16093
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 115 : كل شيء خلقه الله موزون ( نبات الصبّار ).
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1988-10-14
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

إليكم الحديث عن هذا النظام المتوازن في الأرض, علام يدل ؟

التوازن في الخلق من آيات الله
أيها الأخوة المؤمنون, من آيات الله الدالة على عظمته: أن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيءٍ وجعله موزوناً، لئلا يطغى شيءٌ على شيء، فمن أغرب ما وقع في بعض البلدان: أنه زرع نوعٌ من الصبَّار في قارة أستراليا كسياجٍ وقائي، لكن هذا النبات مضى في سبيله، حتى غطَّى مساحةً تزيد عن مساحة بريطانيا، وصار هذا النبات نباتاً وبائياً، زاحم أهل المدن والقرى، وأتلف مزارعهم, حتى أنه حال بينهم وبين زراعة أراضيهم، إلى أن توصَّل العلماء إلى حشرةٍ لا تعيش إلا على هذا الصبار، هذه الحشرة استطاعت أن تضع حداً لانتشاره، فكأن كلُّ شيءٍ خلقه الله سبحانه وتعالى فيه طبيعة النمو العشوائي، خلق له مضاداً يحول بينه وبين هذا النمو، هذا هو التوازن، وفق هذه القاعدة هناك أشياء كثيرة من هذا القبيل .
فربنا سبحانه وتعالى جعل الغدة النخامية تحثَّ الغدة الدرقية، لكن هرمون الغدة الدرقية يثبط الغدة النخامية، من أن هذا الهرمون يثبِّط هذه الغدة، وهرمون هذه الغدة يحثُّ هذه الغدة، يقوم التوازن بين الغدة النخامية وبين الغدة الدرقية .
التوازن في خلق الله
هناك جهازٌ لضبط السوائل في الجسم، هو الذي خلقه موزوناً، هناك جهازٌ آخر لضبط السكر في الجسم، هناك جهازٌ ثالث لضبط الأملاح في الجسم، نسب الأملاح ثابتة، نسب السكر ثابتة، نسب الماء ثابتة، نسب الهرمونات ثابتة، هناك فيتامينات يصاب الإنسان بأمراض كثيرة إن لم يأخذها, سماها العلماء: أمراض نقص التغذية، أمراضٌ وبيلة .
كان بعض البحارة يموتون في أثناء رحلاتهم الطويلة من دون سبب، إلى أن عرفوا أن غذائهم تنقصه الفيتامينات .
فيا أيها الأخوة المؤمنون, هذا التوازن الذي حققه الله سبحانه وتعالى في الكون، شيءٌ يلفت النظر، ويدعو إلى الدهشة، فالأسماك لولا أن كبيرها يأكل صغيرها، لطغت الأسماك على مياه البحر، ولأصبح البحر بحراً من السمك، لا بحراً من الماء .
الحشرات: هذه الحشرات جعل الله تنفسها عن طريق أنابيب، لا عن طريق الرئات، ولأن تنفسها عن طريق الأنابيب لا تنمو أكثر من حجمها الذي ترونه، ولو أن لها رئاتٍ لأصبحت بحجمٍ كبيرٍ أهلكت الإنسان, فالحشرات لها حدٌ تقف عنده، والنباتات لها حدٌ تقف عنده، والحيوانات لها حدٌ تقف عنده، والأسماك لها حدٌ تقف عنده، وبنية الجسم البشري فيه حدودٌ، وفيه سدودٌ، وفيه مقاييس، وفيه ضوابط، وفيه موازين .

الخاتمة :

يا أيها الأخوة المؤمنون, لو دققتم في خلق السموات والأرض، لرأيتم العجب العجاب ، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾

[سورة الحجر الآية: 19]

يعني هذا النبات موزون، قيمه الغذائية موزونة، حجمه موزون، نموُّه موزون، تكاثره موزون، لولا هذا الشيء الموزون, لأهلك الله الإنسان بهذا النمو العشوائي، وحادثة هذا النوع من الصبار الذي استقدم وزُرع في أستراليا، وكاد يقضي على الأراضي الزراعية كلها, شاهد على ذلك، لولا أن هذه الحشرة وقفت في وجهه، فكانت علاجاً له، والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء .
أيها الأخوة المؤمنون, لا تكن هذه الآيات التي تسمعونها، أو التي ترونها، أو التي تقرؤون عنها، لا تجعلوا هذه الآيات تمرُّ هكذا مروراً عابراً دون أن تقفوا على حقيقتها، وأن تقفوا على عظمة خالقها، فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 190-191]

والحمد لله رب العالمين