التفسير المطول - سورة التوبة 009 - الدرس ( 65-70 ) : تفسير الآيات 113 - 116، لا يفيد استغفار أحد لأحد إلا أن يكون الاستغفار من ذات النفس، لا تكليف دون بيان.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2011-08-12
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

إضاءة سريعة حول الآية التالية :

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الخامس والستين من دروس سورة التوبة، ومع الآية الثالثة عشرة بعد المئة وهي قوله تعالى:

﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾

أيها الأخوة الكرام، لابد من إضاءة سريعة حول هذه الآية، البشر على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، مصنفون في الدوائر التالية: دائرة واسعة جداً، كل من أقرّ بوجود الله داخل هذه الدائرة، والذي أنكر وجود الله أصلاً خارج هذه الدائرة.
ودائرة ثانية ضمن الدائرة الكبرى من كان إيمانه بالله مقترناً مع التطبيق، أي من حمله أيمانه على التطبيق، من كان وقافاً عند الحلال والحرام، من رآه الله في طاعة وافتقده في معصية، هذا الذي التزم شرع الله، طبق منهج الله، انصاع لأمر الله، كان من أولئك الذين استمعوا إلى القول فاتبعوا أحسنه، هؤلاء ضمن الدائرة الثانية، لكنهم غير معصومين، إلا أنهم أقرب من غيرهم إلى السلامة والسعادة.
وفي وسط هذه الدوائر مركز فيه الأنبياء والمرسلون المعصومون، فهناك من موقعه خارج هذه الدوائر كلها، الذي أنكر وجود الله، وهناك من كان مكانه في الدائرة الكبرى، الذي أقرّ بوجود الله لكن لم يلتزم، لم يلتزم الحق، لم يأتمر بما أمر الله ولم ينتهِ عما عنه نهى الله، هذه المنطقة أصحابها ليسوا ناجين، أما الدائرة التي تلي تلك الدائرة الكبيرة ففيها أناس التزموا، انصاعوا لأمر الله، طبقوا، هؤلاء ليسوا معصومين ولكن الله سبحانه وتعالى يؤدبهم ويعالجهم إلى أن يأخذ بيدهم إلى الجنة.

(( وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئة كان عاملها سقماً في جسده، أو اقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الدر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أموه))

[ورد في الأثر]

أما الأنبياء والمرسلون فهؤلاء قمم البشر، هؤلاء معصومون من أن يخطئوا في أقوالهم، وأفعالهم، وفي أحوالهم، لذلك أُمرنا أن نتبعهم، وأن نأخذ عنهم.

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[سورة الحشر الآية:7]

لأن النبي الكريم معصوم من أن يخطئ في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، أمرنا أن نأخذ عنه، والآية واضحة:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

النبي الكريم قدوة وأسوة لنا :

لكن فضلاً عن ذلك النبي قدوة لنا، وأسوة، وفي قوله تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾

[سورة الأحزاب]

إذاً هؤلاء البشر يصنفون هذا التصنيف، خارج الدائرة، ضمن الدائرة الكبرى، وبعضهم ضمن الدائرة الصغرى، وقلة قليلة هم الأنبياء والمرسلون في مركز هذه الدائرة، هؤلاء معصومون من أن يخطئوا في أقوالهم، وفي أفعالهم، وفي إقرارهم.

إنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين :

الآن النقطة الثانية المضيئة لهذه الآية:

((وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]

للتوضيح: أقل ممرض على وجه الأرض إن أراد أن يعطي حقنة لمريض لا بد من تعقيم الحقنة، وتعقيم الزجاجة، وتعقيم المكان، وأكبر جراح قلب في الأرض إن أراد أن يعطي حقنة لا بد من أن يطبق هذه التعليمات.

((وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين))

فهذا منهج لا بد من تطبيقه، ولأن الأنبياء والمرسلين بشر تجري عليهم كل خصائص البشر، ولولا أنه تجري عليهم كل خصائص البشر لما كانوا سادة البشر، لأنهم بشر وانتصروا على بشريتهم، وقفوا عند منهج الله، أمروا بالمعروف، نهوا عن المنكر، كانوا سادة البشر، وأي إنسان يجب أن يعتقد اعتقاد جازماً أن بإمكانه أن يغير، والله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[سورة الرعد الآية:11]

و لو كان التغيير مستحيلاً لكان من العبث إرسال الأنبياء والمرسلين، مادام الإنسان قابلاً للتغير والآية واضحة:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ﴾

فإن كان التغيير قائماً فالحجة قائمة علينا.

ما كان صيغة من أشد صيغ النفي :

الآن الآية تقول:

﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ﴾

أي هذا الصحابي الذي هداه الله إلى الإسلام، ونوّر الله قلبه بالإيمان، وسعد سعادة ما بعدها سعادة حينما تعرف إلى الله، هذا الصحابي له أب، وله أم، وله أقارب، فكل إنسان يتمنى أن يكون من يلوذ به مؤمناً، ناجياً، فلعل بعضكم تمنى أو أراد أن يدعو الله لأبيه وأمه الذين توفوا أن يكونا من أهل الجنة، فجاء التوجيه الإلهي، النقطة الدقيقة في هذا التوجيه أن النبي هو نفسه أمر بذلك، قال:

﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ﴾

لكن ماذا تعني:

﴿ مَا كَانَ ﴾

؟ قال:

﴿ مَا كَانَ ﴾

صيغة في اللغة العربية تعني نفي الشأن، للتوضيح نقول: لو أن إنساناً سأل آخر: هل أنت جائع؟ يقول: لا، أما لو سأله سؤالاً آخر: هل أنت سارق؟ لا ينبغي أن يقول: لا، يقول: ما ينبغي لي أن أسرق، أو ما يكون لي أن أسرق، هذا نفي الشأن.
العلماء قالوا: هناك نفي الحدث، وهناك نفي الشأن، نفي الشأن يعني أنا مستحيل أن أفعل هذا، أو أن أرضى بهذا، أو أن أُقر هذا، أو أن أسكت عن هذا، فكل أنواع الأفعال التي تتعلق بهذه الحادث داخلة في هذا النفي.
إذاً من أشد صيغ النفي:

﴿ مَا كَانَ ﴾

وقالوا بعض علماء النحو: وهذا قد يفيد فضلاً عن النفي النهي، نفيٌ ونهيٌ.

الشرك الخفي و الشرك الجلي :

﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

أي:

((وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين))

﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ﴾

لذلك الشرك بالله واسعٌ جداً، هناك شرك جلي، وهناك شرك خفي، الذين قالوا: بوذا إله في شرق آسيا هذا شرك جلي، والحقيقة الشرك الجلي ليس موجوداً في العالم الإسلامي، ولكن الشيء الذي يمكن أن يكون واسع الانتشار هو الشرك الخفي، لذلك ورد في بعض الأحاديث:

((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي أما أني لستُ أقولُ إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوة خفية، وأعمالاً لغير الله))

[ أخرجه البزار عن عبد الرحمن بن غنم ]

فالذي يؤثر صفقة محرمة على صفقة شرعية لربحها الكبير هذا وقع في الشرك الخفي، لأنه رأى هذا المال أفضل عنده من طاعة الله، أشرك المال مع طاعته لله، هذا الذي يطيع زوجته في معصية، ماذا رأى؟ رأى أن طاعتها أغلى عنده من طاعة الله، وقع في الشرك، لذلك قالوا: الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور، أي إنسان منحرف أكرمك بشيء فأحببته، هذا من الشرك، أو أن تبغض على عدل، إنسان قدم لك نصيحة بأدب جميل فكرهته، فالشرك واسع جداً، والدليل قول تعالى:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

[سورة يوسف]

التوحيد هو الدين :

وذكرت قبل قليل: الشرك الجلي الله عز وجل عافانا منه، لكن المشكلة في الشرك الخفي، الشرك الخفي شهوة حينما تؤثرها على طاعة الله وقعت في الشرك، إنسان حينما تؤثر طاعته على طاعة الله وقع في الشرك، عادات وتقاليد ليست متوافقة مع الشرع إذا خضعت لها ولم تخضع للشرع فهذا نوع من الشرك، والدليل:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، والتوحيد هو الدين، الدين والتوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، إبليس اللعين:

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

[سورة ص الآية:82]

معنى هذا أنه آمن بالله رباً وعزيزاً، لكنه لم يوحد، لذلك إذا أردت أن تضغط الدين كله في كلمة إنه التوحيد، أي ألا ترى مع الله أحداً، ألا ترى معطياً، ولا مانعاً، ولا رافعاً، ولا خافضاً، ولا معزاً، ولا مذلاً إلا الله.
مرة أخرى: وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، فالإنسان المؤمن لأنه موحد يتجه إلى الله وحده، ويخاف من الله وحده، ويرجو الله وحده، يأتمر بما أمر الله وحده، وينتهي عما عنه نهى وحده، هذا التوجه الموحد إلى الله عز وجل هو حقيقة الإيمان، أما حينما أدعي أنني مؤمن وأطيع إنساناً في معصية الله فهذا شرك، أي أشركته مع طاعة الله، والآية:

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

[سورة الفرقان الآية:48]

أحياناً الإنسان شهوته يعبدها من دون الله، فالشرك واسع جداً، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، ألا ترى معطياً، ولا مانعاً، ولا رافعاً، ولا خافضاً، ولا معزاً إلا الله.

تناسب المقدمات مع النتائج أمر هام جداً :

إذاً:

﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

هذا الحكم ينطبق على النبي والمؤمنين معاً لأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين،

﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾

أحياناً إنسان يكون بامتحان معين، تنقصه علامة أو علامتان، هناك من يزيد له هاتين العلامتين، أما إنسان ما حضر الامتحان أصلاً ولا قدم ولا مادة فينجح؟ إذاً هناك لعب بالنظام، ولعب بالمقاييس، فلا بد من أن تتناسب المقدمات مع النتائج.
أما إنسان يمضي حياته كلها في معصية الله ويكون يوم القيامة كالذين آمنوا؟!

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

[سورة القلم]

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[سورة السجدة]

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[سورة الجاثية]

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[سورة القصص الآية:61]

هذه الآيات فيها توازن وفيها موازنة بين المؤمن وغير المؤمن ينبغي أن تكون واضحة جداً في أذهاننا.

القرابة الحقيقة قرابة الإيمان :

إذاً:

﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ﴾

القرابة الحقيقة قرابة الإيمان، في قول الله عز وجل:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[سورة الحجرات الآية:10]

هذه القرابة الحقيقية، ورد في بعض الأحاديث القدسية:

(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ، المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ ))

[أخرجه الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]

البشر صنفان كبيران :

إذاً البشر كما قال الله عز وجل صنفان كبيران:

﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل]

﴿ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل]

ولن تجد فريقاً ثالثاً، إلا الفريق الذي نتحدث عنه، هذا أعلن إيمانه، وأبطن كفره، له موقف معلن، موقف حقيقي، شيء يعمله في خلوته لا يفعله في جلوته، له ظاهر، وله باطن، الإنسان المزدوج هذا هو المنافق، أراد أن يجمع مكاسب المؤمنين مع تفلت الكافرين، فالحديث في هذه السورة عن هؤلاء:

﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾

طالب نقصه علامة واحدة ممكن أن نتوسط لدى المدرس ليضيف له هذه العلامة وينجح، أما طالب ما قدم الامتحان أصلاً، ما قدم ولا مادة، فالوساطة لدى المدرس لينجح شيء عجيب، وشيء مستحيل، فكأن هذه الآية تدور حول هذا المعنى:

﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾

بعدوا عن الله بعد الأرض عن السماء.

مطالبة الله عز وجل أصحاب النبي الكريم ألا يقيسوا على الآية التالية :

لماذا جاء هذا النهي أو جاء هذا النفي؟ هو ونفي ونهي بآن واحد، لأن سيدنا إبراهيم كما جاء في بعض الآيات قال: سأستغفر لك ربي لأبيه عابد الوثن، جاءت الآية لتوضح:

﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾

[سورة التوبة]

والد سيدنا إبراهيم عابد الصنم وعد ابنه أن يؤمن فلما وعد ابنه أن يؤمن، فكان من إبراهيم أن يستغفر له، يا أصحاب النبي لا تقيسوا على هذه، هذه لها خصوصية خاصة:

﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾

دائماً هناك قواعد، دائماً وأبداً هناك قواعد صارمة، لا تفكر أن تطلب من الله عز وجل أن تلغى هذه القواعد.
مرة قرأت في كتاب يقول أحدهم في دعائه: يا رب لا تسألنا عن شيء، إذا الله عز وجل قال في القرآن:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة الحجر]

فمن العبث ومن الغباء أن تقول: لا تسألنا عن شيء، فالدعاء بعكس القرآن، بخلاف القرآن، بخلاف السنن الإلهية، دعاء باطل، لكن أراد الله عز وجل أن يبين لهؤلاء الصحابة الذين ظنوا أن استغفار إبراهيم لأبيه يمكن أن يقاس عليه أن يستغفروا لآبائهم الذين ماتوا مشركين، فجاء التخصيص:

﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴾

لكن إبراهيم نفسه

﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ ﴾

قانون الالتفاف و الانفضاض :

الآية الكريمة أيها الأخوة:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[سورة آل عمران الآية:159]

هذه الآية تشير إلى قانون الالتفاف والانفضاض، أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك كنت ليناً لهم، هذه الرحمة التي أودعها الله في قلبك من خلال اتصالك بالله عز وجل هذه الرحمة انعكست ليناً في معاملة من حولك، فلما عاملتهم باللين التفوا حولك وأحبوك، قال افتراضاً: ولو كان المرء منقطعاً عن الله لامتلأ قلبه قسوة، ولانعكست هذه القسوة غلظة، وفظاظة، من نتائج هذه الغلظة والفظاظة أن ينفض الناس من حولك، إذاً: اتصال، رحمة، لين، التفاف، انقطاع، قسوة، غلظة، انفضاض، وكأن هذه الآية:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

تبين قانوناً ثابتاً يحتاجه الأب، يحتاجه المعلم، يحتاجه العالم، المرشد، الداعية، يحتاجه أي إنسان في منصب قيادي، ولو كان على عشرة، أو على أعلى مستوى، فهو بحاجة لهذه الآية التي تعنى بقانون الانفضاض والالتفاف، تتصل، يمتلئ القلب رحمة، تنعكس الرحمة ليناً، اللين يدعو الناس أن يلتفوا حولك، يخضعوا لك، يحبوك، يحرسوك،

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾

لو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، انعكست هذه القسوة غلظة، وفظاظة، فانفض الناس من حولك.

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[سورة آل عمران الآية: 159]

الإنسان كلما ارتقى مقامه عند الله اتسعت دائرة اهتمامه :

الآية التي بعدها:

﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴾

فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه،

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ ﴾

شديد التأوه، على وزن فعال، هذه صيغة مبالغة، وصيغة المبالغة تعني إما النوع أو الكم، فشدة رحمة هذا النبي الكريم جعلته أواهاً، أي إنسان أحياناً يهتم بمن حوله، بأسرته، فإذا رأى إنساناً منحرفاً، شاذاً، لا يتأثر له.
وكنت أضرب هذا المثل: لو أنك رأيت في الطريق ثلاثة شبان، أحدهم ابنك، والثاني ابن أخيك، والثالث لا تعرفه، والثلاثة يدخنون، على من ينصب غضبك؟ على ابنك أولاً، وبعدها على ابن أخيك، والثالث لا يعنيك.

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾

التأوه هو التألم، فالإنسان كلما ارتقى مقامه عند الله تتسع دائرة اهتمامه، فقد يهتم الإنسان بنفسه فقط، أرقى من هذا يهتم بأسرته، أرقى من هذا يهتم بالأسرة الكبيرة الواسعة، أرقى من هذا يهتم بأهل بلده، أما الأنبياء فيهتمون بكل البشر.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الأنبياء]

فبقدر اتساع دائرتك يعلو مقامك عند الله، وبقدر ضيق هذه الدائرة ينخفض مقامك عند الله عز وجل، وكلما ارتقى المؤمن بسلم الإيمان تتسع دائرة اهتمامه.
وللتوضيح أكثر: كيف أن الإنسان إذا ارتفع في الفضاء تتسع الرؤية، أنا مرة دخلت إلى قطر رأيت طرطوس وصيدا بنظرة واحدة، تقريباً مئات الكيلومترات بنظرة واحدة.
كلما ارتفع مكان الإنسان تتسع الرؤية، وكلما ارتفع مقام الإنسان تتسع اهتماماته الإنسانية، هذا الذي يحمل همّ الأمة، هذا الذي يحمل همّ من حوله، إنسان كبير عند الله عز وجل، فالإنسان يكبر، أو قلبه يكبر، ويكبر، ويكبر، ولا نرى كبره، فيتضاءل أمامه كل كبير، ويصغر ويصغر، ويصغر، ولا نرى صغره، فيتعاظم عليه كل حقير، البطولة أن هذا القلب قلب المؤمن قد يتسع لعدد كبير من الخلق.
إذاً صار أواهاً، يتألم للخلق، يتألم لضياع الخلق، يتألم لانغماس الخلق بالمعاصي والآثام، يتألم لمصير الخلق حينما غفلوا عن الله عز وجل، فهذا درس لنا جميعاً، كلما اتسعت دائرة اهتمامك، كنت عند الله كبيراً، وكلما ضاقت هذه الدائرة كنت عند الله صغيراً، وهذه الرحمة التي يشتقها المؤمن من الله عز وجل هي التي توسع اهتمامه،

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

بطولة الإنسان أن تكون رحمته عامة تسع كل الخلق :

وأنا أقول دائماً: والبطولة أيضاً أن تكون الرحمة عامة، أودع الله في كل أب محبة أبنائه، في كل زوج محبة زوجته، فهذه الرحمة التي أودعها الله فيك هذه عطاء ابتدائي، ليس بطولة منك، لكن البطولة أن تكون رحمتك عامة تسع كل الخلق.
أنت مثلاً بمحل ابنك لا تسمح له أن يحمل شيئاً فوق طاقته، أما عندك موظف صغير فتكلفه أن يحمل فوق طاقته، هذا تناقض.
مرة قال لي إنسان: هذا الذي عندي لا أسمح له أن يغادر قبل نهاية الدوام، طلب مني أن يغادر قبل ساعة حتى يدرس بمدرسة ليلية فلم أسمح له، إذا تعلم يفقس، أما ابنه فدفع له مليون ليرة بمدرسة خاصة، هذا موقف حقير، أنت تعامل ابنك معاملة غير معاملة الناس، علامة المؤمن أن يعامل الناس برحمة وعدل وإنصاف، وهذا ميزان لنا جميعاً، هل تعامل الآخرين كما تعامل أقرب الناس إليك؟ الإيمان هكذا رحمة عامة، هناك رحمة خاصة، لكن هذه الرحمة الخاصة في المؤمن لا تلغي الرحمة العامة، والرحمة العامة في المؤمن لا تلغي الرحمة الخاصة.
إذاً أصل هذا الدين الاتصال بالله، ومع الاتصال بالله اشتقاق الكمال الإلهي، ومع هذا الكمال تسعد بهذا الإيمان وتُسعد من حولك.

أوصاف الأنبياء والمؤمنين في كتاب الله مقاييس لنا جميعاً :

﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ ﴾

هذا امتحانات، والأصح أن أوصاف المؤمنين أو أوصاف الأنبياء والمؤمنين في كتاب الله مقاييس لنا جميعاً.
مثلاً: لو أن لك صديقاً أصاب شيئاً من الدنيا بالحلال، مال، درجة عالية بالتعليم، أو كان زواجه ناجحاً جداً، أو كان عمله جيداً، هل تتألم؟ لمجرد أن تتألم فهذه صفة في المنافقين، والدليل:

﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

[سورة آل عمران الآية:120]

امتحن نفسك من خلال هذه الآيات، وأنا أتمنى أن تكون أوصاف الأنبياء والمرسلين في القرآن الكريم مقاييس لنا جميعاً، ما التدبر؟ يمكن أن تقرأ هذا القرآن قراءة صحيحة، وفق قواعد اللغة العربية، شيء جيد، لكن ممكن إذا أتقنت أحكام التجويد أن تقرأه قراءة مجودة، أفضل لكن ممكن أن تقرأ هذا القرآن قراءة صحيحة وفق قواعد اللغة العربية، وقراءة مجودة وفق أحكام التجويد، وفضلاً عن هذا وذاك أن تفهم هذه الآيات، هذا مستوى ثالث، ويمكن فضلاً عن قراءة الآيات قراءة صحيحة وفق قواعد اللغة، وقراءة مجودة وفق أحكام التجويد، وأن تفهم معاني هذه الآيات، وأن تتدبر هذه الآيات، والتدبر أن تسأل نفسك مع كل آية: أين أنا منها؟ هل أنا مطبق لها؟ هذا التدبر، صار هناك قراءة صحيحة، قراءة مجودة، قراءة فهم، قراءة تدبر، مجموع هذه القراءات وردت في كتاب الله في قوله تعالى:

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[سورة البقرة الآية:121]

فأنت إذا تلوت هذا الكتاب حقّ تلاوته، قرأته وفق قواعد اللغة، إذاً: " تعلموا العربية فإنها من الدين"، وقرأته وفق قواعد التجويد، ثم فهمته، ثم تدبرته، تقول: أين أنا من هذه الآية؟.

الاتصال بالله عز وجل من ثماره التخلق بأخلاق الله عز وجل :

﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾

وما لم يخفق قلبك بالرحمة، ما لم يخفق قلبك برحمة بمن حولك، بمن دونك، هذا القلب عندئذٍ يقسو، وإذا قسا فهو بعيد عن الله عز وجل، وإن القلب القاسي بعيدٌ عن الله عز وجل.

﴿ أَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾

فالحلم يتكامل مع الألم، متألم لكنك إذا تألمت من إنسان لا تبطش به بل تعالجه معالجة حالمة، معالجة رحيمة، معالجة متأنية، معالجة حكيمة.

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾

على كلٍّ هذه الآيات تعطينا درساً في ثمار الإيمان، الاتصال بالله عز وجل من ثماره التخلق بأخلاق الله عز وجل، هذه الأخلاق ترقى بك عند الله والآية الكريمة:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

[سورة الأعراف الآية:180]

أنت تتصل بالحكيم، كن حكيماً حتى تكون حكمتك سبب اتصالك بالله، أنت تريد أن تقف بين يدي الرحيم، كن رحيماً حتى تكون رحمتك سبب اتصالك بالله، هذا الأسماء الحسنى إذا تقربت بها إلى الله انعقدت هذه الصلة مع الله عز وجل.

لا تكليف من دون بيان :

ثم يقول الله:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[سورة التوبة]

معنى ذلك أن بعض الصحابة توفاهم الله في وقت مبكر بعد نزول الوحي، هناك أحكام كثيرة جاءت بعد موتهم ما طبقوها، فخاف الصحابة على من حولهم ممن توفاهم الله قبل أن يستكمل القرآن الكريم، فجاء التطمين الإلهي:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ ﴾

أي أنت حينما لا تبلغ الحكم لست مكلفاً فيه، لا معاقبة من دون تبين، دائماً هناك تبليغ، البلاغ تأتي بعده المسؤولية، أما لم يبلغ هذا الإنسان، فهذه رحمة بمن توفاهم الله في وقت مبكر، ولم يستكمل القرآن نزوله، عندئذٍ الذين تركوا شيئاً سيأتي بعد حين هم معفون منه.

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ﴾

لا تكليف من دون بيان، هناك دعوة بيانية، و الإنسان إن لم يستجب فهناك تأديب تربوي، لم يتعظ هناك إكرام استدراجي، لم يشكر هناك قصم.

كلّ شيء بيد الله عز وجل :

ثم يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾

[سورة التوبة]

له هذه اللام لام الملكية كما قال علماء النحو، لكن الله عز وجل ملكيته غير ملكيتنا.

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾

[ سورة الشورى الآية: 11]

ملكيته خلقاً، وإمداداً، ومصيراً، أنت تتملك هذا البيت، لكن قد يأتي قرار بإجراء تنظيم لهذه المنطقة، يؤخذ منك البيت، فأنت ملكيتك محددة، الملكية محددة، أما إذا قال الله عز وجل:

﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

أي خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، أي الملكية المطلقة، فالإنسان إذا كان مع الله سعد بقربه، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

والسموات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله، فكل شيء تراه عينك بيد الله خلقاً، وإمداداً، ومصيراً، فإذا كنت مع الله كان الله معك.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾

الحياة بيده، والموت بيده، والرزق بيده، وكل شيء بيده.

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾

[سورة هود]

﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء))

[تفسير ابن كثير]

(( أنا ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، وادعوا لهم بالصلاح فإن صلاحهم بصلاحكم ))

[ورد في الأثر]

والحمد لله رب العالمين