18579
ندوات إذاعية - إذاعة دار الفتوى - الإعجاز العلمي - الحلقة 29 - 30 : الطب في الإسلام.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-11-23
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

المذيع:
  بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسولنا الكريم .
 إخوة الإيمان والإسلام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، لقد عالج كثير من العلماء عدداً من جوانب الإعجاز القرآني ، لكن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم لم تتضح لنا جوانبه الكثيرة كما اتضحت في زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه في هذه الأيام ، فأصبح أسلوباً فريداً في الدعوة إلى دين الله ، في زمن فتح الله على الإنسان في العديد من أبواب العلم بالكون ومكوناته ، وفتن الناس فيه بالعلوم الكونية ومعطياتها فتنةً كبيرة .
 إخوة الإيمان والإسلام ؛ نستمر مع هذه الحلقات ، ومع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الأستاذ المدرس في جامعة دمشق وبكلية أصول الدين ، والمدرس الديني في مساجد دمشق ، أهلاً وسهلاً بكم .
الأستاذ :
 أهلاً وسهلاً بكم سيدي .
المذيع :
 فضيلة الدكتور ، نتحدث في هذه الحلقة عن الطب في الإسلام ، لقد سمعنا الكثير عن ابن النفيس ، وابن سينا ، والرازي كأطباء ، ولكن هل كان هناك من يقوم مقام الطب في صدر الإسلام ، وكيف كان ذلك ؟

الطب في الإسلام :

الأستاذ :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، و على آله و صحبه أجمعين ، حينما قال الله عز وجل :

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

[ سورة الشعراء : 78-80 ]

التوازن في الحياة أساس في الإسلام لأنه دين الفطرة
هناك ملمح لطيف في هذه الآيات .
 أولاً :

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي ﴾

 فَنَسَبَ الخلق إلى الله عز وجل .
 ثانياً :

﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾

 نسب الإطعام والسقيا إلى الله عز وجل .
 ثالثاً :

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

 نسب المرض إلى الإنسان ، لأن أصل المرض خروج عن منهج الله عز وجل ، وكأن الإنسان مصمم ألا يمرض ، فإذا خالف منهج الله في طريقة حياته ، وفي طعامه وشرابه ، وفي وضعه النفسي ربما كانت هذه المخالفات في مجموعها تسوق الإنسان إلى خلل في صحته .

الصحة الجسدية : المؤمن القوي .

 فالإنسان دين الفطرة ، يحرص في تعاليمه على صحة الجسد ، وطهر النفس ، ويوازن بين المادة والروح ، وبين الحاجات والقيم ، ويهدف إلى إصلاح الدنيا وإصلاح الآخرة ، وأن الأُولى مطية الثانية ، إن صحة الجسد مرتكز لسلامة النفس وسموها ، ومنطلق لصحة العقل ، وتفوقه فالله سبحانه وتعالى جعل صحة الجسد وقوته ورجاحة العقل واستنارته علة الاصطفاء ، فقال تعالى :

﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 247]

 في قصة سيدنا موسى مع سيدنا شعيب قال تعالى :

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

[ سورة القصص : 26]وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ ، وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَلَا تَعْجَزْ ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَلَكِنْ قُلْ : قَدَرُ اللَّهِ ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

[ مسلم ، ابن ماجه ، أحمد ]

المذيع :
 ولكن هناك البعض من يفسر هذا الحديث النبوي الشريف على أن الله هو الذي خلق هذا القوي ، فلماذا يميز الله القوي عن الضعيف ؟
الأستاذ :
العمل الصالح هو قوام الحياة الدنيا وثمن الآخرة
نحن نفرق بين قوة مكتسبة ، وبين قوة من قضاء الله وقدره ، وبين ضعف مكتسب و ضعف من قضاء الله وقدره .
 الغنى قوة ، والعلم قوة ، وأن تكون في مركز دقيق قوة ، فهذه الأشياء قد تكتسب بالسعي والجد ، وقد لا تكتسب ، فإذا تحدثنا عن فضل المؤمن القوي على المؤمن الضعيف فالمقصود بالقوة التي هي من كسب المؤمن ، لكن هناك ملمح دقيق جداً ، هو أن طريق القوة إذا كان سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً ، لأن القوي أمامه خيارات في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، وبأن العمل الصالح هو قوام الحياة الدنيا ، بل هو ثمن الآخرة ، أما إذا كان طريق القوة محفوفاً بالمعاصي والآثام ، والكذب والنفاق ، والشرك فمرحباً بالضعف ، فهو وسام شرف في صدر الإنسان ، أضيف على ذلك إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون غنياً ، لأن خيارات الغني في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، أما إذا كان طريق الغنى محفوفاً بالمعاصي والآثام ، والنفاق والكذب ، والدجل فمرحباً بالفقر ، فهو وسام شرف في صدر الإنسان .

الطب الطبيعي :

 الطبّ ـ أستاذ عبد الحليم ـ أنواع عديدة ، منه الطب الطبيعي ، فشخصية المسلم مرتكزة على العطاء لا على الأخذ ، مرتكزة على بذل الجهد لا على استهلاك جهد الآخرين ، مرتكزة على العمل لا على الأمل ، على الإيثار لا على الأثرة ، على التضحية لا على الحرص ، على إنكار الذات لا على تأكيدها ، إن بذل الجهد في حد ذاته صحة ، وأية صحة .
 شخصية المسلم مرتكزة على العطاء
في بعض المؤتمرات الطبية التي عقدت في البحث في أمراض القلب اتفق المؤتمرون على أن صحة القلب في بذل الجهد وراحة النفس ، وأن طبيعة العصر الحديث تقتضي الكسل العضلي ، والتوتر النفسي ، والكسل العضلي وراء تفاقم أمراض القلب في معظم البلاد المتقدمة تقدماً مادياً ، النبي عليه الصلاة والسلام في معركة بدر كان معه رواحل قليلة ، وأصحابه أكثر من ثلاثمئة رجل ، فأعطى توجيهاً وقال :

(( وَأَنَا وَعَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ عَلَى رَاحِلَةٍ ، فَكَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللهِ e ، فَكَانَتْ نَوْبَةُ رَسُولِ اللهِ e ـ دورُه في السَّيْرِ ـ فقالا له : نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ ـ ليظلَّ راكباً ـ فقال : مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي عَلَى السَّيْرِ ، وَلاَ أَنَا بِأَغْنَى مِنْكُمَا عَنِ الأَجْرِ ))

[النسائي وأحمد عن ابن مسعود]

 رسول الله e ، قائد الجيش زعيم الأمة قال قولة تكتب بماء الذهب : بذل الجهدً كغيرك من الناس يؤكد إنسانيتك وتواضعك وفيه صحة وأدب وأخلاق

(( مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي عَلَى السَّيْرِ ، وَلاَ أَنَا بِأَغْنَى مِنْكُمَا عَنِ الأَجْرِ ))

 أنا أقول : بذل الجهد في حد ذاته صحة للجسم ، كان e مع أصحابه في سفر ، أرادوا أن يعالجوا شاةً ، فقال أحدهم : عليّ ذبحها ، وقال الثاني : عليّ سلخها ، وقال الثالث : عليّ طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليّ جمع الحطب ، فقالوا : يا رسول الله ، نكفيك ذلك ؟ قال : أعلم أنكم تكفونني ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه .
 لمجرد أن تبذل جهداً يؤكد إنسانيتك وتواضعك وإحساسك أنك كغيرك من الناس ، لست مستعلياً عليهم ، ولا متغطرساً عليهم ، هذا في حد ذاته صحة وأدب وأخلاق ، فبذل الجهد هو الطب الطبيعي ، أكثر أمراض القلب في هذه الأيام بسبب الكسل العضلي ، وعدم بذل الجهد ، والتوتر النفسي ، وصحة آبائنا وسلفنا الصالح بسبب أن عندهم جهداً عضلياً كبيراً هو أحد أسباب صحتهم ، وعندهم راحة نفسية عالية أساسها التوحيد .
المذيع :
 فضيلة الدكتور راتب ، بما أنك ذكرت لنا المرض النفسي في حديثك ، هل ذكر الطب النفسي في القرآن الكريم ، أو السنة الشريفة ؟

الطب النفسي :

الأستاذ :
 الأمراض النفسية أساسها الشرك
نعم ، الطب النفسي أساسه التوحيد ، والأمراض النفسية أساسها الشرك ، أنت حينما توقن يقيناً قاطعاً أن أمرك كله بيد الله ، وأن الله يعلم ، ويرى ، ويسمع ، وأنه على كل شيء قدير ، وأن كل ما في الكون بيده ، وأنه عادل ، وأنه رحيم ، وأنه غني ، وأنه قدير ، وأنه يستجيب لك إذا دعوته ، وأنه يسمع نداءك ، هذه المعاني التوحيدية في حد ذاتها صحة نفسية ، بينما إذا توهمت أن هذا الإنسان لا يحبك ، ويتمنى أن يقضي عليك ، وهو أقوى منك ، فهذه المشاعر وحدها تسبب أمراضًا نفسية ، وأمراضًا في الجسد لا يعلمها إلا الله ، الطب النفسي يمكن أن نقول عنه : إن هناك أمراضًا كثيرة ، بعضها عضال ، وبعضها مميت ، كأمراض القلب والشرايين ، وأمراض جهاز الهضم والكليتين ، والأمراض النفسية والعصبية إنما ترجع أسبابها الرئيسة إلى أزمات نفسية يعاني منها إنسان الشرك في هذا العصر ، قال تعالى :

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 151]

 فتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها ، وأنت من خوف الفقر في فقر ، وأنت من خوف المرض في مرض ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾

[ سورة المعارج : 19-26]

 بعض الأطباء يرى أن ضغط الدم في حقيقته هو ضغط الهم ، لذلك قال تعالى :

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 213]

 ضغط الدم في حقيقته هو ضغط الهم
الطب النفسي يرتكز على التوحيد والأمراض النفسية أساسها الشرك ، قال تعالى :

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 213]

 لأن المؤمن يرى أن كل شيء بقضاء من الله وقدر ، قال تعالى :

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة التوبة : 51]

 هذه المعاني التوحيدية تهب الإنسان صحة نفسية ، والصحة النفسية أساس صحة الجسد ، فالتوحيد صحة ، والشرك مرض ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، والإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ، هذا هو الطب النفسي ، أن تكون مع الله ، وإذا كنت مع الله كان الله معك ، وإذا كان الله معك كان معك كل شيء ، وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ، ماذا فقد من وجدك ، وماذا وجد من فقدك ؟ هذه المعنويات العالية للمؤمن تحقق له هذه الصحة النفسية التي هي صحة للجسد .
 أنا أعتقد أنه كلما تقدم العلم كشف أن معظم الأمراض ترجع في أسبابها الحقيقية إلى شدة نفسية ، ثم إنني أرى أن هذه الشدة النفسية أساسها ضعف الإيمان بالله ، وأساسها ضعف التوحيد ، وأساسها حُجُب كثيفة بين العبد وربه بسبب المعاصي والآثام التي يرتكبها .
المذيع :
 فضيلة الدكتور ، ما دمنا تحدثنا عن الطب النفسي في الإسلام ، والطب الطبيعي ، ولكن هناك طب حديث نوعاً ما ، لا أعلم إن كان تحدث عنه الإسلام ، فهناك الطب الوقائي ، مثلاً ، أن يزيل أسباب المرض قبل وقوع المرض .

الطب الوقائي :

الأستاذ :
 الوقاية خير من العلاج
النظافة، قال تعالى :
حدثني صديق أنه كان في ألمانيا ، فرأى مستشفى من أضخم المستشفيات كُتِب عليها باللغة الألمانية هذه العبارة : " نحن قوم لا نأكل حتى نجوع ، وإذا أكلنا لا نشبع " ، تحت هذه العبارة كتب : " محمد بن عبد الله " ، وعدّ هذا الحديث أصلاً في الطب الوقائي ، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج ، ليس من السهل أن تعالج مرضاً ، لكن من السهل جداً أن تتقيه ، وهذه حقيقة مهمة جداً في الطب الوقائي ، النظافة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 222]

 من الطب الوقائي الوضوء والصلاة ، انتهى إلى علمي أن علماء كبار في السويد ، هذا البلد المتفوق في التمارين الرياضية ، أن علماء كبار في هذا الاختصاص أرادوا أن يضعوا برنامجاً رياضياً يقوم به كل الناس كل يوم ، ذكوراً وإناثاً ، صغاراً وكباراً ، دون أن يرهق قلوبهم ، ودون أن يعطل أعمالهم ، فنظموا تمرينات لو اطلعت عليها لوجدتها قريبة من الصلاة ، تمارين تؤدى كل يوم خمس مرات ، لا ترهق الجسم ، ولا تتعبه ، وتلين العضلات .
 من الطب الوقائي أن يكون الإنسان نظيفاً ، ومن الطب الوقائي أن يقوم ويتوضأ ويصلي .
 من الطب الوقائي الوضوء والصلاة
هناك أمراض كثيرة مثلاً تصيب النساء ، من هذه الأمراض انقلاب الرحم ، هذا المرض قلما يوجد في العالم الإسلامي ، لأن علاج هذا المرض حركات تشبه الصلاة تماماً ، أمراض القذارة ، ثلاثمئة مليون إنسان في الأرض مصاب بأمراض القذارة ، هذه الأمراض معظمها ليست موجودة في العالم الإسلامي بسبب الوضوء ، والمبالغة في التطهير ، وهناك أمراض كأمراض الغرغرين الموات تصيب أناساً كثيرين ، لكن لأن المسلم مكلف أن يتوضأ كل يوم خمس مرات ، وأن يخلل بين أصابعه ، هذا من أجل تنشيط الدورة الدموية ، فالدم حينما لا يصل إلى أطراف الأصابع ، هذه الأطراف تسود ، وتتماوت ، ثم تقطع ، الحقيقة أن هناك أمراضًا كثيرة جداً بسبب مخالفة منهج الله عز وجل .
 مثلاً : أنت حينما تسجد ما الذي يحصل ؟ ينطلق الدم على الرأس بالسجود ، فتحتقن الأوعية ، فحينما ترفع ينخفض ضغط الدم حينما تسجد يرتفع ضغط الدم ، ومن هذا الارتفاع والانخفاض المتتالي ينشأ ما يسمى مرونة الأوعية في الدماغ ، هذه المرونة تحتمل ضغطاً مرتفعاً ، لو فرضاً إنسان يصلي ، وارتفع ضغطه إلى رقم كبير جداً الأوعية الدموية في الدماغ المصلي تتحمل ضغطاً مرتفعاً ، بينما الأوعية الدموية في دماغ من لا يصلي لا تحتمل الضغط المرتفع ، الحقيقة أن أداء الصلوات الخمس وتطبيق تعليمات النبي عليه الصلاة والسلام هو في حد ذاته طب وقائي .
المذيع :
 أتينا هنا لتعاطي الدواء ، وهو الطب العلاجي ، هل ورد شيء من ذلك حثنا النبي عليه الصلاة والسلام ، أو الله عز وجل في كتابه الكريم ؟

الطب العلاجي :

الأستاذ :
 إذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، إذا قال :

(( تداووا ))

  وهذا أمر وكل أمر في القرآن والسنة يقتضي الوجوب .
 عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً ))

[ أحمد ، الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه ]

 أستاذ عبد الحليم ، هذا الحديث يمكن أن تُكتَب عنه كتب ، لو سمع مريض هذا الحديث بماذا يشعر ؟ أنه ما من داء إلا له دواء ، ترتفع معنوياته ، وإذا ارتفعت معنويات المريض استطاع أن يقوى على عوامل المرض .
 النبي أمرنا  بالتداوي وأخبرنا بأن لكل داء دواء
حدثني صديق ذهب إلى بريطانيا ليجري عملية في قلبه ، قبل العملية بيوم دخلت ممرضة على مستوى رفيع جداً ، تنسق أزهار الغرفة ، ولم تلتفت إليه ، قالت له : من طبيبك ؟ قال : فلان ، قال : لا غير معقول ، كيف أخذت موعداً منه ؟ قال : أنا أخذت موعدًا قبل أن آتي إلى بريطانيا ، حدثته عن هذا الطبيب ، وعن عملياته الناجحة ، وعن أنه أجرى عشرة آلاف عملية ، كلها كانت ناجحة ، فلما انتهت العملية ، ودفع ما عليه ، وجد مبلغاً ضخماً لرفع معنوياته ، هو ما فعلته هذه الممرضة ، فهناك حقيقة في الطب أن الإنسان إذا ارتفعت معنوياته يقوى على عوامل المرض ، فالنبي الكريم قال :

(( ... فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً ))

 هذا الحديث يرفع معنويات المريض إلا مرض الموت ، هو بوابة الخروج ، لابد من مرض لا يشفى ، هو بوابة الخروج ، وإذا سمع الحديث طبيباً بماذا يشعر ؟ إنه مقصر ، ما دام النبي عليه الصلاة والسلام ، وهو مبعوث العناية الإلهية يؤكد أن كل مرض له دواء ، فهذا يدعوه إلى المسارعة ، فإن التداوي ، وأخذ الدواء من الدين .
 عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

(( لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[ مسلم ، أحمد ]

 هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة في هذا الحديث ، أن الله جعل لكل داء دواء ، لكن مهمة الطبيب أن يحسن تشخيص الداء ، ووصف الدواء ، لكن لو أن الطبيب نجح في تشخيص الداء ، ووصف الدواء ، الدواء لا يكون فاعلاً إلا إذا سمح الله له ، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ، إذاً نحتاج نحن إلى أخذ بالأسباب ، ثم التوكل على رب الأرباب .
المذيع :
 إذاً فضيلة الدكتور ، نشكرك لهذا الإيضاح عن الطب في الإسلام بشتى أنواعه ، إن كان طبيعياً ، أو وقائياً ، أو نفسياً ، فقد كلمنا الله سبحانه وتعالى ، وكلمنا النبي عليه الصلاة والسلام ، وحثنا على التداوي ، وليس التواكل في هذا الأمر ، يتوكل الإنسان على الله ، ولكن يسعى للحصول على الدواء .
الأستاذ :
 أحب أن أضيف أن هناك حديثًا شريفًا دقيقًا جداً ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ تَطَبَّبَ ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ ))

[النسائي ، أبو داود ، ابن ماجه]

 كيف أن الدول الراقية جداً يحاسب الطبيب عن كل أخطائه ، وقد يدفع كل ثروته ، لأنه أعطب عضواً في مريض عنده ، كذلك يقول عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ تَطَبَّبَ ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ ))

 أي يدفع تعويضاً لهذا المريض الذي أتلف بعض أعضائه .

خاتمة و توديع :

المذيع :
 إذاً أيها الإخوة والأخوات ، نقتدي بسنة النبي عليه الصلاة والسلام :

(( تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً ))

 صدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم .
 إخوة الإيمان والإسلام ؛ إلى حلقة قادمة بإذن الله تعالى ، ومع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

والحمد لله رب العالمين