من أعماق الأرض إلى أعالي الشجرة ؟ بخاصة شعرية بالغة الدقة :

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ (11)﴾

( سورة لقمان الآية : 11 )

التفكر في النبات طريق قصير إلى الله عز وجل وباب واسع تدخل منه على الله عز وجل :

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 بعضهم قال:

﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 أي نباتاً ككل شيء ، وكل شيء له خصائص ودقائق وأنواع كالنبات ، نباتاً ككل شيء ، أي كل شيء كالنبات ، لكن النبات ظاهر ، النبات تراه ينمو ترى فيه حياة ، لكن هذه الطاولة فيها حياة ، هذه الطاولة ذرات ، وكهارب ، وإلكترونات ، ومسارات ، ونواة، وحركة دائمة ، وحركة الذرات كحركة المجرات ، فكأن الله يبين لنا أن النبات شيء ظاهر ، لكن أي شيء آخر هو كالنبات ، فيه حياة ، وتنوع ، وغنى ، ووظائف لا تنتهي ، أنت أحياناً بحاجة إلى خشب يستعمل للنوافذ ، هذه النوافذ معرضة للرياح والشمس ، أي خشب آخر غير هذا النوع الخاص بالنوافذ يلوي إلا خشب خاص كأن الله صممه للنوافذ والأبواب الخارجية ، فلا يلوي ، هذا يسمونه الكندي ، الآن تحتاج إلى خشب لأثاث البيت ، في أثاث خشبي يعيش مئتي سنة ، فيه قطع من الكراسي المصنوعة من خشب الزان يعيش مئات السنين ، خشب تحتاجه للصناعة ، لين وسهل التعامل معه ، الحديث عن الخشب ، عن أنوع الخشب ، عن أنوع النباتات ، عن أنواع الأوراق حديث لا ينتهي .
 الآن هناك نبات تأتي الذبابة أو الحشرة تمر بهذا النبات فيقبض عليها إلى أن تموت ، الآن يخترعون أجهزة لقتل الناموس ، هناك نباتات تشبه هذه الأجهزة تماماً ، وعندي صورها ، في نباتات زينة ، المرج الأخضر ، هذا ليس فيه لا زهر ، ولا ثمر ، ولا جذع نبات أخضر ، لماذا صُمِّمَ ؟ ليكون متعة للعين ، هناك هدف جمالي منه ، هذا النبات ليس له وقت تسقط أوراقه ، لا ، نبات دائم الخضرة ، في نبات للمنظر ـ حدائق ـ ، هناك نبات يتحمل الضغط ـ ملاعب ـ ، إن أردت أن يكون الملعب بساطاً أخضر فهناك نبات خاص له، إن أردت أن يكون هذا المكان له منظر أخضر فهناك نبات خاص له ، نبات خيمة ، مظلة، أوراق خضراء دائمة الخضرة ، متراكبة ، ظلها ظليل ، دائرية ، جذعها مستقيم ، أكثر البيوت في اللاذقية أمامها شجرة ، وكأنها مظلة أمام البيت ، هناك نبات فواح الرائحة ، ونبات للزينة فقط ، ونبات داخل البيوت ، هناك آلاف الأنواع من نباتات الصالونات ، وآلاف الأنواع من النباتات التي تزهر ولها منظر جميل ، وهناك نبات لو أكله الإنسان لمات فوراً ، نبات زينة ، مصمم لا للأكل بل للزينة ، لو فكرت في أنواع النباتات ، هناك نباتات تقيم لك خيمة بأقصر وقت ، أنا أرى التفكر في النبات طريق قصير إلى الله عز وجل ، وباب واسع تدخل منه على الله عز وجل

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

خَضِر تعني الأخضر والغضاضة :

 أيها الأخوة ،

﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً ﴾

 طبعاً أخضر ، أي لونه أخضر ، أما خضر يعني شيئين ؛ أنه ذو لون أخضر ، وأنه ذو ملمس ناعم غض ، تعني الأخضر والغضاضة ،

﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً ﴾

 النبات مريح لين فيه نعومة ، وهذا اللون الأخضر ـ سبحان الله ـ أنسب لون للعين ، لذلك قبل عشرين أو ثلاثين سنة بدلت السبورات إلى اللون الأخضر ، ويرتدي الأطباء الثياب الخضراء لطمأنة المريض أنه لن يموت ، سيحيى ، رمز الحياة ، فاللون الأخضر له معنى كبير ، هناك ألوان جميلة لكن صارخة ، اللون الأحمر جميل ، لكن بحجم قليل ، لو كان كل شيء أحمر الحياة لا تطاق ، لكن في وردة حمراء ، أحياناً في سقف بيت أحمر ، هذا يعطي المنظر جمال كبير ، أما المساحات الواسعة ، السماء زرقاء ، والبحر أزرق ، والنبات أخضر ، واللونان مريحان .
 بالمناسبة ، لو درجنا اللون الأخضر ثمانمئة ألف درجة العين البشرية تستطيع أن تفرق بين درجتين ، لو أن اللون الأخضر وحده درجناه ثمانمئة ألف درجة العين السليمة تفرق بين درجتين .

﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً ﴾

 هل نظرت إلى الرمانة كيف حبها متراكم ؟ كيف أن سطوحها ملساء ؟ كيف أن هناك تناسب بين السطوح ؟!! الذرة ، لو نظرت إلى بعض الفواكه ذات الحبوب المتراكبة ، صنع من ؟ وكل حبة رمان فيها خيط موصول إلى مكان التغذية ، لو نظرت إلى البطيخ شبكة أوعية ، الأوعية أوعية دقيقة جداً لا ترى بالعين تأكلها ، هي البطيخة نفسها ، لكن هذه الثمرة تستمد غذاءها من التربة .
 إذاً :

﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً ﴾

 انظر إلى الرمان ، إلى التين ، الحبة الواحدة كم بزرة فيها ؟ كل بزرة يمكن أن تكون شجرة ، تصميم من ؟ انظر إلى الذرة كل حبة موصولة بخيط ، هذه الخيوط خيوط موصولة بحبات البذور ، تصميم من ؟ اختراع من ؟ من هيأ هذه النباتات ؟ نبات تأكله ، نبات تمتع عينك به ، نبات يحميك من اللصوص ـ حدودي ـ نبات تؤسس به بيتك ، نبات تجعل منه النوافذ ، نبات تستخدمه للصناعة ، نبات يصبح ورقاً تكتب عليه ، نبات تنظف به جسمك هذه الليفة وجه خشن ووجه ناعم ، الخشن يأخذ الخشن ، والناعم يأخذ الناعم ، تصميم من ؟!!

فوائد التمر :

﴿ نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ ﴾

 قالوا : هذه النخلة أطول الأشجار عمراً ، يزيد عمرها على ستة آلاف عام ، وشجر النخيل الذي أكل منه النبي عليه الصلاة والسلام يأكل منه أهل المدينة اليوم ، هو ذاته ، أطول الأشجار أعماراً أشجار النخيل ، وثمار النخيل صيدلية ، فيه ست وأربعون مادة غذائية ، وهذه المادة الغذائية لا تتلوث .

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً (25)﴾

( سورة مريم )

 جاءت هذه الآية مع المخاض ؛ هذا التمر أيها الأخوة فيه مادة ملينة ، لأن التي على وشك الولادة ينبغي أن تكون أمعاؤها فارغة لتسهيل الولادة ، فيه مادة ملينة ، وفيه مادة مهدئة ، وفيه مادة قابضة للأوعية ، لأنها على وشك أن تنفتح عشرة آلاف وعاء شعري مع الولادة فلا بد من مادة قابضة ، ومادة ملينة ، ومادة مهدئة ، ومادة مغذية ، ومادة مقوية للعضلات ، كل هذه المواد في التمر .

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً (25)فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً (26)﴾

( سورة مريم )

 التمر أيها الأخوة أسرع مادة سكرية بسيطة أحادية ، تنتقل من الفم إلى الدم بعشر دقائق ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يفطر على تمرات ، هذه التمرات تنتقل إلى الدم وإلى مركز الشبع في الجسم ، يشعر بالشبع ، العشرة دقائق وقت صلاة المغرب ، الآن يجلس على المائدة متوازناً ، وليس جائعاً جوعاً يدفعه إلى أن يأكل فوق طاقته ،

﴿ نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ ﴾

 الحب ما لا نواة له ، القمح حب ، أيضاً السنبلة حب متراكب ، البازلاء حب متراكب ، الفول حب متراكب ، حبوب مصفوفة في غلاف أخضر ، الفول ، والبازلاء ، واللوبيا ، والفاصولياء ، والقمح ، والشعير ، والعدس ، والحمص ، كله حب متراكب ومرصوص أي ما فيه فراغات بينية مثل الرمان تماماً .

النخيل وأنواعه :

﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ ﴾

 الآن النخل

﴿ مِنْ طَلْعِهَا ﴾

 الطلع أول تشكل للثمرة ، أي براعم صغيرة ،

﴿ وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا ﴾

 هذا الطلع ينشق عن قنوان أي الثمرة ، القنوان ؛ هو البلح مثلاً ، لكن التسلسل هو العذق ، ثم الشماريخ ، ثم البلح ، لو درست هذه الأوعية التي ترد إلى هذا النبات .
 بالمناسبة ، هندسة المياه تقتضي دائماً الأنبوب الكبير الذي يجري في الشارع قد يكون بقطر ستين سنتمتراً ، في الشارع الفرعي يصبح ثلاثين سنتمتراً ، في شارع فرعي آخر يصبح عشرين سنتمتراً ، كلما صار الشارع فرعيّاً يقل قطر الأنبوب ، للبناء إنش ، لكل بيت نصف إنش ، فتسلسل أقطار الأنابيب هو هندسة المياه ، ولا حلاً ثانيّاً غير ذلك ، لو عملت الأنبوب الرئيسي نصف إنش يموت الناس من عطشهم ، لو عملت في كل بيت خمسة إنش الماء لا يصل للنهاية .
 هذا التصميم نفسه في التمر ، وفي البلح ، فتجد الأنابيب التي تغذي العزق كبيرة، قطرها كبير ، والسباطة أقل ، والشماريخ أقل ، ولكل بلحة أنبوب تتغذى منه ، تصميم من ؟ الله خالق السماوات والأرض ، هو الذي يطعمنا .

﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ (14)﴾

( سورة الأنعام الآية : 14 )

﴿ مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ ﴾

 أحياناً أشجار نخيل ليست شامخة ، وقد يكون الغصن محملاً بكمية كبيرة ، فينحني إلى الأرض ، فتصبح هذه الشماريخ دانية أي قريبة .

﴿ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ﴾

 شكل التفاح ، كم نوع من أنواع التفاح ؟ هناك تفاح شتوي ، وتفاح حامض ، وتفاح كولدن ، وتفاح سكري ، أنواع التفاح لا تعد ولا تحصى ، أنواع العنب أكثر من ثلاثمئة نوع ، هناك مخبر في دوما ثلاثمئة نوع من العنب ؛ عنب أسود ، وعنب أحمر ، وعنب أبيض زيني ، وبلدي ، وعنب سكره جارح ، عنب سكره قليل ، عنب رخو ، وعنب قاسي .

أفضل غذاء في العالم غذاء الشرق الأوسط لأنه يعتمد في الدرجة الأولى على زيت الزيتون :

﴿ وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ ﴾

 هذه الشجرة المباركة ، أحد أخوتي الكرام كان في أمريكا ، وعثر على دراسة تفيد أن أفضل غذاء في العالم غذاء الشرق الأوسط ، لا لأنهم أغنياء بل لأنهم فقراء ، هذا الغذاء يعتمد في الدرجة الأولى على زيت الزيتون ، وزيت الزيتون الحديث عن فوائده يحتاج إلى ساعات أو إلى شهور ، لكن يكفي أن أعلمكم أن عمر الإنسان من عمر شرايينه ، ولو نجا من كل الأمراض لا ينجو من مرض هو الذي ينهي حياته تصلب الشرايين ، فدواء الشرايين زيت الزيتون ، هو الذي يحافظ على مرونتها إلى أطول مدة ممكنة ، وهذا الزيت يخفض ضغط الدم ، وهذا الزيت يمتص كله ، ولا تبقى ذراته تجول في الدم ، يعني غير مشبع ، الزيوت المهدرجة مشبعة ، وهي خطرة ، حتى السمن المستورد هو في الحقيقة زيوت رخيصة جداً مشبعة ، هذه تبقى عالقة تسبب تضيق الشرايين .
 والله أيها الأخوة ، والله لو يعلم الإنسان ما في زيت الزيتون هو الحقيقة إلى أن يكون دواء أقرب منه إلى أن يكون غذاء ، لذلك يعد أفضل غذاء في العالم غذاء الشرق الأوسط ، لأنه يعتمد على زيت الزيتون ، ولأننا فقراء يعتمد غذائنا على البروتين النباتي الحمص والفول ، وهو أسلم وأفضل ألف مرة من البروتين الحيواني ، والدول الغنية التي تأكل لحوم بكثرة كثيرة إصابتها بأمراض القلب ثمانية أضعاف من الدول الفقيرة ، فغذاءها زيت الزيتون ، والبروتين النباتي ، وغذاءها طازج ، العالم كله الآن كل حياته معلبات ، نحن عندنا سوق خضر تأكل خضر طازجة ، ولأننا فقراء نأكل الغذاء بأليافه ، نحن لم يدخل ببرنامجنا كل أكلنا عصير ، لذلك أكبر بلد بالعالم مصاب بسرطان الأمعاء هو اليابان ، يشربون العصير بكمية كبيرة جداً ، نحن نأكل تفاحة وبرتقالة ، يجب أن تأكل الفاكهة كما خلقها الله ، فيها مواد سيليلوزية ، هذه المواد أولاً مواد مالئة ، مواد تمتص الكولسترول الضار ، مواد تسرع مرور الطعام في الأمعاء ، مواد تنظف ثنايا الأمعاء بفضل هذا السليلوز فأعظم غذاء في العالم غذاء الشرق الأوسط ، لأنه يعتمد على الخضار الطازجة ، وعلى زيت الزيتون ، وعلى البروتين النباتي ، وعلى السليلوز هذه المواد المالئة .
 أخواننا الكرام ، موضوع زيت الزيتون هذا يجب أن تقرؤوا عنه أبحاثاً كثيرة ، أنا في كتابي " الإعجاز العلمي " لي بحثان مطولان جداً عن زيت الزيتون .

الله عز وجل حقق لنا الهدف الجمالي بالإضافة إلى الفائدة :

﴿ وَالرُّمَّانَ ﴾

 بعضهم قال : حمض الرمان مادة مذيبة للكولسترول ، ومادة مذيبة للبقايا التي تتوضع على جدران الشرايين .

﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ ﴾

 الله عز وجل حقق لنا الهدف الجمالي ، صحن فاكهة ، قبل أن تأكل من هذه الفاكهة منظر الأجاص أصفر مع خد أحمر ، الدراق ، العنب البلدي والديراني أو الحلواني ، منظر الفواكه منظر جميل جداً ، فالله عز وجل قال لك : انظر إلى الفاكهة ، منظرها جميل ، وقوامها يتناسب مع أسنانك ، لو كان مثل الصخر ماذا تفعل بها ؟ قوامها يتناسب مع أسنانك ، ومنظرها جميل ، وطعمها طيب ، ورائحتها عطرة ، كلها متناسبة ، لو أن الفاكهة مرة لا تأكلها ، طعم ، ورائحة ، ولون ، وقوام ، وحجم ، لو الإجاصة ثمانية كيلو ؟ غير معقول ، الإجاصة لإنسان ، البطيخة حجم عائلي هناك حجم صغير ، وحجم كبير ، وهناك فاكهة للأولاد ، هذه الكرمنتينا سهل تقشيرها، يحبها الطفل جداً ، الآن كل فاكهة لا أبالغ أيها الأخوة أكثر من ثلاثمئة نوع عنب ، مئات أنواع التفاح ، البندورة مئات الأنواع ، شيء للعصير ، وشيء للتصدير ، شيء للأكل ، شيء للطبخ ، كل نوع له صفات خاصة .

﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ﴾

 تدخل إلى بيت بلاستيكي يزرع البندورة ، كأن الحبة الناضجة تناديه ، تقول لك : تعال خذني ، لأن لونها أحمر داكن والباقي أخضر ، تدخل لحقل بندورة كل يوم ممكن أن تأخذ سحارتين أو ثلاث ، لأن هذه للصيف على مدى أربعة أشهر تعطي كل يوم كمية ، حسناً ما العلامة ؟ لونها أحمر والباقي أخضر كله ، كأنها تنطق : تعال خذني ، أنا استويت ، أنا جاهزة ، هذه العلامات من صممها ؟ عنقود العنب إن أردت أن تقطعه نحو الأسفل يعصر بيدك نحو الأعلى فهناك مفصل ، من صمم هذا ؟ البطيخة ، معقول الذي يجني البطيخ ينبطح أمامها ويدقها ، استوت ، أم لم تستوِ ، هذه مستحيلة ، الله صنع له علامة حلزون يمسكه ، إذا كسر استوت ، وإذا لم يكسر لم تستوِ ، علامة أنها نضجت ، تصميم من هذا ؟ هذا الإله الذي خلقنا ، والذي أطعمنا وسقانا .

التفكر في خلق السماوات والأرض هو أعظم عبادة على الإطلاق :

﴿ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

 هذه آيات لقوم يؤمنون ، فإذا ذكرت الله يقفز إلى الذهن هذه الصور كلها ، الفواكه والثمار والمحاصيل ، الآن أكثر الفواكه والثمار تنضج تباعاً ، المحاصيل لو أنها تنضج تباعاً عندك خمسة وعشرون دونماً قمحاً ، هل يعقل أن أمسك بالسنابل واحدة واحِدة لأعرف هل استوت ؟ شيء لا يحتمل ، المحاصيل تنضج بيوم واحد ، أما الفواكه والثمار فتباعاً ، المحاصيل تخزن لكن ليس لك أن تحتكرها ، لأنها تسوس ، هذا السوس له وظيفة كبيرة جداً ، هذا السوس يشبه نهاية الصلاحية ، إذا خُزِّن القمح ثلاثين سنة فَقدَ كل صلاحيته ، يأتي السوس ويُعلمكً أن هذا القمح انتهى ،

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

 أخواننا الكرام ، التفكر في خلق السماوات والأرض هو أعظم عبادة على الإطلاق ، هذه العبادة تتعرف بها إلى الله عز وجل .

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (91)﴾

( سورة الأنعام الآية : 91 )

 كل إنسان ، هذه الآيات الكونية عبارة عن رؤوس موضوعات للتفكر في خلق السماوات والأرض .

والحمد لله رب العالمين