28446
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 238 : الجنين ومشاعره.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-04-30
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

إليكم ما كتبه العلم حديثاً عن علاقة الجنين بأمه وتأثره بها في حالتي الرضا والغضب:

أيها الأخوة الأكارم, من البحوث العلمية الطبية التي تُعَدُّ آيةً من آيات الله الدالة على عظمته: أن الجنين كان في نظر الطب قديماً كائناً حياً في أدنى مستويات الحياة, كانت كتب الطب، تصف حياته كحياة حبة الفاصولياء في أصيص التراب، أي رشيمٌ، وجذيرٌ, وسويق، ومحفظة غذاء، جاءتها الرطوبة، وجاءها النور، فنما هذا الرشيم، وما حركات الجنين إلا ردود أفعال على المؤثِّرات التي تصل إليه, وهو في بطن أمه .
لكن الطب الحديث من خلال تطوِّر وسائل الملاحظة والمشاهدة، ووصول الطب إلى باطن الجسم الإنساني، واستخدام التنظير، والتصوير التلفزيوني، والتسجيل الضوئي والصوتي, سمحت هذه الوسائل المتقدمة جداً للطب، أن يصل إلى الجنين فيتطلع على حياته العضوية, وسلوكه النفسي, كشف الطب حقائق مذهلة .
أمٌ حاملٌ في الشهر السادس، معتادةٌ على التدخين, طلب منها الطبيب أن تمتنع عن التدخين مدةً جيدة, ثم قدَّم لها دخينة، وما إن أولعتها، حتى أشار المقياس إلى اضطراب قلب الجنين, قالوا: هذا منعكسٌ شرطي، وهو نوعٌ من أنواع التعلُّم, تأذى هذا الجنين وهو في الشهر السادس من أمه حينما استعملت الدخان .
الجنين مرتبط بأمه ليس فقط عضويا بل ونفسيا أيضا
إذا وقعت الأم في أزمةٍ نفسيةٍ كالغضب، فإن الجنين يتأثَّر لتأثر أمه، وتضطرب أعضاؤه وأجهزته .
وإذا كانت الأم في سعادةٍ ويُسرٍ، وكانت تهدهد له ببعض التهويمات، فإن الجنين يهدأ, فينتظم قلبه وأعضاؤه ونفسيته, والأغرب من ذلك، أن الجنين ينتظم وهو في بطن أمه إلى صوت أبيه، ويقف موقف المأخوذ، ويتأكَّد هذا بعد الولادة .
يا أيها الأخوة الأكارم, في هذا الموضوع، موضوعٌ اسمه: الرباط، أي ارتباط الجنين بأمه, فإذا رغبت الأم بالحمل، وتولَّعت به، بادل الجنين أمه الابتهاج، وقدَّم مودته، وشكره على حسن لقائها، ويغتني شعوره بالسكينة, ويعبِّر عن امتنانه بحركاتٍِ في بطن أمه، لا حدَّ لعذوبتها على قلب الأم .
أما الأم التي لا ترغب بالحمل، ويتمُّ الحمل وهي مكرهة، فإن التواصل أو الرباط ينقطع مع الجنين، يحيا الجنين حياتهً منفصلةً عن أمه، فيها الوحشة، والانكماش، ويسلك سلوك البلبلة, والاضطراب، ويختل توازنه, وبعد إذٍ يشاكس أمه بركلاتٍ يرسلها بقدميه، وكأنَّه يعبر بها عن احتجاجه على كراهيتها له, وبعد الولادة، الجنين التي رفضت أمه حمله، لا يقبل ثديها، بل يقبل على أي ثديٍ آخر، فإذا عُصبت عيناه، وقدِّم له ثدي أمه رفضه، لأنها رفضته في الأصل .
قال بعضهم: قد تكـون دورة النوم عند الأم ذات خصائص معيَّنة، فالأم التي تكثر السهر، يأتي وليدها مشابهاً لها, فهناك تأثرٌ، يتأثَّر به الجنين من أمه قبل أن يولد .
الأغرب من هذا كله، أن التي جاءها المخاض، إذا كان لها إنسانٌ قريبٌ ودود، يجلس إلى جانبها كأمها، فهذا الإنسان القريب الودود، يلعب دوراً أساسياً في تيسير الولادة, ويزداد صبيب الدم على الرحم والجنين مغذياً، فينتعش الجنين في أثناء المخاض، وتتضاءل عقابيل نقص الأوكسجين في أثناء المخاض, هذا النقص الذي ربما أصابه بتأخرٍ عقلي، واضطرابٍ نفسي .

العبرة من هذا الدرس:

فيا أيها الأخوة الأكارم, حينما نبتعد عن التصميم الإلهي، وعن البنية الإلهية التي بناها، ونأخذ أسلوباً آخر في الحياة، ينعكس هذا على صحة أولادنا، وعلى نمائهم، وعلى سلامة نفوسهم .

والحمد لله رب العالمين