8930
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 081 : الدماغ ونعمتا الإنتباه والإعتياد.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1987-11-06
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ما هي الخصائص الموجودة في الدماغ ؟

1- خاصة الانتباه :

الانتباه أو الوعي الانتقائي أنَّ يركز انتباه الإنسان على مفهومٍ واحد في وقتٍ واحد
أيها الأخوة المؤمنون, يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾

[سورة إبراهيم الآية: 34]

لم يقل: وإن تعدوا نعم الله، وإنما قال: نعمة الله، نعمةٌ واحدة، لو ذهبتم طوال عمركم إلى تعداد خيراتها لا تحصون ذلك، إذا كنتم عاجزين عن إحصاء خيراتِّ نعمةٍ واحدة، فأنتم عن شكرها أعجز .
من منا يصدق، أن في الدماغ البشري خصائص، لو فقدت إحداها لكانت حياتنا جحيماً، من هذه الخصائص: خاصة الانتباه، وخاصة الاعتياد، خاصتان متناقضتان .
قالوا: الانتباه، يركَّز الإنسان انتباهه على مفهومٍ واحد، في وقتٍ واحد، يعني تجربة بسيطة، ضع آلة تسجيل على النافذة، واجلس مع أخٍ, وتحدَّث معه في موضوعٍ دقيقٍ مهم نصف ساعةٍ من الزمن، وبعدها قل له: ما الذي جرى في الطريق؟ يقول: ما سمعت شيئاً، افتح المسجلة، تسمع أصواتاً، وباعةً، وحوادث، وصياح، كلُّ هذه الأصوات ما سمعها، ما تفسير ذلك؟ دخل الصوت إلى الغرفة, ولامس غشاء الطبل، واهتزَّ غشاء الطبل، ونقل الصوت إلى الدماغ، وهو لم يسمعه .
قال: هذه الظاهرة اسمها: الانتباه، أي أنَّ الإنسان يركز انتباهه على مفهومٍ واحد في وقتٍ واحد، سمّى العلماء هذه الظاهرة: الوعي الانتقائي .
فالدماغ، هكذا قال العلماء: يغلق جميع منافذ المعلومات التي لا علاقةَّ لها بالموضوع المعني، هناك منفذ السمع، منفذ البصر، منفذ الإحساس، كلُّ هذه المنافذ تغلق، ويبقى الموضوع المعني مفتوحاً، ويسمح الدماغ للذكريات فقط ذات العلاقة بالموضوع المعني بالدخول .
التركيز الدائم، كل إنسان بحسب حاجته، فالسائق عنده حساسية للصوت الطارئ
وردت هذه المعلومات في كتاب مطبوع، عام ستة وثمانين، لا نعرف حتى الآن كيف يسدُّ الدماغ كل منافذ المعلومات، ويسمح فقط للمعلومات التي لها علاقةٌ بهذا الموضوع؟ هذا ما يسمى الوعي الانتقائي .
وقال العلماء: هناك حالةٌ أعقد من ذلك، هناك تركيزٌ دائم، قال: إن هذه الأم المرضع تنتبه لصوت بكاء ابنها الرضيع، من بين أشد الأصوات صخباً لا يوقظها إلا صوت ابنها الرضيع، قد يغلق بابٌ، وقد يحدث ضجيجٌ وهي نائمة، لا تستيقظ، فإذا سمعت صوت ابنها الرضيع يبكي، تهبُّ واقفةً، ما تفسير ذلك؟ .
قال: هذه حالةٌ أخرى، اسمها: التركيز الدائم، كل إنسان بحسب معلوماته، السائق أحياناً عنده حساسية للصوت الطارئ بسيارته, ما هذه الحساسية؟ يعني هناك تركيز دائم على بعض المعلومات، هذه الظاهرة اسمها الانتباه، لولاها لما أمكننا أن نفكر تفكيراً صحيحاً سليماً.
ينصرف الطلاب في الصف إلى أستاذهم، والأصوات خارج الصف لا تحتمل، بفضل خاصة الانتباه أنتم تركزون على ما أقول، وهناك أصواتٌ أخرى لا تلقون إليها بالاً، هذه الظاهرة، ظاهرةٌ تأخذ بالألباب .
على عكس ذلك، لو أن إنساناً يعمل في معمل، وهذه الأصوات تحدث فيه تنبيهات مستمرة، لأصبحت حياته جحيماً لا يطاق، لذلك يعتاد صاحب الطاحون متى يستيقظ؟ إذا توقَّفت الطاحون عن الصوت، يستيقظ عند وقوفها، لا عند صوتها .

2- خاصة الاعتياد :

لا يعرف العلماء كيفية تثبيط بعض التنبيهات الصوتية، وإخمادها دون أن تصل إلى الدماغ
قالوا: هناك ظاهرةٌ معاكسة هي: الاعتياد، وحتى هذه الساعة لا يعرف العلماء كيفية تثبيط هذه التنبيهات الصوتية، وإخمادها دون أن تصل إلى الدماغ، لا أحد يعرف، هؤلاء الذين يعملون في معامل ذات ضجيج عالٍ، هؤلاء الذين يعملون في المطارات، أو يعملون في الطواحين، أو لهم بيوت على شوارع مزدحمة، كيف ينامون؟ هناك خاصةٌ في الدماغ ثانية تثبط هذه التنبيهات وتخمدها، ولا توصلها إلى الدماغ مركز التنبُّه، وهذه الظاهرة اسمها: الاعتياد، تجاهل المنبه بعد مرور فترةٍ معينة على الرغم من استمراره .

كيف تكون الحياة إذا خلت من تلك الخاصتين الموجودتين في الدماغ ؟

أيها الأخوة, لولا هاتان الظاهرتان في الدماغ، لأصبحت حياتنا جحيماً، فإذا قال الله عزَّ وجل:

﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾

[سورة إبراهيم الآية: 34]

نعمة الدماغ، نعمة التفكير، نعمة التخيُّل، نعمة التصوّر، نعمة المحاكمة، نعمة التذكُّر، نعمة الإدراك، نعمة الإحساس، نعمة الانتباه، نعمة الاعتياد، هاتان النعمتان من فضل الله علينا أودعهما فينا، ولولاهما لأصبحت حياتنا جحيماً .

والحمد لله رب العالمين