23403
شرح الحديث الشريف - أحاديث متفرقة - الدرس (010 - 127 ) : من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ..…
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1990-06-10
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الحديث النبوي الشريف، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( من نفَّث عن مؤمنٍ كُربةً من كرب الدنيا نفث الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى قط يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه ))

 حديثٌ دقيقٌ جداً فيه وصفٌ لأبواب الخير، ولكن يقفز إلى الذهن سؤال ؟ لماذا يزهد الناس في الخير ؟ أبواب الخير مفتحة بل كلما ضاقت الأمور، كلما اشتد الأمر على الناس تغدو الأبواب أكثر تفتُّحاً، هؤلاء الأقوياء، هؤلاء الأغنياء، هؤلاء الذين بإمكانهم أن يفعلوا شيئاً ما، أبواب الخير مفتحةٌ أمامهم على مصارعها، السؤال: لماذا يعزف معظم الناس عن فعل الخير ؟ هذا سؤال.
 الإنسان أيها الإخوة إذا تأمَّل في الكون، أو قرأ القرآن، لأن الكون يجسِّد أسماء الله الحسنى، والقرآن كلام الله عزَّ وجل، إن جال متأملاً في آيات الكون، أو درس ما في القرآن الكريم، توصَّل إلى أن الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم، وأن الله سبحانه وتعالى سخَّر الكون كله ؛ بسماواته وأرضه لهذا الإنسان، وأنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه أعظم تكريم، ما هو رد الفعل عند هذا الإنسان ؟ إذا إنسان كرمك، أعطاك، نَعَّمك، رفع شأنك، أعطاك حاجتك، ما رد الفعل عنده ؟ إذا آمنت بالله يجب أن تحبه، هناك حديثٌ دقيقٌ جداً، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ))

 يبدو أن هناك علاقة ترابطية بين العقل والحب، فكلما ازداد عقلك ازداد حبك لله عزَّ وجل، كلما استخدمت عقلك في فهم عظمة الكون، ومن خلال ذلك تعرف عظمة الله عزَّ وجل، كلما نشأ في قلبك انفعال، ما الإنسان ؟ الإنسان عقل وقلب، عقلٌ يدرك وقلبٌ يحب، وهناك ترابطٌ بينهما، فإذا آمنت بالله يجب أن تحبه، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث يقول:

(( ألا لا إيمان لمن لا محبة له ))

(( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ))

 هناك ترابط ؛ كلما ازداد إيمانك ازدادت محبتك.

((والله لا تؤمنوا حتى تحابوا ))

( من الجامع لأحكام القرآن: عن " أبي هريرة " )

 تحب من ؟ هنا السؤال تحب مَن ؟ الله سبحانه وتعالى الذي خلقك من قبل ولم تكُ شيئاً..

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾

( سورة الإنسان )

 الله سبحانه وتعالى هو الذي منحك نعمة الوجود، أنت موجود ؛ لك اسم، لك هوية، لك وزن، لك حياة انفعالية، حياة عقلية، لك بيت، لك زوجة، لك أولاد، أنت موجود، مَن منحك نعمة الوجود ؟ الله سبحانه وتعالى.
 أنت موجود، وقد أمدك الله بالنعم كلها، مَن هو الذي أمدك بهذه بالنعم كلها ؟ الله سبحانه وتعالى.
 أنت موجود، وتأكل وتشرب وتعيش، من دلك عليه ؟ من أرشدك إليه ؟ الله سبحانه وتعالى. إذاً كلما ازداد عقلك ازداد حبك.
 إذاً من لوازم الإيمان أن تحب الله عزَّ وجل، آمنت به حقاً، إذا يجب أن تحبه صدقاً، لذلك بعض العلماء يشبهوا العقل كالمِقْوَد، والقلب كالمحرك، فالمقود والمحرك متكاملان، ما قيمة محرك بلا مقود ؟ لابد من الدمار والهلاك، محرك مندفع بقوة بلا مقود، ما قيمة المقود بلا محرك ؟ جمود وموت، مركبة بمقود بلا محرك، مركبة أخرى بمحرك بلا مقود العقل هو المقود والقلب هو المحرك، بالمقود أو العقل تحكم سير المركبة على الطريق الصحيح، وإلى الهدف الصحيح، وبالقلب وما فيه من حبٍ تتحرك على هذا الطريق، إذاً إن لم ينشأ في قلبك حبٌ لله عزَّ وجل بادئ ذي بدءٍ، فهذا يعني أن الإيمان غير صحيح، إذا صح الإيمان وجب الحب، الحب من لوازم الإيمان..
" ألا لا إيمان لمن لا محبة له ".
 وربنا سبحانه وتعالى في كتابه ذكر فقال:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

( سورة المائدة: من آية " 54 " )

 يعني كلمة الحب في القرآن وردت، من لوازم المؤمن أنه يحب الله عزَّ وجل، ولكن هناك تعليق لطيف، نقول لكم مثلاً: لو أن إنساناً عيَّن موظفاً عنده، وأعطى هذا الموظف المعاش الكبير، أعطاه بيتاً، أعطاه مركبةً، أعطاه كل ما يحتاج، أكرمه، فضله، رفع شأنه، يسَّر له حاجاته، يا ترى هذا الموظف ألا ينبغي أن يحب صاحب متجره، أو صاحب معمله ؟
 لكن متى يُحب هذا الموظف ؟ الآن كرمناه ولكن متى يحب ؟ إذا تفانى في خدمة سيده، إذا عرف له فضله، إذا تفانى في الإخلاص له، الآن سيده يحبه، سيده أكرمه أولاً، فإذا عرف فضله وتفاتنى في خدمته، الآن سيده يحبه بعد أن أكرمه، هذا مثل.
 الله عزَّ وجل خلق الكون، وخلق الإنسان، ومنحه كل شيء ؛ منحه نعمة الوجود، ونعمة الهداية، ونعمة الإمداد، وجعل له سمعاً، وبصراً، وعقلاً، وأعضاء، وأجهزة، وجعل له أسرة، وزوجة، وأولاد، هذا الذي جعله له يستوجب أن يحب العبد ربه، فإذا أحب العبد ربه، واستقام على أمره، وتفانى في خدمة عباده، الآن تأتي محبة الله لهاذ العبد..

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾

( سورة البقرة: من آية " 222 " )

﴿ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)﴾

( سورة البقرة )

﴿ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)﴾

( سورة المائدة )

﴿ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)﴾

( سورة التوبة )

 يحب المؤمنين، يحب الصادقين، إذاً هناك محبةٌ للعبد للرب، وهناك محبة الله سبحانه وتعالى للعبد، محبة العبد للرب أساسها تسيير الكون، وهذه النعم التي أسبغها الله علينا. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أحبوا الله بما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا آل بيتي لحبي ))

( من الجامع الصغير: عن " ابن عباس " )

 هناك محبةٌ هي الأصل، وهناك محبةٌ هي الفرع، محبة الله عزَّ وجل هي الأصل، أن تحب النبي عليه الصلاة والسلام هذه محبةٌ ناتجةٌ عن حب الله عزَّ وجل، لذلك حب النبي عليه الصلاة والسلام من لوازم حب الله عزَّ وجل لأنه رسوله، ولأنه المثل الأعلى، لأنه القدوة الحسنة، لأنه المثل الصالح.
 الآن، إذا أحببت الله عزَّ وجل أحببت رسوله، أحببت من دلك على رسوله، أحببت إخوانك المؤمنين لهذا الانسجام بينك وبينهم، إذاً حب رسول الله، وحب أهل العلم، وحب اخوتك المؤمنين، هذه كلها محبَّاتٌ ناتجةٌ عن محبة الله عزَّ وجل.
 الآن، إذا أحببت الله عزَّ وجل وهؤلاء خلقه، وهؤلاء عباده، الآن تنطلق بشكلٍ عفوي إلى خدمة عباده تقرباً إليه، هذا هو السر الكامن وراء عزوف الناس عن فعل الخيرات، لماذا ؟ لأنك إذا أحببت الله عزَّ وجل هؤلاء عباده، حبك لهم حبٌ فرعيٌ ناتجٌ عن حبك لله عزَّ وجل، فما من مسلمٍ، ما من عبدٍ مؤمنٍ يتقد قلبه بالحب لله عزَّ وجل، إلا ويندفع لخدمة الخلق، أقول: لخدمة الخلق. ومعنى الخلق أي الحيوانات معهم، يعني حيوانٌ جريحٌ، حيوانٌ جائعٌ، حيوانٌ عطشٌ، تندفع إلى خدمة الخلق أولاً، وإلى خدمة الناس ثانياً، وإلى خدمة المؤمنين ثالثاً ـ من باب أولى ـ.
الآن، إذا قرأت هذا الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:

(( من نفَّث ))

 معنى نفَّث بمعنى فرَّج، نفث عنه كربةً، الكربة الحزن والغم الضاغطان على الإنسان، أحياناً يكون في خبر مؤلم جداً، في مشكلة، في مرض، في ضيق، في فقر، في دين، هناك همٌ وغم يضغط على الإنسان، وهذا المؤمن عبدٌ لله عزَّ وجل والله يحبه، فإذا خدمت هذا المؤمن فكأنما عبَّرت عن حبك لله عزَّ وجل .
 من نفث عن مؤمنٍ كربة.. الكربة الهم والحزن الضاغطان على الإنسان، جمع كربة كرب.. من نفث عن مؤمنٍ كربة.. في عندنا قاعدة وهي: أن الجزاء من جنس العمل. ما حكمة ذلك ؟ حكمة ذلك تربوية تعليمية، أحياناً ربنا عزَّ وجل المسرف يعاقبه بالفقر، والمتكبر يعاقبه بالإهانة، والمعتدي يعاقبه بأن يُعتدى عليه، فكل ذنبٍ له عقابٌ من جنسه من أجل أن يعلِّم الله سبحانه وتعالى الناس ؛ أن هذه العقوبة هذا جزاؤها، هذا الذنب هذا عقابه، وكذلك الحسنات لها جزاءٌ من جنسها.
 من نفث عن مؤمنٍ كربة من كرب الدنيا.. يعني مضطر للمال، يريد أن يجري عملية جراحية وهو صادق، فإذا وفَّرت له هذا المال لكي يجري هذه العملية لابنه، هذا الكرب، وهذا الضيق، وهذا الهم، وهذا الحزن فرجته عنه، شيءٌ جميل ! أحياناً يحتاج إلى مال، لكنك لا تملك هذا المال، ألا يوجد حل ؟ بإمكانك أن تسعى لدى المحسنين بتأمين هذا المبلغ، أنت كأنك قدمت هذا المال، الدال على الخير كفاعله. هذا المؤمن بحاجة إلى قرض وليس بحاجة إلى مال، هو يأبى أن يأخذ مالاً، وفَّرت له هذا القرض، نفثت عنه كربةً من كرب الدنيا.
 هذا المؤمن يحتاج إلى جاهك، له عند إنسان حاجة وهو محق فيها، يحتاج إلى جاهك كي تكلم هذا الإنسان، من يشفع شفاعةٌ حسنة يكن له نصيبٌ منها، أنت لك مكانتك، وفلان صديقك، وهو ضعيف الشأن، فذهبت وعطلت وقتك، وحللت مشكلة هذا الإنسان، أنت نفثت عنه كربة من كرب الدنيا، له قضية عند شخص وهو صديقك، لكنه محق، هذه نقطة وإلا أصبح في مخالفة، إذا كان أخوك المؤمن محق في طلبه، وقضيته عند إنسان يثق بك، ولك شأنٌ عنده، إذاً أنت مكلفٌ أن تنفث عنه هذه الكربة، لأن الله سبحانه وتعالى وعدك أن ينفث عنك من كرب الآخرة، من كرب يوم القيامة.
 أحياناً هو مريض، ولا يعرف كيف يعالج نفسه، أنت وفرت له العلاج، وفرت له الطبيب المناسب، ضيَّعت وقتك وأخذته إلى الطبيب، وفرت له الدواء لأن الدواء غير موجود، وفرت له الدواء نفثت عنه كربة من كرب الدنيا، لذلك تستحق عندئذٍ أن ينفث الله عنك كربة من كرب يوم القيامة، يعني الإنسان بلا عمل لا قيمة له، حجمه عند الله بحجم عمله والدليل:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

( سورة الأنعام: من آية " 132 " )

 اسأل نفسك هذا السؤال: ما عملي أنا ؟ ما العمل الذي ألقى الله به يوم القيامة ؟ ما قيمة سماع الدروس ؟ فإذا أيقنت أن الله موجود ماذا فعلت؟ ماذا أضفت ؟ ما فعلت شيئاً، الله موجود أيقنت أم لم توقن، اعترفت أم لم تعترف، آمنت أم لم تؤمن، فالإيمان لابد منه لعمل الصالحات، ولكن عمل الصالحات هو المهم..

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

( سورة العصر )

 لذلك: من نفث عن مؤمنٍ كربة من كرب الدنيا.. ويبدو أن المؤمن له شأنه عند الله عزَّ وجل، ولو نفثت عن إنسان كائناً من كان جزاك الله على ذلك، ولكن عندما النبي الكريم قال: من نفَّث عن مؤمن لأن هذا المؤمن له شأنه عند الله عزَّ وجل، له حياؤه، له شرفه، له عزته، له كرامته، إذا أنت أمام شخصين ؛ واحد ليس في وجهه ماء يلح عليك في الطلب، ومؤمن لا يسأل، المؤمن أولى لمعاونتك، لأن هذا عنده حياء، عنده عزة، له مكانة، وبعد هذا منضبط ؛ مستقيم على أمر الله عزَّ وجل، إن أعطيته من مالك أنفقه في الوجه الصحيح، وفي الوجه الذي يرضي الله عزَّ وجل.
 فأنا لا أقول أن اجعلوا أعمالكم الصالحة منصبة على المؤمنين، لا، ولكن المؤمن أولى من غيره، لو أعطيت مالاً لإنسان، لا تدري ماذا يفعل بهذا المال، قد يشتري به منكراً، قد يفعل فيه شيئاً لا يرضي الله عزَّ وجل، إنك إن أعنت المؤمن ضمنت أن هذا المال صرف في الوجه الصحيح.
 لذلك: من نفث عن مؤمنٍ كربة من كرب الدنيا.. إن بإعطائه، إن بتأمين بعض الحاجات له، تأمين الدواء، تأمين الطبيب، تأمين الواسطة عند إنسان له عنده قضية، تأمين قرض، تأمين مبلغ من المال لقضاء حاجاته. " من نفث عن مؤمنٍ كربة من كرب الدنيا نفث الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة..."
 سيدنا الصديق ـ كما تعلون ـ كان له عمل وهو في قمة المجتمع الإسلامي، كان له عمل كان يحلب الشاة لجيرانه، له جيران فقراء ليس عندهم من يحلب شياههم، فلما تولى الخلافة دخل على أهل هذا البيت الحزن، لأن هذه الخدمات سوف تنقطع، في اليوم الذي تلى تسلمه منصب الخلافة، طُرق باب هؤلاء الفقراء الأم قالت لابنتها: افتحي الباب يا بنيتي، عادت البنت وقالت: يا أماه جاء حالب الشاة. جاء الذي يحلب لنا الشاة، سيدنا الصديق، على عظم شأنه، وعلى علو مكانته ما كان يترفع عن عمل صالح.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يخصف نعله، ويرفُ ثوبه، ويكنس داره، ويحلب شاته ويعجن عجينه، وكان في مهنة أهله.
الإنسان كما قلت لكم له عند الله حجمٌ، وهذا الحجم يكبر بالعمل الصالح، ويصغر بالكسل.
 من نفث عن مؤمنٍ كربة من كرب الدنيا نفث الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة.. إنسان في عنده بنات ؛ صالحات، مؤمنات، طيِّبات لكنه غير معروف مثلاً، وأنت تعرف شاب مؤمن، فإذا شفعت بينهما، نفثت عنه كربة، البنت إذا كانت في البيت غير مزوجة الأهل يتمنوا زواجها، تأمينها مع شاب مؤمن، فإذا أنت سعيت بزواج هذا عمل طيب، كأنك نفثت عن أهل هذا البيت كربةً من كرب الدنيا، كل إنسان عنده أغلى شيء في البيت البنت، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( فاطمة بضعةٌ مني من أحبها فقد أحبني ومن أبغضها فقد أبغضني ))

( من الجامع الصغير: عن " المسور " )

 كل أب يعرف أن البنت غالية كثير، فإذا جاءها شاب مؤمن، ذو خلق حسن وأنت كنت شفيع، نفثت عن هؤلاء كربةً من كرب الدنيا، فإذا البنت تجاوز سنها الحد غير المعقول تصبح هي في حيرة، وأهلها في حيرة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( من مشى بتزويج رجلٍ بامرأةٍ كان له بكل كلمةٍ قالها، وبكل خطوةٍ خطاها عبادة سنةٍ قام ليلها وصام نهارها ))

 لا يكون الإنسان شيطاني، الشيطان له مبادئ في الحياة، يقول لك: أمشي بجنازة ولا تمشي في جوازة. هذا مبدأ شيطاني، أما الرحماني.. من نفَّث عن مؤمنٍ كربة من كرب الدنيا نفث الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة..."
 لذلك إذا أحببت الله عزَّ وجل تندفع إلى خدمة خلقه، لأن الله يحبك إذا خدمت خلقه، " الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله " هذا سر إقبال المؤمن على العمل الصالح سر إقبال المؤمن على العمل الصالح هو هذا، وسر عزوف الناس هن العمل الصالح ضعف حبهم لله عزَّ وجل، وضعف حبهم لله من أين يأتي ؟ من ضعف إيمانهم به، من ضعف معرفتهم به، كلما ازدادت معرفتك ازداد حبك.
 مثلاً: أنت بحاجة إلى بيت، وزوجة، ومتجر، ومركبة فرضاً، فإذا إنسان أعطاك مبلغ من المال لا يكفي ثمن بيت، تحبه على قدر المبلغ، أما أعطاك مبلغ يكفي ثمن بيت، والله تزداد محبتكم له بقدر حجم المبلغ، أعطاك بيت ومركبة، بيت ومتجر وزوجك ابنته، فكلما كان العطاء أكبر المحبة اكبر، فإذا كان الله عزَّ وجل قد منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الإرشاد، وأصبحت شيئاً مذكوراً، وخلقك ليسعدك، إذاً الحب من لوازم المعرفة.

(( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ))

 كلما نمت معرفتك بالله عزَّ وجل نما حبك له، حب الله هو الأصل، الآن، من فروع حب الله عزَّ وجل أن تحب النبي عليه الصلاة والسلام، من فروع حب الله عزَّ وجل أن تحب المؤمنين، أن تحب الخلق كلهم، لأن الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
 الآن: من يسر على معسرٍ.. لك مع إنسان مبلغ من المال، وموقع به سند، وحلَّ الأجل وشعرت أنه صادق، وفي نيته أن يدفع المبلغ لكنه معسر، أنت إذا يسَّرت على هذا المعسر، يسر الله عليك في الدنيا والآخرة، هذه في الدنيا والآخرة، لأن الجزاء من جنس العمل، تقع في أزمة، في مأزق، في موقف حرج، قد تشتري بضاعة لا تملك ثمنها، أعطاك صاحبها وضعاً حرجاً، إما أن تدفع الآن وإما لا أوافق على هذه الصفقة، والصفقة ممتازة لك، فإذا كنت في الماضي قد يسَّرت على معسرٍ، الله عزَّ وجل يلقي في قلب هذا البائع أن ييسر عليك الدفع، يسر الله عليك، إذاً المعسر هذا الذي لا يجد ما يفي دينه هذه حاله.
 أحياناً بالعكس اتفقت مع صانع يصنع لك حاجة فتأخر، في عقد، في شروط، وفي غرامات تأخير، لكنك تعلم علم اليقين أن المواد غير متوافرة، في أزمة، فأنت إما أن تتقيد بهذا العقد وتحمله ما لا يطيق، وإما أن تتساهل معه، فهذا معسر، أحياناً يكون في نجَّار وما في خشب، حداد وما في حديد مثلاً، قضية نشأت مشكلة، آلته انتزعت ولا يوجد قطع تبديل فإذا يسرت على معسر كنت أميل لليسر، طبعاً ألا يكون في احتيال، إذا في احتيال، وفي كذب، وفي مراوغة، سيدنا عمر قال: " لست بالخب ولا الخب يخدعني ". أروع كلمة قالها هذا الصحابي الجليل: لست بالخب، يعني لست محتالاً، ولكنني من الذكاء والعقل بحيث لا يستطيع أحدٌ أن يحتال علي، أنا من الطيب بحيث لا أحتال على أحد، ومن الإدارك السليم بحيث لا يحتال أحدٌ علي.
 ومن يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة.. فالإنسان، " رحم الله عبداً سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا قضى، سهلاً إذا اقتضى ". المؤمن ليِّن يألف ويؤلف، لين العريكة، من استرضي ولم يرض ليس من بني البشر، استرضي ولم يرض.
 ورته حتى يفضحه في عقر بيته، أو في عقر داره. إذا الإنسان أسرَّ لك شيء وأنت كنت طبيب، كنت محام، كنت محكم تجاري، كنت محكم بين زوجين، وحكت له فصوله وحكى لك فصولها، وقصص كلها غريبة جداً، وممتعة لو حكتها للناس، هكذا تعمل، هكذا يعمل، هكذا يعمل هو، قاعد في سهرة ووجدت نفسك طليق اللسان، هكذا المؤمن ؟ إذا تشكى لك همه، حكى لك مشكلته، فضح لك نفسه تفضحه أنت بين الناس ؟
 ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة.. الله عزَّ وجل ستير، ولا يعرف هذا الاسم إلا من تذوقه، تخلقوا بأخلاق الله، أحياناً زوج يشكو لك زوجته، ساعة ضيق حكى لك ما فعلت معه، فأنت حكيت لزوجتك هكذا تعمل معه، زوجتك قاعدة في استقبال وحكت هذه هكذا تعمل مع زوجها، مسكين الزوج بعد جمعة وجد نفسه مفضوح بالبلد كلها، لأنه حكى لك وفشَّ لك قلبه، هكذا المؤمن ؟ النبي علَّمنا اللهم صل عليه إذا إنسان حدثك حديث والتفت خشية أن يسمعه أحد، هذا الحديث بالأمانة، ما قال لك: خليه بيننا سر، هو ما حكى ولكن التفاته خوف أن يسمعه أحد، معنى ذلك أن هذا الحديث بالأمانة.
والإنسان يحب يحكي، نفسه تتوق للحديث، الغيبة محببة للإنسان، هكذا عمل ؟ إيه والله هكذا، وماذا فعل أيضاً ؟ الإنسان نفسه تتمنى الحديث أما السكوت يحتاج لمقاومة، مثلما قلنا التكليف، الطبع تحكي، والتكليف تصمت، الطبع تفضح، والتكليف تستر، الطبع تنظر للنساء، والتكليف تغض بصرك، الطبع تأخذ المال، والتكليف أن تعطيه، الطبع أن تنفد غيظك، والتكليف أن تكظم غيظك، اسمه تكليف، أي في عبء على الإنسان، الطبع أن تحب العاجلة، والتكليف أن تحب الآجلة، كل شيء ينسجم مع طبيعة الإنسان هذا لا أجر له به، أما الشيء الذي يعاكس طبعه هو التكليف، هو الذي يرقى به، فالإنسان لا يظن الدين قضية سهلة، الدين يحتاج لجهد..

﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5)﴾

( سورة المزمل )

 ثقيل فيه جهد، الطبع أن تنام، والتكليف أن تستيقظ، الطبع أن تسهر، والتكليف أن تنام باكراً، والطبع أن تنام متأخراً، والتكليف أن تستيقظ مبكراً، الطبع أن تأكل ما تشتهي، والتكليف أن تأكل باعتدال.
 إذاً: ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد .. حكى لي شخص قصة أنا حاكيها كثير في الجامع، ولكن لعل الإخوان الجدد يسمعونها، والقصة قديمة جداً، رجل من علماء دمشق خطيب مسجد له قيمته، نام فرأى النبي عليه الصلاة والسلام، قال له النبي عليه الصلاة والسلام في الرؤيا: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة.
 وهو العالم، وهو الداعية، وهو الخطيب، وهو الإمام له جار سمَّان، رؤيا غير مضبوطة: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، فهذا طرق باب هذا الجار وطلب منه يلتقي معه، فقال له: لك عندي بشارة ولكنني والله لا أقولها لك إلا إذا حدثتني بما فعلت، فامتنع، فلما استحلفه وبالغ في استحلافه قال له: تزوجت امرأةً، يعني في الشهر الخامس على وشك الوضع، معنى هذا في مشكلة لها، قال له: بإمكاني أن أطلقها، وبإمكاني أن أفضحها، وبإمكاني أن أطردها، وبإمكاني أن أفعل بها ما أشاء، في معه دليل قطعي، ولكنه جاء بقابلة وولدها، وأخذ بهذا المولود ودخل المسجد مع أذان الفجر، بعد أن نوى الإمام صلاة الفجر، ووضعه وراء الباب، فلما انتهت الصلاة بكى الطفل الصغير، فتحلَّق المصلون حوله وهو كأنه واحدٌ منهم قال: ما القصة ؟ قالوا: انظر هناك طفل، قال: أعطوني إياه أن أكفله ورده إلى أمه وسترها، يبدو أنه زلة قدم سترها، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة ؟.
 يعني إذا إنسان تقدر تستره، واستقام وتاب على يدك، لا تفضحه، إذا تقدر تستر إنسان مخلوق وتاب على يدك توبة نصوحة، أنت لو فضحته حطمته، أهدرت كرامته، ولو رأى نفسه مهدور الكرامة فجر، صار إنسان سيئ، أما ترجاك أن تستره، ووعدك أن هذه آخر مرة، وأنت جربه، وراقبه مراقبة شديدة، فإذا كان صادقاً أنت أنقذته من الفضيحة..
 ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.. هذا الكلام يعني ما في واحد من الإخوة الحاضرين إلا وعليه مليون دليل، الإنسان الذي يخدم الناس الله عزَّ وجل يهيِّء له أشخاص يعاونوه، بقدر ما تعطي تأخذ، وتأخذ أضعاف مضاعفة..
 والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.. مجتمع المؤمنين مجتمع سعيد، لست وحدك في الحياة، ولكن معك إخوة مؤمنين يعاونونك في كل شيء، الأخوة في الله الصادقة أثمن ما في الدنيا أخٌ في الله، يحبك لله لا لمصلحة، قد تنشأ علاقات أساسها المصلحة، هذه العلاقات تنتهي بزوال هذه المصلحة، ولكن الأخ في الله هو الذي يبقى لك إلى نهاية الحياة.
 الآن، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى ـ العلم، النبي الكريم ما قال العلم بل قال ـ إلى الجنة ". ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن طريق الجنة العلم، يعني واحد توجه لمسجد ليستمع إلى تفسير كتاب الله، أو ليقف على حديث رسول الله، أو ليعرف المنهج الإسلامي، أو ليعرف أحكام الله عزَّ وجل، أو ليعرف الله، فأنت حينما توجهت إلى هذا المسجد سلكت طريقاً تلتمس فيه علماً، من يصدِّق أن هذا الطريق هو طريق الجنة ؟ طريق السعادة الأبدية ؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ".
 فالإنسان لو وجد المواصلات صعبة، والطريق ساعة ونصف من بيته، وقف نصف ساعة على الموقف ما في باصات، لا يغتاظ، هو أين ذاهب ؟ هو في طريق الجنة، هو في الطريق إلى الجنة، أحياناً يكون في برد شديد، والغرفة دافئة، وهو قاعد مع أهله وزوجته، ومبسوطين ويضحكوا، أخي خليك اقعد بلا هذه الروحة، أما كنت تشبع علم ؟ مثلاً، هكذا تقول زوجته حاجتك ؟.
 " من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً.. في ازدحام في الأسواق، وفي موسم، ووقت الدرس صار، المؤمن الله غالي عليه، أغلق محله التجاري وذهب إلى مجلس العلم، الحديث النبوي الشريف :

(( ما ترك عبدٌ أمراً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))

( من شرح الجامع الصغير: عن " عبد الله بن عمر " )

 في بائع مرطبات، رجل ديِّن أعرفه، حينما يؤذن الظهر يغلق المحل ويذهب، سبحان الله !! ينتظرونه نصف ساعة حتى يعود، ولا ذبون يذهب في هذه الفترة، ولكن ينتظرونه لأجل كأس ليمون، ما هو السر ؟ حينما يؤذن الظهر يغلق المحل ويذهب للمسجد فالله عزَّ وجل يكافئ.. " ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه".
 ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً.. في أيام الحر، في أيام البرد، في صعوبة المواصلات أحياناً، أحياناً في زبون شتوي، ما في شيء والشتاء ليله طويل يقول لك: والله نتسلى في الجامع، أما في الصيف سارح، فلا نراه صيفاً، أما المؤمن.. ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة.. يعني هذا طريق الجنة أن تجلس في مجلس علمٍ تتعلم أحكام القرآن، السنة المطهرة، السيرة النبوية، سيرة أصحاب رسول الله، الأحكام الفقهية، تتعلم التجويد، تتعلم كيف تعامل الناس.
 وهذه بشارةٌ لنا جميعاً: وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى.. هذه ما اجتمع قومٌ إلا هذه عبارة شرطية.. وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله.. تلاوة فقط شيء رائع جداً.
 تلاوة وتفسير.. وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه.. تلاوة ودراسة، القرآن الكريم إن تلوته لك أجر، فهمته لك أجر، حفظته لك أجر، يعني لا يحزن قارئ القرآن.
 إلا نزلت عليهم السكينة.. هذه السكينة لا يعرفها إلا من ذاقها، إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، يعني إذا الله عزَّ وجل تجلى على قلبك تشعر أنك من أسعد الناس..
 والله مرة واحد كان في الحج فقال لي: والله يا أستاذ شعرت أنه ليس في الأرض من هو أسعد مني، إلا أن يكون أتقى مني. بارك الله بك على هذا التعقيب الضروري، إذا قلت: ليس في الأرض من هو أسعد مني هذا الكلام غلط لأنه في أسعد منك وهو النبي عليه الصلاة والسلام، أما إلا أن يكون أتقى مني كلام صحيح، ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، هذه السكينة.
 وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه.. الحياة لها ضغوط كثيرة جداً، ولها هموم، والحياة وحدها من دون معرفة بالله عزَّ وجل تغر وتضر، وتمر، يأتي ملك الموت فينهي كل شيء، يأخذ منك كل شيء، كل ما حصَّلته في الدنيا يأخذه ملك الموت في ثانية واحدة، صفر اليدين، قال لي واحد: الكفن ليس له جيب تضع فيه جيبك شيكات ما فيك، تضع فيه بعض أنواع العملات الضرورية، الكفن ما له جيوب، هذا القماش..

﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 94 " )

 إذاً: وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة.. هذا يعبر عنه بعض الإخوان: أنه والله نسر في الجامع، هذه سكينة الله عزَّ وجل وهذا ليس شيء غريب ولكنه شيء طبيعي، لأن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها، فطوبى فلعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني، أنت في ضيافة الله عزَّ وجل، أنت في زيارة الله عزَّ وجل، وحُق على المزور أن يكرم الزائر، إذا واحد طرق بابك تستقبله، أقل شيء تقدم له فنجان من القهوة، إذا كان جاءك من بلد بعيدة تستقبله في المطار هكذا الأصول، كلما بعد المكان ازداد الترحيب، فكلما بعد بيتك عن المسجد ازدادت ضيافتك في المسجد، الثواب على قدر المشقة لذلك: " إلا نزلت عليهم السكينة... ".. " إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور أن يكرم الزائر ".
 وغشيتهم الرحمة.. هذا تجلي الله عزَّ وجل.. وحفتهم الملائكة ـ هذا حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه ـ وذكرهم الله فيمن عنده.. إذاً إذا أتيت بيت الله عزَّ وجل لتزداد علماً، نزلت عليك السكينة، وغشيتك الرحمة، وحفتك الملائكة، وذكرك الله فيمن عنده، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
" ابتغوا العزة عند الله عزَّ وجل ".
 ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه.. القضية بالعمل لا بالأمل، فأقرب الناس للنبي عليه الصلاة والسلام أو أبو لهب..

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)﴾

( سورة المسد )

(( يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أإني عنكما من الله شيئا، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

 القضية بالعمل.

(( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ))


( من رياض الصالحين: عن " السيدة عائشة " )

هكذا.

(( لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً ))


 ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه.. هذا الحديث أتمنى عليكم أن تكتبوه، سأقرأه عليكم قراءةً إملائية لأنه مفيد جداً وواسع، ممكن تحدث الناس فيه، جالس مع صديقك، بمكان عملك، في معك وقت فارغ تنتظر إنسان، مع أهلك في البيت، ذهبت لنزهة، معك دفتر صغير فيه أحاديث اقرأهم، والله شيءٌ جميل.
روى مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( من نفَّث عن مؤمنٍ كُربةً من كرب الدنيا نفث الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى قط يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه "))

* * * * *
 والآن، إلى شيءٍ من سيرة أصحاب النبي عليهم رضوان الله، نحن في درسٍ قبل الماضي بدأنا بقصة سيدنا خالد، ووعدناكم متابعتها، وفي الدرس الذي يلي أخذنا قصة صحابيٍ آخر، ذكرني أحد الإخوة بهذا، فأردت أن أتابع الموضوع.
سيدنا خالد رضي الله عنه بعد أن أسلم، وكان من المتفوقين، والنبي عليه الصلاة والسلام قال له:

(( عجبت لك يا خالد أرى لك فكراً ))

 بعد ذلك توفي النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد وفاته ارتد أُناسٌ كثيرون عن إسلامهم، وحاربوا المسلمين، وظهر ما يسمى بفتنة الرِّدة، وكانت أنباء المرتدين وتجمعاتهم تزداد كل ساعةٍ خطورةً، وخرج أبو بكرٍ رضي الله عنه على رأس هذا الجيش الثاني، ولكن كبار الصحابة كاد يفرغ صبرهم، ويجمعون على بقاء الخليفة بالمدينة، مَن الذي اعترض على ذهابه لحرب المرتدين ؟ سيدنا عليٌ كرم الله وجهه.
 فإذا قرأتم في نهج البلاغة أن سيدنا علي يقول: " أما بعد فقد تقنصها ابن أبي قحافة مني تقنصاً " لا يعقل أن يقف هذا الموقف هذا الصحابي الجليل من سيدنا الصديق ويقول هذا الكلام. هناك بعض الزيادات يجب أن نحتاط لها، مَن الذي وقف في وجه هذا الخليفة العظيم من أجل أن يبقى في المدينة حفاظاً على حياته ؟ سيدنا علي كرم الله وجهه قال له: " إلى أين يا خليفة رسول الله ؟ ـ إلى أين ـ إني أقول لك ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام يوم أحد: " لم سيفك يا أبا بكر ولا تفجعنا بنفسك ". هذا موقف سيدنا علي من سيدنا الصديق رضي الله عنه حينما أزمع أن يكون على رأس جيشٍ لحرب المرتدين.
 سيدنا الصديق حينما أصروا عليه، رضي أن يبقى بالمدينة وقسَّم الجيش إلى إحدى عشرة مجموعة، وجعل لكل مجموعةٍ قائدها، وعلى مجموعةٍ ضخمةٍ من تلك المجموعات كان سيدنا خالد بن الوليد أميراً عليها، ولما عقد الخليفة الصديق لكل أميرٍ لواءه، اتجه صوب خالدٍ وقال له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(( نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله سلَّه الله على الكفار والمنافقين ))

يعني أشعرهم جميعاً أنه أعلاهم، وأنه أميرٌ عليهم.
 حربٌ ضروس، وحربٌ طاحنة، وحربٌ كما يسميها الناس: مجنونة، بين المرتدين وبين أصحاب النبي، على رأس المرتدين مسيلمة الكذاب، يبدو أنهم في أول جولةٍ المسلمون ما استطاعوا أن يفعلوا شيئاً، سيدنا خالد بحنكته القيادية ماذا فعل ؟ رأى أن هناك وهناً، وهناك ضعفاً في أصحاب النبي عليهم رضوان الله، ماذا فعل ؟ مضى ينادي إليه فيالق جيشه وأجنحته، وأعاد تنسيق مواقعه على أرض المعركة، ثم صاح بصوته المنتصر امتازوا لنرى اليوم بلاء كل حي.
يعني أراد أن يجعل كل فرقةٍ وكل جماعةٍ على حدا، كي ليظهر من الذي يتراجع، من الذي ضعفت عزيمته، بهذه الطريقة أعاد لهم حماسهم، وأعاد لهم معنوياتهم، هذه طريقة.
 يبدو أن الصحابة الكرام في الجولة الثانية يعني قويت معنوياتهم واستبسلوا، وضحوا بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، ومالت كفتهم، وانتهت المعركة بفوزهم على مسيلمة الكذاب، وقد قتل في هذه المعركة، وانتهت هذه المعركة التي تعد من أقوى المعارك التي خاضها سيدنا خالد.
 سيدنا الصديق بعد أن انتهت معركة الردة مع المرتدين، أراد أن يفتح بلاد العراق وفارس، فعيَّن سيدنا خالد قائداً على جيشٍ كبير لفتح العراق وبلاد الفرس، سيدنا خالد استهل عمله بالعراق بكتبٍ أرسلها إلى جميع ولاة كسرى ونوَّابه على أولية العراق ومدائنه، قال في بعض كتبه: " بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى فلان من ولاة كسرى، سلالمٌ على من اتبع الهدى، أما بعد فالحمد لله الذي فض خدمكم، وسلب ملككم، ووهن كيدكم، من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلكم المسلم له ما لنا وعليه ما علينا، إذا جاءكم كتابي فابعثوا إلي بالرُّهن واعتقدوا مني الذمة، وإلا فو الذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوماً يحبون الموت كما تحبون الحياة ". كلامٌ واضحٌ كالشمس.
قبل أن يزحف عليهم أمر قواده وقال: " لا تتعرضوا للفلاحين بسوء دعوهم في شغلهم آمنين، إلا أن يخرج بعضهم لقتالكم، فآنئذٍ قاتلوا المقاتلين، ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾

( سورة البقرة: من آية " 190 " )

 في بلاد الروم أيضاً.. توجه هذا القائد العظيم إلى بلاد الروم، وأراد زعيم الروم ـ هرقل ـ أن يصالح المسلمين، ولكن قوَّاده أبوا وقالوا: والله لنشغلن أبا بكر على أن يورد خيله أردنا. بلغت هذه المقالة سيدنا الصديق فقال: " والله لأشفين وساوسهم بخالد ". يعني هذه الخواطر في أن يفوزوا على المسلمين وساوس سماها سيدنا الصديق، لأشفينها بخالد.
 سيدنا خالد وقف في جيشه خطيباً وقال: " إن هذا يومٌ من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي ـ الفخر شرك، والبغي عدوان ـ أخلصوا جهادكم، وأريدوا الله بعملكم، وتعالوا نتعاور الإمارة ـ أي نتبادلها ـ فيكون أحدنا اليوم أميراً، والآخر غداً، والآخر بعد غدٍ، حتى يتأمر كلكم ". يعني أراد أن ينكر ذاته، أراد أن يسمح لكل قائد فيلق أن يأمر على الجيش كله في يوم، يعني أنكر ذاته من أجل هذا العمل العظيم.
 أيضاً خاض معركةً طاحنةً وانـتصر فيـها، لكن في هذه المعركة جرت لقطة لطيفة، ( ماهان ) قائد الروم، طلب أن يلتقي بسيدنا خالد، فالتقى به ـ طبعاً عن بعد ـ قال: " قد علمنا أنه لم يخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع، فإن شئتم أعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير وكسوة وطعام وترجعون إلى بلادكم، وفي العام القادم أبعث لكم بمثلها " يعني مشي الحال هكذا ؟
 وضغط خالدٌ على أسنانه، وأدرك ما في كلمات قائد الروم من سوء الأدب، وأجابه الجواب التالي، قال: " يا هذا، إنه لم يخرجنا من بلادنا الجوع كما ذكرت، ولكننا قومٌ نشرب الدماء، ولقد علمنا أنه لا دم أشهى ولا أطيب من دم الروم ـ نحن عطشانين ولسنا جائعين ـ فجئنا لذلك ". الكلام في المعركة يصح ذلك. لأنه أحد الصحابة مشى مختالاً فقال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموقف))

( من كشف الخفاء )

لأن التكبر على المتكبر صدقة.
 ولوى سيدنا خالد زمام فرسه عائداً إلى صفوف جيشه، ورفع لواءه عالياً وقال: " الله أكبر هبِ رياح الجنة ".
 أحد المسلمين الشجعان اقترب من أبي عبيدة الجراح رضي الله عنه والقتال دائر يقول:
 ـ إني قد عزمت على الشهادة، فهل لك من حاجةٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغها له حين ألقاه ؟. أنا ماشي، إني قد عزمت على الشهادة فهل لك من حاجةٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغها له حين ألقاه؟
ـ فيجيب أبو عبيدة: نعم، قل له يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، الذي وعدنا الله به وجدناه حقاً.
رسيدنا عكرمة بن أبي جهل، هذا الذي أهدر النبي دمه قبل أن يسلم، وهذا الذي جاءت امرأته إلى النبي وتوسلت له أن يعفو عنه، وعفا عنه، وأعطاها عمامته إشارةً إلى ذلك، هذا الذي قدم إلى النبي مسلماً قال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه:

(( جاءكم عكرمة مسلماً فإياكم أن تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت))

( من الموطأ )

 هذا البطل الذي عفا النبي عنه أبلى في الحروب بلاءً حسناً، ماذا فعل عكرمة بن أبي جهل ؟ قال: لطالما قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهديني الله إلى الإسلام، أأفر من أعداء الله اليوم ؟ يعني معقول، ثم يصيح في كوكبةٍ من الفرسان: مَن يبايع على الموت ؟ فبايعه على الموت كوكبة من المسلمين، ثم ينطلقون معاً إلى قلب المعركة لا يبحثون عن النصر بل عن الشهادة، ويتقبل الله بيعهم وبيعتهم فيستشهدون جميعاً.
 وهؤلاء آخرون أصيبوا بجراحٍ أليمة، وجيء لهم بماءٍ ليشربوا، فلما قدم الماء إلى أولهم أشار إلى الساقي: أن أعطي أخي، الآن إذا ركب سيارة يطلعوا الكل ويتركوا اثنين أو ثلاثة تحت، ينسوا، في الوليمة يأكلوا وينسوا واحد بلا أكل، إذا بالنزهات كل إنسان يحب نفسه، أما هؤلاء وهم على وشك الموت، والجريح بحاجة للماء بشكل كبير، ويشير للساقي أن أعطي أخي بجانبي !!
والحمد لله رب العالمين