47773
خطبة الجمعة - الخطبة 1101 : خ1 - آداب الجهاد في الإسلام ، خ 2 - لماذا الغرب يستقطب أدمغة العالم ؟
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-01-30
بسم الله الرحمن الرحيم

الخــطــبـة الأولــى :

الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته وقادة ألويته و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

دين الإسلام دين الرحمة و الخير للعالمين جميعاً :

الإسلام دين الخير للعالمين جميعا
أيها الأخوة الكرام، تعقيباً على ما رأيناه من أعمال وحشية يندى لها جبين الإنسانية في أثناء الحرب على غزة أضع بين أيديكم موضوعاً متمماً لهذه الموضوعات، ألا وهو آداب الجهاد في الإسلام، إن دين الإسلام دين الرحمة للناس أجمعين، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) ﴾

(سورة الأنبياء)

هو دين الخير للعالمين جميعاً مؤمنهم وغير مؤمنهم، لا يجحد ذلك إلا من جهل الحقيقة، قال تعالى:

﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة يوسف )

أو كان من المستكبرين قال تعالى:

﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32) ﴾

( سورة لقمان)

خيرية الإسلام للمسلمين و غير المسلمين :

أما خيرية الإسلام للمسلمين فهي بديهية كما قال الشاعر:

فليس يصح في الإفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
***

أما خيريته لغير المسلمين فلأنه حفظ حقوقهم، وصان كرامتهم، وعاملهم بالحسنى، قال تعالى:

﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (46) ﴾

( سورة العنكبوت)

أعداؤنا قتلوا وقطعوا أشجار الزيتون
ولم يختلف هذا التعامل الراقي حتى في ساعات الانتصار، دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة المكرمة فاتحاً مطأطئ الرأس، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل، وقال:

(( ما تظنون إني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

[ السيرة النبوية]

هذا التعامل الإنساني الراقي لم يختلف حتى في ساعات الانتصار، وساعات نشوة الشعور بالعزة والغلبة، وكانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمرائه الذين بعثهم على الجيوش والسرايا: اغزوا لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً.
أما أعداؤنا ما فعلوا إلا قتل الأطفال والنساء والعُزّل، وأما خليفته الصديق رضي الله عنه فقد أوصى مبعوثه قائد جيش الشام بقوله: إني موصيك بعشر ؛ لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة، ولا بعيراً إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلاً، ولا تغلل، ولا تجبن، هذه وصية الصديق لقائده في الشام.

آداب الإسلام و أحكامه في الجهاد المشروع :

لا تتعد حدود الله في الجهاد
و للإسلام آداب وأحكام واضحة في الجهاد المشروع تحرم قتل غير المقاتلين:

﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ (190) ﴾

( سورة البقرة )

تحرم قتل غير المقاتلين، كما تحرم قتل الأبرياء من الشيوخ، والنساء، والأطفال، وتحرم تتبع الفارين، أو قتل المستسلمين، أو إيذاء الأسرى، أو التمثيل بجثث القتلى، أو تدمير المنشآت، والمواقع، والمباني التي لا علاقة لها بالقتال، ولا يمكن التسوية بين إرهاب الطغاة وعنفهم الذين يغتصبون الأوطان، وينهبون الثروات، ويهدرون الكرامات، ويدنسون المقدسات، وبين ممارسة حق الدفاع المشروع الذي يجاهد به المستضعفون لاستخلاص حقوقهم المشروعة في تقرير المصير.

المعاملة الحسنة من المسلمين لمخالفي دينهم ليست غريبة لأنها منبعثة من الإسلام نفسه:

من التاريخ الحديث أحد الفرنجة عقب فتح القدس من قِبل صلاح الدين قال: إن المسلمين لم يؤذوا أحداً، ولم ينهبوا مالاً، ولم يقتلوا مسالماً أو معاهداً، ومن شاء منا خرج وحمل معه ما شاء، وأننا بعناهم ما فضل من أمتعتنا فاشتروها منا بأثمانها، وأننا نغدو ونروح آمنين مطمئنين، لم نرَ منهم إلا الخير والمروءة فهم أهل حضارة، وتمدن، وصدق من قال: ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منهم، وليته قال: إن المسلمين لم يهدموا بيتاً، ولم يصادروا أرضاً، ولم ينشؤوا مستوطنةً، ولم يكسروا عظماً، هذا السمو في التعامل في ساعات الحرب هو ما امتثله المسلمون في عصورهم المختلفة، وبالأخص في العصور الزاهية الأولى، وهو ما اعترف به العقلاء والمنصفون من أعدائهم.
قال ديورانت: لقد كان أهل الذمة ؛ المسيحيون، واليهود، والصابئون، يتمتعون في عهد الدولة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيراً في البلاد في هذه الأيام، فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائرهم الدينية، واحتفظوا بكنائسهم، ومعابدهم، وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لعلمائهم وقضاتهم وقوانينهم.
وقال الفيلسوف المؤرخ غوستاف لوبون: ما عرف التاريخ فاتحاً أعدل ولا أرحم من العرب المسلمون.
وهذه المعاملة الحسنة من المسلمين لمخالفي دينهم ليست طارئة ولا غريبة، لأنها منبعثة من أصول الدين الإسلامي الذي يقوم على حفظ كرامة الإنسان كائناً من كان، ولهذا جهل الناس هذه الحقيقة في هذه الأيام، فسمعنا أصواتاً تتعالى في الإعلام باتهام دين الإسلام وأهله بانتهاك حقوق الإنسان ظلماً وجوراً وتعنتاً وكبراً.

الجهاد في الإسلام مشروع لردّ العدوان ورفع الظلم والطغيان :

لذلك كله فإن المجامع الفقهية الإسلامية تدعو الأمم، والشعوب، والمنظمات الدولية، إلى ضرورة التأكيد على أن الجهاد في الإسلام مشروع لردّ العدوان، ورفع الظلم والطغيان، وإقامة الحق والعدل، أما الذي يحتل أرض الآخرين، أو ينتقص من سيادة الحكومات الوطنية على أرضها، أو ينهب الثروات، ويهدم المنشآت، ويقتل المدنيين، ويروع الآمنين المسالمين، ويحولهم إلى لاجئين فهذه الأعمال تندرج تحت جرائم الحرب.

حقائق لابدّ منها :

1 ـ حاجة البشرية الماسة لدين الإسلام:

هناك حقائق أيها الأخوة، لابدّ من الوقوف عندها ؛ الحقيقة الأولى: حاجة البشرية الماسة لدين الإسلام، لتصوراته، ومبادئه، ومثله، وأخلاقه، وتعاليمه، وقيمه، إذ هو وحده كفيل بحلِّ الأزمات، وصراع الحضارات، وهو القادر دون غيره على علاج مشكلات الأمم والشعوب، ومستعصيات الزمان، لأنه دين يعنى بالفرد والمجتمع معاً، وبالروح والجسد، وبالدنيا والآخرة، وهذا ما تفتقر إليه جميع المجتمعات التي تأن تحت وطأة الظلم والضياع، وتكتوي بلهيب المادة والحقد، فالأمم اليوم لا تعرف إلا الشقاء والضنك في الحياة، بل وقد أصبح الإسلام ضرورة من ضرورات الحياة الهانئة السعيدة وهذا ما صرح به بعض الأوربيين الذين درسوا الإسلام أو قرؤوا عنه، يقول المستشرق الفرنسي غوستاف دوكا: للدين الإسلامي أثر كبير في تهذيب الأمم، وتربية مشاعرها، ووجدانها، وترقية عواطفها، فإذا قرأت تاريخ العرب قبل البعثة، وعلمت ما كانت عليه، اعتقدت أن للشريعة السمحة في تهذيب الأخلاق التأثيرُ الأكبر، إذْ ما كاد يتصل بالأمة العربية ذلك الإصلاح الروحي المدني، حتى انتشر العدل وزال النفاق والرياء والعدوان.
وقال بعض العلماء الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور، لاتساع الهوّة بينهما، لكنّي مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم بالإسلام، ولكن بشرط أن يحسن المسلمون فهم دينهم، وأن يحسنوا تطبيقه، وأن يحسنوا عرضه على الطرف الآخر.

2 ـ الإسلام عالمي و دعوة لكل الإنسانية:

الإسلام عالمي وتحت مظلته تجتمع كل الأعراق
الحقيقة الثانية: الإسلام عالمي، وأنه دعوة لكل الإنسانية، هو دين الله إلى الناس كافة، ورسالته عالمية بكل ما تحمله معاني العالمية ، قال تعالى:

﴿ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً (158)﴾

( سورة الأعراف)

ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى كافة البشر، قال تعالى:

﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون(28) ﴾

( سورة سبأ)

وإنما كانت دعوة هذا الدين عالمية، لأنه جاء لتحرير البشرية كلها من الانحرافات، والضلالات، والعبوديات لغير الله، ولم يكن الإسلام يوماً من الأيام خاصاً بقبيلة، أو طائفة، أو أمة، أو جنس، إنما هو دين الله إلى الناس كافة، ولأنه دين مشتمل على منهج حياة متكامل في جميع مناحي الحياة، لم يكن هذا المنهج ناتجاً عن ردة فعل لسوء أوضاع بيئة معينة كما هو شأن المناهج البشرية الوضعية، إنما هو منهج عام شامل كامل، أراده الله ليكون للبشرية جمعاء في كافة ديارها وشتى أقطارها.
قال بعض العلماء الغربيين: وعلى كل واحد من البشر أن يصدق محمداً فيما أخبر به، ويطيعه فيما أمر تصديقاً عاماً وطاعة عامة، وقد بعث الله رسوله محمداً بأفضل المناهج والشرائع، وأنزل عليه أفضل الكتب، وأرسله إلى خير أمة أخرجت للناس، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة.

3 ـ عظمة الإسلام وشموليته وعالميته تتجلى في جوانب كثيرة من التشريعات:

الحقيقة الثالثة: تتجلى عظمة الإسلام وشموليته وعالميته في جوانب كثيرة من التشريعات، منها جانب تنظيم العلاقات، سواء في علاقة المسلمين بربهم، أو علاقة بعضهم ببعض، أو علاقتهم بالآخرين ممن لم يعتنقوا دينهم على أي وجه كان، وصدق الله جلّ جلاله إذ يقول:

﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين(89) ﴾

( سورة النحل)

وقد جاء تنظيم العلاقة مع الآخرين في منتهى الروعة والكمال والجلال، في شؤون الحياة كافة، وفي مختلف الظروف والأحوال سواء في حال الحرب، أو في حال السلم، وسواء كانوا أهل ذمة، أو مستأمنين، أو معاهدين، أو حربيين، أو مرتدين، نظمها تنظيماً دقيقاً راعى فيها تحقيق المصالح والعدل، وحفظ حق الدين والإنسان.

4 ـ تعاملات المسلمين مع غير المسلمين:

الحقيقة الرابعة: تعاملات المسلمين مع غير المسلمين ، وبالأخص في هذا الزمن لا تمثل منهج الإسلام في التعامل معهم، لأن نظرات الناس، وضعف إيمانهم، وسوء فهمهم، نقلهم إلى علاقة يأباها الدين الإسلامي، فلذلك اتهموا ما اتهموا به من ضعف إيمانهم وضعف معلوماتهم.
فالمسلمون بين انقباض وبسط، قد لا يفرقون بين الحربي وغير الحربي، لذلك قال تعالى:

﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) ﴾

( سورة الممتحنة)

ومنهم من يرى أن العلاقة بغير المسلم كالعلاقة بالمسلم في الجملة، وهذا الفهم يكثر عند من يعيش من المسلمين في أحضان الغرب من غير المسلمين، بسبب الانصهار في مجتمعاتهم، والاندماج في بيئاتهم، كما يوجد هذا التمييع والتفريط عند بعض المسلمين في بلاد الإسلام بسبب الجهل أو رقة الدين، أو الإعجاب بغير المسلمين، والانبهار بحضارتهم، ولذلك وجدنا من المسلمين اليوم من ينادي بدمج الأديان، وهذا لا يقبل ولا يعقل، هناك التعايش وهناك المواطنة وهناك التعامل بالحسنى هذا كله وارد.
أيها الأخوة الكرام، أما الرأي المتبني للغلظة والعنف مطلقاً، فهو يتنافى مع سمو الإسلام، وسماحته، وعالميته، ومبادئه، وتشريعاته، ويتنافى أيضاً مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه.

تشريع الجهاد في الإسلام نصراً للحق و دفعاً للظلم :

شرع الجهاد في الإسلام نصرة للحق ودفعا للظلم
أيها الأخوة، إن الجهاد في الإسلام شُرع نصرة للحق، ودفعاً للظلم، وإقراراً للعدل، والسلام ، والأمن، وتمكيناً للرحمة التي أرسل محمد صلى الله عليه وسلم بها للعالمين، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو ما يقضي على الإرهاب بكل صوره، فالجهاد شرع لذلك، وللدفاع عن الوطن ضد احتلال الأرض، ونهب الثروات، وضد الاستعمار الاستيطاني، الذي يخرج الناس من ديارهم، وضد الذين يظاهرون ويساعدون على الإخراج من الديار، وضد الذين ينقضون عهودهم، ولدفع فتنة المسلمين في دينهم، أو سلب حريتهم في الدعوة السلمية إلى الإسلام، قال تعالى:

﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) ﴾

( سورة الممتحنة)

دين الإسلام يحرم الإرهاب بالمفهوم الجديد ويمنع العدوان ويؤكد على العدالة والتسامح :

أيها الأخوة الكرام، والمسلمون إذ يدعون العالم ومؤسساته إلى معالجة العنف العدواني، ومنع إرهاب الدولة الذي يمارسه الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، فإنه يُدين جميع ممارسات إسرائيل العدوانية ضد فلسطين وشعبها، والمقدسات الإسلامية، ويدعو جميع الدول المحبة للسلام إلى مساعدة شعب فلسطين، وتأييده في إعلان دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس، وينبه المسلمون المجتمع الدولي إلى أن تجاهل العدالة في حلّ المشكلات الإنسانية، وانتهاج أسلوب القوة والاستعلاء في العلاقات الدولية، هو وراء الكثير من الويلات والحروب، وإن عدم حلّ قضية الشعب الفلسطيني على أسس عادلة، أوجد بؤرة للصراع والعنف، ولابدّ من العمل على ردِّ الحقوق ودفع المظالم.
أيها الأخوة الكرام، وحيث إن دين الإسلام يحرم الإرهاب بالمفهوم الجديد، ويمنع العدوان، ويؤكد على معاني العدالة والتسامح، وسمو الحوار والتواصل بين الناس، فإن المسلمين يدعون الشعوب الإنسانية والمنظمات الدولية إلى التعرف على الإسلام من مصادره الأساسية لمعرفة ما فيه من حلول للمشكلات البشرية، وأن دين السلام هو للناس جميعاً، وأنه يمنع العدوان قال تعالى:

﴿ ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين(190) ﴾

(سورة البقرة)

تغيير الغرب المصطلحات الإسلامية منذ الهجمة الغربية على العالم الإسلامي :

منذ الهجمة الغربية على العالم الإسلامي والغرب يقوم بما يسمى باحتلال المصطلحات الإسلامية، يحتلها ويعطيها معنى آخر، يحتلها بالمفاهيم الغربية وهذا ما أدى إلى اختلال في الفهم، وضياع لمعاني اللغة التي هي وعاء الفكر، فالإرهاب في أصله إسلامي، لفظة قرآنية الغرض منها صدّ المعتدي، وإرجاع الناس إلى الطريق القويم، ومنعهم من الفساد في الأرض، قال تعالى:

﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ (190) ﴾

(سورة البقرة)

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60) ﴾

( سورة الأنفال)

تمنعونهم من أن يعتدوا عليكم وقد لا تستخدمون هذا السلاح إطلاقاً لمجرد وجود سلاح قوي بأيدي المسلمين هذا يمنع العدوان عنهم:

﴿ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ (60) ﴾

( سورة الأنفال )

فظهر أن الإرهاب إنما يكون لعدو الله، وعدو المؤمنين، وللمنافقين الذين لا يعلمون الحقيقة، ولكن الصحافة والإعلام ابتذل هذا المصطلح القرآني حتى عاد مرافقاً للعدوان، ومرادفاً للظلم والطغيان، وقتل المدنيين والأبرياء، وبهذا الأوراق قد خلطت، وساءت النيات، إلى غير ذلك مما يأباه كل مسلم على وجه الأرض، قال تعالى:

﴿ ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين(190) ﴾

(سورة البقرة)

التسامح في ديننا يقوم على :

1 ـ الاعتقاد بأن كل الديانات تستقي من معين واحد:

كل الديانات تستقي من معين واحد
إن الإسلام دين التسامح، وإن شهادات كثيرة قيلت وكُتبت عن الإسلام في هذا الميدان، وهذا المجال قال العدو قبل الصديق: لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب ولا ديناً سمحاً مثل دينهم، وسُجِّلت مثل هذه الكلمات في سجلات تاريخية واجتماعية وسياسية، و إذا ما سأل سائل عن معطيات التسامح في ديننا و إسلامنا قلنا: إن التسامح في ديننا يقوم:
أولاً: الاعتقاد بأن كل الديانات تستقي من معين واحد:

﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً و الذي أوحينا إليك و ما وصينا به إبراهيم و موسى و عيسى أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه (13)﴾

( سورة الشورى)


2 ـ عدم التفريق بين رسول و رسول:

ثانياً: لا نفرّق نحن الذين نؤمن بالإسلام بين رسول و رسول من حيث الإيمان، و من حيث الاعتقاد بأن هؤلاء رسل الله إلى الناس و الله عز وجل قال:

﴿ لا نفرق بين أحد منهم و نحن له مسلمون(136) ﴾

( سورة البقرة)

و قال تعالى:

﴿ لا نفرق بين أحد من رسله و قالوا سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير(285)﴾

( سورة البقرة)

3 ـ لا إكراه في الدين:

ثالثاً: لا إكراه في الدين، و لا نكره أحداً على الدين لأن الله عز وجل قال:

﴿ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي(256) ﴾

( سورة البقرة)

4 ـ احترام أمكنة العبادة:

رابعاً: أمكنة العبادة محترمة:

﴿ و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً (40)﴾

( سورة الحج)

5 ـ العلاقة مع أهل الديانات الأخرى قائمة على المجادلة بالتي هي أحسن:

خامساً: العلاقة مع أهل الديانات الأخرى قائمة على المجادلة بالتي هي أحسن، قال تعالى:

﴿ و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن(46) ﴾

( سورة العنكبوت)

6 ـ عدم منع قيام علاقات طيّبة جواريّة ضيفيّة بيننا و بين أهل الديانات الأخرى:

سادساً: ليس ثمّة مانع من أن تكون بينك و بين أهل الديانات الأخرى علاقات طيّبة جواريّة ضيفيّة، قال تعالى:

﴿ و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم(5) ﴾

( سورة المائدة)

و ما ذكر الطعام إلا لأنّ احتمال اللقاءات والضيافات و قائم.
هذه الأسس الستة التي يقوم عليها التسامح في الإسلام كمصطلح من مصطلحاتنا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

* * *

الخــطــبـة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى صحابته الغر الميامين، و على آل بيته الطيبين الطاهرين.

استقطاب الغرب أدمغة العالم بإلغاء التعقيدات :

أيها الأخوة الكرام، عودتكم دائماً أن ننطلق من أن الحقيقة المرة قد تكون أفضل ألف مرة من الوهم المريح، أحد الأشخاص طرح هذا السؤال لماذا هذه الدولة القوية أصبحت الدولة الأولى عالمياً ؟ لماذا صناعتها هي الأفضل ؟ لماذا جيشها هو الأقوى ؟ لماذا كان يحلم نصف من في الأرض ببطاقة خضراء تمكنه من الدخول إليها ؟ لماذا تسعى معظم الشعوب لتقليد ثقافة هذه الدولة القوية على الرغم من كره العالم لها ؟
الجواب أخ في بلد عربي مجاور يقول: لي صديق من فلسطين اسمه هشام يعزّ على قلبي كثيراً، يعمل هشام معي في الشركة التي أعمل بها، هشام رجل خارق الذكاء، بل هو أذكى من رأت عيني، قام هشام بعمل أول برنامج مبتكر عندما بلغ التاسعة من عمره ، حصل هشام على الثانوية العامة بنسبة 99.8% وتخرج من الجامعة الأول على زملائه، و مسجل باسمه ثمانية اختراعات، و لديه شهادات اعتراف من معاهد عالمية يابانية وأمريكية وكندية، وذات يوم أرسلت إليه جامعة أمريكية عريقة رسالة تفيده برغبة الجامعة في أن يتابع دراسته العليا فيها على حساب الجامعة، وبالفعل غادر هشام بلده متجها إلى أمريكا ومعه زوجته وولداه حسام وعمار، وعندما وصل هشام إلى أمريكا اكتشف أنه لا يحمل أي مستند رسمي عن دراسة ولديه، فأصيب هشام بغم وهم، فكيف سيكمل ولده حسام وهو في الصف الرابع تعليمه وهو لا يملك أي مستند يشير إلى ذلك، وعمار وهو في الصف الثاني يعاني من المشكلة نفسها ؟ ذهب هشام بصحبة ولديه إلى مدرسة قريبة، وطلب تسجيل ولديه، فطلبت منه المديرة أوراقهما فأجابها هشام بأن الإثبات الوحيد الذي أملكه عن دراسة ولديه هو خطاب وداع من المرشد الطلابي في مدرستهما، فأجابت المديرة: لا عليك، اذهب إلى عملك و سأصحب حسام وعمار إلى فصليهما، وبالفعل تمّ موضوع تسجيل الولدين في أقل من خمس دقائق وبعد مرور سنتين تمكّن هشام من نيل درجة الماجستير بتفوق، وقرر العودة إلى بلد مسلم، يحلم أن يقيم فيه حفاظاً على دينه ودين أولاده، ولا أسمي هذا البلد الذي اختاره لأن جميع البلاد الإسلامية متشابهة في مشكلة هشام، ولأن الجميع يعرف ذكاء هشام الخارق، عرضت عليه السلطات في أمريكا الجنسية الأمريكية، بالإضافة إلى تبنٍ تام لكل مصاريفه ومصاريف عائلته، ولكن هشام رفض وقال سأرجع إلى بلادي، أخدم فيها المسلمين في اختصاصي، وبالفعل رجع هشام إلى البلد المسلم الذي يحلم فيه في فترة الإجازة الصيفية، فذهب لتسجيل ولديه في المدرسة، وتوجه إلى إدارة التعليم ومعه شهادات طفليه وشاهدات التفوق، وعندما قدمها للموظف المسؤول، أجابه الموظف بأن التقديم مقتصر على المواطنين وأنت أجنبي تأتي بعد شهر، فجاء بعد شهر فذهب إلى الإدارة مرة أخرى، فقال له الموظف: التقديم في الصباح للمواطنين فقط، والأجانب بعد الظهر، فذهب هشام في اليوم التالي إلى الموظف، فلم يجده، فسأل عنه فقالوا له يصلي، فانتظره ساعة وبعدها عاد ورفض استلام الأوراق لأن الدوام انتهى.
في اليوم التالي، قدم هشام الطلب، فرفض الموظف طلبه بحجة أن هناك تصديقات ناقصة، وطلب منه أن يصدق الشهادات من المدرسة في أمريكا ، ثم يصدق الأوراق من سفارة بلده في واشنطن، ثم يقدم المعاملة، ثم يقدم معادلة الشهادات، ثم يقدم معاملة معادلة الشهادة وهي معاملة طويلة جداً، واستغرقت المعاملة السابقة شهرين كاملين، و بعد جهد جهيد وتعب شديد تمت المعاملة بنجاح، وذهب هشام إلى المدرسة ومعه أوراق ولديه كاملة، وقدمها إلى مدير، فطلب منه المدير شراء مكيفات للمدرسة وإلا فإن ابنه لن يسجل فيها.
ذهب هشام إلى إدارة التعليم ليقدم شكوى ضد المدير، ولكن أحداً لم يستمع إليه، فخرج هشام واتصل بشركة الطيران وقطع تذاكر العودة للعودة إلى أمريكا.

الإيمان بالله وبالرسالة التي يحملها المسلم أقوى من كل العقبات :

الآن يعيش هشام في أمريكا، وهو يحمل الجنسية الأمريكية، و قد حصل على شهادة الدكتوراه، وأصبح مستشاراً وأستاذاً جامعياً، وكسبت أمريكا عقلاً عربياً جباراً، وأستاذاً في الجامعة، ولازال الموظف في إدارة التعليم يطالب بأختام ولا زال المدير يتسول لشراء مكيفات للمدرسة.
أخوتنا الكرام هذا نموذج من آلاف النماذج، بالمناسبة عند شركة ميكروسوفت خمسة و وثلاثون ألف مهندس، نوابغ العالم عندهم، في ديترويت وحدها ما يزيد عن عشرة آلاف طبيب مسلم يحملون البورد، لذلك أنا لا أقر هشاماً على عودته لأمريكا، ولا أقر الأطباء المسلمين على بقائهم في أمريكا، لأن الإيمان بالله، وبالرسالة التي يحملها المسلم في خدمة دينه والمسلمين أقوى من كل العقبات، ما رويت هذه القصة لأقر هشاماً على فعله، لأبين لكم الخطأ في البلاد النامية.

واقع الدول القوية المجرمة في حقّ الشعوب الأخرى :

أيها الأخوة، هذا واقع الدول القوية المجرمة في حقّ الشعوب الأخرى، وهذا واقع الدول النامية بحق شعوبها، لذلك أنقل لكم دققوا في هذه الكلمة، أنقل لكم كلمة قالها لويس التاسع ملك فرنسا الذي أُسر عام ألف و مئتين وخمسين ميلادية، أي قبل سبعمئة وستين عاماً، قال لويس التاسع ملك فرنسا الذي أُسر وسجن في دار ابن لقمان في المنصورة وهي من الوثائق المحفوظة في دار الوثائق القومية في باريس أنقلها لكم حرفياً، قال لويس التاسع: لا يمكن الانتصار على المسلمين في الحرب ـ كما رأيتم ـ وإنما ننتصر عليهم باتباع ما يلي (يخططون لنا قبل سبعمئة وستين عاماً):
إشاعة الفرقة بين قادة المسلمين، أليس هذا واقعاً ؟ عدم تمكين البلاد العربية والإسلامية أن يقوم فيها حكم صالح، إفساد أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية بالرشوة، والفساد، والنساء، حتى تنفصل القاعدة عن القمة، الحيلولة دون قيام جيش مؤمن بحق وطنه عليه، يضحي في سبيل مبادئه، الحيلولة دون قيام وحدة عربية إسلامية في المنطقة، تذهب إلى أوربا بلد واحد، عملة واحدة، اقتصاد واحد، والله تنقلت عدة مرات من فرنسا إلى ألمانيا دون أن أشعر، من فرنسا إلى هولندا، لا يوجد لوحة وليس هناك شيء إطلاقاً، كل الرحلات داخلية بالطائرة، من باريس إلى برلين رحلة داخلية، لا يوجد شيء إطلاقاً.
العمل على الحيلولة دون قيام وحدة عربية إسلامية في المنطقة، الآن دققوا هذا التخطيط قبل سبعمئة عام، العمل على قيام دولة غربية في المنطقة العربية، هذه قبل إسرائيل بسبعمئة عام، عمر إسرائيل يقدر بستين عاماً، هذا قبل سبعمئة وستين عاماً، إذاً هم يخططون قبل سبعمئة عام، وقيل إما أن تخطط وإما أن يُخَطط لك هذه المقولة للويس التاسع عشر ملك فرنسا قبل مئات السنين، تفسر لكم ما يجري الآن.

معركتنا في هذه الحياة معركة مصيرية :

أيها الأخوة الكرام، معركتنا معركة حياة أو موت، معركة وجود أو فناء، معركة نكون أو لا نكون، هذه معركة مصيرية، والله الذي لا إله إلا هو اتخذت ستة قرارات الآخر غير معلن لكن مطبق، الأول إفقار المسلمين، والثاني إضلالهم، والثالث إفسادهم، والرابع إذلالهم، والخامس إبادتهم، يبيدون الملايين ولا ينطق أحد بكلمة وكأنهم متفقون على إبادتنا فلابدّ من صحوة أيها الأخوة، لابدّ من عودة إلى هذا الدين العظيم، لابدّ من أن نستعيد مجدنا القيادي.
كان العرب قبل الإسلام رعاة للغنم، بفضل هذا الدين العظيم أصبحوا قادة للأمم، فلذلك هذه القصة رويتها لأنها تمثل عشرات ألوف القصص، قصة نموذجية كان من الممكن أن يكون بطلاً كبيراً وعالماً كبيراً في بلاد المسلمين، لذلك الغرب يستقطب أدمغة العالم بإلغاء هذه التعقيدات، ونحن دون أن نشعر ننفر علماءنا وعباقرتنا إلى بلاد أخرى، هذه مشكلة العالم الثالث فضلاً على فقره، فضلاً على أنه فقير يعامل من عليهم الأمل في النهوض بالأمة هذه المعاملة.

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

والحمد لله رب العالمين