7905
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 126 : التدخين أخطر وباء عالمي.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1989-01-13
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

إليكم مضمون هذه التقارير :

أيها الأخوة المؤمنون, كتابٌ نشر حديثاً عنوانه: التدخين أخطر وباءٍ عالمي, قد يقول واحدٌ منكم: لعلَّ في هذا العنوان مبالغة, ولكن إذا رأيتم ما فيه من الحقائق لن تروا في العنوان مبالغةً أبدا، فهناك مجلّةٌ تصدر في سويسرا تقول بعد إحصاءٍ دقيق: إن شركات التبغ تنتج بمعدَّل دخينتين يومياً لكلِّ إنسانٍ على وجه الأرض, أي أن عدد سكان الأرض خمسة آلاف مليون، تنتج شركات في اليوم عشرة آلاف مليون دخينة، صدرت هذه المجلة في عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانيةٍ وسبعين .
ويقول هذا التقرير في هذه المجلة: إن هذه الكمية التي في هذه السكائر من المواد السامة، لو أُخذت دفعةً واحدة في الدم مباشرةً، لاستطاعت أن تبيد الجنس البشري .
أشارت الكلية الملكية البريطانية في عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ وسبعين إلى أن كمية المواد السامة في دخينةٍ واحدة كفيلةٌ بقتل إنسانٍ في أوج صحَّته، لو أعطيت له في الوريد مباشرةً، ما في هذه الدخينة من مواد سامة لو استخلصت منها، وحقنت له في الوريد، هذه الكمية في دخينةٍ واحدة كفيلةٌ بأن تقتل إنساناً في أوج صحَّته .
أيها الأخوة الأكارم, نشرت منظمة الصحة العالمية تقريراً مطوّلاً في عام ألفٍ وتسعمئةٍ وخمسةٍ وسبعين، تقول في هذا التقرير: إن عدد الذين يُلاقون حتفهم، أو يعيشون حياةً تعيسة من جرَّاء التدخين، يفوق عدد الذين يلاقون حتفهم نتيجة الطاعون، والكوليرا، والجدري، والسل، والجذام، والوفيّات الناجمة عن التدخين هي أكثر بكثير من جميع الوفيات للأمراض الوبائية مجتمعةً .
شيءٌ آخر: إن مجموع الدخل الذي تحققه الدول الكُبرى من جرَّاء الضرائب الباهظة على إنتاج التدخين، هو أقلُّ بكثير من الأموال التي تنفق لمعالجة الأمراض الناتجة عن التدخين، مهما بلغ حجم الضرائب التي تجبيها الدول الكبرى من المدخنين، إنها أقلُّ بكثير من التي تنفقها على الأمراض التي نجمت عن التدخين .
إن بين كلَّ ثلاثة مدخنين يلقى أحدهم حتفه بسبب التدخين وآثاره المدمرة تظهر تدريجيا وعلى فترات مديدة
أيها الأخوة الأكارم, نشرت مجلةٌ طبيةٌ بريطانية في عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانيةٍ وسبعين الحقائق التالية: إن بين كلَّ ثلاثة مدخنين يلقى أحدهم حتفه بسبب التدخين, والدول العظمى تواجه الأوبئة بقلقٍ شديد، فلو انتشرت الكوليرا في بلد، لخفَّ المسؤولون عن الصحة لمواجهة هذا المرض، ولكن لماذا لا يواجهون أخطار التدخين بهذا القلق الشديد؟ الجواب:
إن الآثار المدمرة للتدخين لا تظهر بشكلٍ واضح إلا بعد ربع قرن, الآثار المدمرة تظهر بعد عشرين عاماً، يدخِّن الشاب ولا يدري ماذا يفعل؟ لكن بعد أن تمضي عشرون عاماً أو زيادة، تبدأ الآثار الضخمة للتدخين، والإنسان جُبِل على رؤية الأخطار المباشرة, والتهاون عن رؤية الأخطار المستقبلة .
أيها الأخوة المؤمنون, حقائق مذهلة عن التدخين: تحوي السجائر الأجنبية التي تباع في الدول النامية على ضعف الكمية من المواد السامّة، مع أن الشركة نفسها، والاسم التجاري نفسه، ولكنَّ السجائر التي ترسل لتباع في الدول النامية تحوي ضعف المواد السامة المسموح بها في الدول المنتجة، لشدة الرقابة في هذه الدول .
الآباء الذين يدخِّنون يساهمون في إيذاء أولادهم الصغار
أيها الأخوة المؤمنون, من بعض فقرات التقرير: أن الدخينة الواحدة بحسب عمر الشرايين وتصلبها, تنقص من عمر الإنسان بقدر الوقت الذي تستهلكه في تدخينه، فلو دخَّن في الإنسان في اليوم عشرين دخينة لقصُر عمره، لا بحسب اعتقادنا نحن، بل بحسب مرونة الشرايين وتصلُّبها، لنقص عمره خمس سنوات .
أخطر ما في التدخين هو نسبة الإدمان عليه المرتفعة
أيها الأخوة الأكارم, الأطفال الرُّضع الذين يعيشون في غرفٍ ممتلئة بدخان السجائر، أكثر تعرّضاً للالتهابات الرئوية، والنزلات الشعبية من أمثالهم من الأطفال الذين يعيشون في غرفٍ نظيفة، فالآباء الذين يدخِّنون يساهمون في إيذاء أولادهم الصغار، وهذه حقيقةٌ طبيةٌ ثابتة .
أيها الأخوة المؤمنون, كانت الحكومات تلزم معامل شركات التدخين أن يكتبوا على العُلبة: إن الدخان يضرُّ بصحَّتك, ولكنَّ منظمة الصحة العالمية ألزمت كل الشركات على أن تكتب على العلبة ما يلي: الدخان يسبب سرطاناً في الرئة، ونزلاتٍ شعبيةً مزمنة، وجلطاتٍ في القلب .
أخطر ما في الأمر: أنه لو شرب الخمر مئة إنسان، لكان احتمال أن يصاب خمسة عشر في المئة بالإدمان، أما لو دخَّن مئة رجل، لكان احتمال أن يصاب خمسةٌ وثمانون من هؤلاء بالإدمان, خمسةٌ وثمانون من هؤلاء المئة لا بدَّ أن يصابوا بمرضٍ اسمه: الإدمان على التدخين .

خاتمة الدرس :

المؤمن الحق يعرف ما ينفعه وما يضرّه والنبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن كلِّ ما يؤذينا
يا أيها الأخوة المؤمنون, الله سبحانه وتعالى أحلَّ لنا الطيّبات، وحرَّم علينا الخبائث، أردت أن أبتعد في هذه الحقائق عن الخلاف فيما إذا كان الدخان حراماً أو مكروهاً، أردت أن أنقل لكم بعض ما في هذه الكتب العلمية التي تنشرها الدول إثر إحصاءاتٍ دقيقة .
فالمؤمن الحق يعرف ما ينفعه وما يضرّه، والمؤمن الحق يعرف عمره الثمين، وكيف ينبغي أن يقضيه؟ والنبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن كلِّ ما يؤذينا، والله سبحانه وتعالى رغّبنا بالإيمان وزيَّنه في قلوبنا، وكرَّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وحينما يعصي الإنسان ربّه يقع في مزلاّتٍ خطيرة تؤذي حياته، وتؤذي آخرته .

والحمد لله رب العالمين