أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة آل عمران - الدرس ( 04 - 58 ) : أعداء المسلمين.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-10
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام: كيدُ أعداء المسلمين الأول هوَ أن يُفرِّقوا بينَ المسلمين لذلك قالَ اللهُ تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100)﴾

(سورة آل عمران)

 يعني بعدَ وحدتكم، وبعدَ تعاونكم، وبعدَ محبتكم كافرين:

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)﴾

(سورة آل عمران)

قال علماء التفسير: لهذهِ الآية قِصةٌ طويلة، ذكرتُها من قبل، كَيْفَ تَكْفُرُونَ: أي كيفَ تختلفون، هنا معنى تكفرون أي تختلفون:
 وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، يجبُ أن نعتقِدَ جميعاً أنَّ التفرِقةَ بينَ المسلمين وأنَّ شقَّ صفوف المسلمين، وأنَّ إثارةَ الأحقاد، وأنَّ الطعنَ في بعض الجماعات، إنَّ هذهِ الأعمال كُلُها ترقى إلى مستوى الكُفر، وكَيْفَ تَكْفُرُونَ
أي كيفَ تختلفونَ وتتنازعونَ
 وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
أيها الأخوة: سأحاول في هذهِ العُجالة أن أذكُرَ الناحيةَ العمليّةَ في الآيات، قالَ تعالى

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾

(سورة آل عمران)

 لابدَّ من شيءٍ نعتصِمُ حولَهُ، إنّهُ حبلُ الله، وأيُّ اجتماع على غير حبل الله اجتماع غير موفق، وأيّ وحدةٍ ليست على أساس الاعتصام بحبل الله وحدةٌ لا قيمة لها، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، لابُدَّ من شيءٍ يوّحدُنا، لابُدَّ من شيءٍ يجمعُنا، لابُدَّ من شيءٍ يؤلِفُ قلوبنا، إنّه الدين:

﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾

(سورة الأنفال)

 فالود بينَ المؤمنين من خلقِ اللهِ عزّ وجل، المظاهر الإسلامية في هذا العصر صارخة إلى درجة غير معقولة، مؤتمرات، ندوات، ألقاب علمية، كُتب، مؤلفات، مجلدات، جوامع، زُرتُ جامعاً في المغرب كلّف ألف مليون دولار، جوامع ضخمة لكن لا يوجد حُب بيننا، هذهِ المُشكلة، كانَ أصحابُ النبي على قِلَتِهم، وعلى حياتِهم الخشنة، كانوا يُحبونَ بعضَهُم بعضاً، نحنُ نحتاجُ اليومَ إلى حُب، إلى تعاون، إلى أن نَضَعَ حظوظنا تحتَ أقدامِنا أيها الأخوة:
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا.
 في هذهِ الآيات التي تُليت اليوم، بالمناسبة قالَ بعضُ أصحاب رسولِ الله: كانَ أحدُنا إذا قرأَ البقرة وآلَ عِمران جدَّ في أعيُنِنا، يعني يبدو أنَّ هاتين السورتين فيهِما حقائق كثيرة جداً، وفيهِما معالجات متأنيّة لأمراضِ أهلِ الكتاب والتي يُرشّحُ المسلون أن يُصابوا بمثلِها، أيها الأخوة:

﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)﴾

(سورة آل عمران)

 الرباني موّحد، الرباني لا يرى إلا الله ولا يعتمِدُ إلا على الله ويعامل الناس بأعلى درجة من الوِد دونَ أن يعبُدَهُم من دونِ الله:

﴿ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)﴾

(سورة آل عمران)

 يعني إذا اتخذت مخلوقاً كائناً من كانَ رب قد لا تقولُ هذا رب قد تقول هذا أخ، ولكن أن تُعامِلَهُ كما تُعامل ربّك هذا هوَ الخطأُ الفادِحُ في حياتِنا، وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
أيها الأخوة: تكادُ الفِتنةُ الأولى التي يتعرّضُ لها المسلمون في مشارِق الأرض ومغارِبَها منذُ بِعثةُ النبي وحتى نهاية الدوران فِتنةٌ واحدة

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73)﴾

(سورة الإسراء)

 معنى ذلك أنَّ كُلَّ كيد الكافرين أن يأتي شيءٌ آخر غيرَ الكتابِ والسُنّة
لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا
وهذهِ آيةٌ ثانية:

﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)﴾

(سورة آل عمران)

 يعني الآن الكيد الوحيد للمسلمين لا أن يُهاجَمَ الإسلام بل أن يُفجّرَ من داخِلِه، أن يُؤلّفَ كِتابٌ فيهِ كُلُّ السلوك الإباحي تحتَ مظلة القرآن، أن يُؤلّفَ كتابٌ فيهِ كُلُّ الانحراف الخُلقي والعقبي تحتَ ظِل الإسلام، هُنا خطورة هذهِ الحركة التي يقوم بِها أعداء المسلمين: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
أيها الأخوة: ما من عِقابٍ يُعاقب بِهِ المؤمنُ أو المسلمُ كأن يحجُبَهُ اللهُ عنهُ، هذا عقاب كبير:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾

(سورة المطففين)

 وما من مكسبٍ دنيويٍ وأُخرويٍ يرقى إلى مستوى أن تكونَ موصولاً باللهِ عزّ وجل، فأكبر عِقاب أن تُحجب، وأكبر عطاء أن توُصل باللهِ، وأمّا الدُنيا عَرَضٌ حاضر يأكُلُ مِنهُ البِرُّ والفاجر، والآخرةٌ وعدٌ صادق يحكُمُ فيهِ ملكٌ عادل، توجيه لمن لَهُ دين:

﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾

(سورة آل عمران75)

 يعني إذا كان لكَ دين مع إنسان يجب أن تُلِحَ عليه إلى أن يخرُجَ من جلدِهِ وإلا لا تأخذُ شيئاً: مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا، يعني في سفرتي الأخيرة إنسانة كانت شاردة عن الله عزّ وجل تابت إلى الله تعمل في حقل الفن قالت في شريط سمعتُهُ، اتصلت بعالمٍ كبير في مِصر وسألتهُ: مالي حرام ؟ فقالَ لَها تُحبينَ أن أُجامِلَكِ أم أن أقولَ لكِ الحقيقةَ المُرّة، قال قُل ليَ الحقيقة، قالَ مالُكِ حرام كُلُهُ ولولا أنكِ تعرفينَ هذهِ الحقيقة لمَا أتيتِ إليّ، فدائماً الحقيقة المُرّة أفضلُ ألفَ مرة من الوهم المريح، الحقيقة المُرّة والفتوى أمانة، الفتوى أمانة فمن خانَ هذهِ الأمانة كانَ جِسراً إلى النار:

﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)﴾

(سورة آل عمران)

 يعني إذا أنتَ عملتَ عمل وحُجِبتَ بِهِ عن الله، هذا أكبر جواب أنَّ عَمَلَكَ لا يُرضي الله، إذا عَمِلتَ عملاً ولو معك فتوى رسمية ولو معك فتوى من أعلى مستوى، إذا عَمِلتَ عملاً حَجَبَكَ عن الله فاعلم أنَّ هذا العمل لا يُرضي الله والدليل حِجابُكَ عنهُ، فهذهِ علامة من العلامات الدقيقة، يعني: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ، هذا مقياس نفسي وما في إنسان يسأل عالم سؤال فتوى إلا ويوجد عندهُ قلق، لولا هذا القلق الذي أحدثتهُ فِطرتُهُ لما سأل، في عندك مقياس نفسي دقيق في هذهِ الفِطرة، وسيدنا عيسى كما وَرَدَ في هذهِ الآية:

﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)﴾

(سورة آل عمران)

 معنى ذلك أنَّ هذا النبي العظيم سوف يأتي ويعود وسوف يؤمن بِهِ أتباعٌ كثيرون وهؤلاء الذين اتبعوه سوف يكونون فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة:

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تُمْلأُ الأَرْضُ ظُلْمًا وَجَوْرًا ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي يَمْلِكُ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا فَيَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلا ))

يعني الآن ملايين تُشرّدُ من بيوتها ماذا فعلت، لأنها مسلمة فقط في هذا البرد القارص مئات الألوف في العراء ينامون

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تُمْلأُ الأَرْضُ ظُلْمًا وَجَوْرًا ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي يَمْلِكُ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا فَيَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلا ))

وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
 نحنُ في القرآن الكريم في عنّا إعجاز علمي، وعنّا إعجاز تشريعي، وعنّا إعجاز إخباري، فهناك حقائق في القرآن الكريم لا يعرُفها أحد:

﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)﴾

(سورة آل عمران)

 يعني ربنا عزّ وجل من رحمتِهِ بِنا أرسلَ هذا النبي العظيم ومعهُ أدلةٌ لا تُعد ولا تُحصى على أنّهُ نبيٌ كريم، فمن هذهِ الأدلة الإعجاز العلمي في القرآن، والإعجاز الإخباري، الإخبار عن الماضي السحيق وعن المستقبل وعن الحاضر في مكان آخر، هذا إعجاز، الماضي والمستقبل إعجاز زماني، أمّا الحاضر إعجاز مكاني، وقد يسألُ سائل أفي القرآن تكرار:

﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)﴾

(سورة آل عمران)

 ما معنى اصطفاكِ الأولى واصطفاكِ الثانية، الأولى اصطفاها على نساء العالمين فكمن من الرجالِ كثير ولم يكمن من النساء إلا أربع منهم السيّدة مريم صديّقةُ النساء، لكن واصطفاكِ الثانية: أنّهُ خصّكِ بأن تأتينَ بغلامٍ من دونِ أب، الأول اصطفاء ديني والثانية اصطفاء علمي.
إخواننا الكرام: كناحية عملية في أخ من الأخوة الحاضرين وليسَ لَهُ ميّزة في الحياة، إنسان يُتقن صنعة، إنسان يُتقن عمل، إنسان معهُ اختصاص، إنسان معهُ مال، إنسان معه طلاقة لِسان، إنسان في عِندهُ حِكمة، إنسان في عِندهُ قوة حُجة.... في إنسان ليسَ لَهُ شيء، يجب أن تكونَ هذهِ السيّدة العظيمة امرأة عمران قدوةً لنا:

﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾

(سورة آل عمران35)

 ألا ينبغي أن نُقدِّمَ للهِ شيئاً من علمِنا، شيئاً من مالِنا، شيئاً من خِبرتِنا، شيئاً من جُهدِنا، شيئاً من وجاهتِنا، شيئاً ممن آتانا اللهُ عزّ وجل، يعني الإنسان يجب أن يكونَ بينَ يديه عمل يلقى اللهَ بِهِ.. عمل.. وكلما كانَ هذا العملُ أكبر كانَ لِقاؤُهُ مع اللهِ أطيب، واللهُ عزّ وجل لن يقبل دعوى محبتِهِ إلى بالدليل، كُلٌ يدّعي وصلاً بليلى،

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾

(سورة آل عمران)

 علامة صِدقِكُم في محبتِكم إتّباعُ النبي عليه الصلاة والسلام، إخواننا الكِرام: الشر المُطلق ليسَ لَهُ وجود في الكون، الشر المُطلق وجودُهُ يتناقض مع وجود الله:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾

) سورة آل عمران)

 الخير فقط، الإنسان حينما تنحرف عقيدتُهُ يعيشُ في وهم، هذا الوهم حينما يتبدد في ساعةٍ من الساعات يُصعقُ الإنسان، يعني طالب طوال العام لم يدرس قال لَهُ صديقه المنحرف: أن قدّم هدية ثمينة للأستاذ فيُعطيكَ الأسئلة فلم يدرس وعاش سنة بكاملها في راحة نفسية، لا حاجة لأن يدرس لأنَّ الذين يدرسون مجانين، هوَ يُقدّم هدية للأستاذ فيأخذ الأسئلة، فلمّا طَرَدَهُ المُدرّس قبلَ الفحص بيومين، هُنا الصعق، وهذا يحدث لكُل من افتقد عقيدةً زائغة، هذا الذي توهّمَ أنَّ النبي سيشفعُ لَهُ وليفعل ما يفعل، هذهِ عقيدة زائغة، الشفاعة حق ولكن ليست بهذا المعنى السوقي، هذا المعنى الساذج، من اعتقد بشفاعة النبي ولم يعمل شيئاً بل ارتكب المعاصي والآثام توهماً أنَّ النبي سيشفعُ لَهُ، وهؤلاء اليهود ماذا قالوا ؟ قالوا:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)﴾

(سورة آل عمران)

 وأنهم شعبُ الله المُختار، يعني أخطر شيء أن تعتقِدَ عقيدةً زائغة لا أصلَ لَها وتبني عليها سلوك معين، والصعق الشديد يوم القيامة حينما تُبددُ هذهِ الأوهام وأنتَ أمام حقيقةٍ مُرّة، فيا أيها الأخوة الكرام: الحقيقةُ المُرّة أفضلُ ألفَ مرّة من الوهم المُريح، لو سألتموني من هوَ أشقى الناسِ على الإطلاق، على الإطلاق قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21)﴾

(سورة آل عمران)

 يعني هذا الذي يجعلُ همَّهُ أن يؤذيَ أولياءَ الله، أن يُطفِئَ دعوتهم، بالمناسبة بربكم ما تقولون في إنسان وَقَفَ تجاه الشمس وأرادَ أن ينفُخَ نفخةً من فمِهِ ليطفِئها، من دون شك مجنون، يقول الله عزَّ وجل:

﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾

(سورة الصف الآية8)

إذا كانت أشعة الشمس وهي كوكب ملتهب صغير جداً إذا قيسَ ببقية الكواكب لا يمكن ولا مليار إنسان ينفخونَ يُطفِئوا نورَ الشمس، فكيفَ بمن يُحاول أن يُطفِئَ نورَ الله وهذا هوَ أشقى إنسان على الإطلاق يُطفئُ نورَ الله.
 أيها الأخوة: يعني إذا كان دخلت إلى بيت وفيهِ طعام نفيس جداً فأكلت ثُمَّ فوجِئت أنَّ صاحب البيت لَهُ وجهٌ صبوح يعني كالبدر فأنتَ تنظر إليه بنشوةٍ عارمة، المستوى الأول أن تأكل طعاماً ماديّاً حِسيّاً، المستوى الثاني أن تستمتع بهذا الجمال الباهر، أمّا المستوى الثالث أن يُرحِّبَ بِكَ صاحِبَ البيت، هذا الذي استمتعتَ بوجِهِهِ المُنير يُرحِبُ بِكَ، انظر للمستويات الثلاث، الجنة في جنات تجري من تحتِها الأنهار، المستوى الأعلى النظرُ إلى وجهِ اللهِ الكريم، المستوى الأعلى رِضوانِ اللهِ عليك:

﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

(سورة التوبة الآية 72)

 هذهِ ثلاث مراتب:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾

(سورة يونس الآية 26)

 النظرُ إلى وجه الله الكريم وفي آية ثانية وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ يعني أكبرُ شيءٍ في الجنة أن يُرحِبَ اللهُ بِكَ، وأن يرضى عنك وهذا هوَ النعيمُ المُقيم، وهذا الذي يزهدُ في الآخرة هوَ الزاهِدَ الحقيقي، من هوَ الزاهد هوَ الذي يزهدُ في الآخرة، أما الذي يزهدُ في الدنيا هو الطموحُ الحقيقي، هذا كلامُ الله لا أُضيف ولا أزيد:

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)﴾

(سورة آل عمران)

 الباطل لِهُ جولات وبالنهاية سوفَ يُغلبُ الكُفر وسوفَ يكونُ في مزابل التاريخ، والتاريخ بينَ أيديكم، والتاريخ يُعيدُ نفسَهُ، هؤلاءِ الذين حاربوا اللهَ ورسولَهُ أينَ هُم، في عهدِ النبي أينَ هُم، ما من إنسان إلا يلعنُهم، والذين نَصَروا اللهَ ورسولَهُ هُم في أعلى علين وهذا هوَ التاريخ
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ
هذا الشيء واقع لا محالة قضية وقت فقط
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ
بالمقابل:

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾

(سورة غافر)

 واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو لو لم يكن في كتاب الله إلا هاتان الآيات لكفتا، المؤمن الصادق سوفَ ينتصر، والكافر سوف يُغلب ويُحشر إلى النار، الآية الدقيقة: 

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ﴾

(سورة آل عمران-7)

 عندَ بعض علماء القراءات وقف، قال العلماء في الآيات المتعلّقة بالذات، الآياتُ القليلةُ العدد المتعلقةُ بذاتِ الله لا يعلمُ تأويلها إلا الله، لذلك السلف الصالح كانوا يُفوِضونَ الله في تأويلِ آيات الذات:

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

(سورة الفتح الآية 10)

﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ﴾

(سورة الفجر الآية 22)

﴿ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾

(سورة الرعد الآية 2)

 آيات الذات لا تزيد عن سبع آيات، آيات الذات لا يعلمُ تأويلها إلا الله فهنا في وقف، أما الآيات الأخرى لم يعد هناك وقف: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، الآيات التشريعية، والآيات الكونية والآيات القصصيةُ، وآياتُ الإخبار هذهِ آياتٌ يعلمُ تأويلُها ربُّ العالمين، وقد علّمَ ربُّ العالمين أنبياؤهُ الكرام والدُعاة الصادقين تأويلَ هذهِ الآيات لذلك الوقف في مكان آخر وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ هُنا الوقف: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا جملة استئنافية.
 أيها الأخوة: مثل من واقع حياتنا، إنسان في معهُ مرض قالَ لَهُ الطبيب ممكن بالحمية والرياضة وترك التدخين أن تُشفى وأنتَ صحيح مُعافى لا تحتاج إلى عمليات أو أي شيء، أما إذا لم تنقاد إلى هذهِ التوجيهات وتابعتَ التدخين ولم تعبأ بالحمية ولم تعمل بالرياضة فقد تكونُ هناكَ آفةٌ خطيرةٌ تقتضي عمليةً جراحيةً خطيرة، إذا الإنسان فتحوا لَهُ قلبُهُ لإجراء عملية جراحية، القلب يتم إيقافُهُ بالتبريد فتوقف القلب وأُجريت العملية، بعدَ أن تنتهي العملية الآن يصعقونَ القلبَ صعقةً فإمّا أن يعمل أو لا يعمل فإذا عمل تكون العمل نجحت وإلا عظّمَ اللهُ أجركم، فإذا الإنسان اختار عملية جراحية فهناك خطر كبير جداً، والدليل:

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45)﴾

(سورة مريم)

 يعني أخاف أن تُعالج بمعالجة تقتضيها حالتُكَ المرضية الصعبة عندئذٍ تنحاز للشيطان، وأشخاصٌ كثيرون حينما جاءهم العلاج المُرّ انحازوا إلى الشيطان، هذه المعاني من أين نأخذها.. دققوا..

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)﴾

(سورة البقرة)

 يعني إذا في مرض بالنفس لابُدَّ من أن يُعالج، في طريقين: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، بالتوبة والإقلاع والإصلاح والاستغفار والإقبال والعمل الصالح، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، إما طريق المعالجة السريرية أو طريق المعالجة الجراحية، الجراحية خطِرة وقد يموت الإنسانُ في أثناء العملية الجراحية، إذاً هذهِ الآية في تخيير صعب: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يعني سواءٌ ذكرتَ مَرَضَكَ أم كتمتَهُ، المرض عِندَ الله مكشوف ولابُدَّ من أن يُعالج، فإمّا أن يُعالج بطريقٍ سِلمي، وأنتَ في صحتِكَ معافى في أهلِك، وإما أن يُعالج بطريقٍ صعبٍ جداً، هذا معنى قولِهِ تعالى:

﴿ وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾

(سورة البقرة الآية286)

 يعني الإنسان يختار الطريق الأسهل، يسير من ذاتِهِ، يُصلح أمورهُ مع ربِهِ، ويُحاسب نفسُهُ حساب عسير كي لا يُحاسب حساباً عسيراً يومَ القيامة، من حاسَبَ نفسَهُ حساباً عسيراً في الدنيا كانَ حسابَهُ يومَ القيامة يسيراً، ومن حاسَبَ نفسَهُ حساباً يسيراً لا تُدقق يعني مثل هذهِ الناس نحنُ شو يعني كل هذه الناس على غلط هذا كلام العوام، الجماعة واحد وألف مليار إنسان على خطأ هؤلاء لا يعبأُ الله بِهم إطلاقاً الحق لا علاقة لَهُ بالكثرة بالعكس:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)﴾

(سورة الأنعام)

 فيا أيها الأخوة الكرام أرجو الله سبحانه وتعالى أن نستفيدَ من هذهِ الأيام التي هي عُرسُ المؤمن، نستمع إلى كتاب الله ونقف عِندَ بعضِ الآيات المتعلقة بالموقف العملي.

والحمد لله رب العالمين