ندوات إذاعية - إذاعة القرآن الكريم - قطر - برنامج كيف أصبحت؟ - البحث عن السعادة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2016-12-01
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

المذيع :
  حياكم الله شيخ محمد، وأهلاً وسهلاً بك في برنامج: "كيف أصبحت؟".
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدر إذاعتكم.
المذيع :
 أسعد الله صباحك بكل خير، شيخنا في كل حلقة من حلقات برنامجنا كيف أصبحت؟ ونسأل الضيف يوم الخميس كيف أصبحت؟

الدعاء هو الاتصال الدائم بالله :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يلفت نظري في هذا اللقاء الطيب المتعلق بالسعادة وبالإصباح أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما يستيقظ من منامه، يقول: " الحمد لله الذي مدّ لي في أجلي- أي سمح لي أن أعيش يوماً جديداً، نعمة لا نعرف قيمتها -وعافاني في بدني- أي استيقظ توجه نحو الوضوء توضأ صلى تحرك - وأذن لي بذكره ".

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ ))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

 هذا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، مدّ لي في أجلي، وعافاني في بدني، وأذن لي بذكره، هذه نعمة، والدعاء الحقيقة هو الاتصال الدائم بالله، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

[ سورة المعارج: 23]

 لا يعقل أن يصلي دائماً، لكن الدعاء صلة بالله، دخل إلى البيت زوجته تنتظره، أولاده أمامه، ذهب إلى عمله له مكانة في عمله، تحرك صحته جيدة، هذه كلها نعم، فكلما شكرت هذه النعم دامت، فإذا غفلنا عنها قد نفتقدها.
المذيع :
 نسأل الله أن يديم علينا طاعة ربنا، وأن يوفقنا لمرضاته في كل أمور حياتنا.

الفرق بين اللذة و السعادة :

الدكتور راتب :
 لكن لا بد من أن أفرق بين مفهومين متداخلين، اللذة والسعادة، اللذة طابعها حسي، تحتاج إلى مال لتأكل، مكان جميل لتسكن، مركبة فارهة لتركبها، تحتاج إلى مال، وإلى وقت، وإلى صحة، ولحكمة بالغة بالغة بالغة دائماً يفتقد الإنسان أحد هذه الشروط الثلاثة السعادة المستمرة بالاتصال بالله عز وجل
ففي البدايات الصحة جيدة جداً شاب، و عندك وقت فراغ لكن لا يوجد مال، تسلم عملاً وظيفياً أو تجارياً، الصحة موجودة والمال موجود لكن لا يوجد وقت، الوقت كله لعمله، الآن تقاعد سلم أولاده المعمل صار عنده فراغ و مال لكن لا يوجد صحة، أما الاتصال بالله الذي يحقق السعادة فهذه مستمرة، اللذة شيء والسعادة شيء آخر، اللذة حسية طابعها مادي، تأتي من طعام طيب، من بيت واسع، من إطلالة جميلة لهذا البيت، من فاكهة، من أشجار، من حدائق، اللذة طابعها حسي، أما السعادة فتدخل في كل خلية من كيانك، قد تسعد، سعد سيدنا إبراهيم وهو في النار، وسعد سيدنا يونس وهو في بطن الحوت، قد تسعد في أصعب الظروف في الأرض، وأنت في هذا المكان الذي لا يحتمل أنت أسعد الناس، السعادة اتصال بالله، الإنسان يحب الجمال والكمال والنوال، يحب النوال العطاء، شخص أعطاك مليون دينار، تحبه طبعاً، يحب الكمال موقف أخلاقي، كل موقف أخلاقي أنت معجب به، وتحب المال والجمال والكمال، هذه الثلاثة عند الله متوافرة في دينه، أنت إذا أقبلت على الله حققت النوال والجمال والكمال، أنت تتصل مع من؟ مع الجميل، كل ما في الأرض من جمال طبيعي، من جمال صوري، من جمال أفعال من الله عز وجل، فأنت مع أصل الجمال والكمال والنوال، لذلك إن لم تقل أيها المؤمن ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني أنت بعيد عن السعادة.
المذيع :
 دكتور محمد راتب النابلسي نتكلم في هذه الحلقة عن السعادة، وقد ذكرنا في بداية الحلقة أن الإنسان يتقلب أحياناً بين نعمة يريدها من زوجة أو مال أو ولد أو عمل أو غير ذلك، ويظن أن فيها السعادة الحقيقية، هل ممكن أن تعطينا تعريفاً شاملاً عن مفهوم السعادة؟

تعريف شامل للسعادة :

الدكتور راتب :
 والله أنا كرجل دين فهمي مستنبط من الكتاب والسنة، وأنا أرى وأنا أقصد ما أرى ومتأكد مما أرى أن السعادة في الاتصال بأصل الجمال والكمال والنوال، الله جميل، أحياناً يتجلى على عباده بمسحة من جماله يأخذ بالألباب، يتجلى على مكان جبل أخضر، مطل على بحر أزرق، يتجلى على عصفور بألوان زاهية، على الورود، هذا كله جمال الله عز وجل، فكيف إذا اتصلت مع الله عز وجل؟ أنت مع آثار الجمال المتواضعة تسعد بها فكيف إذا كنت مع أصل الجمال؟ لذلك:

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــــــــــا  فإنا منحنا بالرضا من أحبنــــــــــــــــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنــابنـــــــــــــــــــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــــــــــــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـــــــــــل  وأخلص لنا تلقى المسرة والهنـــــــــا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكــن  فما القرب والإبعاد إلا بأمـــــــــــــرنــــا
فيا خجلي منه إذا هـو قال لـــــــي  أيا عبدنــــــــا ما قــــــــــــــــرأت كتابنــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جــرى  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنــــا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً  وتنظــــــــــــر مـا به جـــــــــــاء وعدنــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـــــاً  وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا

 الشاهد الآن:

فـلو شاهدت عيناك من حسننـــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو لاح مـن أنوارنا لك لائــــــح  تــركت جميع الكائنـــــــات لأجلنـــــــــــا
* * *
فما حبنا سهل وكل من ادعــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنـــــــــــا
فأيسر ما في الحب للصب قتله  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنـا
***

 أنا من منظور ديني إيماني قرآني إسلامي أرى أن السعادة كل السعادة أن تكون مع الله:

كن مـع الله ترّ الله معك  واتـرك الكل وحاذر طمعك
و إذا أعطـاك من يمنعه  ثم من يعطـي إذا ما منعك
* * *

 أنا أرى السعادة أن تكون مع أصل الجمال والكمال والنوال، والأنبياء سعداء، والمؤمنون سعداء في كل بقاع الأرض، وفي كل الأطوار، سيدنا إبراهيم كان سعيداً وهو في النار، سيدنا يونس وهو في بطن الحوت، الأوضاع الصعبة جداً إذا كنت مع الله كان الله معك، و إذا كان الله معك فمن عليك؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟
المذيع :
 دكتور محمد بارك الله بك لا شك أن الأشياء الجميلة تستجلب بعوامل معينة، برأيكم ما هي العوامل التي من خلالها نستجلب السعادة مع بداية هذا الصباح الجميل؟

أسعد إنسان من يتصل مع أصل الجمال و الكمال و النوال :

الدكتور راتب :
 الإجابة عن هذا السؤال دقيقة جداً، أنت بتعبير معاصر برمجت، بتعبير آخر ولفت، بتعبير إسلامي أنت فطرت، لك خصائص، هذه الفطرة تنطبق تماماً على منهج الله، فكل أمر أمرك الله به جبلك وبرمجك أو فطرك على محبته، وكل نهي نهاك الله عنه جبلك وفطرك وبرمجك على كراهيته، والدليل قال تعالى:

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

[ سورة الحجرات: 7]

 المؤمن أسعد الناس في أي وضع
أنت عندما تطبق منهج الله عز وجل تسعد، مثل سيارة مرسيدس أحدث موديل مصممة لطريق معبد، إن سرت فيها بطريق وعر كسرتها، هذه مصممة لطريق معبد، فأنت مصمم لطاعة الله، فإذا أطعته اصطلحت مع نفسك أولاً، حينما تؤدي الحقوق تكون باراً بوالديك، تكون وفياً لأصدقائك، تكون زوجاً صالحاً، حينما تكون كما ينبغي أن يكون الإنسان، تشعر بسعادة لا توصف، والله أخ من أخواننا ذهب إلى بيت الله الحرام عندما رجع، ذهبت إلى زيارته وتهنئته قال: والله- وبكى - ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني، إلا أن يكون أتقى مني، السعادة شيء ملموس، إذا لم يقل لك المؤمن: أنا أسعد الناس على أي وضع، هناك حالات صعبة جداً، المؤمن اتصل بالله عز وجل، اتصل مع أصل الجمال والكمال والنوال، فالأشياء التي حوله لا قيمة لها إطلاقاً.
المذيع :
 هنا عبر الرسائل النصية أحدهم يقول: للسعادة أسباب، فمثلاً اليوم سبب سعادتنا وجود الدكتور، فعلاً نحن سعيدون بك.
الدكتور راتب :
 جعلنا الله أهلاً لذلك.
المذيع :
 دكتور أحياناً الإنسان يظن أن السعادة في شيء معين لأنه يفقده، فإذا وصل إليه وعايشه وعاشره إلى آخره تركه وسعى إلى شيء آخر، هل هذا أمر موجود في الإنسان؟

الله عز وجل هو الجهة التي كلما أقبلت عليها ازددت سعادة :

الدكتور راتب :
 هذا من فضل الله علينا، الله عز وجل ما سمح للدنيا بكل ما فيها من أموال، من نساء، من قصور، من مناصب، من ثروات، من مكانة اجتماعية، ما سمح للدنيا أن تمد الإنسان بسعادة مستمرة بل بسعادة متناقصة، والشيء متى تسعد به؟ قبل أن تملكه، فإذا وصلت إليه انتهت سعادتك، هذه حكمة بالغة جداً، لو الإنسان بقي سعيداً بالدنيا ما طلب الآخرة، لكن يظن أن الزواج شيء لا يوصف، يتزوج، يجد أنه شيء عادي، يظن أن السيارة شيء كبير جداً، يشتري سيارة، عادي، يشتري بيتاً، عادي، الشيء يتألق أمامك قبل أن تصل إليه فإذا وصلت إليه انتهت مهمته الجمالية، هذه نقطة مهمة جداً.
 ما الجهة التي كلما أقبلت عليها ازددت سعادة؟ الله عز وجل، أنت مع الله، الله لا نهائي، هناك كلام خطير ودقيق لأنك أيها الإنسان مبرمج أو مصمم أو مؤهل لمعرفة الله، والإله لا نهائي، أعطاك نفساً لا نهائية، هذه النفس اللانهائية هي المؤهلة لمعرفة الله اللانهائي، فإذا اختارت النفس شيئاً نهائياً تسعد به قبل أن تصل إليه، فإذا بلغته انتهت سعادتها، واسأل إنساناً معه مليارات، اسأل بيل كيت يملك أربعة وثمانين ملياراً، الآن عادي، من أيام كان على فراش الموت فكتب رسالة أن المال لا معنى له عندي إطلاقاً.
 أغنى إنسان في التاريخ، ليس في العالم، عفواً صاحب آبل جوبس، قال: المال لا معنى له عندي، هذه الدنيا قبل أن تصل إليها تتألق، فإذا بلغتها انتهت، إلا أنك إذا اخترت الله، أنت في سعادة متنامية إلى الموت وبعد الموت.
المذيع :
 دكتور محمد طالما أن الإنسان جبل وفطر على حب سلامته وسعادته هنا السؤال لماذا شقاؤه إذاً؟

شقاء الإنسان نتيجة أن أهدافه انتقلت من حجم كبير إلى حجم صغير :

الدكتور راتب :
 لأنه توهم السعادة في المال، فإذا سعى إليه بل سعى إليه على حساب مبادئه وقيمه ثم وصل إليه يكتشف صغره، فيبدأ شقاؤه السعادة في الدنيا تزول بتحقيق الأهداف
دائماً الشيء يتألق يتلامع قبل أن تصل إليه، يقول لي أحد أقربائي دخل الجامعة: عندما ينام يحلم أن معه ليسانس، حتى يكتب على دفاتره ليسانس في الآداب والعلوم، مثلاً عندما أخذ الليسانس سعد أسبوعاً واحداً وانتهى الليسانس، الآن الليسانس والزواج والسيارة والمنصب الرفيع كلها هكذا، ترى الذي يصل إلى أهدافه، أهدافه انتقلت من حجم كبير إلى حجم صغير جداً.
المذيع :
 دكتور من أجمل ما سمعت يقولون: المولود عندما تنتظره اللحظة الوحيدة التي تتجلى فيها السعادة حينما تبشر ثم بعد ذلك تبدأ الطلبات وغير ذلك.
الدكتور راتب :
 الإنسان إذا أيقن أن سعادته الحقيقية المستمرة المتنامية مع الله وقف على باب السعادة الأول والأخير.
المذيع :
 دكتور لنأخذ تلك الصورة التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بعث وكان من حوله من الصحابة الذين أسلموا متعلق بماله، بأمور الدنيا، وهذا طبيعي في ذلك الوقت خصوصاً مع وجود الشرك، فكيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤسس الأمور الكفيلة بسعادة الإنسان ويغير قناعاته؟

السعيد من لزم منهج الله :

الدكتور راتب :
 إذا كان الشخص جائعاً جداً وأمامه صحن طعام من أيام ثلاثة وبداية فساده، من شدة جوعه يأكله، أما لو شاهد طبقاً من اللحم المشوي الطازج، وهذا طعام قديم وبداية فساده ما الذي يصرفه عن الطعام الثاني؟ الأول، اللحم المشوي، فأنت حينما تذوق طعم القرب من الله تزهد بما سواه، ومن عرف الله زهد بما سواه، أنت وصلت إلى الأصل، الفرع ليس له طعم، إلا أن هناك حقيقة مرة، وأنا في حياتي اليومية أرى أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، أنت حينما تؤمن أن سعادتك، راحة نفسك، إقبالك، تألقك في معرفة الله وطاعته، إن لزمت هذا المنهج فأنت سعيد طبعاً، قطعاً، أما إذا توهمته في المال فهناك خيبة ظن بعد حين، توهمته في المنصب، إنسان تعين في منصب رفيع، أي حرس وسكرتيرة وسيارات هذه أول أسبوع فقط، بعد أسبوعين أو ثلاثة يكون عادياً، ثماني سيارات على الباب، وسيادة الوزير، كله انتهى، عظمة هذا الدين أنه من أجل أن تتعرف إلى الله، فإذا أخطأت وطلبت غير الله سريعاً ما تنتهي هذه السعادة، وتنقلب إلى لذة، لذلك أصعب شيء في الحياة أن يكون الهدف مادياً، وعندما تصل إليه تكتشف اكتشافاً خطيراً أن هذا الذي طمحت إليه لأربعين سنة ماضية ليس في مستوى طموحك.
المذيع :
 فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، النبي صلى الله عليه وسلم:

(( مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه، مُعافى في جَسَدِهِ، عندهُ قوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها ))

[ الترمذي عن عبيد الله بن المحصن ]

 السؤال هنا هل هذه الثلاثة هي مقومات السعادة؟ هل باتت تكفي اليوم ليصبح المرء سعيداً؟

حاجة الإنسان إلى السلامة و السعادة و الاستمرار :

الدكتور راتب :
 المعنى له منحى آخر، الإنسان يحتاج إلى الطعام والشراب، ولولا أنه يجوع ما رأيت هذه الإذاعة، ما رأيت على الأرض شيئاً، الجوع دافع للعمل، الجوع أريد أن آكل إذاً أريد مالاً، إذاً أبحث عن عمل، الأرض بنيت بالجوع، الجامعات بنيت بالجوع، كل شيء تراه عينك أساسه جوع، من هو الإنسان؟ كائن يحتاج إلى طعام ليحافظ على وجوده الفردي، ثم يحتاج إلى زواج ليحافظ على بقاء النوع دون أن يشعر، ثم يحتاج إلى التفوق، الإنسان يحب سلامة وجوده، ويحب كمال وجوده، واستمرار وجوده، سلامة وجوده بالمنهج الإسلامي، أن يطبق تعليمات الصانع، له صانع عظيم هو الله، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من حرصه على سلامته فقط يطبق تعليمات الصانع فيسلم، أما إذا أقبل عليه فيسعد، أما إذا ربى أولاده فيستمر وجوده، في الأرض سبعة مليارات ومئتا مليون إنسان، أنا أرى ما منهم واحد إلا يتمنى سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده، السلامة لأنك أعقد آلة في الكون ولها صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، إذاً سلامتك باتباعك تعليمات الصانع، أي بالاستقامة، الاستقامة ترك، ما أكلت مالاً حراماً، ما كذبت، ما غششت، ما آذيت أحداً، لكن هناك شيئاً أبلغ من الاستقامة أنت إذا أقبلت على هذا الإله العظيم سعدت في رحمته، في لطفه، في قوته، في غناه، النوع الثاني أن تقبل عليه عندئذ تأخذ الجانب الإيجابي في الدين، أما إذا أردت أن تستمر أنت لن تستمر، كل مخلوق يموت، يستمر بأولاده إذا ربى ابنه على القيم التي آمن بها استمر، الذي له أولاد رباهم تربية إيمانية لا يموت، لأن استمرار وجوده بأولاده، أنت بحاجة إلى السلامة والسعادة والاستمرار، الاستقامة سلبية، والسعادة إيجابية بالعمل الصالح، والاستمرار بتربية الأولاد.
المذيع :
 دكتور أحياناً الموازين تضطرب في عين الإنسان وخصوصاً إذا سمع هذا الكلام الجميل، قضية السعادة باتصال الإنسان بربه سبحانه وتعالى، بعد ذلك هو مقبل على الله في كل شؤون حياته، منعزلاً عن الدنيا، تزوج لا والله، اعمل والله أنا أعمل عند الله عز وجل، وأعبد الله فينفصل تماماً، ثم يجد بعد فترة شيئاً من الملل الذي أصيب به بصورة أو بصورة أخرى، الآن كيف يمكن للإنسان المسلم أن يوازن بين هذا وهذا؟

منهج الله يضمن للإنسان أعلى سعادة :

الدكتور راتب :
 هذه حالة مرضية لأن خالق الأكوان صممك أن تتزوج، وأن تعمل، وأن تكسب المال، وأن تكون يدك العليا من تحرك وفق منهج الله ضمن السعادة
الإله هكذا صممك، فأنت إذا اجتهدت واخترعت ديناً ثانياً أنت لا تعمل، أصبحت عالة على الناس، ضعفت مكانتك، ضعفت حياتك، ما نجحت في زواجك، سوف تختار واحدة لا ترضيك، فأنت حينما تتحرك وفق منهج الله، منهج الله يمكن أن يضمن لك أعلى سعادة، ولو كان لك عمل تجاري، التجار المؤمنون لهم مكانة كبيرة، أنا كنت في أندونيسيا، أكبر قطر إسلامي في الأرض، مئتان وخمسون مليون مسلم، ما سبب إسلام هذه البلاد الشاسعة؟ تسعة تجار فقط، جاؤوا إليها ومن خلال التجارة أسلموا، فلذلك العمل مقدس في الإسلام، واليد العليا خير من اليد السفلى، وأنت تؤكد ذاتك في العمل، في العمل يكون لك تألق، والعمل له مرجعية إسلامية، لا تأكل مالاً حراماً، لا يوجد ربا، هذا يمشي بشكل صحيح في تألق.
المذيع :
 دكتور المعركة مع الشيطان معركة مستمرة إلى قيام الساعة يمنينا بالمفقود لنكره الموجود، والإنسان يظل باحثاً عن هذا المفقود حتى إذا ما امتلكه كما أشرتم تحول إلى شقاء موجود ما هو الحل برأيكم؟

المعركة مع الشيطان معركة مستمرة إلى قيام الساعة :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أن إنساناً يدفعك إلى باب الله دون أن تشعر، هذا دور الشيطان، لأنه حينما يلقي بنفسك الوساوس، ويشعرك بفقرك تتحرك، فإذا تحركت وفق منهج الله نسيت كل هذه الوساوس، الشيطان له دور إيجابي لكن غير معلن، هو بالأساس دوره سلبي، الشيطان يوسوس المؤمن لا يقبل هذه الوسوسة، فيرقى عند الله، يسمونه محفزاً، دون أن يشعر أحياناً الإنسان ينفع إنساناً آخر من حيث لا يريد ولا يشعر، الشيطان يوسوس والوسوسة مؤلمة جداً، قال له مثلاً: من خلق الله؟ لا ينام الليل، التقى مع علماء أسمعوه دليلاً قوياً جداً ارتاح، قفز، ممكن وسوسة تعمل قفزات نوعية في عالم الإيمان دون أن يشعر، أنا أعتقد أن الشيطان هو واضح أنه سلبي، يدعو إلى المعصية، إلى التفلت، إلى الدنيا، لكن أحياناً له دور إيجابي، فإذا دفعك لا سمح الله إلى شيء لا يرضي الله ورأيت خسته، أنت تعود إلى الله.
المذيع :
 دكتور محمد قبل أن نتوجه إلى الرسائل النصية، أحياناً ينظر الإنسان إلى هذا الكون الذي يعيش فيه، ثم يجد ذلك العالم في علوم الطبيعة، يجد سعادته في تحليل الأمور الظاهرة، بإبداع الخالق سبحانه وتعالى، في العلوم أيضاً نجد استخراج السعادة من بين هذه النصوص أو من بين هذه المعادلة، الدكتور محمد راتب النابلسي أعطى مادة تفسيرية جميلة جداً في قضية الربط ما بين العلم وما بين آيات الله عز وجل في القرآن الكريم.

التفكر في خلق السموات و الأرض أقصر طريق إلى الله :

الدكتور راتب :
 أنا أرى ولعلي على صواب إن شاء الله أن أقصر طريق إلى الله، و أوسع باب ندخل منه على الله، هو التفكر في خلق السموات والأرض، لماذا؟ أنت في القرآن الكريم إن قرأت آية فيها أمر هذه الآية ماذا تقتضي منك؟ أن تأتمر، وإذا قرأت آية فيها نهي ماذا تقتضي؟ أن تنتهي، إن قرأت قصة نبي تقتضي منك أن تتعظ، لا يوجد آية في القرآن إلا ولها هدف، فإذا قرأت ألفاً وثلاثمئة آية بالقرآن تتحدث عن الكون والإنسان، هذه ماذا تقتضي؟ أن تتفكر في خلق السموات والأرض، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

 التفكر في خلق السموات والأرض أقصر طريق إلى الله
يتفكرون جاءت فعلاً مضارعاً، والمضارع يفيد الاستمرار، عفواً أنا أمامي كأس ماء، هذا الماء له خاصة لولاها لما كانت هذه الإذاعة، ولما كان هناك قطر، ولما كانت البلاد كلها، ولما كان الإنسان، ما هي هذه الخاصة؟ الماء مثل أي عنصر تسخنه يتمدد، تبرده ينكمش، كل سائل في الأرض بالتسخين يتمدد، بالتبريد ينكمش، إلا الماء فيه خاصة معينة، حرارة الماء عشرون، خفضت الحرارة للخامسة عشرة، للعشر درجات حتى وصلنا إلى أربع درجات يا الله تنعكس الآية يزداد حجم الماء، لولا تمدد حجم الماء بالدرجة زائد أربع لانتهت الحياة، ما الذي يحصل لو لم يكن هذا القانون؟ الطبقة العليا في البحار تتجمد فتنكمش تزداد كثافتها تغوص، بعدها طبقة ثانية تتجمد تغوص إلى أن تتجمد البحار بأكملها، ينعدم البخار، ينعدم المطر، يموت النبات، يموت الحيوان، يموت الإنسان، حياة الكائنات الحية في الأرض مبنية على خاصة في الماء، هذا التفكر يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله عز وجل.
المذيع :
 دكتور أعود إلى موضوع السعادة، ترتبط السعادة في كثير من تجلياتها بالسكينة واطمئنان القلب كيف يكون ذلك وما هي مسبباتها؟

ارتباط السعادة بالسكينة و اطمئنان القلب :

الدكتور راتب :
 أولاً: لا يمكن أن تخطب ود الله بطاعته أو بخدمة خلقه دون أن يخطب ودك بالسكينة، تخطب وده بطاعته، وبخدمة خلقه، والإحسان إلى خلقه، وبالعفو عمن ظلمك، إذا خطبت ود الله بعمل صالح يخطب ودك بالسكينة، السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، شيء من الصعب أن تتصوره، تقول: سعادة سعادة، توازن توازن، قوة شخصية قوة شخصية، قرار حكيم قرار حكيم، رؤية ثاقبة رؤية ثاقبة، ، شيء عجيب، السكينة يتألف عنها ألف صفحة، هذا عطاء إلهي، أي إنسان مؤمن يكافئه الله بأن ينزل على قلبه السكينة، فالأنبياء سعدوا بها والصحابة سعدوا بها، ونحن عندما نفتقدها نشقى، إن الله يعطي الذكاء، والقوة، والمال، والجمال للكثيرين من خَلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين.
المذيع :
 دكتور سائلة تقول: هل عندكم تفسير لفقدان التلذذ أو الاحتياج لأي شيء في الدنيا علماً بأني مقصرة في حق الله.
الدكتور راتب :
 السؤال غير واضح.
المذيع :
 هي تقول إنها تفقد التلذذ في كل شيء في الدنيا بنفس الوقت هي مقصرة في حق الله، تقول: لماذا لا أجد التلذذ في أمور الدنيا؟

السعادة الحقيقية أن يكون الإنسان مع الله :

الدكتور راتب :
 الحقيقة السعادة الحقيقة أن تكون مع الله، فإذا كانت الدنيا أكبر همّ الإنسان فقد أحد شروط السعادة الحقيقية، لذلك الدنيا وحدها لا تسعد، يسعد إيمانك بالله مع الدنيا، أي زواج مع الإيمان شيء رائع جداً، أنا أشبه الحياة ببيت فيه ثلاجة، براد، مكيف، ميكرويف، جميع الأجهزة موجودة فيه لكن لا يوجد كهرباء، فكل هذه الأجهزة لا معنى لها، كتل بلاستيكية، فإذا جاءت الكهرباء الثلاجة بردت، والمكيف كيفك، والميكرويف سخن لك طعامك، فكل الأجهزة في البيت تعمل بالكهرباء، هذا الإيمان، مع الإيمان الزواج مسعد والله، مع الإيمان الأولاد مسعدون، مع الإيمان العلم مسعد، عندك رسالة أنت اخترت هذا العمل لتخدم الأمة، لتكون عند الله مرضياً، فكل شيء دخل في الإيمان صار مسعداً.
المذيع :
 دكتور كيف الإنسان يصل إلى الرضا ثم إلى السعادة؟

أسباب السعادة الكبرى :

الدكتور راتب :
 أنت حينما ترضي الله يرضى الله عنك، إذا أرضيت الله يلقي في روعك أنه يحبك، هذا الشعور لا يقدر بثمن، من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له، من عظمة الإله العظيم إذا أنت خطبت وده يلقي في روعك أنه يحبك، هذه أحد أسباب السعادة الكبرى.
المذيع :
 يسأل الفرق بين سعادتي الدنيا والآخرة، هل يمكن أن تمثلها بمثال؟

الفرق بين سعادتي الدنيا والآخرة :

الدكتور راتب :
 قال تعالى:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد : 6]

 ذاقوا طعمها، ما طعم السعادة في الدنيا؟ سعادة القرب من الله، كان في الدنيا قريباً من الله، فسعد بهذا القرب، قال تعالى: سعادة المؤمن بالعمل الصالح

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد : 6]

 عرفها لهم في الدنيا، عرفها لهم بالإقبال عليه، عندما يقرأ المؤمن القرآن ويبكي يحس بسعادة لا توصف، لا يوجد مؤمن يقوم بعمل صالح إلا ويشعر بالسعادة، هذه السعادة تأتينا في الدنيا، تأتينا بشكل ومضات، هناك حكمة إلهية لو السعادة ازداد عطاؤها لا تعمل شيئاً، أحياناً تصلي فتبكي في الصلاة إذا كنت تبكي بشكل دائم لا تعمل تقعد في البيت، تضطر ان تتزوج تنجب أولاداً تعلمهم، يريدك أن تعمل في الدنيا، الدنيا دار عمل، والآخرة دار أمل، إذا أنت عكست الآية جعلت الدنيا دار أمل، هذه مشكلة كبيرة، تأتيك ومضات، إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها. هناك نفحات إيمانية مسعدة جداً، وهذه ليست دائمة تأتي مثل ومضات، الدائم تريد أن تتزوج، تشتري بيتاً، تختار حرفة، تقدم للناس شيئاً، تخدم الناس.
المذيع :
 أنت ذكرت أن الإنسان يجد سعادته بالدعاء، هنا السؤال يقول: ما هي أفضل حالة للدعاء؟

أفضل حالات الدعاء :

الدكتور راتب :
 حينما تكون مضطراً، المضطر يستجاب دعاؤه ولو لم يكن أهلاً والدليل:

﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾

[سورة النمل:62]

 قال له: يا رب لا يوجد غيرك.
المذيع :
 دكتور محمد كما أن هناك نظرة إلى بعض الأشخاص الذين أعطاهم الله من المال وهم على معصية كذلك ينظر إلى بعض الآخرين أنهم سعداء وهم على غير ملة الإسلام، وهذا لعله يتمثل في سؤال أحد الأخوة عبر الرسائل النصية القصيرة 92628 يقول: لماذا نجد كثيراً من غير المؤمنين بالله والعصاة سعداء وأغنياء؟ هذا هو السؤال.

احترام قرار الله دليل إيمان الإنسان :

الدكتور راتب :
 إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لا يصلح له إلا الفقر، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه، أي إن بعض الناس على الغنى تتألق، وآخر على الغنى يفسق، الله يبقيه بدخل محدود حتى يبقى مستقيماً، هذه حكمة إلهية أن الله علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، أما الرابعة وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون فالإنسان إذا أيقن بمحبة الله له، ورحمته به، وساق له مصيبة معينة، الإيمان يقتضي أن ترضى بهذه المصيبة، ليس معنى أن تقبل بها لكن إذا أصابتك يجب أن تتلقاها و أنت راض، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، فالإنسان إذا عرف أن له رباً عظيماً، مربياً، حكيماً، قديراً، سميعاً، بصيراً، غنياً، وهذا قرار الله عز وجل فاحترام هذا القرار دليل إيمان الإنسان.
المذيع :
 دكتور محمد هناك أيضاً سائل لعله يتصل أيضاً بموضوع التربية والأبناء بشكل كبير، نقل هذه المفاهيم، ونقل هذه السلوكيات إلى أبنائنا، السؤال يقول كيف أفهم أبنائي معنى الإيمان؟ كيف أنقل إليهم مفهوم الإيمان؟ الكبير تمر عليه المصطلحات ويفهمها لكن الصغير يحتاج إلى توضيح؟

ضرورة وجود جلسة حوارية دائمة بين الأب و أولاده :

الدكتور راتب :
 والله أنا أرى وأنا على الإذاعة ويسمعني من يسمعني أن الأب لا بد من جلسة حوارية مع أولاده لا بد من للأب أن يعرف أولاده على الله عز وجل
لا بد من جلسة حوارية مع أولاده يعرفهم بالله عز وجل، يعرفهم بسر وجودهم، وغاية وجودهم بشكل مبسط، الأب ليس له علاقة بأولاده إلا بالطعام والشراب، هذا الإنسان إذا قدم لأولاده الطعام والشراب لم يربهم، كفى بالمرء إثماً أن يضوع من يقوت، وهو يقوتهم؛ يطعمهم، يكسوهم بالمدارس، لكن لم يعرفهم بالله عز وجل، فلا بد لكل أب من جلسة مع أولاده قد تكون أسبوعية، قد تكون يومية، قد تكون نصف شهرية، لكن لا بد من جلسة يقول له: يا بني الله خلقنا للجنة، وهذه الدنيا للعمل الصالح، والإنسان باستقامته يسعد ويرقى عند الله، وتعطيه أمثلة عن الصحابة، عن التابعين، فلا بد من توجيه الأولاد، والأولاد امتداد الإنسان، فالذي يريد أن يصل إلى الجنة:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

[ سورة الطور: 21 ]

 العلماء قالوا: ألحقنا بهم أعمال ذريتهم.
المذيع :
 دكتور أيضاً عبر رسائل الواتس أب يا شيخ السؤال يقول: كيف نعلم أنفسنا القناعة حتى نشعر بالسعادة؟

سعادة الإنسان بالعمل الصالح :

الدكتور راتب :
 مثلما قلت قبل قليل يوجد طعام رديء، ويوجد أمامه طعام نفيس، فإذا رأيت النفيس تركت الطعام الرديء، السعادة حينما تذوقها لا يمكن أن تقبل سواها، فالإنسان كل سعادته بالمال، سعادته بالطعام الطيب، سعادته بالبيت الراقي، هذا سعادته هنا، انتهت هنا سعادته، لكن لم يعمل عملاً يقربه من الله، لذلك لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف.
المذيع :
 أيضاً هذه رسالة تطلب منك دكتور محمد أن توجه رسالة لمن يأكل الحرام ويظن أن هذه سعادة.

العاصي أغبى إنسان لاستهانته بمعصية الله :

الدكتور راتب :
 أنا شخصياً لا أرى على وجه الأرض أغبى من العصاة، لأنه هو استهان بمعصية الله لن يكون سعيداً لا في الدنيا، ولا في الآخرة، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، أو أن تطيعه وتخسر، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح أو أن تطيعه وتخسر:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[سورة الجاثية:21]

 أنا أقول: زوال أهون على الله من أن يستوي في خلقه الصالح مع الطالح، والخير مع الشرير، والمعطي مع المانع.
المذيع :
 دكتور محمد هناك أيضاً رسالة وصلتنا 92628 الرسائل النصية القصيرة تقول الرسالة: السلام عليكم أنا أقوم بفعل أشياء غير مستحبة، وأندم عليها، وأعزم على عدم العودة إليها، لكن تعود نفسي تحدثني بها وأفعلها وتعاد الكرة مرة ثانية، هو يسأل: ما سبب هذا؟ أرجو النصح حيث أنه يعلق في النهاية ويقول: هذا يجعلني حزيناً طوال الوقت.

حاجة كل إنسان إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور راتب :
 لذلك أقول لهذا السائل الكريم: لا بد لك من حاضنة إيمانية، والدليل قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

 الإنسان بحاجة إلى حاضنة إيمانية لكي يستقيم
أنت بحاجة إلى رفيق مؤمن، إلى مجتمع مؤمن صغير، لو أنك اخترت هذا الإيمان وحولك أناس متفلتون لن تستطيع أن تستقيم، والأمر الإلهي:

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

 أمر ثان:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 لا بد للسائل ولأي سائل آخر من حاضنة إيمانية، يريد مجتمعاً إيمانياً، مجتمعاً يقيّم لك الدين تقييماً جيداً، وهناك أشخاص متفلتون يريك الدين شيئاً قديماً، أفيون الشعوب، مرحلة تخطيناها.
المذيع :
 دكتور أيضاً هنا عبر الرسائل النصية القصيرة92628 فضيلة الشيخ كما سألناك قبل قليل هناك من يسأل عن طريقة إيصال المفهوم الإيماني للأبناء، أيضاً سؤال آخر ولكن عن السكينة يقول السائل: السلام عليكم شيخنا الكريم السكينة هي هبة من الله تعالى ولكن كيف يمكنني أن أربيها في أبنائي؟

كيفية زرع السكينة في الأبناء :

الدكتور راتب :
 أنت حينما تطيع الله عز وجل أو يطيع أبناؤك ربهم، الثمرة الحقيقية اليانعة القطعية السكينة، أي أنت إذا جاءك ابنك آخر العام ومعه الجلاء وكان متفوقاً هل يكتفي أن تقول له: نعم أما تضمه وتقبله وتعانقه؟ لا يمكن أن تخطب ود الله دون أن يخطب ودك، غير معقول إنسان يخطب ود الله عز وجل، يطيعه، يغض بصره، يضبط لسانه، يبر والديه، ولا يجد من الله جواباً، الله عز وجل إله مرب، أي يكافئ على الحسنة في الدنيا قبل الآخرة، فأنا أقول: المؤمن سعيد لأن الله يكافئه.
المذيع :
 هنا أيضاً سائل يقول: السلام عليكم شيخنا الفاضل، أنا أحضر كل محاضراتك على اليوتيوب، ويقول: جزاك الله خيراً، ويقول أيضاً: والله إني وجدت السعادة كل السعادة في كتاب الله وحفظه قولاً وعملاً، فمن أراد السعادة فهي في القرب من الله وكتابه.
الدكتور راتب :
 بارك الله به وزاده علماً وقرباً.
المذيع :
 أيضاً دكتور محمد راتب النابلسي عندي مجموعة من الأسئلة عبر الواتس أب هذا السؤال يقول: ماذا تفعل وأنت مؤمن بقواعد الإيمان ويوجد من يكيد لك بالسحر والعين؟

من كان مع الله كان الله معه :

الدكتور راتب :
 لا يمكن لكائد أو ساحر أو معتد أن يصل إليك إذا كان الله معك، إذا كان الله معك فمن عليك؟ من يجرؤ أن يكون عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟
المذيع :
 أشرنا قبل قليل أيضاً أن السعادة في البحث، وماذا عن الأبناء، وغير ذلك، لكن هنا أحدهم يقول في رسالة: أشعر بالحزن كل يوم لأني لم أرزق بأبناء ويقول ماذا أفعل؟ هو يطلب منكم النصح فضيلة الشيخ.

الثقة بحكمة الله و رحمته :

الدكتور راتب :
 أولاً: هناك أسباب لو اتخذتها ممكن أن يكون عندك طفل بطريق صناعي، وهذا مشروع، وهناك قرار من مجمع الفقه الإسلامي، لكن أنت إذا بذلت كل المحاولات ولم تقدر يجب أن تعتقد يقيناً أن يوم القيامة لو كشف الله لك الحكمة في عدم إنجابك للأولاد يجب أن تذوب محبةً لله، لأن الخلائق كلها تقول: وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، قد تحرم شيئاً في الدنيا دون أن تكشف لك الحكمة، فإذا كشف الله لك الحكمة تذوب محبة له، لذلك أنا أقول أحياناً حينما يكشف الله لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، إذا كشف الله لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، أو قالوا: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، قد يأتيك المال الوفير في بداية الحياة، فلا تدرس، ولا تتعلم، وتمارس شهواتك كلها، يأتي إنسان فقير يتيم الأب، هذا اليتم يجعله عظيماً، صار يدرس ليحصل على الدكتوراه، فأنت لا تعرف أين الخير، البطولة أن تثق بالله، هو الحكيم، هو الرحيم، فإذا اختار لك شيئاً ولم يعجبك هذا الشيء يوجد عندك خطأ في إيمانك.
المذيع :
 وهذا أيضاً يقول: السلام عليكم أحبك في الله يا دكتور محمد، كيف أتوب كل يوم وكيف أعرف أن الله سبحانه وتعالى تاب عليّ؟

من تاب الله عليه أطلعه على نتائج هذه التوبة :

الدكتور راتب :
 من تاب إلى الله أشعره الله بقبول توبته
لا يمكن أن تتوب إلى الله دون أن يشعرك أنه قبِل توبتك، قال تعالى:

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

[سورة التوبة:118]

 تاب عليهم، ساق لهم بعض الشدائد كي يحملهم بها على التوبة، قال تعالى:

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

[سورة التوبة:118]

 الآية الثانية: تابوا فتاب عليهم، تاب عليهم الثانية هنا قبل توبتهم، وإذا قبلها أشعرهم بذلك، تابوا فتاب عليهم، تابوا أي ساق لهم بعض الشدائد ليحملهم بها على التوبة، أما تاب عليهم ليتوبوا فساق لهم الشدائد ليتوبوا، أما الثانية فحينما تابوا أطلعهم على نتائج هذه التوبة.
المذيع :
 كيف يمكننا أن نقرأ القرآن ونستخرج منه معاني السعادة، يقول: أحياناً نمر على آية من الآيات نجد فيها معنى السعادة، نمر عليها مرة أخرى لا نجد مثل المعنى الذي وجدناه سابقاً، ثم يعلق على سورة البقرة في آياتها الأولى التي تدل على السعادة.

القرآن كلما زدته فكراً زادك معنى :

الدكتور راتب :
 كلما زدت القرآن الكريم قراءة زادك معنى، هذا القرآن وحده لا تنقضي عجائبه، كلما زدته فكراً زادك معنىً.
المذيع :
 دكتور محمد راتب النابلسي نحن الآن على ضفاف نهاية الحلقة، ونتمنى أن توجه رسالة أخيرة في نهاية هذا البرنامج بلغتك الجميلة.

بالشكر تدوم النعم :

الدكتور راتب :
 والله أنا أرى أن بلاداً كثيرة تعاني ما تعاني، فإذا أكرمكم الله في هذا البلد الطيب حفظ لكم بلدكم، وأمنكم، واستقراركم، هذه نعمة لا تعدلها نعمة، لكن تحتاج إلى شكر، فإذا شكرتم هذه النعمة دامت لكم إن شاء الله.
المذيع :
 دكتور محمد في نهاية هذا اللقاء الأخوة يطلبون منك دعوة في ختام هذا اللقاء لأخواننا في سوريا وفي حلب وفي كل البلاد.

دعوة لأهلنا في سوريا :

الدكتور راتب :
 أنا من سوريا أدعو أن يحفظ لهم إيمانهم، أن يحقن دماءهم، أن يحقن دماء المسلمين في كل مكان، وأن يحقن دماءهم في الشام وفي حلب، وحلب تعاني ما تعاني والله الذي لا إله إلا هو الذي يجري في حلب لا يصدق، كأن الإنسان حينما يبتعد عن الله يصبح وحشاً، شيء يفوق حدّ الخيال، طفل رضيع يقطع رأسه، الشيء الذي يصير الإنسان قد لا يصدقه والله، نسأل الله عز وجل أن ينصرهم نصراً مؤزراً، وكل شيء له نهاية.

خاتمة و توديع :

المذيع :
 نسأل الله عز وجل أن ينصر أخواننا المسلمين في كل مكان.
 في نهاية هذا اليوم يوم الخميس نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لكم يوماً سعيداً، وأياماً قادمة تكون لكم أسعد، شكراً لكم مستمعينا الكرام، نلقاكم بالخير والمحبة.

والحمد لله رب العالمين