6618
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 403 : الحديد.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-04-20
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

إليكم وجه الإعجاز في هذه الآية :

قال الله تعالى:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

[ سورة الحديد الآية: 25 ]

فالبينات هي المعجزات التي تؤكد صدق الرسل، والكتاب هو المنهج، والميزان هو العقل الذي هو مناط التكليف، والهدف إقامة العدل في الأرض، وقوة الردع الحديد الذي فيه بأس شديد، ومنافع للناس, وجه الإعجاز في الآية القرآنية الكريمة هو دلالة لفظ, قال تعالى: أنزلنا الحديد, الذي يفيد إنزال الحديد من السماء، ولم يكن موجوداً على كوكب الأرض, وهذا ما كشفت عنه الدراسات الفضائية والجيولوجية في النصف الثاني من القرن العشرين, حيث وجد علماء الفضاء أن أصل معدن الحديد ليس من كوكب الأرض بل من الفضاء الخارجي، وأنه من مُخلّفات الشهب والنيازك .
وكشف علماء الفضاء مؤخراً: أن عنصر الحديد لا يمكن له أن يتكون داخل المجموعة الشمسية، فالشمس نجم ذو حرارة, وطاقة غير كافية لدمج عنصر الحديد، وهذا ما دفع بالعلماء إلى القول: بأن معدن الحديد قد تم دمجه خارج مجموعتنا الشمسية، ثم نزل إلى الأرض عن طريق النيازك والشهب، ويعتقد علماء الفلك حالياً: أن النيازك والشهب ما هي إلا مقذوفات فلكية مختلفة الأحجام، وتتألف في معظمها من معدن الحديد، ولذلك كان معدن الحديد من أول المعادن التي عرفها الإنسان على وجه الأرض، لأنه يتساقط بصورة نقية من السماء على شكل نيازك .
يتساقط في كل عام آلاف النيازك والشهب على كوكب الأرض التي قد يزن بعضها أحياناً عشرات الأطنان, وقد عثر على نيزك في أمريكا, بلغ وزنه اثنين وستين طناً, مكوّناً من سبائك الحديد والنيكل, أما في ولاية أريزونا, فقد أحدث نيزك فوهةً ضخمةً, عمقها مئتا متر, وقطرها ألف متر, وقد بلغت كميات الحديد المستخرجة من شظاياه الممزوجة بالنيكل عشرات الأطنان .
ومن هذا الشرح العلمي تتبين لنا دقة الوصف القرآني, قال تعالى:

﴿أنزلنا الحديد﴾

[ سورة الحديد الآية: 25 ]

إليكم منافع الحديد كما أشارت إليها الآية :

أيها الأخوة, ولكن ما البأس الشديد, وما هي المنافع التي أشار إليها القرآن, بقوله:

(فيه بأس شديد ومنافع للناس)

لقد وجد علماء الكيمياء: أن معدن الحديد هو أكثر المعادن ثباتاً وقوة ومرونة وتحملاً للضغط, وهو أيضاً أكثر المعادن كثافةً, وهذا يفيد الأرض في حفظ توازنها, كما يعد معدن الحديد الذي يشكل ثلث مكونات الأرض, أكثر العناصر مغناطيسية, وذلك لحفظ جاذبيتها .
ولا بد أن نذكر أيضاً: أن الحديد عنصر أساسي في كثير من الكائنات الحية، كما في بناء النباتات التي تمتص مركباته من التربة، وتدخل أملاحه في تركيب خلايا الدم عند الكائنات الحية, وهنا محلُّ الإشارة إلى أنّ هناك توافقاً عددياً عجيباً بين رقم آية الحديد في سورة الحديد وهو ستة وعشرون ، ووزنه الذري وهو ستة وعشرون ، هذا يؤكد أن الذي خلق الأكوان وأنزل النيازك والشهب هو الذي أنزل هذا القرآن.

والحمد لله رب العالمين