43137
خطبة الجمعة - الخطبة 0864 : خ1 - أسباب الخشوع في الصلاة3 ، خ2 - حكم من كثرت وساوسه في الصلاة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2002-12-27
بسم الله الرحمن الرحيم

 الخـطـبـة الأولــى:

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهديه الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين:

 أيها الأخوة الكرام ، لا زلنا في موضوع الصلاة ، وهذه الخطبة الثالثة والأخيرة حول أسباب الخشوع في الصلاة ، انطلاقاً إلى أن الخشوع في الصلاة من ألزم واجبات المصلي.
 أيها الأخوة الكرام ، الصلاة عماد الدين ، من أقامها فقد قام الدين ، ومن تركها فقد هدم الدين ، ولا خير في دين لا صلاة فيه ، والصلاة سيدة الطاعات ، وغرة العبادات ، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات ، الفرق الجوهري بين المؤمن وغير المؤمن الصلاة ، المؤمن موصول بخالق الأرض والسماوات ، والطرف الآخر مقطوع عن الإمداد ، إمداد خالق الأرض والسماوات.
 أيها الأخوة الكرام ، أضع بين أيدكم مثلاً من حياتنا جميعاً ، العين مهما دقت رؤيتها لا قيمة لها من دون نور يتوسط بينها وبين الأشياء ، فلو جلس بصير وكفيف البصر في غرفة مظلمة هم سواء ، فكما أن الضوء ضروري جداً لرؤية العين ، ولأداء وظيفة العين ، كذلك الاتصال بالله ضروري جداً لرؤية العقل ، واستنارته بنور الله.

من استخدم عقله من دون هدى من ربه فهو في ضلالة عمياء:

 لقد وصف الله من استخدم عقله بالوحي ، قال:

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ﴾

( سورة المدثر )

 أن يستخدم الإنسان عقله من دون هدى من ربه هو في ضلالة عمياء ، لعل من أدق ما تعنيه بعض الروايات التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن الصلاة نور ، نور للإنسان ، تؤكد هذه الآية آية ثانية:

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة الملك )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

( سورة الحديد الآية: 28 )

 هذا النور يتأتى في أثناء الصلاة ، الصلاة نور ، الصلاة طهور ، الصلاة حبور ، طهور تطهر المؤمن من أدرانه.

(( أرأيتم لو أنَّ نهرا بباب أحدِكم يغتَسِلُ فيه كلَّ يوم خمس مرات ، هل يُبقي من درنه شيء؟ قالوا: لا يُبقى من دَرَنهِ شيئاً ، قال: فذلك مَثَل الصلوات الخمسِ يمحو الله بها الخطايا ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

الصلاة هي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال من الأحوال:

 أيها الأخوة الكرام ، يسقط الحج عن المريض والفقير ، ويسقط الصيام عن المسافر والمريض ، وتسقط الزكاة عن الفقير ، وتؤدى الشهادة مرة واحدة ، أما الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال هو الصلاة ، هو أداة الاتصال بخالق الأرض والسماوات.
 أيها الأخوة الكرام ، ورد في الحديث القدسي أنه:

(( ليس كل مصلٍّ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكفّ شهواته عن محارمي ، ولم يصر على معصيتي ، وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب ، كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس ، على أن أجعل الجهالة له حلماً ، والظلمة نوراً ، يدعوني فألبيه ، يسألني فأعطيه ، يقسم عليّ فأبره ، أكلؤه بقربي ، وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها ))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

أسباب الخشوع في الصلاة:

1 ـ على الإنسان أن يزيل ما يشغله من المكان:

 هذه مقدمة أيها الأخوة ، تحدثنا في خطبتين سابقتين عن أسباب الخشوع في الصلاة ، وكان محور الخطبة السابقة تقوية الداوفع إلى الصلاة ، واليوم إزالة العقبات أمام المصلي.
 أيها الأخوة الكرام ، أحد أسباب الخشوع في الصلاة أن تزيل ما يشغلك من المكان ، فعن أنس رضي الله عنه ، قال: يقول عليه الصلاة والسلام يخاطب عائشة رضي الله عنها و قد كان لها قرام تستر به جانب بيتها:

((أَمِيطِي عَنِّي ـ أي أزيلي ـ فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي))

[ رواه البخاري عن أنس رضي الله عنهما ]

 أي شيء يلفت النظر ، أي شيء يشغل القلب ، ينبغي أن تزيله من المكان ، فإن لم تستطع فعند ابن القيم ينبغي أن تغمض عينيك ، إن دخلت إلى مكان يلفت النظر ، ويشغل النفس ، قد تتأمل في اللوحات التي على الجدران ، وفي طريقة الزخرفة والبنيان ، وفي فخامة الأثاث ، إن رأيت نفسك تسترسل فيما حولك فالأولى أن تغمض عينيك ، إن لم تستطع أن تزيل الذي أمامك.
 إذاً الشيء الذي تراه في الصلاة إذا شغلك عن الاتصال بالله عز وجل ربما لن تحقق من الصلاة ثمرتها.
 أيها الأخوة الكرام ، في المكان الشيء الذي يشغل المصلي ، إما أن تزيله ، وإما أن تغمض عينيك كي يتحقق الخشوع في الصلاة.
 مما يضاف إلى ذلك ، ومن الإسقاطات التي يمكن أن تكون في هذا الزمن أن تصلي في غرفة الجلوس ، والأهل يتحدثون ، ويتناقشون ، ويتخاصمون ، أن تصلي والمذياع مفتوح والأخبار تذاع ، أن تصلي في دكانك ، وموظفو المحل يتناقشون مع الزبائن بالأسعار ، أنت معهم ولست مع الله عز وجل ، فإذا صليت في مكان عام ، في مكان فيه حديث ، في مكان فيه مناقشة، في مكان فيه أخبار مهمة ، أنت مع الأخبار قطعاً ، ولست مع الله عز وجل ، فينبغي أن تبتعد عن مكان يشغلك عن الله عز وجل ، أول سبب من إزالة العقبات أمام الخشوع أن تبتعد عن مكان فيه ما يلفت النظر ، فيه ما يشغل القلب ، فيه أصوات ، وحركات ، وسكنات ، قد تكون معها ولست مع الله عز وجل ، إذا كنت في بيتك ادخل إلى غرفة ليس فيها أحد وصلِّ ، أما أن تصلي في غرفة الجلوس لأنها دافئة ، والأهل يتحدثون ، ويتناقشون ، وأنت معهم في حديثهم ، لكنك تؤدي حركات وسكنات لا معنى لها.

2 ـ تجنب الصلاة في أماكن الحر الشديد و البرد الشديد:

 أيها الأخوة الكرام ، أيضاً ينبغي أن نتجنب الصلاة في أماكن الحر الشديد والبرد الشديد ، فالجسم حينما يكون موجوداً بحر شديد أو ببرد شديد ، قلّما يستطيع صاحبه أن يقبل على الله عز وجل ، فتوفير المكان الدافئ في الشتاء ، والمكان المعتدل في الصيف ، هذا أيضاً مما يعين على الخشوع في الصلاة.
 من هذا المنطلق نجد أن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور ، ويفعل العبد هذه العبادة بتكره وتضجر ، فمن حكمة الشارع أنه أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحر فيصلي العبد بقلب حاضر ، ويحصل مقصود الصلاة من الخشوع والإقبال على الله تعالى.

3 ـ الابتعاد عن المبالغة في العناية بالثياب:

 أيضاً لو تركنا المكان وما فيه من تصاوير ، ومن زخارف ، ومن ضوضاء ، ومن حديث ، ومن حركات ، ومن سكنات ، وما فيه من برد أو حر ، لو أتينا إلى الثوب ، الصلاة في ثوب مزركش فخم جداً قد يشغل الإنسان عن صلاته ، هذا للرجال وللنساء ، والنساء أولى من الرجال في هذا ، أي المبالغة في العناية بالثياب ، وأنت تصلي قد لا تتم الركوع والسجود حفاظاً على سلامة الثوب ، فينبغي أن تصلي وأنت مرتاح.
 مما ورد في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( اذهبوا بهذه الخميصة.... فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاتِي ))

[ أحمد عن عائشة]

 وهو بهذا يعلمنا ألا ننشغل لا بالمكان ، ولا بالثوب ، عن الاتصال بالله عز وجل.

4 ـ ألا يصلي المصلي وبحضرته طعام يشتهيه:

 أيها الأخوة ، ومن أحد أسباب عدم الخشوع في الصلاة ألا يصلي المصلي وبحضرته طعام يشتهيه ، فكان عليه الصلاة والسلام يقول:

(( لا صلاةَ بحضرةِ الطعام ))

[ مسلم عن عائشة]

 إذا وضع الطعام وحضر بين يدي المصلي ، أو قُدم له ، فليبدأ به لأنه لا يخشع إذا تركه ، وقام يصلي ونفسه متعلقة به ، بل إن عليه أن يأكل أولاً ثم يصلي ثانياً ، فإذا قرب العشاء وحضرت الصلاة كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( فابدؤوا به قبل أن تصلوا ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]

 وفي رواية أخرى:

(( إذا وُضِعَ عشاءُ أحدِكم وأُقيمت الصلاةُ ، فابدؤوا بالعَشاء ، ولا تَعجَلْ حتى تَفرُغَ منه ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن عبد الله بن عمر ]

 من أجل أن تصلي وأنت خالي القلب ، يحمل على هذا ، جاءتك رسالة مهمة ، افتحها واقرأها ثم صلِّ ، تنتظر فيها حوالة ، يا ترى أرسل الحوالة أم لم يرسلها ؟ اشتريت آلة تحتاج إلى أن تفهم بعض دقائقها ، افتح الآلة واختم دقائقها ثم صلِّ ، لا تدع شيئاً يشغلك عن الصلاة.

5 ـ ألا يصلي المصلي وهو حاقن أو حاقب:

 أيها الأخوة الكرام ، ألا يصلي المصلي وهو حاقن ، أو حاقب ، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل وهو حاقن ، والحاقن الذي حبس بوله ، فضلاً عن أن هذا مضر صحياً ، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يصلي المصلي وهو حاقب ، والحاقب الذي حبس غائطه ، لا حاقن ولا حاقب ، أفرغ مثانتك ، وأفرغ أمعاءك ، واسترح ثم صلِّ ، هناك من يريد أن يصلي من دون أن يتوضأ وضوءاً جديداً فيصلي وهو حاقن ، ويصلي وهو حاقب ، وفي هذا نهي شديد لأنك مشغول بإفراغ المثانة والمستقيم عن الصلاة.
 قال بعض العلماء: من حصل له ذلك فعليه أن يذهب إلى الخلاء لقضاء حاجته ولو فاته ما فاته من صلاة الجماعة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ورد في صحيح الجامع أنه قال:

(( إذا أَرادَ أحدُكم أن يذهبَ إِلى الخلاء ، وقامتِ الصلاةُ ، فليبْدأْ بالخَلاءِ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عبد الله بن الأرقم ]

 بل إنه إذا حصل له ذلك و شعر بحاجة إلى الخلاء أثناء الصلاة فإنه يقطع صلاته لقضاء حاجته ، ثم يتطهر ويصلي ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( لا صلاةَ بحضرةِ الطعام ، ولا لمن يدَافِعُهُ الأخْبَثَانِ ))

[ مسلم عن عائشة]

 البول والغائط ، أيضاً من أسباب دفع موانع الخشوع في الصلاة.

6 ـ ألا يصلي المصلي وقد غلبه النعاس:

 ألا يصلي المصلي وقد غلبه النعاس ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقول ))

[ البخاري عن أنس بن مالك]

 أي:

(( فَلْيرْقُد حتى يذهبَ عنه النَّوْمُ ))

[ رواه البخاري عن عائشة أم المؤمنين ]

 وفي حديث آخر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( إذا نعسَ أحدُكم وهو يصلي فَلْيرْقُد حتى يذهبَ عنه النَّوْمُ ، فإنَّ أحَدَكم إذا صَلّى وهو ناعس لا يدري: لعله يذهب يستغفرُ فيُسبُّ نفسه ))

[ رواه البخاري عن عائشة أم المؤمنين ]

7 ـ ألا يصلي الإنسان خلف متحدث:

 أيها الأخوة الكرام ، ومن أسباب الخشوع في الصلاة ألا يصلي خلف متحدث ، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تصلُّوا خلف النائم ، ولا المتحدِّث ))

[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عباس وهو في صحيح الجامع ]

 لأن المتحدث يلهي بحديثه ، والنائم قد يبدو منه ما يلهي ، لكن موضوع النائم عليه قول ، لو أن النائم نوماً طبيعياً وهو متستر تستراً كاملاً لا شيء في ذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قيام الليل والسيدة عائشة نائمة ، أما إذا كان هذا النائم ليس منضبطاً في نومه ، وقد تنكشف عورته في أثناء النوم ، وقد ، وقد ، فالأولى ألا تصلي وهو أمامك لئلا تنشغل به ، وبحركاته أثناء نومه ، أما المتحدث إنك تنشغل بحديثه عن الاتصال بالله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام ، أعيد عليكم مراراً إني أعظكم وأعظ نفسي معكم ، وإنني أيضاً معني بالخطاب ، لأن الله سبحانه وتعالى يحب منا جميعاً ألا نستمر على خطأ ، أي ليس العار أن تخطئ ولكن العار أن تبقى مخطئاً ، وليس العار أن تجهل ولكن العار أن تبقى جاهلاً.
 كره بعض العلماء الصلاة إلى النائم خشية أن يبدو منه ما يلهي المصلي عن صلاته ، جاء هذا في فتح الباري ، قال: فإذا أُمن ذلك فلا تكره الصلاة خلف النائم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فيما تروي السيدة عائشة:

(( وأنا راقدة معترضة على فراشه ))

[ البخاري عن عائشة ]

8 ـ عدم الانشغال بشيء فيها كتسوية الحصى:

 ومن أسباب الخشوع في الصلاة عدم الانشغال بشيء فيها ، كتسوية الحصى ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يُسَوِّي التراب حيث يسجد ، قال: إن كنت فاعلا فواحدة ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن معيقيب ]

 الحركات الكثيرة في الصلاة أن تسوي الحصى ، أن تسوي مكان السجود ، أن تصلح من ثوبك ، أن تنفض شيئاً عنه ، أن تمسح جبينك ، كثرة الحركات في الصلاة تبعد الإنسان عن الخشوع فيها ، لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه.
 وقال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تمسح وأنت تصلي ، وإن كنت لا بد فاعلاً فواحدة ))

[ أبو داود عن معيقيب]

 وقال عليه الصلاة والسلام:

(( إن في الصلاة شغلاً ))

[ البخاري عن عبد الله ]

 المصلي مشغول باتصاله بالله عز وجل ، فإن كان يؤدي حركات وسكنات لا معنى لها عنده ، وإن كان يقرأ قراءات لا يفهمها ، أو لا يعنى بمعانيها تصبح الصلاة عبئاً ، إذاً لا بد من أن يتشاغل بشيء آخر.

9 ـ عدم التشويش في القراءة على الآخرين:

 ومن أسباب الخشوع بالصلاة عدم التشويش في القراءة على الآخرين ، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( ألا إن كلكم مناجٍ ربه ، فلا يؤذيَنَّ بعضكم بعضاً ))

[أخرجه أبو داود وابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري ]

 وهذا يحصل ، المصلون يؤدون صلاة السنة ، يأتي رجل ويصلي إماماً ، ويرفع صوته حتى يسمع كل من في المسجد بقراءته ، وحروفه ، وتزويده ، وبراعته في القراءة ، فشوش على كل المصلين ، ينبغي ألا تؤذي أحداً وأنت تصلي ، إن كنت تصلي إماماً في مسجد والثواب الذي يتوقعه الناس جميعاً من صلاة الجماعة هو في الجماعة الأولى ، أما أن تقام عشرات الجماعات في المسجد ، كلما صلى إنساناً وراءه أربعة أشخاص أو خمسة صلوا صلاة جهرية وشوشوا على الحاضرين ، وعلى دروس العلم ، وعلى من يصلي سنة ، وعلى من يقرأ قرآناً ، فهذا فيه أذى للمسلمين.

(( ألا إن كلكم مناجٍ ربه ، فلا يؤذيَنَّ بعضكم بعضاً ، ولا يرفعنَّ بعضكم على بعض في القراءَة ))

[أخرجه أبو داود وابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري ]

 ورد هذا في صحيح الجامع.

(( ولا يَجهَرُ بعضكم على بعض بالقرآن ))

[أخرجه مالك عن فروة بن عمرو البياضي ]

 لو لم يصلِّ أحد في المسجد ، وبعد صلاة الفجر جلس بعض المصلين لتلاوة القرآن لا ينبغي أن تقرأ أنت وحدك بصوت عال ، وتشوش على الحاضرين.

10 ـ كثرة الالتفات في الصلاة:

 ومن أسباب الخشوع في الصلاة أيها الأخوة ، كثرة الالتفات في الصلاة ، فلا يزال الله عز وجل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ذر:

(( لا يزال الله عز وجل مُقْبِلا على العبد وهو في صلاته ، ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه ))

[ أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي ذر ]

الالتفات في الصلاة قسمان ؛ التفات القلب إلى غير الله والتفات البصر:

 أيها الأخوة الكرام ، الالتفات في الصلاة قسمان ، التفات القلب إلى غير الله ، والتفات البصر ، وكلاهما منهي عنه ، وينقص من أجر الصلاة ، وقد سُئل عليه الصلاة والسلام عن الالتفات في الصلاة فقال:

(( اختلاسة يختلسها الشيطان من صلاة العبد ))

[أخرجه البخاري وأبو داود وابن خزيمة عن عائشة أم المؤمنين ]

 أيها الأخوة ، الالتفات في الصلاة منهي عنك برأسك ، منهي عنه بقلبك ، و كلاهما منهي عنه ، يقول بعض العلماء: " إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة ، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض ، وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله عز وجل ، والآخر ساهٍ وغافل "، مصليان يصليان في مكان واحد ، وفي مسجد واحد ، بين صلاة الأول وصلاة الثاني كما بين السماء والأرض ، لأن الأول مقبل على الله عز وجل ، والثاني ملتفت إلى ما سوى الله عز وجل.
 لكن أيها الأخوة هناك التفات مشروع سنّه لنا النبي ، لو أن الابن اقترب من المدفأة حتى كاد يحترق ينبغي أن تلتفت ، ينبغي أن ترفع صوتك ، ينبغي للمرأة أن تصفق ، ينبغي أن تقوم بحركة كي تنقذ هذا الطفل من الوقوع في نار المدفأة ، هناك حالات ضرورية يقدرها الله عز وجل حينما ترى أن خطراً سيقع على أحد أولادك ، أو على والدتك ، أو على زوجتك ، وأنت في الصلاة ينبغي أن تلتفت ، وينبغي أن تفعل إشارة ما كي تشير إلى هذا الخطر ، أو أن ترفع صوتك ، أحياناً تصلي وحدك في الغرفة وفيها ابن صغير كاد يقع من النافذة ، ترفع صوتك بالقرآن حتى تلتفت الأم ، فتأتي وتأخذ الصبي من النافذة المفتوحة.

11 ـ عدم رفع البصر إلى السماء:

 أيها الأخوة الكرام ، ومن أسباب الخشوع في الصلاة ، عدم رفع البصر إلى السماء.

(( إذا كان أحدُكم في الصلاة فلا يرفع بصَره إلى السماء ))

[أخرجه النسائي عن رجل من الصحابة ]

(( ما بالُ أقوام يرفعونَ أبصارهم إلى السماء في الصلاة ))

[أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن أنس بن مالك ]

 هذا يتنافى مع الخشوع ، وفي حديث ثالث:

(( لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك ، أو لتُخطَفَنَّ أبصارُهم ))

[أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن أنس بن مالك ]

12 ـ مدافعة التثاؤب في الصلاة:

 وينبغي أيضاً أن يجاهد الإنسان نفسه في مدافعة التثاؤب في الصلاة ، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه ، فإن الشيطان يدخل ))

[أخرجه مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري ]

13 ـ ترك السدل في الصلاة:

 شيء آخر يتنافى مع الخشوع في الصلاة: ترك السدل في الصلاة لما ورد:

(( أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السَّدْل في الصلاة ، وأن يُغَطِّيَ الرجُل فاهُ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

 إن كان البرد شديداً فلف رأسه كله وغطى فمه ، وقرأ القراءة بشكل غير واضح هذا مما ينقص من أجر الصلاة ، نهى عن أن يسدل المرء في الصلاة ، أن يرتدي ثوباً بلا أكمام ، وضع شيء فهذا الشيء يحتاج إلى متابعة ، هناك بعض الأزياء في البلاد الإسلامية ثوب يلقى على الجسم ، يحتاج في كل دقيقة إلى تعديل ، أما الثوب المخيط المنضبط هذا مريح في الصلاة ، مثلاً إنسان يضع عباءته ـ من دون أن يدخل يديه في أكمامه ـ على كتفه في الصلاة هذه قد تنزاح ، قد يحتاج إلى تعديلها من حين إلى آخر ، فأي شيء يشغلك عن الصلاة في الصلاة هو منهي عنه.
 قال بعض الشارحين لهذا الحديث: " أن يلتحف بثوبيه ، ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد ، أن يضع الثوب على رأسه أو كتفه ، ويرسل أطرافه أمامه ، أو على عضديه فيبقى منشغلاً بمعالجته ، فيخل بخشوعه بالصلاة ".

14 ـ ترك التشبه بالبهائم:

 ومن أسباب الخشوع بالصلاة ترك التشبه بالبهائم ، فقد نهى صلى الله عليه وسلم في الصلاة عن ثلاث:

(( عن نقْرَةِ الغراب ـ السجود السريع ـ وافتِراشِ السَّبُع ـ إذا سجد يضع يديه مع مرفقيه على الأرض كما يجلس السبع ـ وأن يُوَطِّن الرجلُ بالمكان في المسجد كما يُوَطِّنُ البعير ))

[أخرجه أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن شبل ]

 له مكان لا يسمح بتغييره في الصلاة ، يزاحم الناس عليه ، يدفعهم عنه ، كل أرض المسجد واحدة في الثواب بالصلاة ، فهذا الذي يختار مكاناً يصلي فيه ولا يسمح لأحد أن يصلي فيه هذا أيضاً منهي عنه.

(( نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن نقْرَةِ الغراب ، وافتِراشِ السَّبُع ، وأن يُوَطِّن الرجلُ بالمكان في المسجد كما يُوَطِّنُ البعير ))

 وفي رواية ثانية ، يقول بعض أصحاب النبي:

(( نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الكلب والتفات كالتفات الثعلب ))

[ أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أبي هريرة ]

 أيها الأخوة الكرام:
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

* * *

 الخطبة الثانية:

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

اختلاف الفقهاء في وجوب إعادة الصلاة إن راود الإنسان شيئاً من الوساوس في صلاته:

 أيها الأخوة الكرام ، إن من عظم مسألة الخشوع في الصلاة وعلو قدرها عند العلماء أنهم ناقشوا هذه القضية ، فيمن كثرت الوساوس في صلاته ، هل تصح أم عليه الإعادة ؟ قال بعض العلماء: " فإن قيل ما تقولون في صلاة من عدم خشوع ، هل يعتد بها أم لا يعتد ؟ الاعتداد بها في الثواب لا يعتد بها في الثواب ، إلا بما عقل فيه منها ، لا يعتد لصلاة لا خشوع لها في الثواب إلا بما عقل فيه منها ، وخشع فيه قلب المصلي لربه ، فقط".
 قال ابن عباس: " ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها ":

(( إن العبد لينصرف من الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها ، ثلثها ، ربعها ، حتى بلغ عشرها ))

[ أخرجه أبو داود من حديث عمار بن ياسر]

 إن غلب عليه عدم الخشوع فيها ، وعدم تعقلها ، فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها ، فأوجبها بعضهم ، ولم يوجبها بعضهم الآخر ، اختلافهم في وجوب الإعادة على الوساوس في صلاته أوجبها بعض العلماء ، ولم يوجبها بعض العلماء الآخرين ، يقول عليه الصلاة والسلام: إن الشيطان يأتي أحدكم في الصلاة فيقول:

(( اذكر كذا ، اذكر كذا ، لما لم يكن يذكر ، حتى يَظَلَّ الرَّجلُ إنْ يَدْرِي: كم صلى ؟ ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]

 وفي حديث آخر ذكرته قبل قليل:

(( إن العبد لينصرف من الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها ، ثلثها ، ربعها ، حتى بلغ عشرها ))

[ أخرجه أبو داود من حديث عمار بن ياسر]

 وابن عباس حينما يقول: " ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها ".
 أيها الأخوة ، إذا غلب على صلاتك الخشوع فقد يكون في السنن ما يرممها ، أما إذا غلب عدم الخشوع ، ومن عادتك أن تخشع في الصلاة ينبغي أن تعيدها ، وفي صلاة واحدة غلب عدم الخشوع فالأولى أن تعيدها.

درجات الخاشعين في الصلاة:

 أيها الأخوة الكرام ، الخاشعون في الصلاة درجات ، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

(( اللَّهمَّ إِني أَعُوذُ بك من قَلْبٍ لا يَخْشَعُ ))

[أخرجه الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 الخاشعون في الصلاة على درجات خمس ، المرتبة الأولى مرتبة الظالم لنفسه ، المفرط وهو الذي انتقص من وضوئها ، ومواقيتها ، وحدودها ، وأركانها.
 المرتبة الثانية: من يحافظ على مواقيتها ، وحدوها ، وأركانها الظاهرة ، ووضوئها لكنه ضيّع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوسواس والأفكار.
 المرتبة الثالثة: من حافظ على حدودها ، وأركانها ، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار ، فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق من صلاته ، فهو في صلاة وجهاد.
 والمرتبة الرابعة: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها ، وأركانها ، وحدودها ، واستغرق قلبه مراعاة حدودها ، وحقوقها ، فلم يضيع شيئاً ، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي ، وإكمالها ، وإتمامها ، قد استغرق قلبه شأن الصلاة ، وعبودية ربه تبارك وتعالى فيها.
 والمرتبة الخامسة: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ولكنه مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل ناظراً بقلبه إليه ، مراقباً له ، ممتلئاً من محبته وعظمته ، كأنه يراه ويشاهده ، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات ، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه ، في الصلاة أعظم مما بين السماء والأرض ، وهذا في صلاته مشغول بربه وهو قرير العين به.
 القسم الأول: الظالم لنفسه ، المفرط الذي انتقص من وضوئها ، ومواقيتها ، وحدودها ، وأركانها معاقب.
 والقسم الثاني: من حافظ على مواقيتها ، وحدودها ، وأركانها الظاهرة ، ووضوئها ، لكنه ضيع مجاهدة نفسه في الهوى فهو محاسب.
 والثالث: مكفر عنه.
 والرابع: مثاب.
 والخامس: مقرب إلى ربه ، و آخر واحد قال: لأن له نصيباً ممن جعلت قرة عينه في الصلاة ، انطبق عليه جزء من قول النبي:

(( أرحنا بها يا بلال ))

[أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]

 أيها الأخوة الكرام ، هذا موضوع بالغ الأهمية ، الصلاة عماد الدين.

الصلاة نور و طهور و حبور:

 مرة ثانية: الصلاة نور ، أنت بالصلاة تملك رؤيا صحيحة ، والصلاة طهور ، أنت بالصلاة لا تحقد ، ولا تكذب ، ولا تغش ، كما قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾

( سورة العنكبوت الآية: 45 ).

 نهياً ذاتياً ، الصلاة نور.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

( سورة الحديد الآية: 38 ).

 ترى الحق حقاً فتتبعه ، وترى الباطل باطلاً فتجتنبه ، يصعب أن يرتكب المصلي خطأ فاحشاً لأن معه نوراً من الله عز وجل ، والصلاة طهور ، كل أدران النفس ، كل مسالك النفس أنت بعيد عنها ، لأن الله طهرك منها ، لأن الصلاة كما قال الله عز وجل ،

﴿ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾

  والصلاة حبور.

(( أرحنا بها يا بلال ))

[أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]

(( وجُعِل قُرَّةُ عَيْني في الصلاة ))

[أخرجه النسائي عن أنس بن مالك ]

 الإنسان يستمتع بمخلوقات الله عز وجل لأن الله أودع فيها مسحة من جمال ، فكيف إذا اتصل بخالق الجمال ، وبأصل الجمال ؟.

الصلاة عماد الدين وعصام اليقين وسيدة القربات وغرة الطاعات:

 هذا الذي نقوله دائماً أيها الأخوة ، العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية.
 فالسلوك هو الأصل في الدين ، والعلم هو السبب ، والجمال هو الثمرة ، لذلك كما قال بعض العلماء: " في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ".
 ماذا يفعلوا أعدائي بي بستاني في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة ، يؤكد هذا الكلام قول الله عز وجل:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ﴾

 في الآخرة:

﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

( سورة محمد ).

 في الدنيا ، ذاقوا طعمها ، ذاقوا نموذجاً منها ، ذاقوا نصيباً منها ، فإن لم تقل أنا أسعد الناس في الأرض إلا أن يكون أحد أتقى مني فهناك خلل في الصلاة ، الصلاة عماد الدين ، وعصام اليقين ، وسيدة القربات ، وغرة الطاعات ، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات.

 أيها الأخوة الكرام ، من تركها تهاوناً فقد عصى ، وقد ارتكب كبيرة ، ومن تركها جحوداً بفرضيتها فقد كفر.

المصلي مع المنعم لا مع النعمة:

 أيها الأخوة الكرام ، هذا المخلوق الضعيف ، الذي خُلق ضعيفاً:

﴿ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾

( سورة المعارج ).

 وخلق عجولاً ، هذه نقاط ضعف في أصل خلقه ، ما الذي يزيلها ؟ الصلاة ، والدليل:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

( سورة المعارج ).

 المصلي يرى أن الله يعمل وحده في الكون ، يرى أن الله بيده كل شيء ، يرى أن الله لن يسلمه لأعدائه ، يرى أن الله حيّ قيوم ، يرى أن الله:

﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 84 ).

 يرى أن الأمر كله يرجع إليه ، يرى أنه الأول ، والآخر ، والظاهر ، والباطن ، يرى أن الله حسيب على كل شيء ، أمره بيد الله لا بأيدي الخلق ، المصلي مع المنعم لا مع النعمة ، بين الغرب والشرق هذه الكلمة ، الغرب مع النعمة ، والمؤمنون مع المنعم.
 أيها الأخوة الكرام ، لأن موضوع الصلاة هو الموضوع الأول ، هذه الخطبة الأخيرة كانت عن ثلاثة و ثلاثين سبباً من أسباب الخشوع بالصلاة.

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يذل من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا.
 ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين.
 اللهم أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير.

والحمد لله رب العالمين