20538
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 214 : مرض الإيدز والرجوع إلى الدين.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-11-13
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أعراض مرض اﻹيدز:

أيها الأخوة الأكارم, مرض الإيدز هذا المرض الذي يعدُّ الآن طاعون هذا العصر, وهذا المرض إن صحَّ التعبير, ردُّ السماء على فسق أهل الأرض, قالت منظمة الصحة العالمية في نشرةٍ عممتها على كل أنحاء العالم، في عام ألفٍ وتسعمئةٍ وتسعين في ثنايا هذه النشرة:
مرض الإيدز ردُّ السماء على فسق أهل الأرض
إن خليط الأمراض التي يسببها فيروس الإيدز، خليطٌ مرعب, أول هذه الأمراض، داء المتكيِّسات الرئوية، التهاب السحايا، أمراض الجهاز العصبي، أورام الدماغ، اضطراب الكـلام، اضطراب السلوك، اضطراباتٌ نفسيةٌ تؤدِّي إلى الجنون، إسهالٌ حاد يؤدِّي إلى هزالٍ شديد، ظهور أخماج في الفم، وبالتحديد منطقة اللسـان والحنك، أغشيةٌ قرْحيةٌ مائلةٌ إلى البياض، تقرُّحاتٌ مزمنةٌ، أورام في الحنك واللَّثة، أورامٌ خبيثةٌ في الجلد، هذه بعض الأمراض المرعبة.
بالتأكيد لـم يكتشف حتى الآن علاجٌ فعالٌ لمقاومة هـذا الفيروس، وليس له ثمة دواءٌ معروف, ورد في الحديث الشريف أنه:

((يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ, خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ, وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ, لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا, إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا))

[أخرجه ابن ماجة في سننه]

في مقدمة هذه النشرة، قيل: إن هذا المرض ألغى كلَّ الإنجازات الطبية التي حققها الإنسان في عشرين قرناً.

ما هو سبب مرض اﻹيدز, وكيف يتسلل إلى جسد الإنسان, وما هي الإحصائية الأخيرة عن

أيها الأخوة الأكارم, الآن إلى الأسباب، إن معظم الإصابات بالإيدز، سببها العلاقات الجنسية غير الشرعية, قال تعالى:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾

[ سورة الإسراء الآية: 32]

العلاقات غير الشرعية من أهم أسباب انتشار مرض الإيدز
لكن شتَّان بين من يمتنع عن الفاحشة، خوفاً من الله عزَّ وجل، وطاعةً له, وإرضاءً له، وبين من يمتنع عنها, خوفاً من هذا المرض الخبيث, شتان بين الامتناعين, امتناع العبودية، وامتناع الخوف، امتناع ابتغاء رضوان الله، وامتناعٌ ناتجٌ عن حبِّ الذات.
أيها الأخوة الأكارم, يبدو على المصاب مظاهر الصحة، كيف أن الزنا تمَّ سراً, وكيف أن الشذوذ الجنسي تمَّ سراً، في أمكنةٍ مظلمةٍ، وبعيداً عن أنظار الناس، كذلك يتسلل هذا المرض سراً، ويبقى فترة سنواتٍ خمس أو أكثر دون أن يشعر المصاب بإصابته إلا إذا حلل دمه؟.
يا أيها الأخوة الأكارم, يبدو على المصاب مظاهر الصحة، ولكنه قادرٌ على نقل العدوى للآخرين، وزعت إحصائيةٍ ضمن نشرة طبية، عام ألف وتسعمئة وتسعين, وقد نشر فيها مقالٌ، في كتاب الصف الثالث الثانوي للفرع الأدبي والعلمي حول هذا الموضوع، وقد نقلت لكم هذه المعلومات، تذكر هذه الإحصائيةٍ لمنظمة الصحة العالمية، أن عدد المصابين يقدَّر بمليوني مصاب، هذا أحدث إحصاء، منهم نصف مليون طفل، أما عدد الحاملين لهذا المرض اثنا عشر مليون، وقالوا: في نهاية القرن العشرين، قد يرتفع العدد إلى أربعين مليون, لكن الذي أذهلني أن نشرةً قبل عامين، ذكرت أن عدد المصابين الآن اثنا عشر مليون في عام تسعين، قدَّر العلماء عدد المصابين بخمسة ملايين فقط الآن، أي بزيادة سبعة ملايين في عامين.

التربية الوقائية لهذا المرض:

الدين يمنح الفرد والمجتمع المعرفة والقيم التي تجعل العلاقات راقية
أيها الأخوة الأكارم, أغرب ما في التقرير، حديث عن التربية الوقائية، دققوا فيما يقول التقرير:
يجب أن تعتمد التربية الوقائية علـى تزويد الأفراد بالمعرفة والقيم التي تثري نوعية الفرد والمجتمع، وتجعله في مستو راقٍ.
هذا ما يفعله الدين، المعرفة والقيم، إلى أن تصبح حياة الفرد راقية، راقيةٌ في معاملاته، راقيةٌ في علاقته، راقيةٌ في أخذه وعطائه.


مقالة نشرت إليكم توابعها:

أيها الأخوة الأكارم, لفت نظري شيءٌ آخر، نشرت مقالةً قبل يومين في إحدى الصحف الثلاثة التي تصدر في دمشق, كتب كاتب المقال في نهاية المقالة: فمن سلك سلوكاً سليماً سلم من الإصابة، فعودةً إلى الدين، والأخلاق، والعادات، والتقاليد الحميدة, إن هذه العودة تجنِّبنا وتحمينا من هذا المرض الخبيث، ومن بقية الأمراض الأخرى.
أي عدنا إلى الدين مقهورين، هنيئاً لمن اختاره طوعاً، لكن العالم كله الآن عاد إلى الدين مقهوراً، لأنه الحل الأمثل، لأن السلامة بالتمسك بمبادئ الدين, وما لم يفعل الإنسان اليوم السلوك الذي يفرضه عليه الدين، فإن متاعب كثيرة تنتظره في حياته، لا تنسوا قوله تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة الآية: 18]

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[سورة الجاثية الآية: 21]

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[سورة النحل الآية: 97]

ليس من الحكمة الاستفاضة في هذا الموضوع في بيوت الله، لأن روَّاد المسـاجد والحمد لله مـلتزمون بأوامر الشرع مطبِّقون للدين، هؤلاء نعطيهم هذه المعلومات للموعظة فقط, ليعرفوا كيف أن البشرية من أقصاها إلى أقصاها، حينما جنحت، وحكَّمت العقل، وحكَّمت الشهوة، وضربت بأوامر الدين عُرض الطريق, دفعت الثمن باهظاً، وها هي الآن تعود إلى جادة الدين.
أن يقف مسؤول كبيرٌ في دولةٍ غربية، ليحثَّ الناس على العفة، لدرء هذا الخطر الكبير, هذا هو الدين، أن يصدر في دولةٍ تعلن: أنه لا إله، قرارٌ يمنع تناول المشروبات الكحولية, هذه عودةٌ إلى الدين، ولكن عودة المقهور، لا عودة المختار.
ينظر المؤمن في الكون، فإذا هذا الكون يدل على هذا الخالق العظيم، ولا بدَّ لهذا الخالق العظيم من توجيهٍ حكيم, القرآن هو التوجيه الحكيم، فشتان بين من يعرف الحقيقة بعد فوات الأوان، وبين من يعرفها قبل فوات الأوان، شتان بين من يمتنع عن الفاحشة خوفاً من الله عزَّ وجل، وطاعةً له، وإرضاءً له، وبين من يمتنع عنها حفاظاً على صحته، وحفاظاً على سلامته.

والحمد لله رب العالمين