7549
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 080 : المعدة وعامل كاسل.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1987-10-30
بسم الله الرحمن الرحيم

المعدة :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ من آيات الله الدالة على عظمته ، هذه المعدة التي زوَّدنا الله بها ، الحديث عنها طويلٌ جداً ، لا تتسع له الخطب الكثيرة ، ولكن لقطةً واحدة من الآيات الدالة على عظمة الله ، أن الله زود هذه المعدة بأغشيةٍ أربع بعض هذه الطبقات :
طبقاتٌ عضلية ، وفيها عضلاتٌ منوعة ؛ عضلاتٌ دائرية ، وعضلاتٌ مستقيمة ، وعضلاتٌ مائلة ، بحيث تؤمِّن كلَّ التقلُّصات التي تعين على هضم الطعام .
 
image

عضلات المعدة التي تؤمِّن التقلُّصات التي تعين على هضم الطعام

شيءٌ مهمٌ في المعدة ، أن في المعدة ما يزيد عن خمسةٍ وثلاثين مليون عصارة هاضمة ، بمعدَّل ثمانمئة عصارة في كل سانتيمتر مربّع ، خمسة وثلاثين مليون عصارة هاضمة ، تفرز هذه العصارات الأنزيمات ، وتفرز حمض كلور الماء ، وحمض كلور الماء مادةٌ تذيب كلَّ شيء ، تذيب اللحم .

لِمَ لا تهضم المعدة نفسها ؟

 السؤال الكبير الذي ليس هناك إجابةٌ شافيةٌ عنه حتى الآن :
 لِمَ لا تهضم المعدة نفسها ؟
 نأكل اللحم فنهضمه ، وهي من لحم ، والمادة التي تفرزها تهضم اللحم ، فلمَ لا تهضم المعدة نفسها ؟
 سؤالٌ كبير لا يتسع له المجال للإجابة عنه ، والإجابة عنه لا زالت قاصرة .

الكريات الحمراء وعامل كاسل .

 لكنَّ الشيء الذي يلفت النظر كما قال بعض العلماء :
 أن الكريات الحمراء التي تصنعها معامل الكريات الحمراء في نقي العظام ، تنضج هذه الكريات ولا يستوي بناؤها إلا إذا أشرف عليها فيتامينٌ شهيرٌ ، فيتامين "ب 12 " .
 لا تنضج الكريات الحمراء في معامل نقي العظام ، معامل كريات الدم ، لا يستوي بناؤها إلا بإشراف فيتامين خطير جداً ، فيتامين " ب 12 "، شيء جميل ، الأغرب من ذلك أن هذا الفيتامين لا يستطيع أن يصل إلى الدم ، ولا أن يُخزَّن في الكبد ، إلا عن طريق مرافقٌ له ، هذا المرافق مادة بروتينية ، ذات وزن ذري مرتفع جداً تفرزها المعدة يسميها العلماء : " عامل كاسل " إذا أفرزت المعدة هذه المادة ، يستطيع هذا الفيتامين الخطير أن يدخل إلى الدم ليخزَّن في الكبد .
 الآن دققوا ، في أن مخزون الكبد من هذا الفيتامين الخطير ، الذي يشرف على نضوج الكريات الدم ، يخزَّن بمعدَّل خمسة ميلّي غرام ، تكفي الإنسان خمس سنوات ، أي يستهلك الإنسان كل سنة واحد ميلي غرام من هذا الفيتامين ، الذي يرافقه هذا العامل الذي تفرزه المعدة .
 شيءٌ آخر ، إن الحاجة اليومية من هذا الفيتامين ، من ثلاثة إلى خمسة ميكرو غرام ، والميكرو غرام ، واحد من المليون من الغرام .
 ليس هذا قصدنا ، القصد أن الإنسان لو استؤصلت معدتة ، إذا استؤصلت المعدة توقَّف هذا العامل ، " عامل كاسل " ـ اسم طبيب كشفه ـ عن إيصال الفيتامين " ب 12 " إلى الكبد ، ماذا يحصل ؟
 فقر دمٍ خبيث ، التهاب اللسان ، ضمور المعدة ، إصابة النخاع ، عسرٌ في البلع ، بطءٌ في النشاط ، كآبةٌ في النفس ، خدرٌ في القدمين ، اختلالٌ في التوازن ، كلُّ هذه الآفات الخطيرة ، لأن بعض الميلي غرامات في الكبد قد انتهت ، ما هذه الدقة في خلق الإنسان ؟

خلق الإنسان .

 قال تعالى :

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾

[ سورة القيامة الآيات : 36-39 ]

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

 قال تعالى :

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 115 ]

 أتحسب أنك جرمٌ صغير وفيك انطوى العالم الأكبر .

حاجة الإنسان من هذا الفيتامين .

 حاجة الإنسان اليومية من هذا الفيتامين من ثلاثة لخمسة ميكرو غرام ، من أجل أن تتم صناعة كريات الدم الحمراء ، يصنع منها في الثانية الواحدة اثنين ونصف مليون ، في الثانية الواحدة ، تصنعها معامل كريات الدم في نقي العظام ، وتحدَّثت عن هذا في الأسبوع الماضي .
 أما هذه المادة التي تفرزها المعدة ، لتسهِّل دخول هذا الفيتامين إلى الكبد ، ويخزَّن هناك ، في كل خمس سنوات ، خمسة ميلي غرام ، ما هذه الدقة يا ربَّ العالمين ؟ قال تعالى :

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[ سورة القيامة الآية : 36]

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 115 ]

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 21 ]

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة فصلت الآية :53 ]

أنت مخلوق لهدف نبيل .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ أنتم مكرَّمون على الله عزَّ وجل ، أنتم مخلوقون لهدفٍ نبيل ، لا تضيِّعوا أعماركم سدى ، الوقت أثمن شيء .
 خلقت لك ما في السماوات والأرض ولم أعيا بخلقهن ، أفيعيني رغيفٌ أسوقه لك كل حين ؟
 لي عليك فريضة ، ولك علي رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي ، لم أخالفك في رزقك .
 وعزَّتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك ، فلأسلِّطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرّية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي ، وكنت عندي مذموماً .
 أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلَّمت لي فيما أريد ، أعطيتك ما تريد ، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد ، أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد .
 من شغله ذكري عن مسألتي ، أعطيته فوق ما أعطي السائلين .
 عبدي كن لي كما أريد ، ولا تعلمني بما يفرحك .
 إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب ، لأطهِّرهم من الذنوب والمعايب .
 هذا موقف الله عزَّ وجل ، إما أن يكون طبيباً ، وإما أن يكون حبيباً ، إن كنت كما يريد ، فأنت حبيبه ، وإن لم تكن كما يريد ، فهو طبيبك .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ قال بعض الشعراء :
 إلى متى أنت باللذات مشغولُ ؟ وأنت عن كل ما قدَّمت مسؤولُ
 إلى متى ؟!

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾

[ سورة الحديد الآية : 16 ]

والحمد لله رب العالمين