35642
خطبة الجمعة - الخطبة 0859 : خ1 - أسباب الخشوع في الصلاة1 ، خ2 - الانفاق في رمضان .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2002-11-22
بسم الله الرحمن الرحيم

 الخـطـبـة الأولــى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

كل شيء يقربك إلى الله هو الحق وكل شيء يبعدك عنه هو الباطل:

 أيها الأخوة الكرام: لو أردنا أن نضغط الدين كله في كلمتين لقلت: حسن علاقة مع الحق وحسن علاقة مع الخلق.

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً (31) ﴾

(سورة مريم)

 فلو جعلت محور هذه الخطبة عن حسن العلاقة مع الحق إنها الصلاة، الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال، الصلاة من أجل أن تنعقد لك صلة مع الله، والصيام من أجل أن تنعقد لك صلة مع الله، والزكاة من أجل أن تنعقد لك صلة مع الله، والحج من أجل أن تنعقد لك صلة مع الله، والعبادات التعاملية كلها من أجل أن تنعقد لك صلة مع الله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، فكل شيء يقربك إلى الله هو الحق، وكل شيء يبعدك عنه هو الباطل.

الصلاة من أعظم أركان الدين العملية والخشوع فيها من المطالب الشرعية:

 أيها الأخوة الكرام: الصلاة من أعظم أركان الدين العملية، لكن الخشوع فيها من المطالب الشرعية، والشيطان ـ لعنه الله ـ ذكر الله عنه:

﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ﴾

(سورة الأعراف)

 وكأن الشيطان همه الأول إفساد صلاة المؤمن عن طريق الوسوسة، وعن طريق إلغاء الخشوع فيها، وقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن أول ما يفقد من هذا الدين الخشوع، وأن آخر ما يفقد من هذا الدين الصلاة، ورب مصلِّ لا خير فيه، ويوشك أن تدخل مسجداً فلا ترى فيه خاشعاً، وقد ورد في بعض الأحاديث القدسية:

(( أن ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكفّ شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم عليّ فأبره ))

[الديلمي عن حارثة بن وهب]

الخشوع محله القلب ونتائجه على الجوارح فإذا فسد خشوع المرء فسدت عبودية الأعضاء:

 أيها الأخوة الكرام: أكثر سؤال يرد إلى الدعاة إلى الله بعد سؤال الطلاق الذي هو الطامة الكبرى، ويرتكب الإنسان أحموقته، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، أول سؤال يأتي بعد سؤال الطلاق هو الخشوع في الصلاة، لمَ لا يخشع قلبنا في الصلاة ؟ لمَ لا نحب الصلاة ؟ لمَ نقوم إلى الصلاة متكاسلين ؟ لمَ نراها عبئاً علينا ؟ لمَ نقول بلسان الحال أرحنا منها يا بلال لا أرحنا بها ؟
 الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) ﴾

(سورة المؤمنون )

 فالخشوع في الصلاة من لوازمها، ويرى بعض العلماء أن قوله تعالى:

﴿ وقوموا لله قانتين﴾

(سورة البقرة)

 فمن القنوت الركوع، والخشوع، وغض البصر، وخفض الجناح من رهبة الله عز وجل.
 لكن أيها الأخوة: الخشوع محله القلب، ونتائجه على الجوارح، فإذا فسد خشوع المرء بالغفلة، والوساوس، فسدت عبودية الأعضاء، والجوارح، فإن القلب كالملك، والأعضاء كالجنود، به يأتمرون، وعن أمره يصدرون، فإذا عزل الملك وتعطل بفقد القلب لعبوديته ضاعت الرهبة وهي الجوارح، و لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه هكذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
 لكن حذيفة رضي الله عنه يقول: " إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق ؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع ".
 وقال بعض العلماء: " يكره أن يرى الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه ".
 ورأى بعضهم رجلاً خاشع المنكبين والبدن فقيل له: يا فلان الخشوع هاهنا، وأشير إلى الصدر لا هاهنا وأشير إلى المنكبين.

خشوع الإيمان وخشوع النفاق:

 الحقيقة أن هناك فرقاً دقيقاً بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق، خشوع الإيمان هو الخشوع لله للتعظيم، والإجلال، والوقار، والمهابة، والحياء، فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة مع الوجل، والخجل، والحب، والحياء، وشهود النعم، فيخشع القلب لا محالة، فتتبعه الجوارح فتخشع، أما خشوع النفاق فيبدو على الجوارح تصنعاً وتكلفاً، والقلب غير خاشع، وكان بعض الصحابة يقول: " أعوذ بالله من خشوع النفاق، قيل له: وما خشوع النفاق ؟ قال: أن يرى الجسد خاشعاً والقلب غير خاشع، فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته، وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرف فيه نور عظمة الله عز وجل ".
 أما التماوت ـ المظهر المتماوت، والتمسكن، وانحناء الظهر، وإغماض العينين، والعصر لعضلات الوجه ـ وخشوع النفاق فهو حال عند تكلف إسكان الجوارح تصنعاً، ومراءاة في الظاهر، وبعد عن الخشية في الباطن.
 أيها الأخوة الكرام: الخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، عندئذ تكون الصلاة راحة وقرة عين، فقد قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ ))

[سنن النسائي عن أنس]

 وقد ذكر الله الخاشعين والخاشعات في صفات عباده الأخيار، أخبر أنه أعد لهم مغفرة وأجراً عظيماً.

فوائد الخشوع في الصلاة أنه يخفف أمر الصلاة و يجعلها محببة:

 أيها الأخوة: أولى فوائد الخشوع في الصلاة أنه يخفف أمر الصلاة، ويجعلها محببة، لطيفة، مقبولة، مشتاقاً إليها، والدليل قول الله عز وجل:

﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) ﴾

(سورة البقرة)

 مشقة الصلاة ثقيلة إلا على الخاشعين كما قال ابن كثير، والخشوع في الصلاة أمر عظيم شأنه، سريع فقده، نادر وجوده، خصوصاً في آخر الزمان.
 فقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعاً ))

[ كنز العمال عن أبي الدرداء]

 وقال بعض العلماء: " الصلاة كجارية تهدى إلى ملك الملوك، فما الظن بمن يهدى إليه جارية شلاء، أو عوراء، أو عمياء، أو مقطوعة اليد، أو دميمة، أو قبيحة، أو يهدي له جارية ميتة، فإن الله سبحانه وتعالى طيب، ولا يقبل إلا طيباً، وليس من العمل الطيب صلاة لا روح فيها، كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه ".

وجوب الخشوع في الصلاة:

 أيها الأخوة الكرام: الراجح في حكم الخشوع أنه واجب، فقال بعض العلماء في قوله تعالى:

﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) ﴾

(سورة البقرة)

 هذا يقتضي ذم غير الخاشعين.

﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) ﴾

(سورة البقرة)

 المعنى المخالف: غير الخاشع مذموم حكماً بهذه الآية، والذم لا يكون إلا لترك واجب، أو فعل محرم، وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دلّ ذلك على وجوب الخشوع في الصلاة، ودلّ على وجوب الخشوع فيها أيضاً قوله تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) ﴾

 فهؤلاء الخاشعون في الصلاة هم الذين يرثون الفردوس، وهذا يقتضي أنه لا يرثها غيرهم.

من لم يخشع في ركوعه ولا في سجوده ولا في قيامه كان آثماً عاصياً:

 إذا كان الخشوع في الصلاة واجباً وهو المتضمن للسكون، فمن نقَب نقْب الغراب فلن يخشع في سجوده، ومن لم يرفع رأسه من الركوع ويستقر قائماً قبل أن ينخفض ثانية فلن يسكن، والسكون هو الطمأنينة، ومن لم يخشع في ركوعه، ولا في سجوده، ولا في قيامه، كان آثماً عاصياً.
 أيها الأخوة الكرام، قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ، وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ))

[سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت]

 و عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ:

(( كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ فَجَاءَتْ نَوْبَتِي فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ...))

[صحيح مسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ]

 وفي رواية عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ:

((أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))

[صحيح البخاري عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ]

أسباب الخشوع في الصلاة:

 أيها الأخوة: لكن محور الخطبة الأساسي أسباب الخشوع في الصلاة، وهي ثلاثة وثلاثون سبباً، لعلنا نجزئ هذا الموضوع في خطب ثلاث: أسباب الخشوع في الصلاة، وهذه الأسباب تندرج في قائمتين، قوة المقتضى وضعف الشاغل، هناك مقتضى للصلاة وهناك شاغل عن الصلاة، فكلما قوينا المقتضى وضعفنا الشاغل كنا أقرب إلى الخشوع، وكلما قوينا الأسباب الموجبة وضعفنا الأسباب السالبة ـ الصوارف ـ كنا أقرب إلى الخشوع.
 أولاً: اجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله وما يفعله، وأن يتدبر القراءة، والذكر، والدعاء، وأن يستحضر أنه يناجي الله تعالى، فإن كان المصلي قائماً فإنما يناجي ربه، وأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ ))

[سنن النسائي عن أنس ]

(( و قَالَ رَجُلٌ: ـ قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ ـ لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا))

[سنن أبي داود عن سالم بن أبي الجعد]

 ما يقتضي أن تكون الصلاة خاشعة يجب أن تقويه، وما يشغلك عنها ينبغي أن تبتعد عنه، فالاجتهاد فيما يشغل القلب من تفكر الإنسان فيما لا يعنيه، وتدبر الجوانب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة، وتبتعد عن كل شيء يجذبك غير الصلاة.
 وأن كثرة الوساوس بحسب كثرة الشبهات، والشهوات، وتعليق القلب بالمحبوبات، هذه تصرف القلب عن الخشوع في الصلاة.
 فهذه الأسباب الثلاثة والثلاثون التي تندرج في قائمتين قائمة تقوية الدوافع وقائمة إشغال الشواغل يمكن أن ترتب على الشكل التالي.

1 ـ الاستعداد للصلاة والتهيؤ لها:

 أيها الأخوة: أول بند من هذه البنود الثلاثة والثلاثين ؛ الاستعداد للصلاة والتهيؤ لها، يحصل هذا بالترديد مع المؤذن، والإتيان بالدعاء المشروع " اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت سيدنا محمد الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد ".
 أن تردد مع المؤذن كما علمنا النبي، وأن تدعو بعد الأذان بهذا الدعاء.
 ثم إحسان الوضوء، والتسمية قبله، والذكر والدعاء بعده، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، والاعتناء بالسواك، وهو تنظيف وتطيب الفم الذي سيكون طريقاً للقرآن بعد قليل لحديث النبي عليه الصلاة والسلام:

((طهروا أفواهكم للقرآن))

[ البزار عن علي]

 ثم أخذ الزينة من لباس حسن نظيف، قال تعالى:

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾

(سورة الأعراف: الآية 31)

 والله عز وجل أحق من تتزين له النفس البشرية، كما أن الثوب الحسن الطيب الرائحة يعطي صاحبه راحة نفسية، بخلاف ثوب النوم، وثوب المهنة، فأخذ الزينة بالنظافة، والتعطر، والتجمل، وارتداء الثياب الحسنة المعطرة، هذه كلها من أسباب تفعلها قبل الصلاة، لعلها تكون سبباً في الخشوع في الصلاة.
 الصلاة تحتاج إلى مقدمات، ثم الاستعداد بستر العورة، وطهارة البقعة، والتبكير، وانتظار الصلاة، وتسوية الصفوف، والتراص فيها، لأن الشياطين تتخلل الفرج بين الصفوف.
 هذا هو البند الأول في أسباب الخشوع، ما يفعله المصلي قبل أن يصلي.

2 ـ الطمأنينة في الصلاة:

 السبب الثاني: الطمأنينة في الصلاة، فكان عليه الصلاة والسلام يطمئن في الصلاة، أي يرجع كل عظم إلى موضعه قبل التحرك، كان قائماً فركع، الآن عاد قائماً واطمأن قائماً ثم سجد، وهذا هو الاطمئنان، ولن تتم صلاتكم حتى يفعل أحدكم ذلك فيما قاله النبي عليه الصلاة والسلام.

((إِنَّ أَسْوَأَ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَسْرِقُهَا قَالَ لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا))

[مسند الإمام أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 و:

((مثل الذي لا يتم ركوعه وينقر في سجوده مثل الجائع يأكل التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شيئاً))

[كنز العمال عن أبي عبد الله ألأشعري]

 والذي لا يطمئن في صلاته لا يمكن أن يخشع، لأن السرعة تذهب الخشوع، و الغراب يذهب الثواب.

3 ـ تذكر الموت في الصلاة:

 البند الثالث: من بنود الخشوع في الصلاة تذكر الموت في الصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( اذكرِ الموتَ في صلاتِك، فإنَّ الرجلَ إذا ذكر الموتَ في صلاتِهِ فَحَرِىٌّ أن يحسنَ صلاتَه، وصلِّ صلاةَ رجلٍ لا يظن أنه يصلى صلاةً غيرَها ))

[ الديلمي عن أنس]

 و:

((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي وَأَوْجِزْ ؟ قَالَ: إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ، وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ))

[سنن ابن ماجة عَنْ أَبِي أَيُّوبَ]

 المودع الذي يظن أنه لن يصلي غيرها لذلك قال بعضهم: " صلِّ قبل أن يصلى عليك ".

4 ـ تدبر الآيات المقروءة وبقية أذكار الصلاة والتفاعل معها:

 البند الرابع من بنود الخشوع في الصلاة ؛ تدبر الآيات المقروءة وبقية أذكار الصلاة والتفاعل معها، فقد قال الله عز وجل:

﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) ﴾

(سورة ص)

 ولا يحصل التدبر إلا بالعلم بما يقرأ، فيستطيع التفكر، فينتج الدمع والتأثر، لذلك أنت حينما تحضر درس تفسير مطولاً، عميقاً، دقيقاً، صحيحاً، ماذا تفعل ؟ تهيئ نفسك للصلاة، لأنك إذا فهمت معنى الآيات، وتلوتها تفاعلت معها، فهذا الذي يردد الآيات، ولا يفقه من معناها شيئاً كيف يخشع في الصلاة ؟ أحد أكبر أسباب الخشوع في الصلاة أن تفهم المعنى الذي تقرأه.
 وقال ابن جرير ـ رحمه الله ـ: " إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله ".وقد ذم الله بعض الذين يقرؤون ولا يفهمون قال:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً (73) ﴾

(سورة الفرقان)

 المعنى المخالف أن هناك من يخر على الآيات التي يقرأها أصم أعمى !

من لوازم الخشوع في الصلاة فهم الآيات التي تقرأها في الصلاة و ترديدها:

 والتدبر أيها الأخوة: من أسباب التدبر فهم المعنى، فينبغي أن تحرص على فهم آيات كتاب الله، وهل في حياتك كتاب أعظم من هذا الكتاب ؟ هو الكتاب المقرر الذي تمتحن به يوم القيامة، هو المنهج، هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هل في حياة الإنسان كتاب أهم من كتاب الله عز وجل ؟ كيف يقعد عن فهمه ؟ كيف يتساهل في أن يبقى جاهلاً لمضمون هذا الكتاب ؟ كأن من لوازم الخشوع في الصلاة فهم الآيات التي تقرأها في الصلاة.
 من أسباب التدبر: ترديد بعض الآيات لأن هذا الترديد يعين على التدبر، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم

((قام ليلة بآية يرددها حتى أصبح ))

[النسائي وابن خزيمة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي عن أبي ذر ]

﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) ﴾

(سورة المائدة)

ما يعين على التدبر:

1 ـ التفاعل مع الآيات و فهمها و تكرارها:

 مما يعين على التدبر التفاعل مع الآيات، وأن تفهم الآيات، وتكرر الآيات.
 عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:

((صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ...))

[صحيح مسلم عَنْ حُذَيْفَةَ]

 وفي رواية ثانية:

((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ اسْتَجَارَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَنْزِيهٌ لِلَّهِ سَبَّحَ))

[سنن ابن ماجة عَنْ حُذَيْفَةَ]

 التفاعل مع الآيات، وقام بعض الصحابة الكرام الليل كله لا يقرأ إلا

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4) ﴾

(سورة الإخلاص)

 وقال سعيد بن عبيد الطائي: سمعت سعيد بن جبير يؤم الناس في رمضان، وهو يردد هذه الآية:

﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ﴾

(سورة غافر)

 وقال القاسم: رأيت سعيد بن جرير قام ليلة يصلي فقرأ:

﴿ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) ﴾

(سورة البقرة)

 رددها بضعاً وعشرين مرة.
 وقال رجل من قيس يكنى أبا عبد الله: بتنا ذات ليلة عند الحسن، فقام الليل فصلى، فلم يزل يردد هذه الآية حتى السحر:

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ﴾

(سورة إبراهيم)

 فلما أصبح قلنا: يا أبا سعيد لم تكد تجاوز هذه الآية سائر الليل ؟ قال: أرى فيها معتبراً، ما أرفع طرفاً، وما أرده إلا وقع على نعمة، وما لا يعلم من نعم الله أكثر !
 وبعضهم صلى الليل فقرأ هذه الآية:

﴿ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) ﴾

(سورة الأنعام)

 رددها حتى الصباح.

2 ـ حفظ كتاب الله أو مقاطع مختارة منه أو حفظ بعض سوره:

 أيها الأخوة: مما يعين على التدبر أن تحفظ كتاب الله، أو أن تحفظ مقاطع مختارة منه، أو تحفظ بعض سوره، أما أن تقرأ آيات قصيرة تعيدها وترددها دون أن تفقه معناها بل إن الذي يحصل أن هذه الآيات التي تقرأها باستمرار لا معنى لها عندك، وهكذا تصبح العبادة طقساً لا عبادة، الله عز وجل يقول:

﴿ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (109) ﴾

(سورة الإسراء)

 حتى إن الإنسان إذا أراد أن يصلي الصلاة النافلة فقرأ من المصحف من أجل أن يجدد المعاني التي يفهمها في الصلاة هناك من سمح بذلك من الفقهاء.
 قصة مؤثرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عطاء قال:

(( دخلت أنا وعبيد بن عميرة على عائشة رضي الله عنها، فقال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فبكت وقالت: قام ليلة من الليالي فقال: يا عائشة ذريني أتعبد ربي ـ ما هذا الأدب يستأذنها أن يصلي قيام الليل ؟ ـ قالت: قلت والله إني لأحب قربك لكن وأحب ما يسرك، فقالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتى بلّ حجره، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلّ الأرض، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر ما فيها ))

[ مسلم عن عطاء]

 ما الآية ؟

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾

(سورة آل عمران)

3 ـ التأمين بعد الفاتحة:

 أيها الأخوة: من وسائل التدبر التأمين بعد الفاتحة وفيه أجر عظيم.

((إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

[صحيح البخاري عن أبي هريرة]

 هذا التأمين ماذا يكلف ؟ هل يكلفك أن تنفق مالك كله ؟ أن تقول آمين بخشوع بعد أن يقرأ الإمام الفاتحة:

((إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

 وهذا التجاوب أيضاً حينما تقول: سمع الله لمن حمده، الله يسمعك، فيقول المأموم: ربنا ولك الحمد وفيه أجر عظيم، فعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ:

(( كنَّّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَنِ الْمُتكَلِّمُ ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ))

[صحيح البخاري عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ]

 هذا هو التجاوب مع القراءة، ومع التسبيح، ومع الدعاء، ومع حركات الصلاة.

5 ـ من أسباب الخشوع أيضاً أن يقطّع القراءة آية آية:

 من أسباب الخشوع في الصلاة أن يقطّع القراءة آيَةً آيةً، وذلك أدعى للفهم والتدبر، وهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ذكرت أم سلمة رضي الله عنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( أَنَّهَا ذَكَرَتْ أَوْ كَلِمَةً غَيْرَهَا قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً))

[سنن أبي داود عن أم سلمة]

 تقطيع القراءة آيَةً آيةً، هذا أدعى للتدبر، والوقوف عند رؤوس الآيات سنة، وإن تعلقت في المعنى بما بعدها !

6 ـ ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها:

 ومن أسباب الخشوع في الصلاة ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها، لقوله تعالى:

﴿ ورتل القرآن ترتيلا﴾

(سورة المزمل)

 وكانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مفسرة للقرآن حرفاً حرفاً، ومن شر غاسق إذا وقب، الباء غير واضحة تفهم وقع، وقب، حينما تعطي كل حرف حقه، وتقلقل، وتدغم، وتقلب وفق أحكام التجويد تعطي كل حرف حقه.
 وكان عليه الصلاة والسلام يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها الترتيل يحتاج إلى فسحة في الوقت، فقد قال عليه الصلاة و السلام:

((حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا ))

[سنن الدارمي عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ]

 طبعاً التمطيط والقراءة على ألحان أهل الفسق هذا ليس من الخشوع في شيء.
 و:

((إِنَّ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ الَّذِي إِذَا سَمِعْتُمُوهُ يَقْرَأُ حَسِبْتُمُوهُ يَخْشَى اللَّهَ))

[سنن ابن ماجة عن جابر]

 حسبتموه خاشعاً بهذه القراءة.

7 ـ أن يعلم أن الله يجيبه في صلاته:

 ومن أسباب الخشوع في الصلاة أن يعلم أن الله يجيبه في صلاته، دققوا في هذا الحديث القدسي:

(( عنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي أَوْ قَالَ: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، وَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قَالَ: هَذِهِ لَكَ ))

[ روَاهُ مُسْلِمٌ فِي "الصَّحِيحِ" عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ سُفْيَانَ]

 وقال عليه الصلاة والسلام:

((إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه))

[مسلم عن أبي هريرة]

8 ـ الصلاةُ إلى سترة والدنو منها:

 ومن أسباب الخشوع في الصلاة الصلاةُ إلى سترة والدنو منها، والسترة مما ينبغي أن يفعله المصلي، الصلاة إلى السترة تقف أمام عمود، أو دعامة في المسجد، أو تضع حاجباً أمامك، فإن هذا أقصر لنظر المصلي، وأحفظ له من الشيطان، وأبعد له عن مرور الإنسان بين يديه، فإنه يشوش وينقص أجر المصلي !

(( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعَ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ))

[سنن النسائي عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ]

 والسنة في الدنو من السترة أن يكون بينه وبين السترة ثلاثة أذرع، وبينه وبين موضع سجوده ممر شاة، كما ورد في الحديث الصحيح.
 قال النووي: " والحكمة من السترة كف البصر عما وراءه، ومنع من يجتاز بقربه، وتمنّع الشيطان المرور والتعرض لإفساد صلاته ".
 أيها الأخوة الكرام: هذه ثمانية أسباب من ثلاثة وثلاثين سبباً نعالجها في خطب قادمة إن شاء الله، لأنه إن صحت صلاة العبد صحّ عمله، وأول ما يسأل العبد يوم القيامة عن صلاته، فإذا صحت أفلح ونجح، وإن لم تصح خاب وخسر.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

 الخطبة الثانية:

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الزكاة تطهر المال وتزكيه و تنميه:

 أيها الأخوة الكرام: كما تعلمون جميعاً أن النبي عليه الصلاة والسلام كان جواداً، وكان أجود ما يكون في رمضان، وحينما قال الله عز وجل:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) ﴾

(سورة التوبة)

 بيّن أن إنفاق المال فرضاً أو نفلاً، صدقة أو زكاة، إنما يطهر النفس من أدرانها، بل يطهر الفقير من الحقد، ويطهر الغني من الشح، ويطهر المال من تعلق حق الغير به، فقد قيل: الحجر المغصوب في دار رهن بخرابها، إذا كان في المال حق للفقير لم يؤدَ فهذا الحق يتلف المال كله ! هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره))

[الطبراني في الأوسط عن جابر]

(( حصنوا أموالكم بالزكاة ))

[رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

(( ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة ))

[ أخرجه الطبراني عن عمر ]

 فالزكاة من التزكية تطهر وتزكي.

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

 والتزكية تكون أن هذا الغني حينما ينفق ماله، ويرى آثار الإنفاق فرحاً، وابتسامة في وجوه المساكين، ومحبة له، تنمو نفسه، ويشعر بقيمته عند الله عز وجل، وتزكي نفس الفقير، يشعر أنه فقير، ولكنه ليس مهاناً في مجتمعه، فقير لكن هناك من يهتم به، هناك من يهتم بمطعمه، ومشربه، وملبسه، وحاجات أولاده، فتنمو نفسه أيضاً، فالزكاة تطهر وتنمي، والمال ينمو بالزكاة، لأن الفقير امتلأ قوة شرائية، وقد ينمو بالعناية الإلهية.
 فيا أيها الأخوة الكرام: اقتدوا بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم أنه كان جواداً، وأجود ما يكون في رمضان.

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يذل من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا.
 ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين.
 اللهم أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

والحمد لله رب العالمين