أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة المائدة - الدرس ( 09 - 58 ) : الأمانة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-13
بسم الله الرحمن الرحيم


 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام: ألا لا إيمانَ لمن لا أمانةَ لَهْ، ولا دينَ لمن لا عَهد لَهْ، سيُدنا جعفر حينما وَصَفَ للنجاشي، هذا الدينَ العظيم قالَ: كُنا قوماً أهلَ جاهلية نعبُدُ الأصنام، ونأكُلُ الميتة، ونأتي الفواحش، ونُسيئ الجِوار، ونقطعُ الرحم، حتى بَعَثَ اللهُ فينا رسولاً، صِفاتُهُ البارزة نعرِفُ أمانَتَهُ وصِدقَهٌ وعفافَهُ ونَسَبَهُ، الشيء الذي يتميّز بِهِ المؤمن أمانَتَهُ وصِدقُهُ ووفاؤُهُ بالعهد وإنجازُهُ للوعد، فهذهِ السورة سورة المائدة تُفتتح بهذهِ الآية:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾

(سورة المائدة الآية 1)

 الإنسان حينما ينقُضُ عهدَهُ، وحينما لا يفي بوعدِهِ يخرُجُ من دينِهِ، الدين ليسَ عِباداتٍ شعائِريّة، الدين عبادات تعامُليّة، الذي يجذِبُ الناسَ إليك ليسَ صلواتُك ولكن معامَلَتُك، فقد وَرَدَ عن رسولُ اللهِ صلى الله عليهِ وسلّم أن: " استقيموا يُستقم بِكم "
 الموقف الصادق وحدُهُ دعوة، الأمانة وحدَها دعوة، العِفّة وحدَها دعوة، أنت كُنْ عفيف، وكُنْ أمين، وكُنْ صادق، أنتَ أكبر داعية، وأنتَ صامت دونَ أن تنطِقَ بكلمةٍ واحدة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، ولّما الإنسان ينقُضُ عهدَهُ ولا يفي بوعدِهِ يُسقِطُ كُلَّ عباداتِهِ، ورد عن السيّدة عائشة أنها قالت: قولوا لِفُلان إنّهُ أبطلَ جِهادَهُ مع رسولِ الله، الإنسان إذا خانَ العهد ولم يفي بالوعد أبطَلَ كُلَّ عباداتِهِ، فقد أبطَلَ جِهادَهُ مع رسولِ الله، فيجب أن يبقى في ذِهن المؤمن، الآن مشكلة المسلمين أنهُم فَهِموا الدين في النهاية عبادات شعائِريّة مع أنَّ الدين صِدق وأمانة واستقامة وعِفّة، فإن فعلتَ هذا الآن مقبولة مِنكَ كُلَ العبادات الشعائِريّة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، النقطة الدقيقة أنَّ هذا المسلم نموذج عجيب، هذا الذي جَعَلَ الإسلام يتوسّع، هذا الذي جَعَلَ الإسلام ينتشر في الآفاق، ما الذي جَعَلَ المُسلم يصل إلى الصين وإلى قُرب باريس غرباً، هوَ الاستقامة، فاللهُ عزّ وجل يقول:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ﴾

(سورة المائدة الآية 2)

 أي لا يحمِلنّكُم، شَنَآنُ قَوْمٍ، يعني بُغضُ قومٍ، من هوَ العدو التقليديُّ للمؤمن ؟ الكافر، الكافر بِكُفرِهِ، والكافر بجريمتِهِ، والكافر بإستعلاؤهُ، والكافر بِغطرَسَتِهِ، والكافر بِظُلمِهِ، والكافر بانتهاك الحُرُمات ما يفعلُهُ الكافر جرائم كُلُها، ومع ذلك:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾

(سورة المائدة الآية 2)

 ممنوعٌ أن تعتدي على إنسان ولو كانَ كافراً، ولو كانَ مجوسيّاً، ولو كانَ عابِدَ صنم، ولو كانَ ولو كانَ مُلحِداً، ولا يَجْرِمَنَّكُمْ، لا يحمِلنّكم، شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا، لذلك عَظَمةُ هذا الدين أنَّ اللهَ جلَّ جلالُه لا يُقرِّبُ إلا من كاملاً، أما أي إنسان قوي يكفي أن تُعلِنَ ولائَكَ لَهُ فيُقرِبُك، ولا يعبأ بِسلوكِك، أمّا اللهُ عزَّ وجل، يقولوا أنَّ سيّدنا رسول الله دُعي أن يُمثِلَ بِبعض الكُفار فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلام: " لا أُمثِلَ بِهم فيُمثِلَ اللهُ بيّ ولو كُنتُ نبيّاً "، المؤمن الإيمانُ قيدُ الفتك، أنتَ مُقيّد بالشرع، مُقيّد بسلوك المؤمنين، إذاً المُسلم نموذج صارخ، ما الذي يجذِبُ الناسَ إليه أنّهُ يَقِفُ عِندَ حدودِ الله، أنّهُ لا ينتقم، لا يظلم، لا يبغي، لا يعتدي، لذلك اللهُ عزّ وجل ولا يُمكن أن يُقرّب إنسان إلا إذا كانَ كاملاً:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

(سورة الأعراف الآية 180)

 لن تستطيعَ أن تدعوَ اللهَ إلا بكمالٍ مشتقٍ من أسمائِهِ الحُسنى، يعني اللهُ عزّ وجل كريم فيُقرّب الكريم ويقبل الكريم، اللهُ عزَّ وجل عادل فيقبل العادل، اللهُ عزَّ وجل رحيم فيقبل الرحيم، لن تستطيعَ أن تتقرّبَ إلى الله إلا بكمالٍ مشتقٍ مِنهُ، أما بِعبادات شعائِريّة و بالإساءة إلى الخلق الطريق مُغلق، هذهِ الآية واضحة:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)﴾

(سورة المائدة الآية 2)

 وهذهِ الآية أصل واللهِ، أصل، أي تعاون على الإثم والعدوان مُحرّم، وأيّ تعاون على البِرّ صلاح الدُنيا والتقوى صلاح الآخرة هذا تعاون مقبول بل مندوبٌ إليه، هناكَ مفارقةٌ عجيبة هوَ أنَّ اللهَ عزّ وجل سَمَحَ لَنا أن نتزوّجَ المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، فالإنسان يذهب إلى بلاد الغرب ويتزوّج امرأة هذهِ ليست مُحصنة، قبلَ أن تلتقي معك التقت معَ مِئات، فهذه مُحرّمة أن تقترن بِها، الآية واضحة:

﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾

(سورة المائدة الآية 5)

 فالتوسّع في الزواج من الأجنبيات يُسبب خراب بيوت، يُسبب مُشكلات كبيرة جداً، فهذهِ لا تبقى مع رجل فترة طويلة فإذا أنجَبَ منها أولاداً أخذت أولادها وهربت بِهم، وهناكَ من يحميها، وهناكَ من يُقويّها، وهُناكَ من تلتجئ إليه، فلذلك الآية الكريمة: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، وهؤلاء الذين أوتوا الكتاب تركوا كتبهم كُليّاً وتركوا عقيدتَهُم وهُم لا يدينونَ بشيء، يعني الشيء الذي لا يُصدّق الآن أنَّ الزواج في بلاد الغرب أُلغي، ما في عقد، لا زواج إسلامي ولا نصراني ولا زواج مدني ولا يوجد عقد أبداً أبداً، يسكُنُ معها وتسكُن معهُ وفي أي لحظة يلفُظُها، حينما تَرَكَ الناسُ منهجَ اللهِ عزَّ وجل وقعوا في شرِّ أعمالِهم، فهُنا الآية: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، هذهِ ليست مُحصنة، وهُناكَ من يقول أنَّ عِلّةَ الزواج من الكتابيّات أنَّ الإسلام قويٌّ جداً والابن يأتي بدينِ أقوى الأبوين فإذا ضَعُفَ الإسلام وقَويَ أهلُ الكُفر فالابن سآتي بدين أقوى الأبوين وهذهِ مُشكلة ثانية، يعني الابن يعتز بدينِ أُمِهِ وبقوةِ أهلِ أُمِهِ.
الشيء الذي يلفِتُ النظر هوَ أنَّ اللهَ عزّّ وجل إذا كانَ معك فمن عليك وإذا كانَ عليك فمن معك، يعني إذا كانَ اللهُ معك لا يوجد عِندك ولا مُشكلة، خالِق الكون القوي، العزيز، الجبّار، الغني هوَ معك إلاّ أنَّ معيّةُ اللهِ لَها ثمن:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾

(سورة المائدة الآية 12)

 معيّةُ اللهِ العامة مبذولةٌ لِكُلِّ إنسان:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

(سورة الحديد الآية 4)

معكم بِعلمِهِ، لكن معيّةُ اللهِ الخاصّة هذهِ لَها ثمن ثمنُها أن تُقيمَ الصلاة التي أرادها اللهُ عزّ وجل، وأن تؤتي الزكاة، وأن تنصُرَ الحق فإن دفعتَ الثمن نِلتَ هذهِ المعيّة.
 أيها الأخوة الأكارم: يعني يوجد في القرآن قوانين، إن وجدتَ مجتمع فيهِ عداوات، خصومات، متحيّد أحزاب، كُل طرف يطعن بالطرف الآخر، هذا المرض الخطير في المجتمع الذي يَفُتُ في عَضُده، هذا المرض الذي يُضعِفُ قِواه، المنازعات، الخِلافات، العداوة، البغضاء، الحسد، ما سبَبُهُ، سببهُ يقولُ اللهُ عزّ وجل:

﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾

(سورة المائدة الآية 14)

 وأيُّ مجتمعٍ نسيَّ الذي ذُكِّرَ بِهِ أي لم يُقِم منهجَ اللهِ في حياتِهِ، أول ثمرة من ثِمار هذا التفلُت أنَّ اللهَ عزَّ وجل يُغري بينهُما العداوةَ والبغضاء إلى يوم القيامة، يعني أنا أتمنى على الأخوان الكِرام: هذهِ القوانين الكُليّة في القرآن الكريم أن يتأملوها ويحفظوها، مثلاً التيسير:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

(سورة الليل)

 التعسير:

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾

(سورة الليل)

 الحياةُ الطيبة:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

(سورة النحل الآية 97)

 الشقاء في الحياة الدنيا:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾

(سورة طه)

 هذهِ قوانين وهذهِ سُنن وهذهِ أُسس لا تتبدل ولا تتغيّر، هُنا أيُّ مجتمعٍ رأيتَهُ يُعادي بعضَهُ بعضاً، يطعنُ ببعض، مُنقسم، متمزّق، مُشرذم، السبب أنّهُ تَرَكَ منهَجَ الله، الآن ضيّق الدائرة: بيت إذا أحد الزوجين يعصي الله تنشأ مشكِلات لا تنتهي، تنشأ العداوة والبغضاء، كُل بيت متفلّت فيهِ عداوة وبغضاء، وكُل بيت فيهِ انضباط شرعي فيهِ حُب، الحُب ثمنُهُ الانضباط، تنضبط بمنهج الله فتُحب الذينَ حولَك ويُحبُكَ الذينَ حولَك، فإذا تَفلّتَ أحدُهما نشأت مُشكلة، فالذي يسعى إلى الوِئام والوِد والحُب فيما بينَ زوجين، فيما بينَ أخوين، فيما بينَ جارين، فيما بينَ المؤمنين، كُلما التزم المؤمنون نَشَأَ الحُبُ بينهم، وكُلما تَفَلّتَ المؤمنون عن منهجِ الله نشأت بينهم العداوةَ بالبغضاء والآية واضحة جداً هذهِ كُلّها قوانين: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، البارحة ذكرت:

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾

(سورة آل عمران الآية 120)

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

(سورة ابراهيم)

 مكرُ الكُفار مُخيف.. مُخيف، يعني ما حققوا من مكرِهم واحد بالألف وهذا الذي يُحقِقونَهُ جَعَلَ العالمَ كُلَهُ خراباً، وجَعَلَ العالَمَ كُلَهُ يُحارِبُ بعضَهُ بعضاً، الآن في أي بؤرة متوترة يعني صُنع المكر، يعني في أندونيسيا مثلاً متفاهمين هذه الطوائف منذ ثلاثمائة سنة فنشأت مُشكلة وعقِبَها حرب وعقِبَها....، فحينما يتفلّتُ الناسُ من منهج الله يقعُ كيدُ الكُفارِ عليهم: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا، هذهِ آيات أساسيّة يسمونها أيام مِفصليّة، يعني قوانين أنتَ إذا آمنتَ بِها تغدو الحياةُ رائعةً وسعيدةً بِفضلِ تطبيقِ هذهِ القوانين، الآن على مستوى مسجد من الذي يُعادي، من الذي يُبغض، من الذي يطعن... المُقصّر... المُقصّر في دينِهِ المُتفلّت من منهَجِ ربِهِ يُصبح نمطُهُ عدواني، المؤمن مُسالم، المؤمن رحيم، المؤمن يلتمِسُ لأخيهِ عُذراً ألفَ مرّة: " التمس لأخيكَ عُذراً ولو سبعينَ مرة "، فتجد المنُضبط مُسالم، من طرَفِهِ لا يوجد إلا كُل أمن وكل راحة، الإنسان عندما يغلط وينقطع عن الناس يُصبح حاسد، عندما أصبحَ حاسد صار مُغتاب، من الحسد إلى الغيبة إلى النميمة، فتجد هذهِ الأمراض النفسيّة تُفتت المجتمع الإسلامي، وأنا ذكرت سابقاً أنهُ الآن يوجد مظاهر إسلامية صارخة جداً لكن يُقابِلُها عِداء وبغضاء بينَ المؤمنين، أما لو في انضباط بمنهج الله عزّ وجل لرأيتَ الوِئام والحُب بينَ المؤمنين بشكل عجيب، أنا الذي أتمناهُ على اللهِ عزّ وجل ولو كانت مساحة صغيرة في الأرض يُطبّقُ فيها الدين تطبيقاً حقيقيّاً، يعني مُجتمع صغير ولو كان مُجتمع مسجد إذا فيهِ وِد وفيهِ حُب وفيهِ التزام هذا المجتمع ينمو، أمّا مهما كانَ الحجم كبير من دونِ حُب متمزّق، مُشرذم مُقطّع الأوصال، فنحنُ الآن بحاجة إلى التزام من أجلِ أن نُحِبَ بعضنا بعضاً، الإنسان أيام يعجب أنّهُ شخص مُسلم من بني جلدتِك يتفنن في إيقاعِ الأذى بِكَ.. يتفنن.. طيب لِوجهِ من ؟ لِوجهِ الشيطان، مُسلم ومن جِلدَتِكَ ومن بني قومِكَ يتفنن في إيقاعِ الأذى بِكَ لِوجهِ الشيطان هذا من بُعدِهِ عن الرحمن، كُلما اقتربت من اللهَ امتلأ قلبُكَ رحمةً، وكُلما ابتعدت عنهُ امتلأ القلبُ قسوةً، والقسوة ينعكِسُ مِنها الفظاظة والغِلظة والاستعلاء والكِبر، والرحمة ينعكِسُ مِنها الوِد واللين، لذلك قالَ اللهُ تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾

(سورة آل عمران الآية 159)

 بسببِ رحمةٍ استقرت بقلبِكَ يا مُحمّد كُنتَ ليّناً لهم، لو أنَّ القلبَ كانَ مُنقطعاً عن اللهِ لامتلأ قسوةً ومعَ القسوةِ الفظاظة، ومع الفظاظة النفور والاضطراب، فكُل واحد مِنّا بِقدرِ طاعتِهِ لله يلتفُ الناسُ حولَهُ، وبقدرِ معصيتِهِ لله ينفضُّ الناسُ من حولِه وهذهِ قاعدة ثابتة في الإسلام.

والحمد لله رب العالمين