12226
ندوات تلفزيونية - قناة الفجر - سنريهم آياتنا - الندوة 25-29 : تصنيف القرآن للبشر - رحلة تلقيح البويضة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-09-15
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الأستاذ معتز:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم مشاهدينا إلى لقاء متجدد من برنامج "سنريهم آياتنا"، هذا البرنامج الذي نتجول فيه بصحبة فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الأعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة، في كليات الشريعة وأصول الدين، أهلاً بك أستاذ راتب.
الدكتور راتب:
بكم أستاذ معتز جزاك الله خيراً.
الأستاذ معتز:
بارك الله بك، كنا قد تحدثنا في نهاية الحلقة الماضية عن أن الإنسان عقلٌ يدرك، وقلب يحب، وتحدثنا عن تقسيم البشر لهذا الإنسان، وكنا قد تناولنا في النهاية أن القرآن الكريم قسم ووضع أنماط لتقسيم الإنسان، ما هي هذه الأنماط؟ حبذا لو تابعنا بها.

البشر على اختلاف مللهم ونحلهم لا يزيدون عند الله عن نموذجين :

الدكتور راتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أستاذ معتز، تحدثنا في حلقة سابقة عن أن البشر على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، ومذاهبهم، لا يزيدون عند الله عن نموذجين، نموذج عرف الله، فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة، ونموذج غفل عن الله، وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه، فشقي وهلك في الدنيا والآخرة، يدعم هذا التقسيم قوله تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل]

شرحت هذا بشكل مقتضب في لقاء سابق، حينما قلت النموذج الأول صدق أنه مخلوقٌ للجنة، خلق لجنة:

﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾

[سورة آل عمران الآية:133]

أنت تختار بين طريق الجنة وطريق النار
خلق لجنة فيها:

(( ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]

خلق لسعادة أبدية، بينما الطرف الآخر:

﴿ كَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

فاستغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ،

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[سورة الليل]

وبينتُ أن الرد الإلهي الكريم لمن عرفه، وانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، أنه يسر له حياته، يسر له شؤونه، يسر له زواجه، يسر له عمله، صحته، سمعته، سعد وسلم في الدنيا والآخرة.
بالمناسبة على وجه الأرض ستة آلاف مليون، ما منهم واحد على الإطلاق إلا ويبحث عن سلامة سعادته، لماذا الشقاء؟ من الجهل كما قلت.
إذاً هؤلاء الذين غفلوا عن الله، وتفلتوا من منهجه، شقوا في الدنيا والآخرة، وذكرت أن الجهل أعدى أعداء الإنسان.

الهرم البشري الكبير يقع على قمته زمرتان؛ الأقوياء والأنبياء :

ولكن الآن أريد أن أنتقل إلى شيء آخر هو أن الحياة على شكل هرم، هناك قواعد، وهناك قمم، لو أردنا أن نصنف القمم دعك من القواعد، أنا أرى في القمم زمرتين؛ الأقوياء والأنبياء، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، وشتان بين أن تملك رقبة الإنسان وبين أن تملك قلبه، الأقوياء عاش الناس لهم، بينما الأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء ملكوا الرقاب، وعاش الناس لهم، وأخذوا ولم يعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب، وعاشوا للناس، وأعطوا ولم يأخذوا، لذلك بحسب فطرة الإنسان ورد أن: من زاد عليك بالخلق زاد عليك بالإيمان

((يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها))

[حديث قدسي رواه البيهقي عن عمير بن وهب]

لذلك أحب الناس الأنبياء، وخافوا من الأقوياء، الذي أريد أن أصل إليه، أن الناس جميعاً إما أن يكونوا تبعاً لقوي، أو أن يكونوا تبعاً لنبي، فالذي يتبع النبي رأسماله أخلاقه، رأسماله صدقه، أمانته، عفته، وفاؤه بالوعد، إنجازه للعهد، رأسماله أخلاقه، والإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك بالخلق زاد عليك بالإيمان، بينما أتباع الأقوياء، رأسمالهم قوتهم، فقد يأخذون بقوتهم ما ليس لهم، لكن البطولة لا فيمن يضحك أولاً بل فيمن يضحك آخراً، المؤمن يضحك آخراً، أما غير المؤمن فيضحك أولاً، فمن ضحك أولاً بكى كثيراً، ومن ضحك آخراً ضحك كثيراً، فالإنسان حينما يولد كل من حوله يضحك وهو يبكي وحده.
الأستاذ معتز:
وكأنك تقول أن هناك فرقاً بين التقسيمين؛ تقسيم بشري وتقسيم للدار الآخرة.

الناس جميعاً تبعٌ لقوي أو نبي :

من يبني مجده على أنقاض الآخرين يشقى في الدنيا والآخرة
الدكتور راتب:
وحينما يموت الإنسان كل من حوله يبكي فإذا كان بطلاً يضحك وحده، فلذلك هناك قضايا مصيرية، ما معنى قضية مصيرية؟ أي قضية متعلقة بالمستقبل الأبدي، هناك قضايا طارئة وعارضة لا تقدم ولا تؤخر، أي حرفة الإنسان أية حرفة مادامت مشروعة وشريفةً كسب منها المال، وعاش بهذا المال حياة معتدلة، كله سيان، أما حين يعصي الله، حين ينسى سرّ وجوده وغاية وجوده، حين يبني مجده على أنقاض الآخرين، عندئذٍ يشقى في الدنيا والآخرة.
إذاً وصلت أنه يقع على رأسه الهرم البشري زمرتان: الأقوياء والأنبياء، والأقوياء لهم خصائصهم، والأنبياء لهم خصائصهم، والناس جميعاً تبعٌ لقوي أو نبي.
الأستاذ معتز:
وإن علة وجود الإنسان هي العبادة.

من جاءت حركته مطابقة لهدفه سلم و سعد في الدنيا و الآخرة :

الدكتور راتب:
لكن قبل أن ننتقل إلى موضوع آخر أريد أن أنوه: الإنسان مادام فطر على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، متى يسعد؟ صدق ولا أبالغ ما من إنسان على وجه الأرض من دون استثناء إلا ويبحث عن سلامته وسعادته، والشقاء سببه الجهل، لكن متى يسعد؟ قال بعضهم: إذا جاءت حركته اليومية مطابقة لهدفه.
أنت لك محل تجاري، متى تسعد؟ إذا كان هناك بيع، لأن علة هذا المحل أن تربح، أما إذا لم يكن هناك بيع إطلاقاً وأنت مرتاح جسمياً فلا تسعد.
من جاءت حركته مطابقة لهدفه سلم و سعد في الدنيا و الآخرة
مثل آخر: لو أن طالباً على مشارف امتحان مصيري، يبنى على نجاحه تعيينه في منصب رفيع، وزواجه، وسلامته، وسعادته، وجاء أصدقاؤه قبل أيام من الامتحان الأخير، أخذوه إلى مكان جميل، مكان جميل جداً مطل على البحر، جبل أخضر، أطعموه أطيب الطعام، هو يحبهم لكن لماذا يشعر بقيد وبانقباض وبضيق لا يحتمل؟ لأن هذه الحركة ليست متوافقة مع هدفه، أقول لك: لو أنه قبع في غرفة قميئة مظلمة، كثيرة الرطوبة، وقرأ الكتاب المقرر، واستوعبه، يشعر براحة لا توصف.
إذاً أنت متى ترتاح؟ حينما تأتي حركتك مطابقة لهدفك، لا زلنا فيما يسمى بعلم النفس الإسلامي، الإنسان يبحث عن سلامته وسعادته، ولازلنا في موضوعات نقدمها بين يدي الإعجاز العلمي، أنا لا أريد أن أتحدث عن الإعجاز مباشرة، أريد أن أبين للأخوة المشاهدين متى يكون الإعجاز العلمي هدفاً مهماً في حياتنا، لأنه من عرفه نفسه عرفه ربه.
إذاً إن شاء الله في حلقات قادمة نتحدث بالتفصيل عن الإعجاز العلمي.
الأستاذ معتز:
كما عودتنا في ختام كل حلقة نتابع مشهداً من مشاهد الإعجاز العلمي في خلق الله تعالى لهذا الإنسان، ماذا سنشاهد اليوم؟.

معرفة الله عز وجل ومعرفة منهجه علة وجود الإنسان :

image

خلق الله الكون بسمائه وأرضه ومجراته من أجل أن نعرفه

الدكتور راتب:
بقي شيء آخر، الذي بقي علينا أن نعود إليه هو علة وجودنا، علة وجودنا العبادة وبينت أن العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة أبدية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، بينت في هذا التعريف الجوانب الذي ينطوي عليها، حيث ينطوي على جانب معرفي هو طلب العلم، وعلى جانب سلوكي هو الحركة، وعلى جانب جمالي هو النتيجة، لكن الله سبحانه وتعالى حينما كلفنا أن نعبده أعطانا مقومات هذه العبادة، حينما كلفنا أن نعبده كلفنا أن نعرفه، كلفنا أن نطيعه، بِمَ نطيعه؟ حينما كلفنا الله أن نعبده أعطانا مقومات العبادة، من مقومات العبادة: الكون بسمائه، وأرضه، ومجراته، وشموسه، وكازارته، ومذنباته، هذا الكون الذي يفوق حدّ الخيال، أي ألوف مليارات المجرات، وفي كل مجرة ملايين ملايين الكواكب والنجوم، هذا الكون المترامي لماذا خلقه الله عز وجل؟ من أجل أن نعرفه، قل لي ما الدليل؟

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[سورة الطلاق]

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

فلذلك علة خلق السماوات والأرض بأن نعلم، لذلك تعد معرفة الله عز وجل ومعرفة منهجه علة وجودنا.

كل جزئية في الكون تنطق بوجود الله ووحدانيته وكماله :

ما أمرنا الله أن نعبده إلا بعد أن أعطانا مقومات عبادته، خلق كوناً في كل جزئية من جزئياته ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، الدليل قال تعالى:

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[سورة يونس الآية:101]

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

[سورة يوسف الآية:105]

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ﴾

[سورة عبس]

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾

[سورة الطارق]

الكون قرآن صامت والقرآن كونٌ ناطق
قال تعالى:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾

[سورة الشمس]

إلى آخر الآيات، قال:

﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾

[سورة الفجر]

قال:

﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾

[سورة الانفطار]

أكثر من ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون.

آيات الله الكونية و التكوينية و القرآنية أداة معرفته سبحانه :

الآن بدأت أقترب من الإعجاز العلمي، ما دام الله قد أمرنا أن نعبده، أن نخضع له، لا بدّ من أن نعرفه، لن تعبده إلا إذا عرفته، كيف نعرفه؟ من خلقه، لذلك قالوا: الكون قرآن صامت، والقرآن كونٌ ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي، فمن أجل أن أعبده ينبغي أن أعرفه، كيف أعرفه؟ من آياته، ما آياته؟ آياته الكونية، وآياته التكوينية، وآياته القرآنية، آياته الكونية خلقه، آياته التكوينية أفعاله، آياته القرآنية كلامه، إذاً يقع الكونُ على رأس قائمة آياته، فكل ما في الكون ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، ينطق بحكمته، ينطق برحمته، ينطق بعدله، ينطق بعدله، هذه كلها تؤكد عظمة الله عز وجل.
إذاً نحن في طريق أن نبدأ الحديث على هذا الكون، ومع هذا الكون أعطانا الله عقلاً، هو أداة التكليف، هو مناط المسؤولية، أعطانا عقلاً يعد أداة رائعة للمعرفة، أعطانا فطرةً، أعطانا شهوة دافعة، أعطانا اختياراً مسمياً، أعطانا وقتاً مستوعباً، أعطانا منهجاً فيصلاً، مقومات التكليف كثيرة، منها الكون، منها العقل، منها الشهوة، منها الفطرة، منها المنهج، منها الاختيار، منها الوقت، فلذلك نريد أن نبدأ بالتعريف بالله من خلال الكون، والكون مظهرٌ لأسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى.

التفكير في آيات الله عز وجل يقربنا من الإيمان به :

أستاذ معتز، الكون الثابت الأول، أي مهما اختلف الناس في شأن الأديان، مهما اختلف الناس في معتقداتهم، في نظرياتهم، في تصوراتهم، فيما يقبلون، فيما يرفضون، يبقى الكون قاسماً مشتركاً يخضع له الجميع، لأن في الكون علم، و قدرة، و حكمة، و رحمة، و دقة في الصنع مذهلة، وأي شيء في جسمك الحديث عنه لا ينتهي، أي شيء حولك، من طعام، من شراب، من نبات، من حيوان، من إنسان، فالإنسان المؤمن يجولُ عقله في بدائع خلق الله عز وجل، وهذه محور هذه الحلقات إن شاء الله، قال تعالى:

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[سورة النمل الآية: 88]

فكلما فكرنا في هذه الآيات الدالة على عظمته كلما اقتربنا من الإيمان به، وطاعته، وخشيته.

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[سورة فاطر الآية:28]

والآية تعني أن العلماء وحدهم ولا أحد سواهم يخشى الله.
الأستاذ معتز:
إذاً موضوعنا هو الإعجاز العلمي وأنا كنت متشوقاً لأن أرى مادة جديدة تطرح علينا.

خلق الإنسان فيه آيات دالة على عظمة الله سبحانه :

الدكتور راتب:
نتحدث في هذا اللقاء الطيب عن رحلة النطفة الشاقة، النطفة التي خلق الإنسان منها لابدّ من أن تلقح البويضة، من أجل أن تلقح البويضة لابدّ لها من رحلة شاقة، يرسل إلى رحم الأم في المرة الواحدة ما يقدر بمئتين وخمسين مليون نطفة، وهناك رأي آخر ما يقدر بثلاثمئة مليون، وهناك أقوال أربعمئة مليون في اللقاء الزوجي الواحد، حدد هذا العدد بهذه الكثرة بشكل خاص بأن النطفة تواجه أخطاراً مميتة بمجرد دخولها إلى الرحم، ويلفت النظر أن النبي الكريم يقول:

((ما مِن كُلِّ الماء يكون الولد))

[ صحيح عن أبي سعيد الخدري]

image

النبي الكريم يقول: ما مِن كُلِّ الماء يكون الولد

أي من أربعمئة مليون يكون الولد من حوين واحد، أي من نطفة واحدة، فهناك خليطٌ حمضيٌ كثيف في العضو التناسلي للمرأة، يمنع هذا الحمض الكثيف وصول البكتيريا، هذا الخليط قاتلٌ بالنسبة للنطف أيضاً، فبعد دقائق عدة يغطى جدار الرحم بملايين النطف الميتة، وبعد عدة ساعات يكون قسمٌ كبير من المئتين والخمسين مليون نطفة ميتة، الخليط الحمضي هذا مهم جداً لصحة الأم، وقوي جداً بحيث يستطيع قتل كل النطف الداخلة إلى الرحم بسهولة، في هذه الحالة لن يتحقق التلقيح أبداً، وينتهي نسل الإنسان، لكنه أخذ الاحتياط الضروري أيضاً، فأثناء إنتاج النطف في جسم الرجل يضاف إلى السائل المحتوي على النطف الخليط الذي يحمل خاصة قلوية، هذا الخليط يزيل قسماً من تأثير الخليط الحمضي في رحم الأم، وبفضل هذا الخليط تستطيع آلاف النطف كما تشاهدون الوصول إلى مدخل قناة فالوب، مروراً برحم الأم، إذا لاحظتم ذلك تذهب النطف جميعاً إلى جهة واحدة، إذاً كيف تجد الجهة الصحيحة هذه؟ من أين تعرف مكان البويضة التي بحجم حبيبة الملح؟ تجد النطفة مكان البويضة لأن نظاماً كاملاً آخر خلق وتدخل لأجلها، هذا أيضاً من عظمة الله عز وجل فالبويضة كما شاهد الأخوة المشاهدون ترسل ومضات لاسلكية لهذه النطفة كي تسير إليها.
في خلق الإنسان شيءٌ لا يصدق، فيه آيات دالة على عظمته، وأنا أقول دائماً: إن التفكر في خلق السماوات والأرض هو أقصر طريق إلى الله وأوسع باب ندخل منه إلى الله، لأنه يضعنا وجهاً لوجه أمام عظمة الله.

خاتمة و توديع :

الأستاذ معتز:
جزاكم الله خيراً على أن نتابع هذه المحاور في حلقات قادمة إن شاء الله، في نهاية هذا اللقاء أشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الأعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين، وبدوري أيضاً مشاهدينا أشكر لكم حسن المتابعة على أن نلتقي في حلقات مقبلة، من برنامج سنريهم آياتنا.
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

والحمد لله رب العالمين