27899
العقيدة - حقائق الإيمان والإعجاز - الدرس (28-30) ب : قانون السببية والغائية والتناقض - الخلية
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-11-15
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الله جلّ جلاله خلق الكون وفق قوانين منها:

1 ـ قانون السببية:

الله خالق الكون
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثامن والعشرين من دروس حقائق الإيمان والإعجاز العلمي.
موضوع من أهم الموضوعات التي يحتاجها المسلمون اليوم، هذا الموضوع يحتاج إلى مقدمة، الله جلّ جلاله حينما خلق الكون خلقه وفق نظام السببية، شاءت حكمة الله أن يجعل لكل شيء في هذا الكون سبباً، ولأن الله طليق القدرة والإرادة كان من الممكن أن يكون الشيء من دون سبب، لكن أراد ولحكمة بالغة بالغة أن يكون لكل شيء في هذا الكون سبب، أي أن نظام السببية ينتظم الكون كله، الدليل:

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴾

( سورة الكهف )

الإنسان يتوهم أن السبب خالق النتيجة، والحقيقة أن النتيجة يخلقها الله عز وجل، لكن تأتي بعد السبب، فالكون يسوده النظام، بهذا النظام، نظام السببية، بل إن نظام السببية يأخذ بيد الإنسان برق ولطف إلى مسبب الأسباب، أي هذه البيضة من الدجاجة، وهذه الدجاجة من البيضة، إلى أن تقول من خلق الدجاجة الأولى ؟ تقول: الله.
لولا نظام السببية لما آمنا بالله أصلاً، ما دام الكون بلا سبب إذاً لا يحتاج إلى خالق، لكن لأن الله عز وجل جعل هذا الكون وفق نظام السببية، ونظام السببية من خلق الله عز وجل، هذا القانون يأخذ بيدنا بلطف إلى مسبب الأسباب.

2 ـ قانون الغائية:

هذا الكون ينتظمه قانون آخر، قانون الغائية، أي كل شيء له سبب وله غاية، والغاية واضحة جداً، لماذا ضرع البقرة يعطينا أحياناً أربعين إلى ستين كيلو حليب ؟ مع أن حاجة وليد البقرة لا يزيد عن كيليين أو أربعة، معنى ذلك أن غاية هذا الكائن أن يقدم لنا الشراب السائغ، اللبن السائغ، يمكن أن ترى في كل شيء سبباً وغاية، الطفل الصغير أودع الله في طحاله كمية من الحديد تكفيه عامين، لأن حليب الأم ليس فيه حديد، وإلى أن يأكل الطعام العادي يحتاج إلى سنتين، لذلك أودع الله عز وجل في طحال هذا الطفل كمية حديد تكفيه عامين، الهدف الغاية أن يزود هذا الطفل بالحديد في غياب الحديد في حليب أمه.
الصوص وهو في البيضة كيف يخرج ؟ ينمو لهذا الصوص نتوء مؤنف كالإبرة على منقاره يكسر به البيضة ويخرج، فإذا خرج ضمر هذا النتوء حتى يتلاشى، يمكن أن ترى في كل شيء سبباً وغاية، نقول: هذا الكون ينتظمه قانون السببية، وينتظمه أيضاً قانون الغائية، وهذا الكون لا يقبل التناقض.

العقل البشري صممه الله وفق أنظمة الكون لا يفهم شيئاً إلا بالسبب:

أيها الأخوة، الشيء الذي لا يصدق أن العقل البشري صممه الله وفق أنظمة الكون، كما أن الكون يسوده نظام السببية، العقل البشري لا يفهم شيئاً إلا بالسبب، أوضح مثل إنسان سافر بالعيد إلى مكان جميل مع أهله وأولاده، وقطع التيار الكهربائي عن البيت والمفاتيح كلها معه وليس مع أحد إطلاقاً للبيت، عندا عاد إلى البيت وجد المصابيح متألقة، لماذا يضطرب كثيراً ؟ لأنه لا يصدق أن هذه المصابيح تألقت من تلقاء ذاتها، فأنت لا تفهم شيئاً إلا بسبب، ولا تفهم شيئاً إلا بغاية، أحياناً ترى سلسلة وراء شاحنة تلامس الأرض أنت موظف واختصاصك بالأدب وليس لك علاقة بالشاحنات ولا بالبترول لكن تقول لماذا هذه السلسلة ؟ هي سلسلة واضحة، وهناك إنسان وضعها، ولكن لماذا وضعت و ما الغاية منها؟ إلى أن يقول لك أحدهم: هذه من أجل تفريغ الصاعقة لو نزل بهذه المركبة صاعقة بدل أن تحترق تفرغ هذه الصاعقة عن طريق هذه السلسلة في الأرض، فأنت لا تفهم شيئاً إلا بسبب، لا تفهم شيئاً إلا بغاية، وأما التناقض عقلك لا يفهم التناقض، إنسان متهم بجريمة قتل يسكن في دمشق فجاء بإثبات قطعي أنه كان بحلب، وارتكب مخالفة، وأودع السجن، ومعه وثيقة أنه كان في وقت ارتكاب الجريمة مودعاً في السجن بحلب، القاضي فوراً يصدر قراراً بتبرئته، العقل لا يقبل إنساناً بدمشق ارتكب جريمة وهو في حلب بالسجن، هنا أو هنا.
أيها الأخوة، الدليل القوي:

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴾

( سورة الكهف )

الكمال أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء:

وعلى الله فليتوكل المتوكلون
الآن ما علاقتنا بالأسباب ؟ هنا دخلنا في موضوع إيماني لكنه خطير، لكن أحد أكبر أسباب تخلف المسلمين أنهم لم يأخذوا بالأسباب، توكلوا توكلاً ساذجاً غير صحيح على رب الأرباب، أي يا رب انصرنا على أعدائنا، خير إن شاء الله، ماذا قدمتم من أسباب ؟ ماذا فعلتم ؟ الله عز وجل يقول:

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

هل أعددتم القوة ؟ ترى معظم المسلمين يحب أن تأتيه النتائج بلا ثمن، هذا مستحيل، أما كلما ازداد إيمانك تبالغ بالأخذ بالأسباب، ثم تتوكل على رب الأرباب، أنت بين حالين، الحال الأول متمثل بالغرب أخذوا بالأسباب أخذاً مذهلاً لكنهم اعتمدوا على الأسباب، وألهوها، واستغنوا عن الله، وقعوا في الشرك، في الشرق لم يأخذوا بالأسباب لجهل، أو بتجاهل، أو بتكاسل، وزعموا أنهم يتعمدون على الله، وقعوا في المعصية، فالشرق جانب الصواب حينما لم يأخذ بالأسباب، والغرب جانب الصواب حينما وقع في شرك الأسباب.
إنسان أراد أن يسافر راجع مركبته، راجع العجلات، راجع المحرك، راجع البطارية، راجع كل شيء، وقال: لن يقع الحادث، هو أخذ بالأسباب كما ينبغي لكنه اعتمد عليها ونسي الله، احتمال كبير أن يقع بحادث مميت مع أنه راجع المركبة جزءاً جزءاً، إنسان آخر الله المسير لا راجع العجلات، ولا راجع الأجهزة، ولا الأدوات، وقال: الله مسلم وقع في المعصية، إنسان يمثل الغرب والثاني يمثل الشرق، أما الكمال أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.

عظمة الله عز وجل أن أنبياءه العظام يعبدونه رغباً ورهباً:

أيها الأخوة الكرام، دائماً الوضع المتطرف سهل، سهل جداً أن تكون قاسياً قسوة لا حدود لها، وسهل جداً أن تكون ليناً لِيناً لا حدود له، لا تكن قاسياً فتكسر ولا ليناً فتعصر، سهل جداً إذا اخطأ ابنك أن تضربه ضرباً مبرحاً، لتشفي غليلك منه، وسهل جداً أن تدعه بلا عقاب، لكن البطولة أن يحبك حباً لا حدود له، وأن يخافك خوفاً لا حدود له، لذلك عظمة الله عز وجل أن أنبياءه العظام يعبدونه رغباً ورهباً، أنت كمؤمن بقدر ما تحبه تخافه، و بقدر ما تخافه تحبه.

(( يا رب، أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك ؟ فقال: أحبّ عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحبّ من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحبّ من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي))

[من الدر المنثور عن ابن عباس ].

الأخذ بالأسباب يحتاج إلى توكل على رب الأرباب:

الأخذ بالأسباب
إذاً أيها الأخوة، الأخذ بالأسباب يحتاج إلى توكل على رب الأرباب، الابن مريض مثلاً أنت كمؤمن ينبغي أن تأخذه إلى الطبيب، وإلى أفضل طبيب، وأن تشتري له الدواء، وأن تشرف بنفسك على إعطاء الدواء، وفي الوقت نفسه تتوجه إلى الله تقول: يا رب أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، هذا الموقف الكامل، تراجع المركبة وتقول: يا رب أنت الحافظ، تعالج ابنك عند الطبيب، وتعطيه الدواء، وتقول: يا رب أنت الشافي، أي الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
الأصل أن المسلمين إن لم يأخذوا بالأسباب فقد عصوا ربهم، وإن أخذوا بها واطمأنوا لها، ولم يلجؤوا إلى الله، فقد وقعوا أيضاً في معصية أخرى، تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، أما الحديث الرائع:

(( إِنَّ اللَّهَ تَعالى يَلُومُ على العَجْزِ ))

[ رواه أبو داود عن عوف بن مالك رضي اللّه عنه ]

تأتي مصيبة، ما بيدنا شيء، انتهينا، رحنا، دمرنا، لا، المؤمن يفكر، يبحث، يضع الخطط، يضع الحلول، يتحرك، يتخذ وسائل كثيرة لطرد هذه المصيبة، يأخذ بالأسباب، ومع الأخذ بالأسباب يتوجه إلى الواحد الديان يقول: يا رب أنت الشافي، يا رب أنت الموفق، لذلك:

(( إِنَّ اللَّهَ تَعالى يَلُومُ على العَجْزِ ))

[ رواه أبو داود عن عوف بن مالك رضي اللّه عنه ]

القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره سيتحقق إذا كان صادراً عن إرادة وإيمان:

والله أيها الأخوة، الوضع العام في عهد صلاح الدين والله أسوأ من الآن بمئة ضعف، طالبني بالدليل، الدليل أن المرأة كانت تخطف، لماذا ؟ من أجل أن تذبح وتشوى وتأكل، من شدة الجوع، التفاوت بين الأغنياء والفقراء العقل لا يصدقه، مجتمع متفسخ متهالك، بعض الروايات أن ثلاثين شخصاً إنسان تتري قال لهم: انتظروا حتى آتي بالسيف لأقطع رؤوسكم، انتظروه ـ قصة غريبة جداً ـ حتى جاء بسيف وقطع رؤوسهم، خوف، قهر، فقر، صلاح الدين ـ رحمه الله تعالى ـ بدأ بالتعليم، واستطاع أن يواجه سبعاً وعشرين دولة أوربية، وأن ينتصر، وأن يفتح القدس، وأن يقول: ما دمنا رجالاً لن يرجعوا، لكنهم رجعوا، رجعوا إلى خمس دول إسلامية، لما عاد الفرنسيون إلى سوريا ودخل ديغول إلى قبر صلاح الدين وضع رجله على القبر وقال: ها قد عدنا يا صلاح الدين، ومرة ثانية عادوا إلى العراق وفلسطين و غيرهم.
أيها الأخوة، ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، الحديث:

(( إِنَّ اللَّهَ تَعالى يَلُومُ على العَجْزِ ))

[ رواه أبو داود عن عوف بن مالك رضي اللّه عنه ].

اعقل، فكر، خطط، ضع خطة، لا تستسلم، لا تقل انتهينا، ما انتهينا إطلاقاً، الفرنجة احتلوا الساحل السوري كله مع فلسطين ـ أنطاكية، الساحل، وفلسطين ـ تسعين عاماً ثم خرجوا، واليهود عمرهم في فلسطين ستون عاماً سيخرجون إن شاء الله، تقرير "س أي أ "، قرأته بنفسي يقول: إن اليهود سوف يرحلون عن فلسطين بعد عشرين عاماً لا عن طريق حرب، عن طريق هجرة معاكسة، لأن كل الآمال التي وعد بها اليهود في العالم لم تتحقق، لا يوجد أمن، فلذلك أيها الأخوة:

(( إِنَّ اللَّهَ تَعالى يَلُومُ على العَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بالكَيْسِ ))

[ رواه أبو داود عن عوف بن مالك رضي اللّه عنه ].

أحد علماء دمشق ـ رحمه الله تعالى ـ حدثني عن شخص، هو شخص أمي يسكن في صعيد مصر، أرسل ابنه إلى الأزهر، بعد أربع سنوات نال ابنه الشهادة، وعاد إلى قريته وعين خطيباً في القرية، فأول خطبة ألقاها هذا الابن، بكى الأب بكاءً شديداً، وما من إنسان في المسجد إلا أيقن أنه بكى فرحاً بابنه، لكن الحقيقة أنه بكى أسفاً على نفسه، كيف أمضى حياته بالجهل، حمله ندمه أن يركب جحشته ويتوجه من صعيد مصر إلى القاهرة ـ والصعيد يبعد عن القاهرة ألف كيلو متر ـ بقي شهراً في الطريق ثم قال أين الأزعر ؟ لا يعرف اسمه الأزهر، قالوا له: لا يوجد عندنا أزعر عندنا أزهر، دلوه عليه تعلم القراءة والكتابة في الخامسة والخمسين، ثم تعلم القرآن، ثم تابع العلم، وعاش حتى السادسة والتسعين وما مات إلا شيخ الأزهر.
إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام، إذا كان صادراً حقاً عن إرادة و إيمان.
لذلك:

(( إِنَّ اللَّهَ تَعالى يَلُومُ على العَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بالكَيْسِ ))

فكر، خطط، أعرف شاباً دخل امتحان الثانوية فلم ينجح، أمه مصممة على أن يكون طبيباً، ألحت عليه، ضغطت عليه، أعادها ثانية فلم ينجح، ضغطت عليه، أصرت عليه، حتى عاد الامتحان للسنة الثالثة فلم ينجح، ضغطت عليه، أصرت عليه، حتى قدم الامتحان في السنة الرابعة فنجح ودخل كلية الطب، والآن طبيب، إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلما تنقضه الأيام، إذا كان صادراً حقاً عن إرادة و إيمان.

اطلب ما شئت تنل ما تريد:

فتوكل على الله
أيها الأخوة الكرام، الذي أعلمه علم اليقين إن الإنسان حينما جاء به الله إلى الدنيا أعطاه هذه الميزة، اطلب ما شئت تنل ما تريد:

﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾

( سورة الإسراء )

إنسان فقير لدرجة تفوق حدّ الخيال، لا يملك ثمن الطعام، تعلق بشاحنة أقلته من قريته إلى سان باولو، أكبر مدينة في البرازيل، تعلق بالشاحنة دون علم السائق، وصل إلى العاصمة سان باولو، احتواه إنسان، سمح له أن ينام معه في البيت، وأطعمه سنوات عديدة، والآن هذا الإنسان رئيس جمهورية البرازيل، اطلب وتمنى أي طلب تقدم أسبابه بإحكام وصدق تناله:

(( إِنَّ اللَّهَ تَعالى يَلُومُ على العَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بالكَيْسِ، فإذَا غَلَبَكَ أمْرٌ فَقُلْ ))

[ رواه أبو داود عن عوف بن مالك رضي اللّه عنه ]

بعد أن قدمت كل الأسباب، قدمت كل الأسباب ولم تنجح، حينما قدمت كل الأسباب ولم تنجح هناك حكمة ما بعدها حكمة من عدم النجاح:

(( فإذَا غَلَبَكَ أمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ ))

[ رواه أبو داود عن عوف بن مالك رضي اللّه عنه ]

هذا الحديث منهج، هناك إنسان لا يقدم الأسباب، لا يدرس لا ينجح، يقول: هكذا كتب الله لي، ما بيدي شيء، هكذا القسمة والنصيب، سبحان الله لا أعرف كيفما نجحت ؟ لا، يجب ألا تنجح، وغير معقول أن تنجح، ورسوبك ليس قضاء وقدراً، رسوبك جزاء التقصير، أما درست دراسة متقنة جداً، واستوعبت الكتب كلها، وفي أحد أيام الامتحان هاجمك مرض حال بينك وبين تقديم الامتحان، الآن تقول:

((حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ ))

حينما تأخذ بالأسباب أخذاً كاملاً، ولا تستطيع أن تصل إلى هدفك، اعتقد يقيناً إن كنت مؤمناً مستقيماً أن هناك حكمة بالغة بالغة بالغة من عدم النجاح، تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، في العالم الغربي إن لم يحقق الهدف ينتحر، وبالعالم الشرقي لا يدرس أساساً لا ينجح، أما المؤمن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ويتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.

ما لم نأخذ بالأسباب لا يمكن أن نُحصّل شيئاً:

أيها الأخوة الكرام، والله الذي لا إله إلا هو ما من درس يحتاجه المسلمون الآن كهذا الدرس، هناك إحصاءات دقيقة جداً أن المواطن في بعض البلاد يعمل سبع عشرة دقيقة باليوم، هناك حسابات دقيقة بكليات الاقتصاد، يقسمون الناتج القومي على عدد السكان على الأيام على الساعات، في الدول النامية المواطن يعمل سبع عشرة دقيقة، وأفضل دولة نامية يعمل المواطن سبع وعشرين دقيقة، الدول القوية يعملون من ست ساعات إلى ثماني ساعات، أنا لا أصدق أن تستطيع أمة يعمل أفرادها في اليوم سبع عشرة دقيقة أن ينتصروا على أمة يعمل أفرادها ثماني ساعات يومية، هذه هي المشكلة، ما لم نأخذ بالأسباب لا يمكن أن نُحصّل شيئاً، أقوى دليل:

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.

أنواع الفقر:

أيها الأخوة الكرام، هذا الدرس يحتاجه كل مسلم، يقول لك: لا يوجد عمل، من قال لك لا يوجد عمل ؟ لكن إذا لم يكن هناك جهد لتطوير العمل فعلاً فهناك كساد، أما كل إنسان طور عمله، وأتقن عمله، وحسن عمله، يجد أن هناك عملاً دائماً، المشكلة هي الكساد، وأنا أقول: دائماً هناك فقر القدر، إنسان معه عاهة لا يستطيع أن يعمل، فقير يحتاج إلى مساعدة، وإلى صدقة، هذا الفقير قدراً لا يحاسب، هذا فقر القدر، و هناك فقر الإنفاق، هذه حالات نادرة جداً، سيدنا الصديق قدم كل ماله قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال: أبقيت الله ورسوله. فلما قال الله ورسوله، النبي عليه الصلاة والسلام أعجب به، هذا فقر الإنفاق، أيضاً موضوع ثان، أما المشكلة والطامة الكبرى في فقر الكسل، والمسلمون فقراء لا لأنهم ابتلاهم الله بقضاء وقدر، لا ، هذا فقر الكسل، لا يتقن عمله، يرجئ، لا يسلم في الوقت الدقيق، مهمل، يشتغل يوم و يرتاح عشرة، هذا فقر الكسل ونعوذ بالله من فقر الكسل.

الموضوع العلمي:

الخلايا في الجسم البشري:

image

الخلية

أيها الأخوة الكرام، ننتقل إلى الموضوع العلمي، عدد الخلايا في الجسم البشري مئة ألف ألف مليون، أو مئة مليون مليون، أو مئة ترليون، هذه الخلية لا يمكن أن تراها بالعين المجردة إلا إذا كبرتها مئة وأربعين مرة، إذا كبرتها مئة وأربعين مرة تراها كذرة الملح، وزن هذه الخلية واحد على ألف مليون من الغرام، أي كل ألف مليون خلية تصنع غراماً واحداً.
image

الخلية بالمجهر الالكتروني و تظهر النواة و بداخلها الصبغيات

أيها الأخوة الكرام، الشيء الذي يلفت النظر أن في الخلية نواة وعليها مورثات بالآلاف، بعشرات الآلاف، وكل مورث معلومة تسهم في تشكيل الجسم، والخلية فيها نوية داخل النواة، وفيها هيلولة جسم الخلية، وفيها قشرة، أخطر شيء العلماء أقروه أن الخلية اليوم ليس وحدة بناء، أي ليس أصغر لبنة في الجسم، لكنها وحدة وظيفة، الخلية مؤلفة من أجزاء كثيرة، لكن مجموع هذه الأجزاء يشكل وظيفة واحدة متجانسة، فقالوا: الخلية ليست وحدة بناء بل وحدة وظيفة، أي الخلية فيها أجهزة، فيها مصول، فيها مواد، فيها نسج، الخلية تصنع البروتينات في الخلية مخازن تخزن بها المواد
image

الصبغيات (الكروسومات)

في الخلية أجهزة تنظيف، في الخلية أنابيب توصيل، في الخلية مولدات طاقة، كل هذا في هيلولة الخلية، فهي مرة ثانية ليست وحدة بناء بل وحدة وظيفة، الشيء المعجز المئة ألف ألف مليون أعمارها متفاوتة، خلايا البشرة لا تعيش أكثر من ثلاث ساعات، الإنسان يقول لك: دخلت الحمام وتحممت حماماً متقناً ـ نزل مني وسخاً ـ أي نزل منه الخلايا الميتة فقط، خلايا البشرة تعيش ثلاث ساعات، وكلما دخلت إلى الحمام انزاحت الخلايا الميتة، ويمكن الآن أن أقول لك: كم خلية يموت في اليوم، خلايا الأمعاء الدقيقة الماصة للغذاء هذه تعيش ثمان وأربعين ساعة، أنت كل يومين عندك زغابات أمعاء جديدة كلياً، هناك خلايا تعيش سبعة أيام، خلايا التذوق، الكريات الحمراء تعيش الواحدة مئة وخمسة وعشرين يوماً، يموت بكل ثانية اثنان ونصف مليون كرية حمراء، ويولد كل ثانية اثنان ونصف مليون كرية حمراء، وعمر الكرية مئة وخمسة وعشرون يوماً، لكن أطول خلية عمراً خلايا العظام خمس سنوات.
فأنت تتجدد كلياً من فرقك إلى قدمك، من داخلك إلى خارجك، من اليمين إلى اليسار، من الأعلى إلى الأسفل، تتجدد كلياً كل خمس سنوات.

الحكمة من عدم تجدد الدماغ و القلب:

لكن الحكمة الرائعة أن الدماغ لا يتجدد، والقلب لا يتجدد، وقد بحثت هذا في خطبة سابقة، وكيف أن القلب مكان المشاعر والأحاسيس، والإيمان والكفر، والرضا والغضب، والحب والكراهية، مكان الإيمان، مكان الأذواق.
أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:

﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(27)﴾

( سورة آل عمران ).

قضية الخلايا والله ما تكلمت إلا واحد بالمليون، معلومات بسيطة جداً يأخذها الطلاب بالتعليم الثانوي:

أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر

والحمد لله رب العالمين