خطبة الجمعة - الخطبة 1064 : خ1 - أسباب زيادة الرزق2 ( الرزق في القرآن والسنة ) ، خ 2 - التقوى سبب من أسباب زيادة الرزق.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-01-25
بسم الله الرحمن الرحيم

الخــطــبـة الأولــى :

الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقدمة لموضوع الرزق :

أيها الإخوة الكرام، حرص الإنسان على حياته، وعلى صحته، وعلى رزقه، هذه الموضوعات تقع في الدرجة الأولى.
وقد بدأت قبل أسبوعين موضوعاً يتعلق بالرزق، ووعدتكم أن أعالج هذا الموضوع بإسهاب، ولاسيما الأسباب التي وردت في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة حول زيادة الرزق، وما منا واحد إلا ويتمنى أن يكون رزقه وفيراً، لكن لا بد من موضوع تمهيدي لهذا الموضوع متعلق بالحلال والحرام.

1 ـ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا

وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها
أيها الأخوة، الحقيقة الأولى:

﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا ﴾

( سورة هود الآية: 6 )

إن جاءت كلمة ( على ) مع لفظ الجلالة فتعني أن الله ألزم ذاته العلية برزق كل المخلوقات.

﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ ﴾

( سورة هود الآية: 6 )

( من ) تفيد استغراق أفراد النوع، فإن نملة سمراء على صخرة صماء في ليلة ظلماء رزقها على الله، وإن وَعلاً في قمة جبل رزقه على الله.

﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ ﴾

( سورة هود الآية: 6 )

( من ) تفيد استغراق أفراد النوع.
( ما من ) تفيد الحصر والقصر.
و( دابة )، نكرة تنكير شمول.
( على الله ) أي أن الله سبحانه وتعالى ألزم نفسه برزق العباد، هذا قرآن، لو أن الآية: ما من دابة إلا الله يرزقها، فالمعمى: يرزقها أو لا يرزقها، لكن:

﴿ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا ﴾

قد ينصرف الذهن إلى أنواع من دواب معينة، وما من دابة، النفي والاستثناء والتنكير والحصر والقصر، هذه في آية واحدة تؤكد أن الله تكفل برزق العبادة.

2 ـ فقراء الكسل:

ولكن هناك إشكالية تقفز إلى الذهن، أليس هناك مجاعات ؟
الحقيقة المكملة لهذه الآية:

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾

( سورة الملك )

لذلك لا ينال رزق الله جل جلاله، أو لا ينال الرزق الذي ضمنه الله عز وجل إلا بسعي وعمل، قال تعالى:

﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا (105) ﴾

( سورة التوبة )

لذلك أوسع شريحة من الفقراء فقراء الكسل، لكن قد يبتلى الإنسان بعاهة تمنعه أن يكسب رزقه، هذا الفقر الذي قدِّر على الإنسان صاحبه معذور، وهو فقر القدَر، و إنسان كسيدنا الصديق أنفق كل ماله ولم يبق لنفسه شيئاً، هذا سماه العلماء فقر الإنفاق، الأول صاحبه معذور والثاني صاحبه مشكور، أما الفقر الذي صاحبه مذموم فهو فقر الكسل، فقر عدم الإتقان، فقر التأجيل، فقر الخلود إلى الراحة، فقر كراهية العمل، هذه أشياء تسبّب الفقر.

3 ـ لابد من السعي لكسب الرزق:

الرزق المضمون في الآية الأولى:

﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا ﴾

( سورة هود الآية: 6 )

هذا الرزق المضمون لا ينال إلا بسعي وعمل، ومشي في مناكب الأرض، وابتغاء فضل الله فيها:

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)﴾

( سورة الملك )

قمم البشر الأنبياء كانوا يأكلون الطعام، لأنهم بشر، لأنهم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، لكنهم يمشون في الأسواق، ومفتقرون إلى ثمن الطعام، وثمن الطعام يحصل بالسعي والكسب المشروع.
أيها الإخوة الكرام، الآية:

﴿ وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾

( سور الفرقان: 20 )

أيها الإخوة، في المشي في السوق يمتحن الإنسان، يصدق أو يكذب، يتقن أو يهمل، ينصح أو يغش، علة وجودنا في الدنيا الامتحان، والله عز وجل خلق فينا حاجة إلى الطعام والشراب، وحاجة إلى الزواج، ومن أجل هاتين الحاجتين الأساسيتين نتحرك، وفي أثناء التحرك نمتحن.
أيها الإخوة الكرام، يقول بعض العلماء: " علينا أن نجتهد في طلب الحلال لنأكل منه، ونلبس منه، وننفق على عيالنا وإخواننا منه، فإنه موجود ما دام المكلفون في الدنيا ".

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ (40) ﴾

( سورة الروم )

في الماضي، الرزق منتهٍ، وإذا قنن الله عز وجل فتقنينه تقنين تأديب لا تقنين عجز:

﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾

( سورة الحجر )

أحياناً غلّة القمح في بلدنا الطيب تزيد على ستة ملايين طن، وحاجتنا إلى مليون طن، ستة أضعاف، وأحياناً لا تزيد غلة القمح عندنا على ستمئة ألف طن، من ستة ملايين إلى ستمئة ألف طن، بحسب الأمطار، فالتقنين الإلهي تقنين تأديب لا تقنين عجز.
أيها الإخوة، يقول بعض العلماء: " إذا صدق الإنسان في طلب الحلال استخرجه الله من بين الحرام والشبهات ".

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ (66) ﴾

( سور النحل )

كيف أن الأرض تعج بالدخل الحرام وبالمصادر الحرام، فأيّ عبد صدق في أن يكون رزقه حلالاً يسوقه الله عز وجل إلى الحلال.
أيها الإخوة، ورد في بعض الأحاديث أنه:

(( من أصاب مالاً في نهاوش من حرام أذهبه الله في نهابر ))

[ الجامع الصغير عن أبي سلمة الحمصي بسند فيه ضعف ]

فإما أن يصادَر، أو أن يحترق، أو أن يسرق،

(( من أصاب مالاً في نهاوش من حرام أذهبه الله في نهابر ))

4 ـ طلب الحلال فريضة على كل مسلم:

لكن الذي ينبغي أن يكون واضحاً أيها الإخوة أنّ طلب الحلال فريضة على كل مسلم، بل طلب الحلال فريضة بعد الفريضة، الصلاة فريضة، والصوم فريضة، والحج فريضة، وأداء الزكاة فريضة، بعد هذه الفرائض الفريضة التي تلي أركان الإسلام الكسب الحلال.
الحرفة يمكن أن تصبح عبادة
وذكرت في لقاء سابق أن حرفتك التي تحترفها، ومهنتك التي تمتهنها، ووظيفتك التي تعيش منها إن كانت في الأصل مشروعة، وسلكت بها الطرق المشروعة، وابتغيت منها كفاية نفسك وأهلك وخدمة المسلمين والناس عامة، وما شغلتك عن واجب ديني، ولا عن فريضة، ولا عن طلب علم، ولا عن عمل صالح انقلبت الحرفة إلى عبادة، فأنت في دكانك تعبد الله، وأنت في عيادتك تعبد الله، وأنت في مكتبك الهندسي تعبد الله، وأن في صفك تعلّم تعبد الله، وأنت في حقلك تزرعه لخدمة الناس تعبد الله، وعادات المؤمن عبادات، وعبادات المنافق سيئات، فطلبُ الحلال واجب على كل مسلم، وطلبُ الحلال فريضة بعد الفريضة.
أيها الإخوة، لا يعجبنك كما قال عليه الصلاة والسلام امرأ كسب مالاً من حرام، لا تعجب به لا تقل هنيئاً له، لا تقل: ما أكثرَ دخْلَه، إذا كان الدخل حراماً إن أنفقه أو تصدق به لم يقبل منه، وإن تركه لم يبارك له فيه، وإن بقي منه شيء كان زاده إلى النار.
دقق، عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( لا يعجبنك رحبَ الذراعين بالدم، ولا جامع المال من غير حله، فإنه إن تصدق لم يقبل منه، وما بقي كان زاده إلى النار ))

[ البيهقي عن ابن عباس ]

5 ـ كسبُ الحلال صعبٌ، وكسبُ الحرام سهلٌ:

لكن لحكمة بالغة جعل كسب الحلال صعباً، وجعل كسب الحرام سهلاً، لأنه لو كان كسب الحلال سهلاً لأقبل الناس على الحلال لا خوفاً من الله، ولا طمعاً في الجنة، ولكن لأنه سهل، لكن الحلال يحتاج إلى جهد، بينما الحرام يكفي أن تغض بصرك عن مستودع لتأخذ الملايين مملينة.
أيها الإخوة، يقول عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى:

(( من بات كالاً من عمله، تعبان، بات مغفوراً له ))

[ الجامع الصغير عن أنس بسند ضعيف ]

لأن كسب الحلال أصل في الورع.

6 ـ تحريم السؤال لغير حاجة:

حرّم الإسلام السؤال بغير حاجة
شيء آخر، لقد حرم الله السؤال من غير حاجة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلام رخص لحالات ثلاث، وسوف تأتي هذه الحالات بعد قليل، لكن رجلاً من الأنصار أتى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ:

(( أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ ؟ قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ ـ يعني كساء يجلل ظهر الدابة ـ نَلْبَسُ بَعْضَهُ، وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ ـ إناء ـ نَشْرَبُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ، قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ ؟ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ ـ هذه المزايدة ـ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ، فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ، وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا، وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ، لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ ))

[ أبو داود ]

7 ـ مدحُ الله المتعفِّفين:

أيها الإخوة، لقد مدح الله المتعففين فقال:

﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا (273)﴾

(سورة البقرة)

عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَا اللُّقْمَةُ وَلَا اللُّقْمَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ ))

[ متفق عليه ]

﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ (273) ﴾

(سورة البقرة)

لقد أثنى النبي على المتعففين، لذلك ورد في بعض الروايات أن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به، فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس، لا ينتبه إليه، وهو لا يسأل، بينما هو لا يجد حاجته، هذا هو المسكين هذا الذي أمرنا أن نعينه، وأن نبحث عنه.
أيها الإخوة، بل إن الإمام النووي رحمه الله تعالى يرى أن الإنسان إذا كان غنياً ليس بالمعنى المألوف، إذا كان عنده ما يكفيه، وسأل فسؤاله حرام، وما أخذه محرم عليه، إذا كان غنياً بمعنى أنه عنده ما يكفيه، وسأل كان سؤاله حراما، وما أخذه سحت يحاسب عليه، أما سؤال المحتاج العاجز فليس بحرام، ولا بمكروه، وإذا سأل ينبغي ألا يذل نفسه، ولا يؤذي المسؤول، ولا يلح في السؤال.
أيها الإخوة، الموضوع دقيق جداً، ونحن في أمس الحاجة إليه، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا ـ أخطر شيء الثالثة ـ وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ))

[ الترمذي ]

المؤمن متعفف، ويصبر، إلى أن يتخذ قراراً أن يمد يده للناس، وأن يسأل، وأن يتضعضع، عندئذ في هذا الحديث الخطير يفتح الله عليه باب فقر.
أيها الإخوة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ ))

[ الترمذي، أبو داود، أحمد ]

يعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم، إن نزلت بك فاقة فقم قبل الفجر، وصلِّ ركعتين، لأن الله عز وجل فيما أعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام ينزل إلى السماء الدنيا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))

[ مسلم ]

إن نزلت بأحدنا فاقة فليضعها في باب الله، ولا يضعها في باب إنسان.
عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ ))

[ متفق عليه ]

سقط لحم وجهه من كثرة السؤال، لذلك عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ))

[ البخاري ]

8 ـ السعي على العيال والأولاد من العبادة:

أيها الإخوة، من أوليات العمل أن تسعى لرزق عيالك ؛ أنت أب، وفي عنقك مسؤولية، وأن هؤلاء الصغار أنت متكفّل بتأمين حاجاتهم، طعامهم وشرابهم، وكسوتهم وتعليمهم، حينما تسعى من أجل تأمين رزق أسرتك فأنت في عبادة، الدليل: عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: مر النبي عليه الصلاة والسلام برجل فرأى أصحاب النبي من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله شاب في ريعان الشباب جلد نشيط، يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام، دققوا جيداً:

(( إنْ كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله ـ عنده أولاد يحتاجون إلى طعام وشراب، وكساء وأدوية وحليب، فبكّر إلى عمله وتعب، أو عنده أب وأم متقدمين في السن ـ وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه ليعفها ـ يتزوج، ويغض بصره ـ فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفخرة فهو في سبيل الشيطان ))

[ الطبراني، ورجاله رجال الصحيح ]

دقق، حينما تقوم إلى عملك، وقد يكون العمل شاقاً، ويحتاج إلى دوام طويل، وإلى خضوع إلى مدير العمل، وإلى الإخلاص، والتفاني والإتقان، وتأتي مساءً متعباً منهكاً فأنت في سبيل الله، أنت في عبادة.
حينما يلبي الأب حاجات أسرته يملكهم، يملك قلوبهم، يرشدهم، يوجههم، أما الأب الكسول الذي لا يعمل كلما طلب منه شيء يقول ليس معي، ينصرفون عنه إلى رفقاء السوء، وحينما تكسب المال الحلال من دون إسراف، وتنفق على أهلك وأولادك ووالديك من دون إسراف، من دون تبذير، من دون زهو، هذا العمل في سبيل الله.
أيها الإخوة الكرام، يقول سيدنا عمر: << لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني >>.
ليس لديك عمل، فتحت الصحف التي فيها طلبات أعمال، درستها كلها، خرجت من البيت، سألت زيداً، رجوت عبيداً، تحرك يا أخي،<< لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة >>.
وقال سيدنا عمر أيضاً: << إني لأرى الرجل يعجبني فأقول: أله حرفة ؟ يعني عملاً، فإن قالوا: لا، سقط من عيني >>.
وفي قول آخر لعبد الله بن مسعود: << إني لأمقت الرجل فارغاً ليس في شيء من عمل الدنيا، ولا عمل الآخرة.
وأمسك النبي عليه الصلاة والسلام يد عبد الله بن مسعود، وكانت خشنة من العمل، رفعها أمام أصحابه، وقال:

(( إن هذه اليد يحبها الله ورسوله ))

[ ورد في الأثر ]

دقق أيها الأخ، إذا خرجت إلى عملك، وأتقنته، وكسبت المال الحلال، لكن أخطر ما في هذه الخطبة الرزق الذي ضمنه الله لك في قوله تعالى:

﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا ﴾

( سورة هود الآية: 6 )

هذا الرزق لا ينال إلا بسعي وعمل، لا سعي، لا عمل، لا إتقان، لا تطوير لا التزام، لا أداء، تصبح فقيراً، وأنت بهذه الحالة فقرك فقر كسل لا فقر قدر.

9 ـ العمل واجب في الإسلام:

لذلك أيها الإخوة، يستنبط من هذا أن العمل في الإسلام واجب، سيدنا عمر سأل أحد الولاة قال له: << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال له: أقطع يده، قال للوالي: إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر له حرفتهم، فإن وفرنا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية >>.
حينما قاطعنا الدانمرك، لأن بعض رساميها أساءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، نشرت أبحاث كثيرة عن الدانمرك، لفت نظري أن هذا الشعب الذي لا يزيد على خمسة ملايين إنسان يطعم خمسين مليون إنسان في العالم، لفت نظري أيضاً أن شركة سيارات واحدة في اليابان موظفوها أربعون ألفًا، دخلها يزيد على دخل دولة عربية تعد سبعين مليون إنسان، شركة واحدة موظفوها أربعون ألفًا أرباحًا، هذه الشركة تزيد على الدخل القومي لدولة يعد سكانها سبعين مليونًا، هل تصدقون أن هناك معايير دقيقة جداً، المواطن في بعض البلاد النامية لا يزيد وقت عمله على سبع عشر دقيقة، ومواطن في بلد آخر وقت عمله سبع وعشرون دقيقة، وفي بلاد متقدمة وقوية، وتملك زمام أهل الأرض يعمل المواطن ثماني ساعات كاملة، لا تصدق، كن واقعياً أن أمة يعمل أفرادها ثماني ساعات، وتأتي أمة يعمل أفرادها سبعة عشر دقيقة في اليوم، كيف تنتصر هذه على تلك ؟ هذا كلام علمي مزعج، لكن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، يا أخي، كن شيئا مذكورًا، هذه الدنيا من أجل التفوق، ابحث عن عمل، طور عملك، فكر بشيء مبدع في عملك.
أيها الإخوة الكرام، لذلك العمل حتم واجب على كل مسلم، هو فريضة بعد الفريضة، طلب الحلال فريضة، لا تحل الصدقة لغني ولا ذي مرة قوي، فالشاب القوي لا تحل له الصدقة، والغني أيضاً لا تحل له الصدقة.
أبلغ ما قرأت أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى شاباً يقرأ القرآن في وقت العمل، سأله:

(( من يطعمك ؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك ))

[ورد في الأثر ]

الله عز وجل يحب اليد العليا، ولا يحب اليد السفلى، لا يحبك أن تتضعضع أمام غني، لا يحب أن تذل نفسك، اعمل، وابحث عن عمل، واكسب الرزق الحلال، وأنفق.

10 ـ أهمية التجارة والزراعة:

أثنى النبي على التجارة والزراعة
مرة ثالثة ورابعة وخامسة الرزق المضمون، لذلك التاجر الصدوق الأمين مع النبيين و الصديقين والشهداء، ومن منكم يصدق أن أكبر بلد إسلامي الآن إندونيسيا فيها مئتان وخمسون مليونًا من هؤلاء الذين نقلوا لهم الإسلام ؟ تسعة تجار فقط، التاجر الصدوق الأمين مع النبيين، هو داعية إلى الله، قدم لك سلعة جيدة متقنة بسعر معتدل، وعاملك معاملة طيبة، أحببته، وأحببت دينه، فأسلمت على يديه.
التاجر الصدوق الأمين المسلم مع الشهداء يوم القيامة، التاجر الصدوق في ظل العرش يوم القيامة، إن أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لم يعسروا، أما إذا حدثوا فكذبوا، ائتمنوا فخانوا، ووعدوا فأخلفوا، واشتروا فذموا، يبخس لك بضاعتك، وإذا باعوا مدحوا، وإذا كان عليهم أمطلوا، وإذا كان لهم ضيقوا، هؤلاء التجار هم الفجار، بالكلمة الصريحة.
هذه التجارة والزراعة، ما من مسلم يزرع زرعاً، أو يغرس غرساً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة.
أثنى النبي على التجارة وعلى الزراعة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ))

[ البخاري ]

11 ـ العمل شرفٌ مهما كان وضيعًا في أعين الناس:

والله سمعت من عالم في مصر أنه كان يمشي فرأى شاباً يبيع الناس كؤوس الشاي في الطريق، في طريق نزهة، ويعرفه جامعيًّا، قال له: ست سنوات وأنا بلا عمل، وأنا أبيع وأكسب رزقاً حلالاً، وأنا به سعيد، نزل وشكره، وأثنى عليه، ودعاه إلى بيته، العمل ليس عيباً، العيب أن تسرق، أن تكذب، أن تغش، يحمل ليسانس، اضطر أن يعمل في بيع الشاي والقهوة، طبعاً العمل أشرف ألف مرة من ذل السؤال.
والله، والله، مرتين، لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين.
أيها الإخوة الكرام، كنت مرة في مكان لإصلاح السيارة، صاحب المرآب أراد أن يصغر أحد موظفيه، قال: هذا معه ليسانس يعمل في الميكانيكا، فذكرت له هذا الحديث، قلت له:

(( مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ))

[ البخاري عن المقدام ]

نبي عظيم يأكل من عمل يده، هو أراد أن يصغره، لا، وسام شرف له أن يعمل، وأن يأكل الطعام الحلال من كسبه.
يأتي وقت تبقى الثقافة للثقافة فقط، الكسب يحتاج إلى عمل، إلى حرفة تحترفها، لا مانع إذا تعذّر التعيين بالوظائف، أصلاً هي ضيقة، إذاً نعمل بأي عمل، لقد سئل عليه الصلاة والسلام عن هذا، فعَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ خَالِهِ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَفْضَلِ الْكَسْبِ فَقَالَ:

(( بَيْعٌ مَبْرُورٌ وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ ))

[ أحمد ]

هؤلاء الذين يصنعون، لكن يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إنما أهلك الصنعة قول: غد وبعد غد ))

[ ورد في الأثر ]

المماطلة.
لكن سئل أي الكسب أطيب أو أفضل، قال:

(( بَيْعٌ مَبْرُورٌ وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ ))

وخير الكسب كسب يد إذا نصح صاحبها.

12 ـ المال الحلال سبب الدعوة المستجابة والعيش الهنيء والصحة الجيدة:

أيها الإخوة الكرام، قيل لسعد بن أبي وقاص: تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله ما السبب ؟ قال: << ما رفعت إلى فمي لقمة إلا أنا عالم من أين مجيئها، ومن أين خرجت ؟ >>.

(( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ الترغيب والترهيب عن ابن عباس بسند فيه ضعف ]

لذلك قال بعضهم: لو قمت مقام هذه السارية ـ صلاة طوال الليل ـ لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل بطنك حلالاً أم حراماً.
هذا الذي أكلته من أين ؟ و الله زرت صديقاً لي استقبلني والده، قال لي: أنا عمري ست وتسعون سنة، وأجريت البارحة فحوص دم كاملة، جميع النتائج طبيعية، والله شيء غريب، قال لي: ولكن والله ما أكلت قرشاً حراماً في حياتي، ولا أعرف الحرام، بالمعنى التالي: ( حرام النساء )، لا هذه ولا تلك، من عاش تقياً عاش قوياً.
أحد العلماء يقول: " رَدُّ درهم من شبهة أحبّ إليّ من أن أتصدق بمئة ألف درهم، وترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام:

(( كلُّ جسدٍ نبتَ مِن سحتٍ فالنار أولى به ))

[ الجامع الصغير عن أبي بكر بسند صحيح ]

و من جمع مالاً من حرام ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر و كان إثمه عليه.
أيها الإخوة الكرام،

(( الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه... ))

[ متفق عليه]

أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخــطــبـة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

آيةٌ عظيمة مفتاح الرزق : وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا

أيها الإخوة، أشعر أحياناً أن الحاجة ملحة لكسب الرزق الحلال، وقد تضيق الأمور بالناس، وقد تعم البطالة، أقسم لكم بالله إن آية في كتاب الله زوال الكون أهون على الله من ألا تُحَقَّق.

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾

( سورة الطلاق )

في الرزق:

(( وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

لذلك أيها الإخوة، تقول: هناك ظروف صعبة، تقول: الأعمال قليلة، المكاسب نادرة، هناك بطالة، قل ما شئت، ولكن هذه الآية تلغي كل هذه الأشياء، بأي ظرف، بأي وضع، بأي معطيات، بأي ضائقة.

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3)﴾

( سورة الطلاق )

تعامل مع الله مباشرة، استقم على أمره، وارفع رأسك، وكن عزيزاً، وقل: يا رب، أنت الذي قلت:

﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا ﴾

( سورة هود الآية: 6 )

وأنا أسألك رزقاً حلالاً يا رب، بالدعاء والعمل والحركة والسعي، وأنا أخاطب الشباب، الشاب يحتاج إلى ثمن بيت، يحتاج إلى دخل مستقر، يحتاج إلى زوجة، ليس له إلا الله.

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾

( سورة الطلاق )

اكتب هذه الآية في صدر غرفتك، وتذكرها كل يوم.

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾

( سورة الطلاق )

وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، في العراق، وفي غزة، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

والحمد لله رب العالمين