خطبة الجمعة - الخطبة 1202 أ د : التفكر بحقيقة الإنسان بين العطاء والتصديق من جهة والأخذ والتكذيب من جهة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2016-12-23
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تكريم :

أيها الأخوة الكرام؛ هناك أسئلة كثيرة ينبغي أن يطرحها الإنسان على نفسه في تأملاته، من أنت أيها الإنسان؟ أنت المخلوق الأول، لأنك في عالم الأزل قبلت حمل الأمانة، فلما قبِلت حمل الأمانة سخر الله عز وجل لك ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، تسخير تعريف وتسخر تكريم، الموقف الكامل من تسخير التعريف أن تؤمن، الموقف الكامل من تسخير التكريم أن تشكر، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، وعندئذ توقفت جميع المعالجات الإلهية، قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

ضمانة من الله، هذا كفرد، أما كأمة فقد قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

الأمة التي تطبق منهج النبي صلى الله عليه وسلم هي في مأمن من عذاب الله، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

أيها الأخوة الكرام؛ الآن السؤال الدقيق: الإنسان هو المخلوق الأول، والمكلف، والمكرم، الأول لأنه قبل حمل الأمانة، والمكرم قال تعالى:

﴿ وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾

[سورة الإسراء: ٧٠]

الناس على اختلاف مللهم و نحلهم نموذجان لا ثالث لهما :

شيء آخر؛ دققوا حينما قال تعالى:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى *وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾

[سورة الليل1-4]

سبعة مليارات ومئتا مليون، كل واحد يتحرك لهدف، لكن الله جلت حكمته جمع هذه الأهداف كلها في حقلين اثنين فقط، الأول:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل5-6]

صدق أنه مخلوق للجنة، وبناءً على هذا التصديق اتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، أعطى واتقى وصدق بالحسنى، هؤلاء الناجون، هؤلاء السعداء، هؤلاء السالمون في الدنيا والآخرة، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل5-6]

لما صدق بالحسنى اتقى أن يعصي الله، ولما اتقى أن يعصي الله بنى حياته على العطاء، لذلك على رأس الهرم البشري يقف زمرتان كبيرتان، الأقوياء والأنبياء، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، والأنبياء يمدحون في غيبتهم، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي، فالبطولة أن تكون من أتباع الأنبياء، تبني حياتك على العطاء، قال تعالى:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى *وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾

[سورة الليل1-4]

أول زمرة: أعطى واتقى وصدق بالحسنى، المكافأة الإلهية في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾

[سورة الليل: 7]

حياته ميسرة، زواجه ناجح، أولاده أبرار، سمعته طيبة، نجاحاته متتابعة، أي إذا أعطى أدهش، الطرف الآخر قال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَ﴾

[سورة الليل8-9]

لأنه كذب بالحسنى وهي الجنة، آمن بالدنيا فاستغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، أعطى واتقى وصدق بالحسنى، بخل واستغنى وكذب بالحسنى، إذاً هؤلاء البشر على اختلاف مللهم، ونحلهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، واتجاهاتهم، وتياراتهم، هم عند الله نموذجان، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل5-6]

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾

[سورة الليل8-9]

المسافة الكبيرة بين المؤمن و بين الشارد عن الله :

الآن الرد الإلهي الأول قوله تعالى:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾

[سورة الليل: 7]

الآن الرد الإلهي الثاني قوله تعالى:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل :10 ]

في بيته غير سعيد، في عمله يوجد منافسة تحطمه، متشائم دائماً، بعيد عن التفاؤل، ليس مرتاحاً في بيته ولا مع من حوله، حياة المؤمن عكس حياة غير المؤمن، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[سورة الجاثية:21]

أي مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يستوي من استقام على أمره، ومن خرج عن أمره، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص :61 ]

مسافة كبيرة جداً بين أن تكون مؤمناً مطمئناً سعيداً موفقاً ناجحاً في سعادة كبيرة، وبين أن يكون الإنسان شارداً عن الله، لذلك قالوا: في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، ماذا قال تعالى؟

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد الآية : 6]

ذاقوا طعمها، لذلك قال بعض العارفين:

فـلو شاهدت عيناك من حسننـــا الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعــى سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنــــــــــــا
***

الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه :

أيها الأخوة الكرام؛ الآن الإنسان من هو؟ ما قرأت تعريفاً رائعاً جامعاً مانعاً للإنسان كتعريف الإمام الجليل الحسن البصري، قال: الإنسان هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه. أنت زمن، أو رأس مالك هو الزمن، أو أثمن شيء تملكه هو الزمن، ولأنك زمن أقسم الله لك بمطلق الزمن، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ﴾

[ سورة العصر: 1 ]

جواب القسم قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 2]

يا رب لم الخسارة؟ قال: لأن مضي الزمن وحده يستهلكك فقط، سبت أحد اثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة انتهى الأسبوع الأول، ثم الثاني فالثالث فالرابع انتهى الشهر الأول، أربعة شهور فصل، أربعة فصول سنة، عشر سنوات عقد، حياتك بضعة عقود، إذا جاء أجله ينادى: " أن عبدي رجعوا وتركوك- ترك البيت والمركبة والثريات واللقاءات والسهرات المختلطة- وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت". الذكاء والعقل والتفوق والتوفيق أن تعرف الله:

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

أركان النجاة هي الاستقامة و العمل الصالح :

إذاً قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا ﴾

[ سورة العصر : 1-3 ]

رحمة الله في إلا، ما بعد إلا سماها الإمام الشافعي أركان النجاة، قال تعالى:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 3]

هذه المنجيات، بحث عن الحقيقة حتى آمن، وعمل وفقها فاستقام، وتقرب بالعمل الصالح فارتقى، وصبر على البحث عنها، والاستقامة والعمل الصالح هذه أركان النجاة عند الإمام الشافعي، قال تعالى:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 3]

هذه سورة العصر لو تدبرها الناس لكفتهم، فيها ملخص الملخص، لذلك قال تعالى:

﴿ أَلهاكُمُ التَّكاثُرُ ﴾

[سورة التكاثر: ١]

يوجد حالة اسمها كسب الرزق، وهناك حالة ثانية جمع، قال تعالى:

﴿ أَلهاكُمُ التَّكاثُرُ* حَتّى زُرتُمُ المَقابِرَ ﴾

[سورة التكاثر: ١-٢]

أي القبر نهاية كل إنسان، مهما تكن مساحة بيتك، نوع الأثاث، دخلك الفلكي، المكانة، المنصب، الثروة، هذا كله سوف ينتهي، لذلك البطولة أن نعيش هذه اللحظة، " أن عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت".
أي لا يكفي من حين لآخر أن نسمع كلمة الحق، لا بد من سماع دوري من أجل الهدف التراكمي، القناعات عندما تزداد يتعدل السلوك، أشبه الشهوة بكيلو غرام في كفة، وهذه الخطبة خمسة غرام، لا يكفي خطبة واحدة، يجب أن تتجمع الخطب حتى تصبح كيلو غرام، تدخل في الصراع، إذا صاروا كيليين مشيت، فلا بد من تراكم القناعات، هذا التراكم ينتج عنه استقامة وعمل صالح.

بطولة الإنسان أن يعرف الحقيقة في الوقت المناسب :

لذلك قال تعالى:

﴿ أَلهاكُمُ التَّكاثُرُ* حَتّى زُرتُمُ المَقابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة التكاثر: 1-3]

كل البطولة أن تعلم الحقيقة في الوقت المناسب، أما كل إنسان مهما يكن بعيداً عن الله لا بد من أن يعرفها بعد فوات الأوان، هل هناك أكفر من فرعون؟ الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24]

والذي قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38 ]

فرعون عندما أدركه الغرق قال:

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

.

[ سورة يونس: 90 ]

متى جاء إيمانه؟ بعد فوات الأوان، لذلك جميع البشر من دون استثناء سوف يؤمنون بالحقائق التي جاء بها الأنبياء ولكن بعد فوات الأوان، من هنا الآية تقول:

﴿ يَومَ يَأتي بَعضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت في إيمانِها خَيرًا﴾

[سورة الأنعام: ١٥٨]

بطولة الإنسان أن ينقل رسالة الإسلام بشكل صحيح إلى الغرب :

أيها الأخوة الكرام؛ النقطة الدقيقة هذه خاصة بالأخوان المقيمين في هذه البلاد الآية تقول:

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

[ سورة الممتحنة : 5 ]

هذا الإنسان المقيم يجد مسلماً قدم تصريحاً كاذباً يعتقد بصحة دينه، وبخطئ دين المسلم، المسلم في بلده إذا أخطأ يشار إلى اسمه بالذات فقط، فلان أخطأ، أما المسلم في بلاد الغرب إذا أخطأ فيشار إلى دينه، فأنتم على ثغرة من ثغر هذا الدين فلا يؤتين من قبلكم، أي خطأ من إنسان مقيم في بلاد الغرب هذا الخطأ ينسحب إلى دينه، أما الخطأ في بلادكم الأصلية فيبقى على اسمك فقط.
أيها الأخوة الكرام؛ فنحن هنا شئنا أم أبينا رسل، ينبغي أن تحمل رسالة من بلاد المسلمين إلى الغرب عن استقامة المؤمن، طهر المؤمن، عفاف المؤمن، صدق المؤمن، أمانة المؤمن، رسالة من بلاد الإسلام، بلاد الوحيين إلى بلاد الغرب، وإن عدت إلى بلادك احمل رسالة أخرى، القانون فوق الجميع، تكافؤ الفرص، إلى آخره.. هنا يوجد ميزات أيضاً فبطولتك ألا تنقل سيئات الفريقين، أن تنقل حسنات الفريقين.

سعادة الإنسان بصلاح أولاده :

أنا اجتهاد شخصي مني لا أرى مشكلة تفوق موضوع الأولاد في هذه البلاد، كنت أقول لهم سابقاً في رحلات كثيرة إلى أمريكا، قلت لهم: لو بلغت منصباً ككلينتون، وثروة كأوناسيس، وعلماً كأنشتاين، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.
أقسم لي أخ كريم مقيم في ألمانيا حضر إلى الشام لسبب بسيط أن ابنته تقول لهم: أنتم، بابا من نحن؟ أنتم، ذهب إلى المدرسة تقول المعلمة: أنتم متخلفون، فأخذ قراراً أن يعود إلى بلده، قال لي: والله دخلي سينزل إلى العشر، لعل بعد خمس سنوات تقول ابنته: نحن، فرق كبير بين أنتم وبين نحن، مسافة كبيرة، فأنا أعتقد لا يوجد شيء يفوق العناية بالأولاد هنا، ابنك استمرارك قال تعالى:

﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾

[ سورة طه: 117]

باللغة العربية ينبغي أن تكون الجملة فتشقيا، العلماء قالوا: شقاء الأزواج شقاء حكمي لزوجاتهم، ويقاس على ذلك أن شقاء الأولاد شقاء حكمي لآبائهم وأمهاتهم، فأنت لا تكتمل سعادتك إلا بصلاح أولادك.

أصل الدين معرفة الله :

أيها الأخوة الكرام؛ الحقيقة يوجد موضوعات كثيرة جداً، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكنني في المستقبل أن أطرح بعض هذه الموضوعات، لكن الدين قوام الحياة، الدين ليس وردة توضع على الصدر، لا، الدين هواء تستنشقه، علاقتك مع الدين علاقة مع الهواء، إن لم تستنشق هذا الدين العظيم هناك موت محقق، والآية تقول:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

أيها الأخوة الكرام؛ أصل الدين معرفة الله، لكن هذه المعرفة تحتاج إلى تفكر، والآية تقول:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

هذا التفكر يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله، لذلك التفكر طريق معرفة الله عز وجل، وأصل هذا الدين معرفة الله، مثل بسيط: الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، يدخل في جوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض، وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وفي برج العقرب نجم صغير أحمر متألق اسمه قلب العقرب، هذا النجم الصغير الأحمر المتألق يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، ما هذا؟ هذا الكون.
أيها الأخوة الكرام؛ بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب عدا الشمس أربع سنوات ضوئية، ماذا يعني أربع سنوات ضوئية؟ الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلومتر، في الدقيقة ضرب ستين، بالساعة ضرب ستين، باليوم ضرب أربع وعشرين، بالسنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، أربع سنوات ضرب أربع، لو أردنا أن نصل إلى أقرب نجم ملتهب الذي هو أربع سنوات ضوئية كم نحتاج بسيارة أرضية؟ متى نصل إليه؟ بعد خمسين مليون عام، أقرب نجم ملتهب عدا الشمس، متى نصل إلى نجم القطب؟ نجم القطب يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية، متى نصل إلى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليوني سنة ضوئية؟ متى نصل إلى أحدث مجرة اكتشفت حديثاً تبعد عنا أربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية؟ هذا الرقم من دائرة المعارف الأمريكية، هذا الإله العظيم يعصى؟ حينما قال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا.

والحمد لله رب العالمين