46126
العقيدة - حقائق الإيمان والإعجاز - الدرس (13-30) : كيف تعامل الصحابة الكرام مع القرآن الكريم وكيف يتعامل معه المسلمون اليوم - فوائد الحجامة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-03-08
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الخطر المحيط بالمسلمين اليوم عدم تطبيق القرآن الكريم في أمورهم:

أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد وهو الدرس الثالث عشر من دروس حقائق الإيمان والإعجاز، وقد بدأنا في موضوع تلاوة القرآن الكريم، واليوم أبين لكم بفضل الله وتوفيقه كيف تعامل الصحابة الكرام مع القرآن الكريم ؟ وكيف يتعامل معه المسلمون اليوم ؟ يقول عبد الله بن مسعود:

(( إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن مَنْ بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به ))

[ الجامع لأحكام القرآن عن عبد الله بن مسعود ]

المسلم الذي لا ينتهي عما نهى الله عنه لم يؤمن بالقرآن
نص دقيق، يعني إنسان مريض ذهب إلى طبيب وصف له دواء، هذا الدواء كتب على وصفة طبية، يا ترى هذا المريض لو قرأ هذه الوصفة هل يشفى ؟ لو قرأها قراءة رائعة أعطى كل حرف مخرجه هل يشفى ؟ لو فهم ترتيب الدواء هل يشفى ؟ لا يشفى إلا إذا أخذ الدواء، فالفرق كبير جداً بين أن تعمل بالقرآن وبين أن تقرأه، مع أن قراءة القرآن عبادة، مع أن الاعتناء بالقرآن عبادة، مع أن تلاوته وفق قواعد اللغة عبادة، مع أن تلاوته وفق قواعد التجويد عبادة، مع أن فهمه عبادة، لكن أين يكمن الخطر ؟ في ألا تطبقه، أعيد عليكم مثل الوصفة: مريض يعاني من مرض خطير ذهب إلى طبيب كتب له وصفة، إن قرأ المريض الوصفة لا يشفى، إن قُرأت بصوت جهوري المريض لا يشفى، إن قُرأت بنغم المريض لا يشفى، إن فهم تركيب الدواء المريض لا يشفى، يشفى بحالة واحدة إذا أخذ الدواء، لذلك ورد في بعض الآثار:

(( ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ))

[ الترمذي عن صهيب ]

ورد في بعض الآثار النبوية:

(( ورُبَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه ))

[ ورد في الأثر]

هجر المسلمين القرآن الكريم:

تعظيم القرآن دون العمل به لن يفيد المسلمين في شيء
والله الآن مع حفظ القرآن الكريم وهي عبادة، ومع تلاوة القرآن الكريم، ومع فهم القرآن الكريم، ولكن الذي ينجينا الآن أن نطبق القرآن الكريم، لكن الذي ينجينا أن يكون داخلاً في حياتنا، أنا لا أريد أن يكون القرآن عند المسلمين كتاباً مقدساً ليس غير، أريده أن يكون منهجاً لهم، كل إنسان عنده أشياء مقدسة، فحينما نكتفي بأن نعظم هذا الكتاب ككتاب مقدس، حينما نقول إنه كتاب معجزة، حينما نقول إنه كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لا ننتفع به، يعني لو أن إنساناً معه مرض جلدي، وعلاجه الوحيد التعرض لأشعة الشمس، وجلس في غرفة قميئة وظلمة، وقال: يا لها من شمس ساطعة، يا لها من شمس عظيمة، يا لها من أشعة شافية، هل يشفى ؟ أنا أضع يدي الآن على مشكلة المسلمين الأولى، القرآن الكريم هجره المسلمون، هم يقرؤونه ويجودونه ويطبعونه لكنهم هجروا تعاليمه، مرة قال لي شخص (كنت أمشي في أحد الأسواق فدعاني إلى الدخول على محله التجاري ): جاءني خاطب لابنتي، قال: ما شاء الله شكل، وذكاء، وغنى، وعنده معمل، وبيت، وسيارة، وشاب بالتعبير المصري لقطة، قال لي ما قولك ؟ قلت له: أنت عندما تقرأ القرآن الكريم وتنتهي من تلاوته ماذا تقول ؟ قلت له تقول صدق الله العظيم، أيام تقبل المصحف في من يقبله مرة واحدة في من يقبله من ست وجوه ويقول صدق الله العظيم، قلت له: أنت إذا أعطيت ابنتك لهذا الشاب الوسيم الغني الذي يعد من أفضل الأزواج لابنتك بمقاييس الدنيا، هناك مقاييس، من غفل عن الله لا يكون صدق الله، كلمتك صدق الله العظيم ليست صحيحة، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾

(سورة البقرة: من آية 221 )

ثم علمت فيما بعد أنه زوجها إياه، وبعد فترة محدودة طلقها، كيف طلقها ؟ كانت معه في مصيف اختلف معها فتح الباب وركلها بقدمه في الطريق، وعادت إلى الشام.

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾

(سورة البقرة: من آية 221 )

الفرق الكبير بين الإيمان بحقائق الإيمان وبين أن تذوق حلاوة الإيمان:

تلاوة  القرآن وحفظه دون تطبق أحكامه لا قيمة لذلك لأن السلوك يكذبه
أنا أقول يجب أن تواجه الحقيقة المرة حينما لا تكون أحكام القرآن مطبقة عندك فلا قيمة لتلاوة القرآن، ولا لحفظه، لأنك في السلوك تكذبه، لذلك يقول عبد الله بن مسعود:

(( إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن مَنْ بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به ))

[ الجامع لأحكام القرآن عن عبد الله بن مسعود ]

لكن لو واحد جمع الحسنيين عمل به وحفظه شيء رائع جداً، جمع المجد من أطرافه.

(( كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يرزقون حفظ القرآن ولا يرزقون العمل به ))

[ الجامع لأحكام القرآن عن ابن عمر ]

فرق كبير بين أن تؤمن بحقائق الإيمان وبين أن تذوق حلاوة الإيمان، صدقوا ولا أبالغ كالفرق بين أن تقول مئة مليار دولار أن تنطق بهذا الرقم بلسانك وبين أن تملكه، بين أن تقتني صورة مركبة رائعة جداً وبين أن تركبها، بين أن تضع على الطاولة صورة قصر وبين أن تملكه وتسكنه، لذلك ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً:

(( تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة فلما ختمها نحر جزوراً ))

[ وتهذيب سير أعلام النبلاء و الجامع لأحكام القرآن عن ابن عمر ]

الفائز من جمع بين حفظ القرآن الكريم و تلاوته وبين العمل به:

السعادة الحقيقية مصدرها العمل الصالح بعد الإيمان بالله
أنا أتمنى أن تجمع بين الحفظ والتلاوة وبين العمل بالقرآن الكريم، لكن لو أنك ستفعل أحد الشيئين الأولى أن تطبق القرآن الكريم لأنه لمجرد أن تطبق أحكامه تتألق.

(( تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة فلما ختمها نحر جزوراً ))

[وتهذيب سير أعلام النبلاء و الجامع لأحكام القرآن عن ابن عمر ]

هناك آية قال تعالى:

﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ (19) ﴾

( سورة التوبة)

إذا واحد معه ألف مليون وتبرع بمليون لبناء مسجد، تبرع بخمسة ملايين، بعشرة ملايين، إنفاق المال سهل أحياناً لكن أن تنضبط تحتاج إلى جهد، تحتاج إلى حب لله عز وجل.
وقال الحسن: كان عمر رضي الله عنه يمر بالآية من ورده بالليل فيبكي حتى يسقط على الأرض، ويبقى في البيت يعاد للمرض.

الله عز وجل خلق الأكوان ونورها بالقرآن:

هذا القرآن الكريم يوازي الأكوان:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 1).

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

( سورة الكهف الآية: 1 ).

القرآن كلام الله الذي لا يشبهه كلام
الله عز وجل خلق الأكوان ونورها بالقرآن، إن حامل القرآن يعني عند الصحابة الكثير الكثير، ولقد كان من هؤلاء سالم مولى أبو حذيفة، يقل رضي الله عنه، بعد أن أعطاه الصحابة لواء المهاجرين يوم اليمامة ماذا يقول سالم ؟ يقول: بئس حامل القرآن أنا، يعني إن فررت من المعركة، فقطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره فقطعت يساره، فاعتنق الراية بعضديه.
السلف الصالح كانوا علماء كبار، وكانوا مجاهدين، ما من معركة بين المسلمين وبين أعدائهم إلا كان معظم العلماء في طليعة المجاهدين، حامل كتاب الله، حافظ لكتاب الله، متمكن من كتاب الله، وكان في المعركة في المقدمة، قطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره فقطعت يساره، فاعتنق الراية بعضديه، كان الصحابة الكرام والتابعين يمضون ليلة بآية واحدة يتأثرون.
تميم الداري استفتح الجاثية فلما بلغ قوله تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

جعل يرددها ويبكي حتى أصبح.

لا يسعد بقراءة القرآن الكريم إلا من عمل عملاً صالحاً:

أيها الأخوة الكرام، ينطرح سؤالاً الآن ما مشكلة المؤمن المستقيم ؟ أنا أقول مستقيم لكن يصلي فلا يشعر بشيء، يقرأ القرآن فلا يشعر بشيء، يذكر الله فلا يشعر بشيء، الجواب المستقيم يسلم لكنه لا يسعد، من الذي يسعد ؟ من عمل عملاً صالحاً، دقق في هذه الآية:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

( سورة الكهف الآية: 110 ).

يعني للتقريب لا يقدر مجند غر التحق بالقطعة العسكرية من أيام، ومعنى مجند غر، هذه أقل رتبة في الجيش لا يوجد تحتها أي رتبة، هذا المجند الغر لا يستطيع أن يقابل اللواء أركان حرب قائد الفرقة يوجد أمامه سبعة عريف، وسبعتين عريف أول، وثمانية مساعد، وثمانيتين مساعد أول، ونجمة، ونجمتين ، وثلاث نجمات، وتاج ونجمتين، في رتب عديدة جداً تنتهي بقائد هذا اللواء، لا يمكن لهذا المجند الغر أن يصل لهذا اللواء إلا بحالة واحدة، أن يرى ابن هذا اللواء يسبح، وكان على وشك الغرق فأنقذه، يستقبله، ويرحب به، ويقدم له الضيافة، ويشكره، احفظوا هذا المثل ومعه الآية الكريمة:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

( سورة الكهف الآية: 110 )

القيام بأعمال لوجه الله عز وجل تجعل الإنسان في غاية السعادة:

أيها الأخوة الكرام، تتوارد عليّ أسئلة كثيرة يقول لك: أنا لست مسروراً، صح، مستقيم، مالي حلال، بيتي مسلم، بناتي محجبات، لكن لست مسروراً، نقول له:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

يقول لك أشتغل، طبعاً وظيفتك لمصلحتك، كل نشاطات الإنسان معظمها تصب لمصلحته، بدخله، برزقه، ببيته، لأولاده، لكن خطر في بالك تقوم بعمل لا تنتفع به إطلاقاً لوجه الله عز وجل، يعني لك أخ كان يرتاد المسجد لم يعد يأتي، ساكن بأبعد حي بدمشق، شخص سألته أين تسكن ؟ هو يسكن بالحجر الأسود قال له بلاك ستون سيتي، الحجر الأسود لكن أعطاه شأناً كبيراً، عندك استعداد تركب أول سيارة والطريق ثلاثة أرباع الساعة وثاني سيارة وثالث سيارة وتدق بابه تتفقده مالك مصلحة معه لا من قريب ولا من بعيد إطلاقاً أما فعلت هذا لوجه الله، عندك استعداد ؟
شاب رأى كلباً يده مكسورة فحمله لمستوصف بيطري، عندك استعداد ؟ نريد عملاً لا يتصل بمصالحك إطلاقاً، على كلمة بيطري هناك قرية فيها إنسان مريض جداً ولا يوجد طبيب بشري هناك طبيب بيطري، أحسن من بلاء، أحضروه عالجه ووصف الدواء قال له إذا ما صحّ اذبحوه صباحاً.
و عن عباد بن حمزة عن أبيه قال بعثتني أسماء رضي الله عنها إلى السوق بعثتني وافتتحت سورة الطور فانتهت إلى قوله تعالى ووقانا عذاب السموم، فذهبت إلى السوق وهي تكرر ووقانا عذاب السموم، وعدت إليها وهي تقول ووقانا عذاب السموم.
هناك تفاعل، الإنسان يبكي أحياناً.

فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه:

أيها الأخوة الكرام، أحد العلماء الكبار حبس لفتوى أفتاها، لكن هذه الفتوى يأخذ بها العالم الإسلامي اليوم من أقصاه إلى أقصاه، لكن كل إنسان يسبق زمانه أحياناً يعارض، حُبس بالقلعة، ومنعت منه الكتب، فتفرغ للقرآن فقال عن هذه التجربة: لقد فتح الله عليّ في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن ومن أصول العلم بالأشياء الكثير الكثير وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن.
فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، يعني يمكن أن نضع كل كتاب أُلف من آدم إلى يوم القيامة بكل اللغات بكفة والقرآن بكفة، هذا كلام الخالق وتلك الكتب من تأليف المخلوقين، والفرق بين كلام الخالق وكلام المخلوق كالفرق بين الخالق والمخلوق.

دعوة الله عز وجل الإنسان إلى تدبر آيات القرآن الكريم:

الله يدعونا إلى تدبر آيات القرآن
يقول ابن القيم رحمه الله: تحديق الناظر في القرآن الكريم وتأمله في معانيه وجمع الفكر على تدبره وتعلقه هو المقصود من إنزاله، الدليل أربع آيات:

﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) ﴾

( سورة ص)

آية ثانية:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) ﴾

( سورة محمد)

آية ثالثة:

﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ (68) ﴾

( سورة المؤمنون)

آية رابعة:

﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) ﴾

( سورة الزخرف)

بأربع آيات يدعونا الله عز وجل إلى تدبر القرآن الكريم.

على الإنسان أن يتلو القرآن حقّ تلاوته و يتدبر آياته ويعرض نفسه على كل آية منه:

ما التدبر ؟ تعلمون يقيناً أن معنى التلاوة:

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 121 ).

حق تلاوته أن تتلوه وفق قواعد اللغة العربية، ثم أن تتلوه وفق قواعد التجويد إن أمكن، ثم أن تفهمه، ثم أن تتدبره، ثم أن تعمل به، ما معنى التدبر ؟ تعرض نفسك على الآية أين أنت منها:

﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) ﴾

( سورة الواقعة ).

هل أنت منهم ؟

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾

( سورة طه ).

هل أنت منهم ؟

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) ﴾

(سورة الماعون)

لا لست منهم، كلما قرأت آية تعرض نفسك عليها أين أنت منها ؟ هناك إنسان قرأ الآيات التي تتحدث عن الأتقياء المخلصين المتفوقين قال: أنا لست منهم، والآيات التي تتحدث عن الكفار والمنحرفين، قال: أنا لست منهم، فقرأ قوله تعالى عن أناس خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، قال: أنا من هؤلاء.
التدبر أن تعرض نفسك على أية آية تقرأها أين أنت منها ؟ هل أنت مطبق لها ؟ هل وصف الله للمؤمنين ينطبق عليك ؟
قال الحسن: إنما أنزل القرآن ليتدبره المؤمنون وليعملوا به، فاتخذوا تلاوته عملاً.

أقرب طريق لمعرفة الله عز وجل التفكر بآياته الكونية و التكوينية و القرآنية:

أيها الأخوة، ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن الكريم، وإطالة التأمل والتفكر في معانيه، فإن آيات القرآن الكريم تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها، وعلى طرقاتها، وأسبابها، وغاياتها، وثمراتها، ومآل أهلها، وتثبت قواعد الإيمان في قلوبهم، وتشيد بنياناً عظيمة أركانه، وتريح صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتريه أيام الله عز وجل، وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله وتعرفه ذاته، وأسماءه، وصفاته، وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها، وتعرفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة، وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون، وافتراقهم فيما يفترقون، وبالجملة تعرفه على الله عز وجل وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا أقبل عليه.
الفضل لله عز وجل درست في جامع الحمد أسماء الله الحسنى بمئتي حلقة، كل اسم حلقتان، عملت سلسلة جديدة من فضل الله عنوانها سبل الوصول وعلامات القبول، يعني بعد أن عرفت الله رحيم، قوي، غني، حكيم، لطيف، جبار، بعد أن عرفت الله كيف الوصول إليه ؟ لذلك سميت هذه السلسلة إن شاء الله سبل الوصول وعلامات القبول.
إذاً بالجملة إذا قرأت القرآن الكريم عرفت الواحد الديان، وطريق الوصول إليه، ومالك من كرامة إذا قَدمت عليه، وتُعرفه في مقابل ذلك ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصلة للشيطان، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذابة والخذلان.
لذلك أيها الأخوة الكرام، أقرب طريق لمعرفة الله عز وجل أن تتفكر في آياته الكونية، وأن تتفكر في آياته التكوينية، آياته الكونية خلقه وآياته التكوينية أفعاله وآياته القرآنية كلامه، فالقرآن الكريم أحد الطرق الثلاثة السالكة إلى الله عز وجل.

الموضوع العلمي:

معامل كريات الدم الحمراء:

أيها الأخوة الكرام: كلكم يعلم أن في نقي العظام داخل العظم معامل كريات الدم الحمراء، هذه المعامل من أخطر المعامل في جسم الإنسان، تصنع في كل ثانية مليونين ونصف كرية حمراء بكل ثانية، وهناك مرض عضال اسمه ابيضاض الدم، له اسم آخر فقر الدم اللامصنع، يعني هذه المعامل تتوقف عن تصنيع كريات الدم الحمراء، هذا المرض مميت وإلى الآن ليس له دواء، لكن بعض العلماء اكتشفوا أن هناك أجهزة في الجسم تراقب الدم، الدم أخطر شيء في الجسم فإذا قلّت كميته هذه الأجهزة ترسل إشارات إلى هذه المعامل كي تزيد من نشاطها، هذا الذي اكتشف حديثاً عن حكمة الحجامة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: دعانا النبي للتداوي بالحجامة واخبرنا الطب حديثا عن أهميته

(( إن أمثل ما تداويتم به الحجامة ))

[ البخاري عن أنس رضي الله عنه ]

ومن أراد الحجامة فليتحرى سبعة عشر أو تسعة عشر أو إحدى وعشرين ولا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله، تبيغ الدم زيادة حجم الدم، ما الذي يحصل حينما يزداد حجم الدم في الأوعية ؟ يتعب القلب، فالحجامة إنقاص لهذا الدم، والإنقاص للدم يحث معامل تصنيع كريات الدم الحمراء على أن تعمل عملاً إضافياً هذه صيانتها الوحيدة، صيانة هذه المعامل الوحيدة أن تنقص الدم بشكل أو بآخر، أحد الاستطبابات تبيغ الدم يعني زيادة الدم، وزيادة الدم تعني ارتفاع الضغط، والضغط هو القاتل الصامت، يعني أخطر مرض ليس له أعراض أبداً، ليس منتبهاً إطلاقاً قاس ضغطه خمسة عشر، اثنين وعشرين.

الركوع والسجود يجعلان الأوعية بالدماغ ذات مرونة عالية:

أيها الأخوة عندما يصلي الإنسان، عندما يسجد يرتفع ضغط الشرايين والأوعية بالدماغ، لأن الدم عند السجود يهجم إلى الرأس بحكم الجاذبية، الأوعية تتوسع بارتفاع الضغط في السجود لما يرفع الدم يتجه نحو الجسم يخف الضغط، بارتفاع الضغط ونزول الضغط ينشأ حالة اسمها المرونة بالشرايين، ارتفاع الضغط وانخفاض الضغط ينتهي بمرونة الشرايين، لذلك أحياناً الإنسان يرتفع ضغطه للخامسة والعشرين، ثمانية عشر، خمسة وعشرين، لا يصاب بشيء، يأتي إنسان آخر لا يصلي أوعية الدماغ غير مرنة يرتفع ضغطه ثمانية عشر، يقول لك خثرة بالدماغ أي ينفجر شريان بالدماغ فيشل، هذه الصلاة والسجود، أنا زرت كنيسة في البرازيل حدثني رئيس الكنيسة قال: نحن نصلي ركوعاً وسجوداً كالمسلمين تماماً هذه أصل الصلاة في بقية الأديان، لكنهم عدلوا عن الركوع والسجود إلى كراسي مريحة.
الركوع والسجود يجعل الأوعية بالدماغ ذات مرونة عالية، هذه واحدة لذلك:

((احتجموا لا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم ))

[ البزار، والطبرانى، وأبو نعيم فى الطب عن ابن عباس ]

تبيغ الدم ازدياد حجمه، تبيغ الدم يعني ارتفاع الضغط أو ارتفاع التوتر الشرياني وهذا القاتل الصامت، ارتفاع الضغط يسبب أحياناً شللاً وفقد بصر وأزمات لا يعلمها إلا الله، وضغط الدم الآن من ضغط الهم، هناك ضغط هم يسبب ضغط دم، الحالة النفسية لها علاقة بضغط الدم.

(( ما سمعت أحداً قط يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع في رأسه إلا قال: احتجم ))

[تهذيب الآثار للطبري عن أيوب بن حسن ]

ذهبت امرأة إلى بلد أوربي لمعالجتها من شقيقة الرأس فسألها، هل أنت مسلمة ؟ قالت نعم، قال احتجمي.
شيء عجيب الاحتجام طبعاً المرأة لها استثناء، ما دامت قبل سن اليأس لا تحتاج إلى حجامة، لأن عندها خروج دم طبيعي كل شهر، لكن بعد سن اليأس تحتاج إلى حجامة كالرجل تماماً.

فوائد الحجامة:

أيها الأخوة الحجامة فيها أحاديث كثيرة، وفيها استطباب من شقيقة الرأس، استطباب من ارتفاع التوتر الشرياني، استطباب من توقف معامل الدم في نقي العظام عن عملها، هذا مرض مميت، والحجامة من السنة، ويجب أن أقول لكم توجيهات النبي الصحية لا علاقة لها إطلاقاً بثقافة العصر، ولا باجتهاد النبي، ولا بخبرة النبي، ولا بمعطيات البيئة، توجيهات النبي الصحية إن هي إلا وحي يوحى لقوله تعالى:

﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾

( سورة النجم )

هناك عالم غربي لا يعرف أن في الإسلام حجامة إطلاقاً يقول: إن فقدان الدم بانتظام قد يؤدي إلى حماية الإنسان من النوبات القلبية.
أيها الأخوة الكرام، أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا.
والحمد لله رب العالمين