7857
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 142 : القوى الجاذبة في الكون.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1989-08-19
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

إليكم هذه الآية :

أيها الأخوة المؤمنون, كلكم يعلم أن هذا الكون العظيم لا نهاية له, وكلما كشف العلم مجرةً بعيدةً بعيدة, تبعد عنا عشرات، بل أضعاف العشرات من آلاف ملايين السنين الضوئية ، اكتشف أن هذا الكون لا نهاية له, ومع ذلك يحكمه قانونٌ واحد إنه: قانون الجاذبية، فكلُّ كتلةٍ في هذا الكون تجذب الكتلة الأخرى بقدر حجمها، وقدر المسافة فيما بينهما

image

يحكم هذا الكون قانون الجاذبية بين النجوم والكواكب

لو أن هذا القانون وحده كان هو المسيطر، لا بد من أن يجتمع الكون كله في كتلةٍ واحدة، ما دامت كل كتلةٍ تجذب أختها، إذن لا بد من أن يصبح الكون كله كتلةً واحدة, ما الذي يحول بين تكتُّل الكون وبين تبعثره؟ إنها آية الجمعة السابقة, قال تعالى:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾

[سورة الطارق الآية: 11]

كل شيءٍ في السماء يدور، ويدور بمسارٍ إهليلجي، يدور ويرجع، هذه الحركة الدورانية المستمرة ينشأ عنها قوى نابذة، وهذه القِوى النابذة تكافئ القوى الجاذبة, ينشأ من هذه الحركة المستمرة ما يسمَّى: بالتوازن الحركي، وهذا من آيات الله الدالة على عظمته .

ما هو المقصود من هذه الآيات ؟

يا أيها الأخوة الأكارم, يقول الله عزَّ وجل:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

[سورة الرعد الآية: 2]


هناك عمد, ولكنَّكم لا ترون هذا العمد، قال بعض العلماء: هذه إشارةٌ إلى قِوى الجذب فيما بين المجرَّات، وما بين الكواكب، وما بين الكتل .
أشار الله إلى الجاذبية الأرضية في قوله تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

[سورة النمل الآية: 61]

image

الوزن هو جاذبية الأرض للأشياء

من جعل هذه الأشياء التي على سطح الأرض تستقرُّ عليها وتنجذب إليها؟ ما هو الوزن؟ الوزن في حقيقته جذب الأرض لما عليها، فالهواء منجذبٌ إلى الأرض، والبحر منجذبٌ إلى الأرض، وكل ما على الأرض منجذبٌ إليها، ولو أن الإنسان طار في الفضاء، فوصل إلى نقطة انعدام الجاذبية لانعدم وزنه, قال تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

[سورة النمل الآية: 61]

تشير آيةٌ أخرى إلى هذه الجاذبية، قال تعالى:

﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾

[سورة اﻹنشقاق الآية: 3-4]


إذا تعطَّلت الجاذبية التي في الأرض، ألقت الأرض ما فيها وتخلَّت، تبعثر ما فيها، خرج منها، خرج ولم يعد .

إليكم محور هذه الفقرة :

أيها الأخوة الأكارم, آية اليوم التي هي محور هذه الكلمة القصيرة: قول الله عز وجل:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

[سورة فاطر الآية: 41]

زوال الشمس عن كبد السماء، انحرافها، يقول الله عزَّ وجل:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾

[سورة الطارق الآية: 11]

كل كوكبٍ في الكون يدور حول كوكبٍ آخر، وله مسارٌ كرويٌ أو إهليلجي، ويرجع إلى مكان انطلاقه, فعل من أن يكون هذا الكوكب على هذا المسار بشكلٍ دقيق؟ لو أن الأرض خرجت عن مسارها لانجذبت إلى كوكبٍ آخر، فانتهت الأرض, من الذي يجعل حركة هذه الكواكب على خط سيرها تماماً, كما لو أن القطار خرج عن سكَّته فتدهور؟ أن يبقى القطار على سكته، وأن تبقى المركَبة على الطريق، وأن تبقى الأرض في مسارها حول الشمس، هذا من تقدير عزيزٍ حكيم، ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

[سورة فاطر الآية: 41]


أي أن تخرج عن مسارها، قلت لكم في الخطبة السابقة: مذنَّب هالي زار الأرض، في عام ألفٍ وتسعمئة واثني عشر، وزارها ثانيةً في عام ألفٍ وتسعمئةٍ وستةٍ وثمانين، هذا المذنب منذ آلاف آلاف السنين له مسارٌ لا يحيدُ عنه
image

المذنب هالي له مسار لا يحيد عنه

ولا يتخلَّف عن وقته، لا يحيدُ عن مساره، ولا يتأخَّرُ عن وصوله، من جعله في هذا المسار, وفي هذه السرعة الدقيقة؟ هذا المذنب, وبقية المذنبات، الأرض والمجموعة الشمسية, قال تعالى:

﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾

[سورة يس الآية: 38]

كل الكون يسير في مساراتٍ لا يحيدُ عنها أبداً بقدرة قادر، إن الله هو وحده خالق الكون:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾

[سورة فاطر الآية: 41]

هل تستطيع قِوى الأرض كلها أن تعيد انحراف الأرض إذا خرجت عن مسارها, أو أن تعيد انحراف الشمس إذا خرجت عن مسارها؟
أيها الأخوة المؤمنون, هذه آيةٌ كبرى تدلُّ على عظمة الله عزَّ وجل .

والحمد لله رب العالمين