44473
خطبة الجمعة - الخطبة 0863 : خ1 - أسباب الخشوع في الصلاة2 ، خ2 - الحديث القدسي : ليس كل مصلٍ يصلي ... .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2002-12-20
بسم الله الرحمن الرحيم

 الخـطـبـة الأولــى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الصلاة عماد الدين:

 أيها الأخوة الكرام: كلكم يعلم من دون استثناء أن الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين، وأن الخشوع في الصلاة من فرائضها لقوله تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) ﴾

(سورة المؤمنون)

أسباب الخشوع في الصلاة:

 أيها الأخوة الكرام: هناك ثلاثة وثلاثون سبباً للخشوع في الصلاة، وقد قسمت هذا الموضوع إلى خطب ثلاث، وبدأت بالأولى، ثم جاءت مناسبات أخرى اقتضت أن تكون الموضوعات بحسب المناسبات، والآن أعود لهذا الموضوع الذي بدأته من ثلاثة أسابيع حول أسباب الخشوع في الصلاة، وأقدم الخطبة الثانية في هذا الموضوع.

1 ـ الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم:

 أيها الأخوة الكرام: أحد أسباب الخشوع في الصلاة: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، فالشيطان عدو لنا، ومن عداوته قيامه بالوسوسة للمصلي كي يذهب خشوعه، ويلبس عليه صلاته.
 ألم يقل الله عز وجل وهو يحدثنا عن الشيطان:

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ﴾

(سورة الأعراف)

 قد يأتي الشيطان الإنسان من باب التقدم، والعصرنة، والعولمة، وهذا العصر المفعم بالمعجزات العلمية، وكأن هذا الإنجاز العلمي ينسيك عبادة الله عز وجل، أو يصرفك عن سرّ وجودك في الأرض وهو عبادة الله.

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

(سورة الذاريات)

 كأن هذا الإنجاز العلمي ينبغي أن تؤلهه وتعبده من دون الله.

﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾

 من أمامهم ؛ من المستقبل، من العصرنة، والعولمة، والتقدم.

﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾

 يتعلقون بالماضي السحيق الوثني، ماضي عبادة الأوثان، ماضي القيم الجاهلية، هناك من يهمل عظمة هذا الدين، ويشدّك إلى الماضي السحيق الوثني البعيد عن الله عز وجل.

﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾

 يوسوس لك في الصلاة، يقول لك: وضوءك أو صلاتك غير مقبولين، ما يزال يوسوس للمصلي في صلاته حتى يشك في صلاته.

﴿ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾

 في المعاصي والآثام.

﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ﴾

جهتان منع عنهما الشيطان ؛ نحو خالق الكائنات ونحو الافتقار إلى الله عز وجل:

 لبعض العلماء المعاصرين ومضة في هذه الآية: أن الجهات ست: شرق وغرب، يمين ويسار، فوق وتحت، لكن الشيطان لن يستطيع أن يأتي من الطريق الذي يتجه نحو الأعلى وهو الطريق إلى الله عز وجل، ولا من الطريق الذي يتجه نحو الأسفل وهو طريق التذلل والعبودية لله عز وجل، فجهتان منع عنهما الشيطان ؛ نحو خالق الكائنات، ونحو الافتقار إلى الله عز وجل، أما جهة اليمين والشمال، والأمام والخلف، فالشيطان مترصد لهذا الإنسان.

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ﴾

الاستعانة بالله تحرق الشيطان وتصرفه عنك:

 والله سبحانه وتعالى كان يقول:

﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً (76) ﴾

(سورة النساء)

 لمجرد الاستعانة بالله تحرق الشيطان وينصرف عنك.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) ﴾

(سورة الأعراف)

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) ﴾

(سورة الأعراف)

 أيها الأخوة الكرام: قال بعض التائهين الشاردين: نحن لا يوسوس لنا، فقال عالم جليل: وما يصنع الشيطان بالبيت الخرب ؟ أنت حينما تكون متفلتاً عن منهج الله، ولا تصلي لماذا الوساوس ؟ أنت تفعل ما يريد الشيطان ! لذلك يريحك، أما حينما يسلك الإنسان طريق الله عز وجل يأتيه الشيطان كقاطع طريق، وهنا تظهر قوة إيمان المؤمن .
 أيها الأخوة: بيت خرب هل يأتيه اللص ؟ لص يأتي للبيت الممتلئ بالكنوز، فالمؤمن حينما يتعرف إلى الله عز وجل يصبح شخصية فذة، شخصية المؤمن فيها مراتب ثلاث: مرتبة علمية، ومرتبة أخلاقية، ومرتبة جمالية، المؤمن الحق يرى مالا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعرون، له نفسه متوثبة طامحة إلى الكمال.

الصلاة تفكر ودعاء وإقبال والتجاء لله عز وجل:

 أيها الأخوة الكرام: العبد إذا قام للصلاة غار الشيطان منه، لأنه قد قام في أعظم مقام، وأقربه، وأغيظه للشيطان، وأشدّه عليه، فهو يحرص كل الاجتهاد ألا يقيمه فيه، بل لا يزال به يعده، ويمنّيه، وينسيه، ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهون عليه شأن الصلاة، فإذا ترك الإنسان الصلاة انتهى عند الله، إن تركها جاحداً لفرضيتها فقد كفر، وإن تركها تهاوناً فقد عصى !
 أيها الأخوة: إن الصلاة هي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال، في حين أن أركان الإسلام بعضها يسقط في بعض الحالات، يسقط الحج عند المرض والفقر، وتسقط الزكاة عند الفقر، ويسقط الصيام في السفر وفي المرض، والشهادة تؤدى مرة واحدة، أما الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال إنه الصلاة، فمن تركها فقد كفر.
 أيها الأخوة الكرام: الشيطان يحول بين المرء وقلبه، يذكره في الصلاة ما لم يكن يذكره قبل دخوله فيها، ربما قد نسي الشيء أو الحاجة وأيس منها، فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن الله عز وجل، فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله عليه، وكرامته، وقربه ما يناله المقبل على الله عز وجل، ينصرف من صلاته كما دخل فيها بخطاياه، وذنوبه، وأثقاله، لم تخفف عنه بالصلاة شيئاً، إن الصلاة إنما هي تفكر، ودعاء، وإقبال، والتجاء لله عز وجل.

محاولة الشيطان إشغال الناس أثناء الصلاة بالتفكر والتفكير في أبواب أخرى من الطاعات:

 أيها الأخوة الكرام، عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي))

[صحيح مسلم عن أبي العلاء]

 ومن كيد الشيطان للمصلي ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم، وعن علاجه قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ))

[صحيح البخاري عن أبي هريرة]

 لبّس عليه أي شككه فيها، إذا لم تذكر كم صليت اسجد سجود السهو.
 أيها الأخوة الكرام: إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته، فيخيل إليه أنه أحدث، ولم يحدث، هذا من كيد الشيطان أيضاً، بل إن هناك خدعة شيطانية يأتي بها شيطان الصلاة إلى بعض المخيرين من المصلين، وهو محاولة إشغالهم بالتفكر والتفكير في أبواب أخرى من الطاعات، يشغله عن الصلاة التي همّ بشأنها، يشغل هذا المصلي في أمور الدعوة، أو المسائل العلمية، فيستغرقون فيها، فلا يعقلون أجزاء من صلاتهم، وقد شاع في مساجد دمشق أن المصلين في صلاة التراويح يمسكون مصاحف ليتابعوا الإمام، هل الصلاة مدارسة أم هي عبادة ؟ تجد في بعض المساجد أن معظم الشباب يمسكون المصحف بأيديهم، ويتابعون الإمام، وكأنهم في مدارسة، وقد شغلوا عن حقيقة الصلاة، وهي الإقبال على الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام: الناس متفاوتون في ذلك، إذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب في الصلاة مع تدبره لأمور الصلاة، إن بعض السلف ذكر له رجل أنه دفن مالاً، وقد نسي موضعه، فقال: قم فصلِّ، فقام فصلى فذكر الموضع ! فقيل له: من أين علمت ذلك ؟ قال: علمت أن الشيطان لا يدعه في الصلاة حتى يذكره بما يشغله، ولا أهم عنده من ذكر موضع الدفن، لكن العبد الكيّس يجتهد لتكون صلاته كاملة مع حضور قلب.

مهمة الشيطان الأولى أن يصرفك عن صلاتك ويباعد بينك وبين أهلك:

 أيها الأخوة الكرام: الاستعاذة من الشيطان الرجيم أحد أسباب الخشوع في الصلاة، مهمة الشيطان الأولى أن يصرفك عن صلاتك، ويباعد بينك وبين زوجتك، ويزهدك بالحلال، و يرغبك بالحرام، هذه مهمات الشيطان الأولى، وقد قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً (6) ﴾

(سورة فاطر)

 أيها الأخوة: أقول لكم: إن مفهوم الشيطان بعيد عن حياة المسلمين، ليسوا في جدية في فهم هذا المفهوم، إن الشيطان يأتيهم، ويوسوس لهم، ويوقع بينهم العداوة والبغضاء، ويخوفهم، ويحملهم على البخل.

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) ﴾

(سورة آل عمران)

 إن أمراضاً كثيرة جداً يعاني منها المسلمون إنما هي بسبب فعل الشيطان، وقد أعطاك الله سلاحاً فعالاً ماضياً تجاه الشيطان، إنك إن ذكرت الله عز وجل أدبر، وولى هارباً.

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ (22) ﴾

(سورة إبراهيم)

2 ـ التأمل في صلاة السلف الصالح:

 أيها الأخوة الكرام: أحد أسباب الخشوع في الصلاة أن نتأمل في صلاة السلف الصالح، لو رأيت أحدهم وقد قام إلى صلاته، فلما وقف في محرابه، واستفتح كلام سيده، خطر على قلبه أن ذلك المقام هو المقام الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين، هذه الآية فهمها أنك إذا قمت لتصلي فأنت تقوم بين يدي الله رب العالمين، فانخلع قلبه وذهل عقله.

بعض من أحوال السلف الصالح في الصلاة:

 قال مجاهد ـ رحمه الله ـ: كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشد بصره لشيء، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو أن يعبث بشيء، أو يحدّث نفسه في شأن من شؤون الدنيا، إلا ناسياً ما دام في صلاته، تعظيماً لقدر الصلاة.
 وكان ابن الزبير إذا قام للصلاة كأنه عود من الخشوع ! وكان بعضهم ينفتل من صلاته متغير اللون لقيامه بين يدي الله عز وجل، وبعضهم إذا كان في الصلاة لا يعرف من عن يمينه ولا من عن يساره، وبعضهم يصفرّ وجهه إذا توضأ للصلاة، فقيل له: إنا نراك إذا توضأت للصلاة تغيرت أحوالك، قال: إني أعرف بين يدي من سأقوم.
 وكان علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ إذا حضرت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه، فقيل له مالك ؟ فيقول: جاء والله وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها.
 وكان بعض العلماء لا تنقطع الدموع من خديه على لحيته، وبلغنا عن بعض التابعين أنه كان إذا قام إلى الصلاة تغير لونه، وكان يقول: أتدرون بين يدي من أقف وأناجي ؟
 أيها الأخوة الكرام: هذا بعض من أحوال السلف الصالح، وقيل لعامر بن قيس: أتحدث نفسك في الصلاة ؟ فقال: أو شيء أحب إليّ من الصلاة أحدث به نفسي ؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبالجنة والحور ونحو ذلك ؟ قالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، فقال هذا الرجل الصالح: والله لأن تختلف الأسنّة فيّ أحب إليّ من أن أحدث نفسي في الصلاة بأمور الدنيا.
 وسيدنا سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ قال: ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، ما دخلت في صلاة فشغلت بغيرها حتى أنصرف منها، ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها.
 قال بعض العلماء: إني أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترتيل والتفكير، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهد بالتمام، وأسلم بالنية، وأختم بالإخلاص، وأرجع إلى نفسي بالخوف أخاف ألاّ يقبل مني، وأحفظه بالجهد إلى الموت.
 أيها الأخوة الكرام: قال بعضهم: ما رأيت أحسن من صلاة ابن نصر المروزي، وكان إذا دخل في الصلاة ترتعد أضلاعه حتى لا يميل يمنة ولا يسرة من شدة الخشوع.
 أيها الأخوة الكرام: تطلّع في أمور الدين إلى من هو فوقك، وفي أمور الدنيا إلى من هو دونك، فذلك أحرى ألا تحتقر نعمة الله عليك، تطلع في أمور الدين إلى الخاشعين في الصلاة، وإلى من صحت عقيدته، وإلى من استقاموا على أمر الله، ومن أغناهم الله بالعمل الصالح، كن طموحاً في شؤون الدين، فإن طريق الجنة لا سقف له، مهما كنت طموحاً قد يهبك الله عز وجل من الأعمال الصالحة مالا سبيل إلى وصفه، أما أمور الدنيا فلها سقف ينتهي عندها.

3 ـ معرفة مزايا الخشوع:

 أيها الأخوة الكرام: ومن أسباب الخشوع في الصلاة معرفة مزايا الخشوع.
 عَنْ عُثْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( يَقُولُ مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ))

[صحيح مسلم]

 وفي حديث آخر يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الأجر المكتوب من الصلاة بحسب الخشوع:

(( فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ دَخـَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فَأَخَفَّ الصَّلَاةَ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ قُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ خَفَّفْتَ، قَالَ: فَهَلْ رَأَيْتَنِي انْتَقَصْتُ مِنْ حُدُودِهَا شَيْئًا ؟ قُلْتُ: لَا، قَـالَ: فَإِنِّي بَادَرْتُ بِهَا سَهْوَةَ الشَّيْطَانِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا تُسْعُهَا ثُمُنُهَا سُبُعُهَا سُدُسُهَا خُمُسُهَا رُبُعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا))

[مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عنمة]

 وقد نقل عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها ) لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (43) ﴾

(سورة النساء)

 فالذي لا يعلم ما يقول هو في حكم السكران ! وفي حديث آخر، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ يُصَلِّى أُتِىَ بِذُنُوبِهِ، فَجُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ وَعَاتِقَيْهِ، فَكُلَّمَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ تَسَاقَطَتْ عَنْه ُ))

[رواه البيهقي عن ابن عمرو]

 قال بعض الشرّاح: المراد أنه كلما أتى ركناً سقط عنه ركن من الذنوب، حتى إذا أتمها كان السقوط، وهذا في صلاة متوفرة الشروط والأركان والخشوع كما يؤذن به.

الصلاة قرة عين المؤمن:

 أيها الأخوة: الخاشع في صلاته إذا انصرف منها وجد خفة في نفسه، وأحسّ بأثقال قد وضعت عنه، فوجد نشاطاً وراحة، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها، لأنها قرة عينه، ونعيم روحه، وجنة قلبه ومستراحه في الدنيا، فلا يزال وكأنه في سجن وضيق حتى يدخل في الصلاة، فيستريح بها لا منها، فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم:

(( قَالَ رَجُلٌ: ـ قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ ـ لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا))

[سنن أبي داود عن سالم بن أبي الجعد]

 ولم يقل أرحنا منها.
 كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ ))

[سنن النسائي عن أنس]

 من جعلت قرة عينه بالصلاة كيف تقر عينه بدونها ؟ وكيف يطيق الصبر عنها ؟

4 ـ الاجتهاد في الدعاء في مواضعه:

 أيها الأخوة الكرام: ومن أسباب الخشوع في الصلاة الاجتهاد في الدعاء في مواضعه، وخصوصاً في السجود، لأن الصلاة في الأصل دعاء، فمناجاة الله عز وجل، والتذلل إليه، والطلب منه، والإلحاح عليه، مما يزيد العبد صلة بربه، فيعظم خشوعه، والدعاء هو العبادة، والعبد مأمور به، قال تعالى:

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً (55)﴾

(سورة الأعراف)

 وفي الحديث الشريف:

((مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ))

[سنن الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 و:

((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ))

[صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

أدعية شريفة عن النبي صلى الله عليه وسلم:

 أيها الأخوة: أما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فمن اجتهد فيه فحري أن يستجاب له.
 فرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ:

((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ))

[صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 و النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ:

((رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ...))

[صحيح البخاري عَنِ ابْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ]

 و يقول أيضاً:

((إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ))

[صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 و قوله:

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ))

[صحيح مسلم عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيِّ]

 و عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ:

(( اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا...))

[مسند الإمام أحمد عَنْ عَائِشَةَ]

 كما طلب أبو بكر الصديق من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دُعَاءً يدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِه فقالَ له قُلِ:

((اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ))

[صحيح البخاري عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ]

 و:

(( رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ إِذَا رَجُلٌ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللَّهُ بِأَنَّكَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ غُفِرَ لَهُ ثَلَاثًا ))

[سنن النسائي عنْ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ]

 و أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

((كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي الْحَلْقَةِ وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ يَا بَدِيعَ السَّماَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ إِنِّي أَسْأَلُكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا اللَّهَ قَالَ فَقَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى))

[مسند الإمام أحمد عن أنس بن مالك]

 و كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ:

(( اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّماَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّماَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُكَ الْحَقُّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ وَبِكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ))

[صحيح البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

5 ـ المحافظة على الأذكار التي وردت بعد الصلاة:

 أيها الأخوة الكرام: من أسباب الخشوع في الصلاة أن تحافظ على الأذكار التي وردت بعد الصلاة، ومن حفظ الطاعة الأولى وصيانتها اتباعها بطاعة ثانية، فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يستغفر ثلاثاً بعد الصلاة، ومعنى الاستغفار لعل المصلي وقع في صلاته خلل، أو ضعف، أو سهو، فأول شيء بعد الصلاة أن تقول: أستغفر الله ثلاثاً لما كان في الصلاة من ضعف، أو من تقصير، أو من خلل.
 وقد قال العلماء: إن النوافل تجبر النقص في الفرائض، فإذا صليت الصلوات المكتوبة مع السنن الراتبة والنوافل التي كان يصليها النبي عليه الصلاة والسلام، فإن النوافل تجبر النقص في الفرائض.
 أيها الأخوة الكرام: وهناك موضوع ثالث نرجئه إلى خطبة قادمة تتحدث عن أسباب الخشوع في الصلاة.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

* * *

 الخطبة الثانية:

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

من ثمار الصلاة أن المصلي يستنير قلبه وتصفو نفسه:

 أيها الأخوة الكرام: ورد في بعض الأحاديث القدسية أن الله سبحانه وتعالى يقول:

(( ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، يسألني فأعطيه، يقسم علي فأبره، أكلؤه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها ))

[الديلمي عن حارثة بن وهب]

 ليس كل مصلٍّ يصلي... عرف عظمة الله فأقبل عليه، تفكر في خلق السماوات والأرض، كف شهواته عن محارمي.... استقام على أمر الله، عرف عظمة الله واستقام على أمره، ولم يصر على معصيتي... شديد التوبة دائماً سريع التوبة، لأن الله تواب رحيم، وأطعم الجائع... له أعمال صالحة، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب.... وكان مخلصاً، كل ذلك لي... تعظيم واستقامة وتوبة وعمل صالح وإخلاص، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس.... من آثار الصلاة، يدعوني فألبيه، يسألني فأعطيه، يقسم علي فأبره، أكلؤه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها. من ثمار الصلاة على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نور.... المصلي يستنير قلبه وتصفو نفسه.
 أيها الأخوة الكرام: مرة ثانية: الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، إنها سيدة الطاعات، وغرة القربات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات.
 لقد ذكر الله الفلاح في بضع آيات:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) ﴾

(سورة المؤمنون)

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) ﴾

(سورة الأعلى)

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فـيمن تـوليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر مـا قضيت، فـإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل مـن واليت ولا يعز مـن عـاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا الـتي فـيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا مـن كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعدائك أعداء الدين، اللهم شتت شملهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحب وترضى، اجمعهم على الحق والخير والهدى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

والحمد لله رب العالمين