16500
التفسير المطول - سورة الملك 067 - الدرس (7-7): تفسير الآيات 23-30 ، نعم الله على عباده
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-05-02
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الله عز وجل هو الذي يستحق أن نعبده وألا نعبد سواه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مع الدرس السابع والأخير من سورة المُلك ، ومع الآية الثالثة والعشرين وهي قوله تعالى :

﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

[ سورة الملك : 23-24]

 أيها الأخوة الكرام ؛ الله جلَّ جلاله هو الذي خلقنا ، إذاً هو الذي يستحق أن نعبده وألا نعبد سواه . .

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها))

[البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ ﴾

 إذاً هو الذي يستحق أن تعبدوه و تحبوه و تخلِصوا له و تطيعوه ، و هو الذي يستحق أن تعلقوا عليه الآمال ، و هو الذي يستحق أن تتوكلوا عليه . .

تزويد الإنسان بقدرات إدراكية لمعرفة الله عز وجل منها :

1 ـ الأذن :

﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ ﴾

  أنشأكم وشَقَّ لكم الطريق إليه بأن أعطاكم قدرةً تَعَرُّفية - إدراكيّة - من أجل أن تعرفوه ، و هذه القوة الإدراكية هي السمع والبصر والفكر .
 أيها الأخوة الكرام ؛ إن حاسة السمع من أدقِّ الحواس ، وحتى هذه اللحظة لا نعرف كيف يستطيع الإنسان أن يفرق بين النغم والضجيج ، فكلاهما صوت ، و كلاهما موجاتٌ صوتية و تبدلاتٌ في الوسط المَرِن الذي هو الهواء ، فلولا الهواء لما كان هناك صوت . . و روَّاد الفضاء وهم على سطح القمر يتخاطبون باللاسلكي ، فليس هناك صوت بسبب عدم وجود الهواء على سطح القمر ، فمن خلق الهواء ؟ إن هذا الوسط المرن إذا أحدثت فيه اضطراباً انتقل هذا الاضطراب إلى أذنك ، ومن نعم الله علينا أن هذا الاضطراب يتخامَد ، ولولا أنه يتخامد لسمعت هنا في الشام كل أصوات الأرض ، كل هَيَجان البحار ، كل ضجيج المعامل ، كل أصوات الرعود في الأرض ، فلولا أنَّ الموجة الصوتية تتخامد لكانت حياتنا جحيماً لا يطاق ، وقد جعل الله الصوت ينشأ عن إحداث اضطراب في هذا الوسط المرن ، فإنك إذا ألقيت حجراً في ماءٍ راكد رأيت حلقاتٍ تتباعد ، فقد حدث اضطراب في هذا الوسط المرن فانتقلت أمواج الماء متناميةً . . كذلك الصوت في الهواء ، فمن الذي خلق هذين الصيوانين بتعاريجهما واتجاه سطوحهما واختلاف أشكالهما ؟ إنهما المسؤولان عن التقاط الصوت من كل الجهات ، و هذا الصيوان من أبدع ما صنع الله عزَّ وجل ، فحينما يلتقط هذا الصيوان الأصوات من كل الجهات يسوقها إلى قناة الأذن حيث تصطدم بغشاء الطبل و هذا الغشاء المرن -غشاء الطبل - ترتبطٌ به عُظيمات السمع ، و عظيمات السمع تكبِّر الصوت عشرين مرَّة ، فإذا كان الصوت فوق الحد المعقول تخفَّضه عشرين مرَّة ، و نحن لا نعلم في عالم الآلات آلةً واحدة تكبّر وتخفّض في آنٍ واحد ، ثم ينتقل هذا الصوت في دهاليز حلزونية فيها أربعون ألف قوس سمعي ، هذه الأقواس مرتبطة بالعصب السمعي ، إلى أن تصل إلى القنوات وإلى الأذن الداخلية وعندئذِ يقف العلم عاجزاً عن فهم كيف أننا نَطْرَبُ للنغم ونضجر من الضجيج وكلاهما صوت .
 ثمَّ إنّ هذه الأذن تنقل هذا الإدراك إلى الدماغ ، والدماغ يفسِّر ويدرك ، و هناك ذاكرةً سمعية ، فهذه الأذن هي الحاسَّة الأولى التي نعتمد عليها في الليل .الدعاء :
 والإنسان يرى بعينه إلى أن يأتي حاجز يمنع الرؤية ، فإذا كنت في غرفة فإنك ترى ما في الغرفة ، و إذا كنت قابعاً في البيت فإن أذنك تُغَطِّي كل البيت ، فأي حركةٍ وقعت في غرفةٍ أخرى أو خارج البيت تصل إلى أذنك ، فأنت بالعين تغطي المكان الذي أنت فيه ، و بالأذن تغطي المكان الأوسع ولو كان هناك حواجز تمنع وصل الصورة . .
 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾

[ سورة القصص : 71]

 جعل الله السمع الحاسَّة الأولى في الليل . .

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾

[ سورة القصص : 72]

 فهذه الأذن تتلقف الأصوات ، فلو فرضنا إنساناً يقبع في بيت و عينه تغطِّي غرفة الجلوس ، وأذنه تغطي كل البيت بالأصوات ، فلو أنَّ حشرةً ماتت وتفسَّخت لما كشفتها العين ولا سمعتها الأذن فما الذي يكشفها ؟ إنها حاسَّة الشم ، فأنت بهذه الحواس تتصل مع العالم الخارجي ، و من أجل التوافق والتكيّف مع المحيط جعل الله لك السمع والبصر . ولكن السمع له هدف أكبر وأجلّ و هو أن تستمع إلى الحق ، فاللغة أرقى أداة اتصال بين أفراد النوع ، فإذا كان هناك إنسان يتكلَّم ومجموعٌ كبير يُصغي ، فهناك اتصال بينه وبينهم وهذا الاتصال أداته اللغة ، واللغة مقاطع صوتية يعبَّر بمقتضاها عن الفكر وعن الشعور، قال ربنا عزَّ وجل عن اللغة :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 1-4]

 فالبيان من أخصَّ خصائص الإنسان ، فبالبيان تفهم الكلام المسموع ، وبالكلام تفهم النصَّ المقروء ، وبالكلام تعبِّر عن أفكارك وعن مشاعرك مشافهةً ، وبالبيان تعبَّر عن أفكارك ومشاعرك كتابةً ، فهناك أربعة نشاطات ؛ قراءةٌ وسماع ، وكتابةٌ ونُطْق ، أما بالكتابة فتنتقل المعارف من جيلٍ إلى جيل ، وبالترجمة من أمةٍ إلى أمة ، فمعارف البشر متراكمة ، لذلك قال بعضهم : " ثقافة أية أمّة هي بمثابة عسلٍ استخلِص من زهرات مختلف الشعوب على مرِّ الأجيال " . فبالترجمة و اللغة تنتقل المعارف من جيل إلى جيل ومن أمَّة إلى أمّة فإذا معارف البشر متراكمة .
 إذاً هذه الأذن أداة السمع ، أداة سماع الحق ، أداة سماع الخبر الصادق ، أداة سماع الوحي . .

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

2 ـ العين :

 أما العين فقد حارَ فيها الأطباء ، فالعين فيها قرنية ، والقرنية غلاف شفاف سَمَّاه الأطباء غلافاً نبيلاً ، بمعنى أن الغلاف النبيل لا تعترضه أوعيةٌ دموية ، فلو أن القرنية تتغذى كبقية خلايا الجسم لرأيت الأشياء من وراء شبكة ولكانت الرؤية غير صحيحة – مغبَّشة - فلابدَّ من شبكة أوعيةٍ تغذي القرنية ، لكن ولأن القرنية يجب أن تكون شفافةً مئة في المئة فإن الله قد جعل خلايا القرنية من النوع النبيل ، فكل خليةٍ تأخذ الغذاء إلى أختها دون أن تُمَدد أوعية بين الخلايا ، هذا بالنسبة للقرنية ، بعدئذِ تأتي القُزحية ، وتأتي العدسة المرنة التي حار فيها الأطباء، لأن الشبكية هي المِحرق - محرق العدسة - والشبكية ثابتة ، والمسافة ثابتة ، فكيف تقع الأشياء بحركتها العشوائية على الشبكية ؟ لابدَّ من تحريك المِحرق أو لابدَّ من تغيير شكل العدسة ، ففي العين العدسة يتغير شكلها من احتدابٍ شديد إلى احتدابٍ قليل ، فمن الذي يُعطي الأمر أن يزداد الاحتداب واحد بالألف من الميكرون كي يقع الخيال على الشبكية أثناء مشاهدتك لكرة تتحرَّك في ملعب أو سيارةً تنطلق من مكانٍ إلى آخر وهذا ما يسميه العلماء المطابقة وهي شيءٌ تُحار به العقول ؟
 فشبكية العين مؤلفةٌ من عشر طبقات : الطبقة الأخيرة فيها مئة وثلاثون مليون مخروط وعُصيّة ، هذه المخاريط والعصيّات تنتهي إلى العصب البصري الذي هو تسعمئة ألف عصب ينتقل إلى الدماغ كي تُقْرأ الصورة .
 أيها الأخوة الكرام العين من آيات الله الدالة على عظمته ، فبالعين ترى الشيء بحجمه الحقيقي ، وبألوانه الطبيعية ، وأوضح دليل على ذلك أنك إذا نظرت إلى مئة رجل ترى كل واحدٍ بلون ، أما لو صوَّرتهم بأرقى الأفلام فتراهم جميعاً بلونٍ واحد ، فالعين البشرية عندها القدرة على التمييز بين درجتين من ثمانمئة ألف درجة للون الواحد ، العين السليمة تميز بين درجتين من ثمانمئة ألف درجة للون الواحد ، فترى الأشياء بحجمها الحقيقي وبألوانها الدقيقة ، وتراها مباشرةً من دون وقتٍ لإظهار الصورة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه آيةٌ من آيات الله الدالة على عظمته ، فالعين تميز بين درجتين من ثمانمئة ألف درجة للون الواحد ، والشيء الذي يُحير العقول هو : لماذا جعل الله للإنسان عينين وجعل له أذنين ؟ لأن الله عزَّ وجل لو خلق لك أذناً واحدة لما عرفت جهة الصوت ، فلو كنت بأذن واحدة و سمعت بوق سيارة من خلف فتقترب منها وأنت تحاول الابتعاد عنها فتدهسك ، لكن هناك جهازاً في الدماغ يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين والتفاضل بين الصوتين يقدَّر بواحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية ، والدماغ يعرف عن طريق التفاضل جهة الصوت فيعطي أمراً إلى العضلات للتحرك بعكس جهة الصوت ، فأنت بالأذنين تعرف مصدر الصوت ، وبالعينين تدرك البعد الثالث ، وبعينٍ واحدة ترى الأشياء مُسَطَّحة ، و إنك لن تستطيع بعينٍ واحدة أن تضع الخيط في الإبرة - في سمَ الخِياط - قد تحاول هذا ولكنك لن تستطيع بسبب وجود عشرة سنتمترات بينهما ، أما بالعينين فإنك ترى العمق ، ترى البعد الثالث ، فإن الصورة التي تراها العين الأولى تنطبع في مكان في الدماغ ، وصورة العين الثانية تنطبع في مكان منزلق عنه ، و هذا الانزلاق يشكِّل البعد الثالث ، فأنت ترى الطول والعرض والعمق بالعينين . .

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾

[ سورة البلد : 8-13]

 أن تُعْتِق رقبتك من أسر الشهوة ، أن تتحرَّر من الشهوات ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( تعس عبد الدرهم والدينار ، تعس عبد البطن ، تعس عبد الخميصة ، تعس عبد الفرج ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 فإذا تحرَّرت من أسر الشهوات انطلقت إلى رب الأرض والسموات ، إذاً أشياء كثيرة يمكن أن تُقال عن العين ، ربنا عزَّ وجل يقول :

﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ﴾

 فهو الذي خلق الأذن لا يسمعك ؟ هو الذي خلق العينين لا يراك ؟

﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

[ سورة البلد : 5-8]

 أي هذا الذي خلق العينين يراك ، وهذا الذي خلق لك الأذنين يسمعك ، ويسمع صوت نفسك ، يسمع خواطرك ، يسمع ما تدور به أفكارك ، أنت أمام الله مكشوف . .

﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ ﴾

﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ﴾

3 ـ الدماغ و الذاكرة :

 هذا الدماغ . . والله أيها الأخوة أقول ولا أبالغ : إن أعظم شيءٍ في الكون هو الدماغ ، هناك مئة وأربعون مليار خلية استنادية في الدماغ ، و في أحدث كتابٍ قرأته عن الدماغ جاء فيه أن هذه الخلايا لم تُعرَف وظيفتها بعد ، فالدماغ عاجزٌ عن إدراك ذاته و كيف يعمل ، فهناك أربعة عشر مليار خلية قِشرية فيها التخيّل و التصوّر و المحاكمة والذاكرة ، فما هي هذه الذاكرة ؟ ذاكرة إنسان يعيش ستين عاماً تقريباً ، فيها سبعون مليار صورة ، ما بين الصور السمعية ، والصور البصرية ، والصور الشميّة ، وهناك ذاكرة للأصوات ، فأي إنسان يتصل بك بالهاتف يقول لك : أعرفتني ؟ تقول له : فلان ، والشيء الذي يحيِّر العقول أن كل إنسانٍ انفرد بنبرة صورةٍ خاصَّة وذلك لكرامته على الله ، ففي الأرض يوجد خمسة آلاف مليون إنسان ، كما توجد خمسة آلاف مليون نبرة صوت ، وتوجد خمسة آلاف مليون رائحة خاصَّة بكل واحد منهم ، فليس هناك إنسان في الأرض يشبهك في الرائحة ، وهذا أساس عمل الكلاب البوليسية ، يُعطى قطعةً من لوازم المجرم فيبحث عنه بين مئة ألف رجل ، فإذا اشتم الرائحة نفسها عرف أن هذا هو المجرم ، فالإنسان ينفرد برائحة جلد خاصَّة ، وينفرد بنبرة صوتٍ خاصة، وينفرد بقُزحيةٍ لا يشركه فيها أحدٌ من البشر ، لذلك الآن أحدث الأقفال أقفال تعمل على القُزحية ، يضع صاحب القفل عينيه على الثقبين فيُفتح الباب ، وأي إنسانٍ آخر لا يُفتح الباب له ، وكذلك بصمة اليد ، وبلازما الدم ، وأحدث بحث في الزمر النسيجية أنه يوجد مئتا زمرة حتى الآن ، ولا يُستبعد بعد حين أن يُكتشف أن لكل إنسانٍ زمرة نسيجية خاصَّة به .
 فالإنسان فرد ، ولكرامته على الله جعله فرداً ؛ فرداً بشكله ، وفرداً ببلازما دمه ، وفرداً بقزحيته ، وفرداً بنبرة صوته ، وفرداً برائحة جلده ، ثم سمح له أن يُشَرِّع من الآيات الكُلِّية أحكاماً تفصيليَّة ، ثم سمح له أن يُبدع ، ثم سمح له أن يختار ، فالإنسان مريد والإرادة من صفات الله ، والإنسان مُبدع والإبداع من صفات الله ، والإنسان يُشَرِّع استنباطاً والتشريع من صفات الله عزَّ وجل ، والإنسان فَرْد والله سبحانه وتعالى فرد ، وهذا كلُّه لكرامته على الله . .

﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ﴾

 ما هي هذه الذاكرة ؟ إنسان في الخامسة والخمسين من عمره انطلق من معمله فلم يتعرّف إلى بيته ، فبقي ساعاتٍ طويلة يقود سيَّارته في شوارع الشام من شمالها إلى جنوبها ، ومن شرقها إلى غربها ، غاب عنه بيته ، هذا فقد جُزئي للذاكرة ، ويوجد فقد كلي ، فإن دخل عليه ابنه قال له : من أنت ؟ فكل واحد منَّا خبراته أساسها الذاكرة ، كل إنسان صاحب حرفة ، أو صاحب شهادة ، صاحب اختصاص ، طبيب ، مهندس ، محامي ، تاجر ، ما خبرته ؟ هي عبارة عن خبرات متراكمة كلها مودعة في الذاكرة ، من أعطانا هذه الذاكرة ولا يزيد حجمها عن حبة العَدَس ؟ فيها سبعون مليار صورة ، وهذه الذاكرة بعضها شمي ، وبعضها صوتي ، وبعضها شَكْلي ، وبعضها ألوان ، أما الأعجب من هذا فأن هذه الصور تُرتَّب في أماكن ثلاثة : أماكن في متناول اليد ، وأماكن متوسطة ، وأماكن بعيدة ، وأماكن مهملة ، فأنت حينما تقتني جهاز هاتف وتُبَلَّغ برقمه فإنك تحفظه فوراً ، فهذا يوضع في أقرب مكان ؛ كذلك أسماء أولادك ، مهنتك ، خصائص حرفتك في أول مكان ، أشياء تحتاجها في الشهر مرَّة فإنها توضع في المكان المتوسط ، أما ذهبت إلى بلد بعيد و أعطاك إنسان رقم هاتف أوعنوان ، أو رأيت شكله واسمه ، فإنه يوضع في مكان بعيد ، وهذه أشياء تُسْقطها من التسجيل ، هذا كلُّه تفعله الذاكرة من دون أن تشعر أنت ، فهي تصنِّف هذه الصور ، لكن ما دمنا في الحديث عن الذاكرة فلا بد من أن نذكر أن الاهتمام هو الذي يقوِّي الذاكرة ، فإذا كنت مهتماً بشيء نمت ذاكرتك وحفظته . .

﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾

 أي أعطاك قوةً إدراكية ، أنشأك وسمح لك أن تعرفه ، أنشأك وأعطاك أجهزةً كي تعرفه ، أنشأك ودلَّك عليه ، أنشأك وشقَّ لك الطُرق إليه . .

﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾

  كيف نشكر هذه النعم ؟

كيفية شكر نعم الله عز وجل :

 أيها الأخوة ؛ ذكرت في الدرس الماضي أن شكر هذه النعم ؛ نعمة السمع ، ونعمة البصر ، ونعمة الدماغ أن تعملها لما خلقت له ، فهذه العين إذا نظرت بها إلى آيات الله وعظَّمت الخالق فقد شكرت الله عليها ، وهذه الأذن إذا استمعت بها إلى الحق وتأثرت به شكرت الله عليها ، وهذا الدماغ إذا أعملته في التعرُّف إلى الله ، وفي محاكمة القضايا المصيرية ، وفي فهم القرآن وفي تعليمه فقد شكرت الله عليه .
 وكم من إنسانٍ يستخدم هذه الحواسّ في المعاصي والآثام ؛ يطلق بصره في الحرام، يملأ عينيه من الحرام ، يتتبع بهما عورات المسلمين ، يستمع إلى اللهو الرخيص ، إلى اللهو الذي يَصُدُّ عن سبيل الله ، يقتني هذه الصحون ليبقى إلى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل يُتابع الفُحش والخنا ، هذا كلّه بالعين ، وقد يستمع إلى الأغاني الساقطة بهذه الأذن ، ويفكر في المعصية بالدماغ ، فشكر هذه النعم أن تعملها لما يرضي الله عزَّ وجل . . أمِرت أن يكون صمتي فكراً ، ونُطقي ذكراً ، ونظري عبرةً .

حركات الإنسان وسكناته وتصرُّفاته مسجلة عليه وسيحاسب عليها :

﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

  ذرأكم ؛ أي : خلقكم ونَشَرَكُم ، انظر إلى الطرقات في المدينة مليئةً بالأشخاص ذاهبين وآيبين ، ففي أحد البلدان مشينا أربعمئة كيلو متر ولم يكن هناك انقطاع في البُنيان إطلاقاً ، لم يعد هناك مدن وقرى . . مكان واحد متصل ، أبنية متصلة . . من ذرأ هؤلاء الناس في هذه البلاد ؟ في هذه السهول ؟ في هذه الجبال ؟ في هذه الوديان ؟ في هذه السواحل ؟ في هذه الصحارى ؟ فاركب طائرة وانظر كيف وزِّعت هذه البلاد وكيف امتلأت بالناس . .

﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

  العودة إليه . .

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

[ سورة الغاشية : 25-26]

 الإنسان حينما يعرف مصيره ينبغي أن يحسب حساباً لهذا المصير . .

﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

  أي تحرَّك كيفما تريد ، افعل ما بدا لك ، قل ما تريد ، وكما قال الله عزَّ وجل :

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾

[ سورة فصلت : 40 ]

 كله مسجلٌ عليك . .

﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا ﴾

[ سورة آل عمران : 181 ]

 كل حركات الإنسان وسكناته وتصرُّفاته ، قطيعته ووصله ، رضاه وغضبه ، عطاؤه ومنعه ، بشاشته وعبوسه ، كل هذا مسجل عليه ، ومحاسبٌ عليه . .

﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

 المصير إليه ، فالإنسان حينما يُدفن تحت الأرض يُقال له : عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت .
 فالمصير إلى الله وهو مطلعٌ علينا وسيحاسبنا على كل أعمالنا ، لذلك فإن العاقل هو الذي يفكِّر في هذا اللقاء الذي لا بدَّ منه ، والأحمق هو الذي يَغْفَل عن هذا اللقاء . .

كل متوقَّعٍ آت وكل آتٍ قريب :

﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

 كل متوقَّعٍ آت وكل آتٍ قريب .. نحن في حياتنا الدنيا نكون في الصيف فإذا بالشتاء قد أتى ، و نكون في الشتاء فإذا بالصيف قد حلّ ، فبينما نحن نبحث عن التدفئة إذا نحن نبحث عن المراوح ، نبحث عن ثيابٍ تقينا البرد فإذا بنا نبحث عن ثيابٍ خفيفة ، إذاً البرد يأتي ، والحر يأتي ، والأشهر تتتابع ، والسنوات تأتي خلف بعضها بعضاً ، والفصول تأتي تباعاً ، والدنيا ساعة اجعلها طاعة ، بربكم أنتم جميعاً كيف مضت أعماركم ؟ كل واحد له عُمْر ؛ ثلاثون ، أربعون ، خمسون ، خمسة وخمسون ، ستون ، كيف مضى هذا العُمْر ؟ كساعةٍ من نهار ، وهكذا تمضي بقية الأعوام ، والدنيا حلم . " الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا " . البطولة تكون عند الساعة التي يُقال لك : اذهب معنا ، فتقول: إلى أين ؟ إلى الدار الآخرة ، و الإنسان أحياناً ينخلع قلبه من هذه المغادرة ، فإذا كان مرتاحاً في بلد ما و يحمل إقامة ثم أُعطي مغادرة بلا عودة ، ينخلع قلبه ، فكيف إذا كان الأمر مغادرة الدنيا بلا عودة وكل شيء سوف نحاسب عنه؟ . . هكذا . .

﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

  التوقيت عند الله ، أما الحدث فواقع لا محالة . .

﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾

  أي قريباً منهم .

أفضل إنسان شاب نشأ في طاعة الله :

 أخواننا الكرام ؛ الإنسان وهو شاب يكون قوي الجسم ، قوي البُنية ، خفيف الحركة ، نشيط ، وتوجد عنده آمال كبيرة وعريضة ، و قد يغفل عن لقاء الله عزَّ وجل ، لكن العمر قد يمتد فيصل إلى عمر قريب من المغادرة عندها يعود إلى الله .
 ففي بعض الأحيان يكون هناك أربعون أو خمسون إنساناً بسن واحدة ، جيران أو طلاب مدرسة ، أو زملاء في العمل ، أو زملاء في الحِرفة ، ثم يصلون جميعاً إلى السن الحرج، سن مغادرة الدنيا ، فالبطولة أن تعرف الله وأنت شاب ، وأنت في ريعان الشباب ، وأنت صحيحٌ شحيح ، وأنت معافىً في جسمك ، و قويٌّ في بنيتك ، هنا البطولة ، ففي خريف العمر أكثر الناس يعودون إلى الله ، فتجده يلزم المسجد ولكن أين أمضى شبابه ؟ أين أمضى فتوَّته ؟ أين صرف قوته ؟ أين أنفق ماله ؟ كيف أمضى السهرات الطوال خلال خمسين عاماً ؟ مع من التقى ؟ إلى أين سافر ؟ ماذا فعل في السفر ؟ أما حينما يصل إلى السن الحرِج . . سن مغادرة الدنيا . . يلزم المساجد ، ويؤوب إلى الله و هذا جيد ، لكن هذا رجوعٌ فيه ضعفٌ شديد ، لأن ريح الجنة في الشباب ، فيجب عليك أن تكون مستقيماً وأنت شاب ، وأنت في رَيْعان الشباب ، أما :

﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً ﴾

  فأنا أقول كما قال هارون الرشيد عندما نظر إلى سحابة فقال : اذهبي أينما شئت يأتيني خراجك .
 والحقيقة أهل الدنيا مهما امتد بهم العمر ، ومهما استمتعوا بالملذَّات في النهاية إذا حكَّموا عقولهم ثانيةً فإنهم سيعودون إلى الله ، فقد يكون الإنسان مُلحداً فيصبح مصلياً ، كان فاسقاً ثم بدأ يلتزم ، كان لا يعرف أن يقرأ شيئاً من القرآن على الإطلاق فبدأ يتعلمه ، كان يمضي السهرات الطوال في أماكن لا تُرضي الله والآن عاد إلى الله ، لكن الذي لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة ، أنا لا أغبط إلا شاباً نشأ في طاعة الله ، بالبدايات .

بطولة الإنسان أن يعرف الله في سن مبكرة كي يشكل حياته تشكيلاً إسلامياً :

 أخواننا الكرام ؛ يوجد أشخاص أنا والله أحترمهم ، عرف الله في الخمسين ، أو في الستين ، ولكن بيته غير منضبط وغير إسلامي ، فلم يستطع أن يضبط أهله ولا أولاده ، الإنسان كلَّما كان مبكراً في معرفة الله استطاع أن يشكَّل حياته تشكيلاً إسلامياً ، فأحياناً يختار حرفة لا ترضي الله فيضع كل خبراته فيها ، كما يضع كل رأس ماله ولا يوجد عنده غيرها ، فيفعلها مضطراً ، فكلَّما كنت مبكراً في معرفة الله المعرفة الحقيقة شكَّلت حياتك وفق منهج الله ، و هذا معنى قوله تعالى :

﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾

[ سورة التوبة : 109]

 عملك جزء من بنيانك ، فالمؤمن الصادق يختار عملاً شريفاً . .

((إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب واستجملوا مِهَنَكُم ))

[ ابن ماجه وأبو نعيم والحاكم وابن حبان وأخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

 فلذلك الإنسان حينما يؤمن بالله في الوقت المناسب في سنٍ مبكِّرة يُشَكِّل حياته تشكيلاً إسلامياً ، فعملك جزء من بنيانك ، وزواجك جزء من بنيانك ، ومعارفك وأصدقاؤك جزء من بنيانك ، أحياناً ينشأ الإنسان في بيئة سيِّئة فهؤلاء يشدونه إليهم ، فكلَّما تاب توبةً نقضوها له، و كلّما عزم على طاعةٍ أفسدوا عليه طاعته ، أما إذا آمن في سنٍ مبكِّرة فسيكون كل أصدقائه مؤمنين على شاكلته ، لأن هؤلاء يقوونه على الطاعة . .

((الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ ))

[ أحمد عن النعمان بن بشير ]

((فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ))

[ أحمد عن ابن ربيعة عن أبيه ]

((عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ ))

[الترمذي عن أبي الدرداء]

 فأنا أنصح أخوتنا الشباب وأخواتنا الشابَّات أن يتعرّفوا على الله في سنٍ مبكرة كي يشكلوا حياتهم وفق منهج الله ، فالإنسان أحياناً عندما يتقدم في السن يتكلَّس عقله ؛ أي : يجمد وهذا التعبير يستخدمه الأطباء ، فإذا كان الإنسان صالحاً وثبت على شيء صالح فليست هناك مشكلة ، فالإنسان إذا نشأ في طاعة الله وتمسَّك بهذه الطاعة تكلّس ، ولكنه تكلس تكلساً صحيحاً ، أما حينما ينشأ على معصية ، أي إذا أمضى حياته في لعب النرد فلا توجد قوة تصرفه عنها ، عندها يقول لك : لا أقدر لأنني نشأت عليها ، كأن يكون مثلاً قد أدمن التدخين، و توجد أشياء كثيرة إذا الإنسان استعملها تصبح جزءاً من حياته ، فالبطولة أن تعرف الله في سن مبكرة كي تشكل حياتك تشكيلاً إسلامياً بدءاً من زواجك ، إلى عملك ، إلى أصدقائك ، ومن سعادة المرء أن يعيش مع من كان على شاكلته ، بل إن العلماء يقولون : " إن من أكبر إكرام الله للنبي الكريم أنه اختار له أصحابه " . فإذا كان للإنسان جماعة مؤمنة ، صالحة ، مستقيمة ، نظيفة ، طاهرة فهذه من نِعَمِ الله الكُبرى ، فليس هناك أجمل من أن يعيش الإنسان بين أصدقاء مؤمنين يحبهم ويحبونه ، يخلص لهم ويخلصون له ، ينصحهم وينصحونه ، يأخذ بأيديهم ويأخذون بيده إلى الله عزَّ وجل . .

﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾

 أنا أعرف رجلاً أصيب بمرض خبيث ولم يُبلَّغ بهذا المرض ، كان في الثامنة والثلاثين من عمره ، وكان تاجراً من أبرع التجَّار ، وكان منغمساً إلى قمة رأسه في الملذَّات ، فلَّما علم الخبر اليقيني جاءته نوبات هستيرية فكان يقول : لن أموت ، فلَّما جاءه ملك الموت أقسم لي رجل يسكن في الطابق الأخير من نفس البناء ، قال لي : صرخ صرخةً سمعها كل من في البناء . فالإنسان حينما يغادر الدنيا وهو متلبسٌ بمعصيةٍ يُصعق صعقةً لو سمعها أهل الأرض لصُعِقوا ، الإنسان حينما يأتيه ملك الموت إما أن يرى مقامه في الجنة أو مكانه في النار ، المؤمن يقول : لم أر شرَّاً قط . .و إن كانت حياته مفعمةٌ بالمتاعب يقول : لم أر شرَّاً قط . . والفاسق وإن كانت حياته مفعمةٌ بالملذات يقول : لم أر خيراً قَطْ . .

﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً ﴾

 أي قريباً منهم . .

﴿ سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

تقييم الناس من شأن الله وحده :

﴿ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾

 هذا المعنى دقيق جداً أيها الأخوة ؛ إنك تجد همّ الناس الوحيد هو العالم الفلاني والعالم الفلاني ، هذا يفهم و هذا لا يفهم ، هذا اشترى وهذا فعل ، فإذا كان صالحاً فله صلاحه ، وإن كان سيئاً فعليه إثمه ، فلماذا تتدخَّل أنت في الموضوع ؟ إنك محاسب على عملك، فإذا لم يعجبك كل العلماء فهل تنجو أنت من عذاب الله ؟ لا إنك لن تنجو ، فكل إنسان محاسب عن عمله ، قد تجد شخصاً عادياً جداً وهمه الوحيد هو أن يُقَيِّم الناس ، وأن يوزِّع ألقاب المديح والذم كيفما اتفق ، وهو منغمس بآلاف المعاصي ، فإذا أعجبك هذا الإنسان أو لم يعجبك فإن هذا لا يُقدم ولا يؤخر بالنسبة لك . .

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا ﴾

  فهؤلاء الكفَّار امتلؤوا غيظاً من رسول الله ، فلو أن الله أهلك النبي وأصحابه فهل ينجو الكافر من عذاب الله ؟ و لو أن الله رَحِمَ النبي وأصحابه فهل ينجو من عذاب الله ؟ لا ، فكل إنسان محاسب عن نفسه ، فالنقطة الدقيقة : أنه لا علاقة لك بالآخرين ، فلو أن الله شفى نفوس هؤلاء المؤمنين وأكرمهم ، فإن الكفار معذَّبون ، ولو أن الكفار شفوا غيظهم من رسول الله فأهلكه فإنهم معذَّبون أيضاً ، فالإنسان لا ينبغي أن يمضي وقتاً في التقييم ، وفي القيل والقال ، فتقييم الناس من شأن الله .

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾

[ سورة الإسراء : 17]

 فأنت أرح نفسك من تقييم الآخرين . . طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس..

((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيه))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

 كلام دقيق واضح كالشمس . . طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس . . العبرة أن تكون أنت مستقيماً ، يولد الإنسان كل من حوله يضحك وهو يبكي وحده ، فإذا جاء ملك الموت كل من حوله يبكي ، فإذا كان بطلاً يضحك وحده ، فاعمر قلبك بالإيمان ، واجعل علاقتك بالله طيبة ولا تعبأ بأحد . . قل الله ثم ذرهم في غيِّهم يعمهون . . فلو أن الله سبحانه وتعالى أهلك النبي وأصحابه فهل معنى ذلك أن هؤلاء الكفار لن يُعذَّبوا ؟ أو أن الله رحم النبي وأصحابه فهل معنى ذلك أن هؤلاء لن يُعذَّبوا أيضاً ؟

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ﴾

[ سورة الملك : 28-29]

التوكل على الله :

 أيها الأخوة ؛ من سعادة الإنسان في هذه الدنيا أن يتوكَّل على الله . .

﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ ﴾

 آمنا بوجوده ، وآمنا بأسمائه الحسنى ، وآمنا بصفاته الفُضلى ، آمنا بكماله ، آمنا بوحدانيته ، آمنا أنه كل شيء ، إليه يُرجَع كل شيء ، وهو القاهر فوق كل شيء .

﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ﴾

 فالتوكُّل على الله مُريح ، فإذا أردت أن تكون أقوى الناس قاطبةً فتوكَّل على الله ، ولكن الناس يجعلون التواكل مكان التوكُّل ، التوكُّل محلّه القلب ، والسعي محلّه الأعضاء ، فالناس يجعلون التوكل في الأعضاء أي يتكاسلون ، لا يعملون .
 تحدثت مرَّةً عما يسمى بفقر الكَسَل ، وفقر القَدَر ، وفقر الإنفاق ، وغنى البَطَر ، وغنى الكِفاية ، وذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لمن أحبَّه بغنى الكفاية :

(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه قوتاً ـ كفافاً ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

 غنى الكفاية ، أما غنى البَطَر فجعله النبي عليه الصلاة والسلام أحد أكبر المصائب ، قال :

((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ،أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ، أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 ففقر الكسل مَذَمَّة ، وفقر القدر عُذر ، وفقر الإنفاق وسام شَرَف . . " يا أبا بكر ماذا أبقيت لك ؟ قال : الله ورسوله " . .
إذاً :

﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾

 فمن الصعب أن يحتاط الإنسان لكل شيء ، فلا بدَّ له من أن يتوكل ، و بالتوكل ترتاح أعصابك . .

جهاز المناعة عند الإنسان من آيات الله الدالة على عظمته :

 واليوم في الخطبة ذكرت أن كتاباً عنوانه : "الشفاء الذاتي" من أخطر كتب الطب ، يؤكِّد فيه مؤلّفه أن ثلاثة أرباع الأمراض إما أن تُشفى ذاتياً ، وإما أنه لا شفاء لها ، وأن هناك أمراضاً مستعصيةً منذ أن عُرِف الطب تشفى ذاتياً ، وهذا شيءٌ يحار به الأطباء ، ثم اُكتشف أن في جسم الإنسان جهاز مناعةٍ مُدْهِش ، هذا الجهاز جوَّال ، وهو عبارة عن خلايا بيضاء تجوب في أنحاء الجسم ، هذه الخلايا عددها كبير جداً ، عند هجوم مرضٍ تتضاعف ، وفي حالاتٍ نادرة تتضاعف خمسة أضعاف ، وهذه الخلايا البيضاء - الكريات البيضاء - يستطلع بعضها تركيب الجرثوم أو الخلية الهجينة ويأتي بشفرتها إلى العُقَد اللمفاوية ، وفي العُقَد كريات بيضاء مهمتها تصنيع المصل المضاد - معامل سلاح - وتوجد كريات بيضاء مهمتها حمل هذه الأسلحة الفتَّاكة والذهاب إلى ساحة المعركة ومقاتلة هذا الجرثوم ، وتوجد خلايا بيضاء رابعة مهمتها تنظيف أرض المعركة من بقايا الجُثَث ، فهناك خلايا استطلاعية ، وخلايا مصنِّعة، وخلايا مُقاتلة ، وخلايا منظِّفة ، ثم اكتشف في أواخر السبعينات أن هناك كريات بيضاء اسمها قاتلة بالفطرة ، تستطيع أن تكتشف شذوذ الخلايا قبل أن تَشُذَّ ، أي جهاز الشفاء الذاتي - وهذا متعلق بالأورام الخبيثة - فقبل أن تشذَّ هذه الخلايا في نموّها تكتشفها وتقضي عليها .
 ثم إن هناك خلايا لتنظيف الجسم ، فالإنسان حينما يمتنع عن التدخين تذهب هذه الخلايا إلى قصباته الهوائية وتأكل ما علِق على هذه القصبات من آثار التدخين ، أما أهم عملٍ لهذه الخلايا هو ضبط نمو الخلايا ، لذلك أكثر المصابين بالإيدز يصابون بأورام خبيثة لأن هذا الجهاز يتعطَّل ، ففيروس الإيدز هو الذي يقضي على هذا الجهاز المناعي المُدهش ، و أغرب ما في هذا الجهاز ذاكرته العجيبة ، فإذا هاجم جرثوم ، أو عرف تركيب جرثوم - شفرته الكيماوية- فإنه ينقلها إلى معامل تصنيع المصل المضاد ، ويصنع مصلاً مضاداً ، و هذا المصل المضاد يُحفَظ في ذاكرته عشرين سنة ، فإذا جاء جرثوم مشابه بعد عشرين عاماً عرف نوع المصل المضاد فيصنعه ويهاجمه به ، و لولا هذه الذاكرة العجيبة لهذا الجهاز لم يكن للتطعيم معنى إطلاقاً ، ويقول مؤلف الكتاب : " أما أغرب ما في الأمر فهو أن لهذا الجهاز قيادة من خارج الجسم فلا يُعْرَف لهذا الجهاز قيادة داخلية " ، ثم يقول : " إن الرضا ، والهدوء ، والتوازن والحب يقوّي جهاز المناعة ، وإن القلق والحزن والخوف والألم يُضعِف جهاز المناعة ، ولا شيء كالشرك يجعل حياة الإنسان جحيماً ، ولا شيء كالإيمان يجعل حياة الإنسان نعيماً " لذلك فإن الشرك يُضعِف جهاز المناعة ومع ضعف جهاز المناعة تنشأ الأمراض . .

عذاب الدنيا تذكيرٌ بعذاب الآخرة :

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

 السين للاستقبال ، أي أن الأيام المستقبلة تكشف الحقائق . .

﴿ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

.

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

  يقول الله عزَّ وجل في نهاية هذه السورة : هناك عذاب أقرب من الآخرة ، فالآخرة عذابُها حق ـ فما قيمة هذه البلدة بلا مياه ؟ إنها تُهجر ، و ما قيمة هذه البساتين بلا مياه ؟ لقد سمعنا وقرأنا عن أقاليم في إفريقيا أصابها جفاف سبع سنوات فهجرها أهلها ، تركوا بيوتهم ، و تركوا مدنهم ، فما قيمة الحياة بلا ماء ؟ قال تعالى :

﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾

[سورة الأنبياء : 30]

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً ﴾

 والله في بعض الأيام يذيقنا بعض الجفاف، قد تأتي سنواتٌ عِجاف تجف المياه ، يموت النبات ، يموت الحيوان . .

﴿ فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾

 الله جلَّ جلاله ، أي هناك عذاب في الدنيا وعذاب في الآخرة ، وعذاب الدنيا تذكيرٌ بعذاب الآخرة . .

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

[ سورة السجدة : 21]

والحمد لله رب العالمين