أحاديث رمضان 1416 - نظرات في آيات الله - سورة آل عمران - الدرس ( 04 - 50 ) : خلق الله الرحمة ليرحمنا بها.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-01-23
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

ما من داء خلقه الله عز وجل إلا وخلق له دواء :

 أيها الأخوة ؛ الآيات التي مرت ، ولاسيما :

﴿ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾

[ سورة آل عمران : 49]

 بإذني ، بإذن الله :

﴿ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران : 49]

 ماذا تعني كلمة بإذن الله ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

((لكلِّ داء دواءً))

[مسلم عن جابر بن عبد الله]

 لو قرأ هذا الحديث إنسان مريض بمرض عضال ، بماذا يشعر ؟

((لكلِّ داء دواءً))

[مسلم عن جابر بن عبد الله]

 هكذا يقول عليه الصلاة والسلام ، أي أيها المريض لا تيئس ، ما من داء خلقه الله عز وجل إلا وخلق له دواء ، حديث يرفع معنويات المريض إلى أعلى درجة ، وإذا ارتفعت معنويات المريض ، وأزيح عنه اليأس والقنوت ، واستبشر بالشفاء ، هذه الحالة النفسية تعين على شفاء العضوية ، هذا آخر ما قاله العلم ، ثقة المريض أنه سيشفى تعين على شفائه ، العضوية يمكن أن ترمم نفسها بنفسها حينما ترافقها نفسية واثقة من الشفاء ، لذلك لما قال النبي عليه الصلاة والسلام :

((لكلِّ داء دواءً))

[مسلم عن جابر بن عبد الله]

 إذا قرأ هذا الحديث طبيب ، وهو يعلم أن هناك بعض الأمراض ليس لها أدوية ، ماذا يفعل ؟ هذا الحديث يدفع العلماء والباحثين إلى البحث عن دواء ، إن قرأ الحديث مريض يستبشر ويتفاءل ويبتعد عن اليأس والقنوت ، وهذه الحالة تعين على الشفاء ، ولو قرأ هذا الحديث طبيب باحث عالم يوقن أن الله سبحانه وتعالى ما خلق هذا الداء إلا وخلق له الدواء ، إذاً أيها الأطباء أيها العلماء ابحثوا عن أدوية للأمراض ، طبعاً إلا في حالات نادرة كمرض الإيدز جعله الله عقاباً هو ليس مرضاً ، هو عقاب للمنحرفين ، ودواؤه بطاعة الله عز وجل ، حتى الآن لا يوجد أمل وأنفقت ألوف ملايين الملايين وليس هناك أمل ، وكلما أنفقت مئات الملايين بل ألوف الملايين غيّر هذا الفيروس شكله ، فذهبت هذه الأموال أدراج الرياح ، والآن - وهذا كلام دقيق جداً - يمكن أن يفحص الدم بالمخابر ويأتي الجواب سلبياً ، أي لا يوجد مرض ، ثم يكتشف أن الدم فيه مرض ، لأن هذا الفيروس في أول ستة أشهر لا تبدو هناك أي مشيرات إليه ، فإذا أصيب الإنسان لتوه وفحص دمه يكون الجواب سلبياً ، وإذا كان الجواب سلبياً قد يكون مصاباً بنوع آخر من هذه الفيروسات ، فلذلك لا يوجد حل إلا العفة والاستقامة .

((لكلِّ داء دواءً))

[مسلم عن جابر بن عبد الله]

الأخذ بالأسباب والتوجه إلى الله بالدعاء :

 تتمة الحديث :

((فإذا أُصِيبَ دواءُ الدَّاءِ))

[مسلم عن جابر بن عبد الله]

 أي إذا أصاب الطبيب في تشخيص المرض ، ثم أصاب الطبيب في وصف الدواء المناسب ، بالنوع المناسب ، والكمية المناسبة ، والوقت المناسب ، والجرعات المناسبة ، شفي لكن بإذن الله ، هذا سبب الشاهد ، شفي بإذن الله ، الله جل جلاله لا يسمح للدواء أن يفعل فعله في العامل الممرض إلا بعد أن يأذن ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((داووا مرضاكم بالصدقة))

[الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

 بالإضافة إلى المداواة التقليدية ، والدعاء ، فصار الإنسان يؤمن أن لكل داء دواء ، طبعاً إلا الموت ، وفي رواية إلا الهرم ، يقال : تنكس شيخي ، هذا موضوع ثان .

((لكلِّ داء دواءً فإذا أُصِيبَ دواءُ الدَّاءِ))

[مسلم عن جابر بن عبد الله]

 أيضاً في الحديث توجيه للأطباء أن يكونوا دقيقين في تشخيصهم ، ثم عليهم أن يكونوا دقيقين بوصف الدواء المناسب ، الكمية المناسبة ، والوقت المناسب ، والجرعة المناسبة ، وأقل أعراض جانبية مناسبة ، إذا توافرت كل هذه الأمور نقول : هذه الأمور شرط لازم غير كافٍ ، شفي ولكن بإذن الله .
 إذاً خذ الأسباب وتوجه إلى الله بالدعاء ، خذ الأسباب واسترضِ الله بالصدقة ، فلعل الله سبحانه وتعالى يشفي المريض .
 إذاً معنى بإذن الله لا يقع شيء إلا بإذن الله ، الفعل فعل الله ، والإنسان لا يملك إلا أن ينبعث إلى الفعل ، ويحاسب على انبعاثه ، أو على نيته .

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

[ سورة البقرة: 286]

العبادة أساسها المحبة :

 هناك نقطة ثانية أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني لإيضاحها ، قُرئ الليلة :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة: 54]

 ذكرت هذا في صلاة الفجر باختصار ، أن الله سبحانه وتعالى حينما بيّن لنا أن هناك أنبياء جعلهم ملوكاً أقوياء ، سخر لهم الجن ، وسخر لهم الطير ، وآتاهم لغة الحيوانات ، وسخر لهم الرياح ، لو أن كل الأنبياء أقوياء لخضع الناس جميعاً للحق ، لِمَ لم يفعل الله ذلك ؟ لِمَ جعل كل أنبيائه ضعافاً ؟ رعاة أغنام ؟ أقوامهم أقوى منهم ؟ يكذبونهم ، يستهزؤون بهم ، ينكلون بأصحابهم ، يخرجونهم من ديارهم ، يقتلونهم أحياناً ؟
 الله جلّ جلاله لو أراد أن يخضع الناس للحق بالقهر والإكراه لجعل الأنبياء ملوكاً ، كيف أن الناس سيخضعون للأقوياء خضوعاً تاماً حتى في أدق التفاصيل ، وفي القضايا الثانوية سيخضعون خضوعاً تاماً ، هل هذا الخضوع يسمى عبادة ؟ لا ، العبادة أساسها المحبة ، الله جل جلاله ما أراد منا أن نعبده إلا منطلقين من محبة ، من قناعة ، لذلك جعل الأنبياء في أول دعوتهم ضعافاً ، جعلهم رعاة غنم ، جعل الواحد من الناس يقول عن النبي : إنه ساحر ، وإنه مجنون ، وإنه كاهن ، وإنه شاعر ، وينام في بيته مطمئناً ، من الذي آمن به إذاً ؟ المحبون لله عز وجل ، المخلصون له .
 ذكرت هذا صباحاً ، أضيف عليه اليوم : الله عز وجل حينما خلقنا ، وحينما أمدنا ، وحينما أرشدنا إليه ، هو يحبنا ولله المثل الأعلى ؛ كيف أن الأب إذا أنجب مولوداً يحبه لأنه ابنه قبل كل شيء ، يهيئ له كل الأشياء الطيبة ، السرير ، والأدوية ، والعلاجات ، كل شيء مهيأ .
 لكن هناك محبة ثانية يهبها الله للمؤمن بعد أن يؤمن ، وبعد أن يستقيم ، لو أن أباً أنجب طفلاً ورعاه أكمل رعاية ، وكان هذا الولد عاقاً لوالديه ، الأب أحبّ ابنه حباً ابتدائياً ، أو حباً حكمياً ، فلما وقف هذا الموقف طبعاً سقط من عينه ، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 258]

 أما هذا الإنسان الذي أنعم الله عليه بنعمة الوجود ، وبنعمة الإمداد ، وبنعمة الهدى والرشاد ، هذا الإنسان إذا تعرف إلى الله ، وأقبل عليه ، الآن يوجد محبة أخرى ، محبة العبد المؤمن، لذلك الله يحبنا مرتين ، يحبنا لأننا عبيده ، ولأنه خلقنا ، ويحبنا إذا أطعناه حباً شديداً ، لذلك :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة: 54]

﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة :54 ]

أولّ علامات الرحمة الرحمة بين أفراد الأسرة :

 أيها الأخوة ؛ الرحمة التي يتحدث عنها القرآن كثيراً هي مطلق عطاء الله عز وجل، وذكرت لكم من قبل أن هذه الرحمة تكون في الدنيا ، وتكون في الآخرة ، تكون مادية ، وتكون معنوية ، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت :

((جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أتقبلون الصبيان ، نحن لا نقبلهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : وماذا أملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة))

[متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها]

 معنى هذا أن من أجلّ علامات الرحمة هذا الوفاق الشديد ، وهذا الحب الشديد بين الأب وابنه ، وبين الأم وابنها ، وبين أفراد الأسرة الواحدة ، الحياة فيها متاعب كثيرة ، لكن الإنسان إذا دخل بيته ، وكان هناك مودة ورحمة بين الزوجين ، وبين الأب وأولاده ، وبين الأم وأولادها ، وبين الأخوة بعضهم مع بعض ، هذه المحبة العارمة تنسي متاعب الحياة ، فهذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام .

((جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أتقبلون الصبيان ، نحن لا نقبلهم، فقال عليه الصلاة والسلام : وماذا أملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة))

[متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها]

 إذاً أول علامات الرحمة ، الرحمة بين أفراد الأسرة .

طرق الجنة :

 أخواننا الكرام ، هذا الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة يقول عليه الصلاة والسلام ، والله الذي لا إله إلا هو هناك حرف كثيرة ، ومنها الطب تنطبق على هذا الحديث:

((مَن نَفَّسَ عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدنيا نَفَّسَ اللهُ عنه كُربة من كُرَب يوم القيامة ، ومن يَسَّرَ على مُعْسِر يَسَّرَ اللهُ عليه في الدنيا والآخِرَةِ ، وَمَن سَتَرَ مُسلِماً سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنيا والآخِرَةِ))

[مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 أليس بإمكانك أن تنفس كرب مكروب ؟ أو أن تيسر على معسر ؟ أو أن تستر مسلماً ؟ والله ستير ، ويحب من عبده أن يكون ستيراً .

((واللهُ في عَونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عَونِ أَخيهِ ، وَمَن سلكَ طريقاً...))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 خرجت من بيتك ، ليس هناك مصالح مادية في المساجد أبداً ، ما جئت إلى بيت الله إلا لتبتغي رضوان الله ، قال :

((....وَمَن سلكَ طريقا يَلْتَمِسُ فيه عِلْما سَهَّلَ اللهُ لهُ بِهِ طريقا إِلى الجنَّةِ))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 أتصدق أيها الأخ الكريم أنك إذا خرجت من بيتك ، وركبت مركبة عامة ، واتجهت إلى بيت من بيوت الله كي تصلي ، وكي تتعلم كتاب الله ، إن هذا الطريق مصيره إلى الجنة ، يؤدي إلى الجنة .

((وَمَن سلكَ طريقا يَلْتَمِسُ فيه عِلْما سَهَّلَ اللهُ لهُ بِهِ طريقا إِلى الجنَّةِ))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

الطمأنينة أثمن شيء في الحياة :

 اسمعوا الآن :

((وَمَا اجْتَمَعَ قوم في بيت من بيوتِ اللهِ يَتْلُونَ كتابَ - الصلاة - اللهِ تعالى ويتَدَارَسُونَهُ بينهم - بعد الصلاة -))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 ألا يقع هذا ؟

((ويتَدَارَسُونَهُ بينهم إِلا نَزَلَتْ عليهم السكينةُ))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 الطمأنينة ، والله أثمن شيء بالحياة الطمأنينة ، قال :

﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 5]

 جمع الله بين صلاح البال ، وبين الهدى ، لأن الهدى أعلى شيء بالحياة لا يقل عنها صلاح البال .

﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾

[ سورة قريش : 4]

﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 5]

((إِلا نَزَلَتْ عليهم السكينةُ))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 لذلك قلب المؤمن الذي يرتاد بيوت الله ، ويتعلم كتاب الله ، ويؤوي إلى كنف الله ، ويسجد في بيوت الله ، هذا المؤمن في قلبه سكينة ، وطمأنينة ، وثقة برحمة الله ، واستقرار .

((وَغَشيَتهم الرحمةُ))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

السكينة الطمأنينة ، أما الرحمة فهي السعادة ، طمأنينة وفوقها رحمة .

الثمرات اليانعة لمن يقصد بيوت الله :

((وحَفَّتهمُ الملائكةُ))

 أي سددت خطاهم ، ملك يأتيك ، يا عبد الله افعل كذا ، لا تذهب من هذا الطريق ، اشترِ هذه البضاعة ، التقِ مع فلان ، المؤمن يتحرك بإلهام الملك ، والكافر يتحرك بوسوسة الشيطان ، يدفعه إلى القتل ، إلى أن يقتل ، إلى أن يزني ، إلى أن يسرق ، يقع في شرّ عمله .

((وحَفَّتهمُ الملائكةُ))

 أي ألهمتهم الصواب .

((وذَكَرهُمُ اللهُ فيمن عِندَهُ))

 رفع الله شأنهم ، أربع ثمرات يانعة ، لمن يأتي بيوت الله ، ويستمع إلى كتاب الله ، ويفهم فحوى هذا الكتاب .

((نَزَلَتْ عليهم السكينةُ ، وَغَشيَتهم الرحمةُ ، وحَفَّتهمُ الملائكةُ ، وذَكَرهُمُ اللهُ فيمن عِندَهُ ومَن بطَّأَ به عَملُهُ لم يُسْرِعْ بِهِ نَسبُهُ))

[مسلم عن أبي هريرة]

الرحمة كلها عند الله :

 أخواننا الكرام ، هذا الحديث معروف عندكم لكن من الضروري جداً أن نذكره ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل :

((مَنْ جاءَ بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيدُ ، ومن جاء بالسيئة ، فجزاؤه سيئة مثلُها أو أغْفِر ، ومن تقرَّب مني شبراً ، تقرَّبت منه ذِرَاعاً ، ومن تقرَّب مني ذراعاً ، تقرَّبت منه باعاً ، ومن أتاني يمشي أتيتُه هَرولة ، ومن لقيني بقُراب الأرض خطيئة لا يشركُ بي شيئاً ، لَقِيتُهُ بمثلها مَغْفِرة))

[مسلم عن أبي ذر]

 لذلك لما النبي صعد المنبر وقال :

((آمين ، قالوا : علامَ أمنت يا رسول الله ؟ قال : أتاني جبريل وقال : رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له ، إن لم يغفر له فمتى ؟ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 لا يوجد أجمل من مؤمن انتهى رمضان وعاد كيوم ولدته أمه ، أعتقه الله من النار وفتح مع الله صفحة جديدة ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((جعل اللهُ الرحمةَ مئةَ جُزءٍ ، فَأمسَكَ عندهُ تِسعة وتسعينَ ، وَأَنزَلَ في الأرضِ جُزءاً واحداً ، فَمِن ذلكَ الجزءِ تَتَراحَمُ الخلائق ، حتى تَرْفَعَ الدابةُ حافِرَها عن ولدها خشيةَ أن تُصيبَه))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 جزء واحد ، أمهات الأرض من آدم إلى يوم القيامة ، كل الحيوانات إناثها كيف ترحم أولادها ؟ بهذا الجزء من الرحمة ، لذلك لما ربنا عز وجل خاطب النبي قال له :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 159]

 كل هذا الحلم ، وكل هذا العفو ، وكل هذه المحبة لأنه استقر في قلبه جزء من محبة الله ، لكن لما ربنا حدثنا عن ذاته ، قال :

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

[ سورة الكهف: 58]

 الرحمة كلها عند الله ، واحد من مئة موزعة بين الخلائق جميعاً ، فلذلك :

((إِنَّ رَحمتي سَبقَتْ غضبي))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأعراف: 156]

 وما خلقنا الله إلا ليرحمنا .

تناقض الشّر المطلق مع وجود الله عز وجل :

 والآن أقول كلمة دقيقة جداً : والشر المطلق لا وجود له في الكون ، شر مطلق ، أي الشر من أجل الشر ، الشر المطلق أن يمسك إنسان بسكين ويفتح بها بطن إنسان ليموت نزيفاً ، هذا شر مطلق ، أما الشر الهادف فأن يفتح البطن لتستأصل الدودية الخطيرة ، طبعاً فُتح البطن ، ونفر الدم ، وعمل الطبيب الجراح ، لكن هذا شر هادف ، الظاهر شر ، إنسان مخدر ، وملقى على الطاولة ، والعملية الجراحية ، والأدوات ، والتخدير ، والبطن مفتوح ، والدم ، والأوعية مفتوحة ، هذا مؤلم جداً ، لكن هذا شر هادف ، أما الشر المطلق فيتناقض مع وجود الله .

وجوب عبادة الله عز وجل خوفاً و طمعاً :

 حديث آخر : قال :

((لو يعلمُ المؤمن ما عندَ اللهِ من العُقُوبةِ ما طَمِعَ في الجنة أحدٌ ، ولو يعلمُ الكافِرُ ما عندَ اللهِ مِن الرحمةِ ما قَنِطَ مِن الجنَّةِ أحَدٌ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 يجب أن تعبد الله خوفاً ، وطمعاً في الوقت نفسه .
 عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( رفع إليه ابن ابنته وهو في الموت ففاضت عينا رسول الله ، فقال سعد : يا رسولَ الله ما هذا ؟ فقال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنَّما يرحمُ الله من عبادهِ الرحماءَ))

[ متفق عليه عن أسامة بن زيد]

 فإذا أدرتم رحمتي فارحموا خلقي ، لك عمل ، أنت موظف ، هذا الذي أمامك ضع نفسك أمامه ، كيف تتمنى أن يعاملك ؟ عامله كما تتمنى أن يعاملك .
 لما النبي عليه الصلاة والسلام دخل على ابنه :

((... وإبراهيمُ يجودُ بنفسه ، فَجعَلَتْ عينا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تَذْرِفان ، فقال عبد الرحمن بنُ عوف : وأنتَ يا رسول الله ، فقال : يا بنَ عوف ، إنَّها رحمة ، ثم أتبعها بأخرى، فقال : إنَّ العينَ تدمع ، والقلبَ يخشع ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون))

[متفق عليه عن أنس بن مالك]

على الإنسان ألا يحمّل نفسه ما لا تطيق :

 آخر حديث : عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

((إن الله تعالى فرض فرائضَ فلا تُضيِّعوها ، وحدَّ حُدودا ، فلا تعتدُوها ، وحرَّم أشياء فلا تقْرَبُوها ، وترك أَشياء- عن غيْرِ نِسيان- فلا تبحثوا عنها))

[الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني]

 أي الله عز وجل أمر ونهى وسكت ، الذي أمر به نفذه ، والذي نهى عنه انتهِ عنه ، أما الشيء الذي سكت عنه ، فالأصل في الأشياء الإباحة ، فالإنسان إذا تعنت وكابر ، ولم يكن مسدداً في أقواله وفي أعماله ، حمل نفسه ما لا يطيق .

والحمد لله رب العالمين