25852
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 159 : السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1990-09-21
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ما هي الحقائق العلمية التي اكتشفت حول هذه الآية ؟

 أيها الأخوة الأكارم, يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾

[سورة الطارق الآية: 11-12]

 يصف خالق الكون السماء بكلمة واحدة:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾

[سورة الطارق الآية: 11]

 كلَّما تقدَّم العلم اكتشفت حقائق جديدة تدعم هذا الوصف الموجز, فالقمر يسير في مدارٍ حول الأرض يذهب ثم يرجع إلى مكانه الأول، والشمس تجري لمستقرٍ لها في مدارٍ حول نجمٍ أخر، وتعود إلى مكانها السابق، والمذنَّبات:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾

[سورة الطارق الآية: 11]

 هذا المذنب ـ مذنَّب هالي ـ زار الأرض في عام ألفٍ وتسعمئةٍ واثني عشر بالضبط، وعاد إلينا في عام ألفٍ وتسعمئةٍ وستةٍ وثمانين، تستغرق دورته منذ ملايين السنين ستاً وسبعين عاماً .
 مذنب هالي وتكرار مروره بجانب الأرض قال تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ
 

image

مذنب هالي وتكرار مروره بجانب الأرض قال تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ

فالأرض تدور وترجع، والقمر يدور ويرجع، والشمس تدور وترجع، والمذنَّبات ترجع ، وكلُّ ما في السماء يدور في فلكٍ بيضوي أو دائري ويرجع، إذن حينما وصف ربنا سبحانه وتعالى السماء بكلمةٍ واحدة، إنه وصف خالقها:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾

[سورة الطارق الآية: 11]

 ثم اتجه العلماء اتجاهاً آخر، هذه الغازات التي أودعها الله في الأجواء، يستنشق الإنسان الأوكسجين، فيصبح غاز الفحم الذي يأخذه النبات، ويعيده أوكسجينا, حتى الغازات لها دورةٌ طبيعية، من أوكسجين, إلى غاز فحم، إلى أوكسجين, وإذا أرسلت إلى السماء أمواجاً كهرطيسية إنها ترجع، ويقوم البث اليوم على هذا المبدأ, كما أن إذا صعد بخار الماء إلى السماء يرجع أمطاراً, عندما يقول ربنا عزَّ وجل:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾

[سورة الطارق الآية: 11]

 ترجع السماء بخار الماء أمطاراً، وترجع الأمواج الكهرطيسية أصواتاً، وترجع الغازات في تقلباتها إلى ما كانت عليه، وكلُّ ما في السماء يرجع إلى مكانه الأول لأنه يدور، ويسير، ويتحرَّك في مسارٍ كروي أو بيضوي، فعندما يقول ربنا عزَّ وجل بإيجازٍ عجيب:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾

[سورة الطارق الآية: 11]

 يعني هذا أنه قرآنٌ من عند خالق الكون، وهذا وصف الله، وصف الخالق، وصف الصانع .

كيف تتصدع الأرض ؟

 لو أردت تصف أن الأرض بصفةٍ شاملةٍ جامعة مانعة، لكان قوله تعالى:

﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾

[سورة الطارق الآية: 12]

 
image

كانت القارَّات متصلة ثم تصدَّعت قال تعالى: وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ

كانت القارَّات متصلة ثم تصدَّعت قال تعالى: وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ
 كانت القارَّات متصلة تصدَّعت، الصخور تتصدَّع، الأحجار تتصدَّع، بل إن أدقَّ الجزئيات تتصدع، فإذا ذهبت لتصف الأرض بصفةٍ ثابتةٍ منذ أن خلقها الله, وحتى نهاية الحياة ، إنها التصدُّع:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾

[سورة الطارق الآية: 11-12]

 كيف هو الصدع؟ الأرض طبقات، أمسك بيضةً؛ هناك القشرة الكلسية، هناك القشرة الرقيقة، هناك بياض البيضة، هناك صفارها, الطبقات الخارجية أقسى هذه الطبقات، وكلَّما هبطنا نحو أعماق الأرض تصبح هذه الطبقات أقلَّ صلابةً، إلى أن تصبح لزجةً، إلى أن تصبح مائعةً مضطربة, وهذه النظرية أصبحت حقيقةً, كلما اتجهنا نحو باطن الأرض ضعفت الصلابة، وارتفعت الحرارة، أما في مركز الأرض فهو اضطراب عجيب لمائعٍ ناري, القرآن أشار إلى ذلك، قال:

﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾

[سورة الملك الآية: 16]


 داخل الأرض مائع ملتهب قال تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ
 
image

داخل الأرض مائع ملتهب قال تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ

تمور: أي تضطرب، اضطراب المائع, أنتم تنعمون باستقرارٍ على ظهرها، أنتم تنعمون بصلابتها، بقوتها, تبني بناءً شامخاً على أساسٍ متين، ولكن لو أن هذه الأرض خسفت بكم لأصبحتم على مائعٍ ناريٍ مضطربٍ يمور, قال تعالى:

﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾

[سورة الملك الآية: 16]

 من أخبر النبي عليه الصلاة والسلام وهو الأمِّي، بأن في باطن هذه الأرض مائعاً نارياً مضطرباً؟ أليس هذا القرآن كلام الله عزًّ وجل؟ .
 يا أيها الأخوة الأكارم, إذا وقفت عند الآيات الكونية في القرآن، وجدت أنه كلَّما تقدَّمت بك الدراسات، تلتقي مع وصف الله الموجز، مع وصف الله المعجز، مع وصف الله البليغ .

والحمد لله رب العالمين