17323
الخطبة الإذاعية (01) : خ1 - الطب في الإسلام ، خ2 - تلقيح الأطفال.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-09-12
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى :

 الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
 يا رب، اغفر ذنوبنا، واستر، واقبل، وتولَّ أمرنا، وفكَّ أسرنا، وأحسن خلاصنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، واختم بالصالحات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، يقول في الحديث القدسي :

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليَّ ، أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إليَّ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب، لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ، وإسناده ضعيف]

 وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله ..
 * سيدي يا رسول الله، يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ.
 * يا من قدست الوجود كلَّه، ورَعَيْت قضية الإنسان.
 * يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع.
 * يا من هيَّأك تفوُّقك لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع.
 * يا من أعطيت القدوة، وضربت المثل، وعبَّدت الطريق.
 * يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك.
 * يا من وصفت نفسك فقلت: المعرفة رأسمالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وجعلت قرة عيني في الصلاة .
 * سيدي يا رسول الله، أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، ومحوت الظلمة، وجاهدت في الله حق الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد.
 اللهم صلي وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الهداة المهديين، الذين وصفهم معلم البشرية، فقال:

((علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ))

[ ذكره الغزالي في الإحياء ]

مقدمة :

 عباد الله ... أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

1 ـ الإسلام دين الفطرة :

 الإسلام دين الفطرة، يحرص في تعاليمه على صحة الجسد، وطهر النفس، ويوازن بين المادة والروح، والحاجات والقيم، ويهدف إلى إصلاح الدنيا، وإصلاح الآخرة، لأن الأولى مَطِية الثانية.
 والإسلام يجعل من المسلم إنساناً متميزاً، يرى مالا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعرون، يتمتع بوعي عميق، وإدراك دقيق، له قلب كبير، وعزم متين، وإرادة صلبة، وهدفه أكبر من حاجاته، ورسالته أسمى من رغباته، يملك نفسه، ولا تملكه، ويقود هواه، ولا ينقاد له، وتحكمه القيم، ويحتكم إليها، من دون أن يسخِّرها، أو يسخَر منها، سما حتى اشرأبت إليه الأعناق، وصفا حتى مالت إليه النفوس.

2 ـ الخروج عن الإسلام خروجٌ عن الفطرة :

 أما حينما ينقطع الإنسان عن ربه، وينقاد إلى هوى نفسه، أو حينما ينقاد الإنسان إلى هوى نفسه فينقطع عن ربه، فعندئذ تفسد علاقته بعقله، فيعطله، أو يرفض نموَّه وتطوره، أو يسيء إعماله، فيسخره لأغراض رخيصة دنيئة، عندها يكون الجهل والتجهيل، والكذب والتزوير، وتفسد علاقته بنفسه، فتَسفُل أهدافه، وتنحط ميوله، ويبيح لنفسه أكثر الوسائل قذارة لأشد الأهداف انحطاطاً، عندها تكون أزمة الأخلاق المدمرة، التي تسبب الشقاء الإنساني،

الصحة :

 وتفسد علاقة الإنسان بأخيه فتكون الغلبة لصاحب القوة لا لصاحب الحق، وعندها تعيش الأمة أزمة حضارية، تعيق تقدمها، وتقوِّض دعائمها.
 هل يُعقل أن تكون شخصية المؤمن الفذة التي تجمع بين رجاحة العقل وسمو النفس؟ هل يُعقل أن تكون هذه الشخصية مركبة في جسد عليل سقيم؟ كلا !!

1 ـ صحة الجسد سلامة للنفس وسموٌّ بها :

 إن صحة الجسد مرتكز لسلامة النفس وسموِّها، ومنطلق لصحة العقل وتفوقه، فالله سبحانه وتعالى جعل صحة الجسد وقوته ورجاحة العقل، واستنارته علة الاصطفاء، فقال تعالى:

﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ
وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة ]

2 ـ الصحة قوة :

 وقد بين لنا المولى جل وعلا أن القوة والأمانة، وبلغة العصر الكفاءة والإخلاص هما المقياسان الصحيحان اللذان نقيس بهما الأشخاص حينما نقلّدهم بعض الأعمال، قال تعالى:

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

[ سورة القصص : الآية 26 ]

 والنبي صلوات الله وسلامه عليه ذكر أن :

(( ... المُؤمِنُ القَويُ خَيرٌ مِنَ المُؤْمِنِ الضَعِيفِ ...))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

 ولم يقل: الإنسان القوي، لأن القوة من غير إيمان مدمرة لصاحبها وللمجتمع، ولكن القوة إذا أضيفت إلى الإيمان فإنها تصنع المعجزات الخيرات، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

 بل إن النبي عليه السلام جعل صحة الجسد ثلث الدنيا، فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[ أخرجه الترمذي ، وابن ماجة ]

 والإمام علي كرَّم الله وجهه جعل من المرض مصيبة أشد من الفقر، وأهون من الكفر، وجعل من الصحة نعمة أفضل من الغنى، وأقلَّ من الإيمان، فقال: «ألا وإن من البلاء الفاقة، وأشد من الفاقة مرض البدن، وأشد من مرض البدن مرض القلب، ألا وإن من النعم سعة المال، وأفضل من سعة المال صحة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب».

أنواع الطب:

 الطب في الإسلام طب طبيعي، وطب نفسي، وطب وقائي، وطب علاجي ...

1 ـ الطب الطبيعي : «بذل الجهد صحة وسلامة»

 فمن الطب الطبيعي أن شخصية المسلم مرتكزة على العطاء لا على الأخذ، ومرتكزة على بذل الجهد لا على استهلاك جهد الآخرين، ومرتكزة على العمل لا على الأمل، وعلى الإيثار لا على الأثرة، وعلى التضحية لا على الحرص، و على إنكار الذات لا على تأكيدها، وإن بذل الجهد في حد ذاته صحة، وأية صحة.
 ففي بعض المؤتمرات الطبية التي عُقدت للبحث في أمراض القلب اتفق المؤتمرون على أن صحة القلب في بذل الجهد وراحة النفس، وأن طبيعة العصر الحديث تقتضي الكسل العضلي، والتوتر النفسي، وهما وراء تفاقم أمراض القلب في معظم البلدان المتقدمة تقدماً مادياً.
 إن بذل الجهد في حد ذاته صحة للقلب والأوعية، وصحة للعضلات والأجهزة، وقد كان النبي صلوات الله عليه قدوة لنا في هذا المضمار فقد وجد في بعض الغزوات أن عدد الرواحل لا يكفي أصحابه، فأمر أن يتناوب كل ثلاثة على راحلة، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ مِنَّا عَلَى بَعِيرٍ، كَانَ عَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا كَانَ عُقْبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَا: ارْكَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى نَمْشِيَ عَنْكَ، فَيَقُولُ:

(( مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى عَلَى الْمَشْيِ مِنِّي، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))

[ أحمد في المسند عن ابن مسعود ]

 مسوياً نفسه مع أصحابه، في بذل الجهد، ولما جاء دوره في المشي عَظُم على صاحبيه أن يركبا ويمشي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قمة المجتمع الإسلامي، فقالا:

(( ارْكَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى نَمْشِيَ عَنْكَ ))

  فقال قولته الشهيرة:

((مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى عَلَى الْمَشْيِ مِنِّي، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))

 وحينما كان النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم مع بعض أصحابه وأراد أن يذبحوا شاة ليأكلوها، فقال أحدهم:

(( عليَّ ذبحها، وقال آخر: وعلي سلخها، وقال ثالث: وعلي طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعلي جمع الحطب، فقال أصحابه: يا رسول الله نحن نكفيك هذا ، فقال:
قد علمت أنكم تكفونني إياه، ولكني أكره أن أتميز عليكم، ويكره الله أن يرى عبده متميزاً على أصحابه ))

[ ورد في الأثر ]

 إن بذل الجهد صحة للقلب والأوعية، وصحة للعضلات والأجهزة وصحة للحياة الاجتماعية، وتمتين لأواصرها، وإن بذل الجهد فهم صحيح لحقيقة الحياة الدنيا، التي هي دار تكليف، بينما الآخرة دار تشريف.
هذا بعض ما في الطب الطبيعي .

2ـ الطب النفسي :

آ ـ الأمراض العضوية سببها الأزمات النفسية :

 أما عن الطب النفسي، فيا أيها الإخوة المؤمنون، إن أمراضاً كثيرة جداً بعضها عضال، وبعضها مميت كأمراض القلب والشرايين، وأمراض جهاز الهضم، والكليتين، والأمراض النفسية والعصبية إنما ترجع أسبابها الرئيسية إلى أزمات نفسية يعاني منها إنسان الشرك في العصر الحديث، فمن أشرك بالله قذف الله في قلبه الرعب، قال تعالى:

﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾

[ سورة آل عمران ]

 فتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها، وأنت من خوف الفقر في فقر، وأنت من خوف المرض في مرض، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾

[ سورة المعارج ]

 ويرى بعض الأطباء أن ضغط الدم ما هو في حقيقته إلا ضغط الهم، وأن الإنسان إذا غفل عن حقائق التوحيد، وسقط في هوة الشرك، فقد فتحت عليه أبواب من العذاب النفسي، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾

[ سورة الشعراء ]

ب ـ لابد من الإيمان الذي يملأ النفس بالأمن :

 فالإيمان بالله خالقاً، ومربياً، ومسيراً.
 وأنه :

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

[ سورة الزخرف : من الآية 84]

 وأنه :

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[ سورة هود : من الآية 123 ]

 وأنه :

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾

[ سورة الزمر]

 وهو :

﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه﴾

[ سورة الرعد : من الآية 41]

 وأنه :

﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾

[سورة الكهف]

 وأنه :

﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْء﴾

[سورة غافر : من الآية 20 ]

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود : من الآية 56 ]

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

[ سورة فاطر ]

 وأنه :

﴿لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الرعد : من الآية 11]

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[ سورة النحل : من الآية 97 ]

 وأنه :

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[سورة الجاثية ]


 وأنه :
 لن يكون مَن :

﴿ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[سورة القصص ]

 وأن :

﴿ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾

[سورة فصلت ]

 ومن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين.
 وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟
 هذا الإيمان يملأ النفس شعوراً بالأمن الذي هو أثمن وأسعد ما في الحياة النفسية، ويدفع عنها القلق الذي يدمرها، والذي يجعل الحياة النفسية جحيماً لا يطاق، قال تعالى:

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام ]

 فإذا كانت السلامة تعني عدم وقوع المصيبة، فإن الأمن يعني عدم توقع المصيبة، قال تعالى:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة التوبة ]

 إن الله يعطي الصحة، والمال، والذكاء، والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين.
 هذا الإيمان يملأ النفس طمأنينة إلى عدالة الله سبحانه وتعالى، فبيده مقاليد الأمور كلها.
 وأنه:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ﴾

[يونس سورة: من الآية 44 ]

 والله سبحانه وتعالى يدافع عن الذين آمنوا، وينجيهم من كل كرب، وينصرهم على عدوهم.
 هذا الإيمان يملأ النفس شعوراً بالنجاح، والفلاح، والتفوق، والفوز برضاء الله الذي يعد أثمن نجاح يحققه الإنسان على وجه الأرض.
 « ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء » .
 هذا الإيمان يملأ النفس راحة، وتسليماً وتفويضاً، وتوكلاً ورضاً بقضاء الله الذي لا يقضي لعبده المؤمن إلا بالحق والخير، قال عليه الصلاة والسلام:

(( الإيمان بالقَدَر يذهب الهم والحزن ))

[ ورد في الأثر ]

 وقال تعالى في الحديث القدسي:

(( ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي، أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه ))

[ ورد في الأثر ]

ج ـ الصحة النفسية أساس صحة الجسد :

 هذه المشاعر تحقق سعادة نفسية، وسعادة لا يعرفها إلا من ذاقها فالصحة النفسية أساس صحة الجسد، قال بعض الأطباء: « إن الرحمة النفسية كافية لإعادة ضربات القلب السريعة إلى اعتدالها، وضغط الدم المرتفع إلى مستواه الطبيعي »
 فالإيمان بالله صحة نفسية، وهي أساس صحة الجسد.

3 ـ الطب الوقائي :

آ ـ الطب الوقائي سيد الطب البشري :

 الطب الوقائي في الإسلام ينطلق من أن إزالة أسباب المرض أجدى وأهون من إزالة أعراضه، وأن المرض، وإن زالت أعراضه بالدواء فإن لها آثاراً جانبية في وقت لاحق، تظهر على شكل أمراض قلبية ووعائية وكلوية من دون سبب مباشر.
 ويعد الطب الوقائي سيد الطب البشري كلِّه، لأن قوة الأمة تتجلى في قوة أفرادها، وإن دخلها يقاس بدخلهم، وإن الأمة التي تنزل بساحتها الأمراض، أو تستوطنها الأوبئة تتعرض لخسران كبير.

ب ـ الطب الوقائي حفاظ على الصحة والوقت والمال والجهد :

 سواءٌ في هذه القوى البشرية المريضة المعطلة التي كان من الممكن أن تسهم جهودها في زيادة الدخل القومي، أو في هذه الأموال الطائلة التي تنفق في معالجة هذه الأمراض، والتي كان من الممكن أن تنفق في بناء الوطن فتسهم في منعته، ورفعته.
 ويضاف إلى هذا أن ثمن معظم الدواء يستهلك نقداً أجنبياً صعباً نحن في أشد الحاجة إليه، لتنفيذ المشروعات الإنتاجية التي تعود بالنفع العام على الأمة.
 وإن معالجة مريض السِّل تستمر وسطياً سنة ونصف سنة، وتكلف المريض والدولة أموالاً وإمكانات كبيرة إضافة إلى ما يعانيه المريض من العذاب والقلق، بينما لا تحتاج الوقاية من هذا المرض إلا إلى لقاح يكلف بضعة قروش.

ج ـ النظافة من أهم وسائل الطب الوقائي :

 والنظافة من الطب الوقائي، فالإسلام يأمر بالنظافة، فهي تقي من انتقال كثير من الأمراض المعدية التي تنتقل بتلوث الأيدي كالكوليرا والزحا، والالتهاب المعوي.
 والنظافة تنشط الدورة الدموية بتنبيه الأعصاب، وتدليك الأعضاء، وتحفظ وظائف الجلد أن تتعطل، فضلاً عن أثر النظافة في بناء الشخصية، وفي العلاقات الاجتماعية.
 الله سبحانه وتعالى حثنا عليها، وجعلها سبباً لمحبته، فقال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

( سورة البقرة )

مستويات الطهارة:

 وقد فهم الإمام الغزالي هذه الآية على أربع مستويات:
 الأول: تطهير الظاهر عن الأحداث والأخباث.
 الثاني: تطهير الجوارح عن المعاصي والآثام.
 الثالث: تطهير النفس عن الأخلاق الذميمة والرذائل الممقوتة.
 الرابع: تطهير النفس عما سوى الله.
 وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بغسل اليدين قبل الطعام، فعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ بَعْدَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ ))

[ أخرجه الترمذي ، وأخرجه الإمام أحمد والحاكم عن سلمان ، وفي سنده ضعف]

د ـ الإسلام يأمر بالنظافة :

 ولا يخفى أن وضوء الطعام هو غسل اليدين والفم.
 وقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام غسل الجمعة واجباً دينياً، ولو كان مُد الماء بدينار، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ ))

[ البخاري ]

 ولا أدلُّ على أهمية النظافة في الإسلام من أنه جعلها شرطاً لأول عبادة فيه، وهي الصلاة، فقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة المائدة ]

 وقد تفضل الله علينا بالماء الطهور، أي الطاهر المطهر لنتطهر به، فقال تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً ﴾

[ سورة الفرقان ]

 وقال أيضاً :

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾

[ سورة الأنفال ]

 اللهم أرنا نعمك بدوامها لا بزوالها .

ه ـ الصلاة وعلاقتها بالطب الوقائي :

 والصلاة بحركاتها من قيام وركوع وسجود واعتدال نوع من الطب الوقائي، فقد أكد علماء التربية الرياضية أن أحسن أنواع الرياضة ما كان يومياً، ومتكرراً، وموزعاً على كل أوقات اليوم، وغير مجهد، ويستطيع أن يؤديها كل إنسان من كل جنس، وفي كل عمر، وفي كل ظرف وبيئة، وهذا كله متوافر في الصلاة.
 هذا وإن انخفاض الرأس في الركوع والسجود يسبب احتقان أوعية المخ بالدم، وعند رفع الرأس فجأة ينخفض الضغط في الأوعية، وتتكرر هذه العملية ست مرات في الركعة الواحدة، وما يزيد على مائتي مرة في اليوم، وستة آلاف مرة في الشهر، ومن انقباض الأوعية وانبساطها تزداد مرونتها، وتقوى جُدُرُها وعضلاتها، وهذا يبعد عنها خطر تصلبها أو انفجارها، ولاسيما حين ارتفاع الضغط.
 والصلاة تحرك جميع عضلات الجسم القابضة والباسطة، وتحرك جميع المفاصل حتى الفقرية منها، وتنشط القلب والدورة الدموية، وتقوي جدر شرايين المخ، فتقاوم التصلب والتمزق، وإن أخطر جهاز في الإنسان دماغه، وإن حسن تأديته وظائفه منوط بحسن ترويته بالدم، وإن السجود يوفر له تروية مُثلى، هذا فضلاً عن الطمأنينة والسعادة التي يشعر بها المصلي.
 هناك امرأة أنهكتها آلام الشقيقة.. فذهبت إلى بلد أوربي بغية المعالجة، فقال لها الطبيب هناك: هل أنت مسلمة؟ قالت: نعم، قال لها: أتصلين؟ قالت: لا، قال لها: صلِّ يذهب ما بك، فامتلأت غيظاً، وسخرت من هذه الوصفة، وقالت: هل تجشمت مشاق السفر، وبذلت عشرات الآلاف ليكون الدواء هو الصلاة؟! عندئذ قال لها: إن أحد أسباب الشقيقة نقص في تروية المخ، بسبب عصبي، وإن الصلاة تحقق راحة نفسية تسهم في توسيع شرايين المخ.

و ـ الاعتدال في الطعام والشراب وسائر المباحات من الطب الوقائي :

 والاعتدال في الطعام والشراب وسائر المباحات من الطب الوقائي، قال تعالى:

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

 فنص الآية يأمر بالاعتدال في الطعام والشراب، لكن النهي عن الإسراف لم يقيد بالطعام والشراب، بل أطلق ليشمل كل شيء، والمطلق في القرآن على إطلاقه.
 وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام حدود هذا الاعتدال، فعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ))

[ أخرجه الترمذي ، وابن ماجة ]

 قال أحدهم : « إن عُشر ما نأكله يكفي لبقائنا أحياء، وإن تسعة أعشار ما نأكله يكفي لبقاء الأطباء أحياءً ».
 وقد بين المصطفى صلوات الله عليه أن لذة الطعام لا تُحصَّل باختيار أنفس الأطعمة وأطيبها ، ولكنها تُحصَّل بحالة تلابس الآكل ، ألا وهي الجوع فقال عليه الصلاة والسلام :

(( نِعم الإدام الجوع ))

[ ورد في الأثر ]

 وقد كُتب على مدخل إحدى المستشفيات في بلدٍ أوربي متقدم بمقياس العصر:
 « نحن قوم لا نأكل حتى نجوع ، وإذا أكلنا لا نشبع ».
 هذا أصل في الطب الوقائي، لأن الفائدة من الطعام لا تتحقق إلا بتمثله تمثلاً صحيحاً، ولا يكون الهضم والتمثل صحيحين إلا إذا انهمرت العصارات الهاضمة على الطعام انهماراً، وهذه لا تنهمر إلا في الجوع.
 اجلس إلى طعام، وأنت تشتهيه، وارفع يدك عنه، وأنت تشتهيه، وقد بين النبي صلوات الله عليه أن في الطعام لذةً نتذوقها، وطاقة نستهلكها، وفضلات نطرحها فقال:

(( الحمد لله الذي أذاقني لذته ، وأبقى فيَّ قوته ، وأذهب عني أذاه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ، وفي سنده ضعف ]

 فالاعتدال في الطعام والشراب وسائر المباحات أصل الطب والوقائي.

4 ـ الطب العلاجي :

أ ـ الطب العلاجي موافق :

 وفي الإسلام طب علاجي... والطب العلاجي يعني تعاطي الدواء، والأخذ بأسباب الشفاء، والطب العلاجي موافق للعقل والشرع، فموافق للعقل، لأن في استعمال الدواء جلباً للمنافع، ودفعاً للمضار، وموافق للشرع لقول الله عز وجل:

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

[ سورة الشعراء ]

 وقد بين النبي الكريم ما تنطوي عليه هذه الآية فقال :
 عَن عَبْد اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا قَدْ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ))

[ رواه الترمذي ، والنسائي وأحمد ، وأصله في صحيح البخاري ]

ب ـ الشفاء مرهون بصحة تشخيص الداء ، وصحة اختيار الدواء :

 وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الشفاء من المرض يحتاج إلى شرطين اثنين، الأول: صحة تشخيص الداء، وصحة اختيار الدواء لهذا الداء، وهذا شرط لازم غير كاف، والثاني: إذنٌ من الله لهذا الدواء، أن يفعل فعله، فيزيل أسباب المرض وأعراضه، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[ رواه مسلم عن جابر ]

إن الطبيب له علم يدل به  إن كان للناس في الآجال تأخيرُ
حتى إذا ما انقضت أيام رحلته  حارَ الطبيب وخانته العقاقيرُ

ج ـ التداوي لا يتناقض مع الإيمان بالقدر :

 والتداوي لا يتناقض مع الإيمان بالقدر، ولا يتناقض مع التوكل، فقد روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:

(( فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ، وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي الْأَنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ، فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ))قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ، ثُمَّ انْصَرَفَ ))

[ البخاري ]

 ففرح عمر رضي الله عنه بذلك، وحمد الله تعالى إذ وفق إلى الصواب.
 وقد قال الفقهاء: « إن استعمال الدواء المقطوع بفائدته بإخبار الأطباء لعلاج مرض يقعد المريض عن القيام بواجباته تجاه الله وتجاه الناس، أو مرض يودي بحياته أو بعضوٍ من أعضائه، واجب ديني يرقى إلى مستوى الفرض ».
وهنا محل الإشارة، إلى أن الطب في الإسلام اختصاص، وفي الحديث عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ - أي معرفة بالطب - قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ ))

 أي مسؤول .

[ رواه النسائي ، وأبو داود ، وابن ماجه ]

 أيها الإخوة المؤمنون: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا.

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمولُ
فإذا حملت إلى القبور جنازة  فاعلم بأنك بعدها محمولُ

الخطبة الثانية :

 الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة يونس ]

حقائق مهمة لبيان أهمية تلقيح الأطفال:

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلَ، وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
 أيها الإخوة في هذا القطر العربي السوري، تجسيداً لهذه الحقائق، وتنفيذاً لتلك المبادئ التي جاء بها الإسلام، وانطلاقاً من أن العناية بالصحة واجب ديني في الدرجة الأولى، وأن من العناية بالصحة التحصين ضد الأمراض السارية التي تفتك بالأطفال فلذات الأكباد، ولا سيما من كان منهم دون الخامسة، فقد قامت وزارة الصحة مشكورة بتوجيه من السيد رئيس الجمهورية بحملة تلقيح وطنية شاملة، لجميع أطفال القطر، ممن هم دون الخامسة ضد الحصبة، والشلل، والسِّل، والدفتريا، والسعال الديكي، والكزاز، بغية الوصل إلى نوع من الحصانة الجماعية،

حملة صحية لتلقيح الأطفال :

 وكذلك أعدت وزارة الأوقاف بالتعاون مع وزارة الصحة حملة توجيهية دينية، فحواها أن الوعي الصحي جزء من الوعي الديني، وأن في الإسلام توجيهات صحية لو طبقها المسلم لعاش حياة طيبة، ولا استراح وأراح، وقد خصصت وزارة الأوقاف بعض مراكز العبادة والمدارس الشرعية لتكون مراكز للتلقيح.
  ولكي يعرف المواطنون حجم المشكلة الصحية الناتجة عن تقاعسهم عن تلقيح أبنائهم، ولكي يسارعوا ويستجيبوا لنداءات التلقيح الوطنية أضع بين أيديهم الحقائق التالية:

والحمد لله رب العالمين