10531
ندوات تلفزيونية - قناة الفجر - سنريهم آياتنا - الندوة 29-22 : معنى الاختيار ـ رحمة طائر الكلموس بصغاره
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-09-12
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

 مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم، إلى حلقةٍ جديدة من برنامج :"سنريهم آياتنا"، يسعدني أن أرحب بفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة، في كليات الشريعة وأصول الدين، أهلاً بكم .

الدكتور راتب:

بكم .
الأستاذ معتز:
 أستاذي الكريم، قلنا:إن الإنسان مخيرٌ بين الخير والشر، وهو نتيجةٌ لذلك ينال الثواب أو العقاب، في هذه النقطة بالذات، الاختيار، لو عرّفنا هذا الاختيار، ما هو ؟

التخيير أصلٌ في عقيدة المسلم:

الدكتور راتب:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين .
 الحقيقة:من مقومات التكليف، أن الإنسان مخير، ولا يمكن لهذا الإنسان أن يثمن عمله إلا إذا كان مخيراً، والاختيار أصلٌ في عقيدتنا، لذلك عقيدة الجبر تشل الأمة، حينما نؤمن بعقيدة الجبر نجمد، ونقعد، ونُشل، ولا نفعل شيئاً، لكن الإنسان مخير، فكل أعماله الصالحة، أو الطالحة، يحاسب عليها، إيجاباً أو سلباً، لو سألتني لماذا الإنسان مخير ؟ كيف يثمن عمله ؟ كيف يقيم عمله ؟ كيف يستحق الثواب ؟ كيف يستحق العقاب إن لم يكن مخيراً ؟ أيعقل أن يكتف الإنسان وأن يلقى في اليم، ثم تحاسبه ؟

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال  له إياك إياك أن تبتل بالماء .
***

 الحقيقة لو أننا ألغينا الاختيار، لبطل الثواب والعقاب، بطل الوعد والوعيد، أُلغيت الجنة والنار، ألغي التكليف، ألغي حمل الأمانة، ألغي كل شيء، أصبحت الحياة تمثيليةً سمجة، الاختيار أصل في عقيدة المسلم، الإنسان مخير لأنه مسؤول، وما لم تكن حراً لا معنى للأمر والنهي .
لو تصورنا للتقريب، أننا بنينا جدارين على عرض كتف إنسان بالتمام والكمال، فإذا سار بين الجدارين لامست كتفه اليمنى الجدار الأيمن، وكتفه اليسرى الجدار الأيسر، ثم قلنا له:اذهب إلى اليمين، أي يمينٍ هذا ؟ انعطف نحو اليسار، أي يسارٍ هذا ؟ .
 لمجرد وجود أمر في القرآن الكريم، ولمجرد وجود نهيٍ في القرآن الكريم، الأمر والنهي يقتضيان أنك مخير، أنت لا يمكن أن تأمر بشيء هو بيدك، أن تفعل شيئاً هو بيدك، أما ما دام حراً طليقاً، بإمكانه أن يستجيب، أو لا يستجيب، تأمره وتنهاه، فلمجرد وجود أمرٍ في القرآن الكريم، يقتضي ذلك أن الإنسان مخير، بل ولمجرد وجود نهيٍ في القرآن الكريم، يقتضي ذلك أن يكون الإنسان مخيراً، فلذلك التخيير أصلٌ في عقيدة المسلم .

الأستاذ معتز:

ولكن ما الدلائل في القرآن الكريم على هذا الموضوع ؟ .

الآيات التالية قطعية الدلالة تؤكد أن الإنسان مخير وأن أعماله سيحاسب عليها:

الدكتور راتب:

 الحقيقة:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف الآية:29 )

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

( سورة الإنسان )

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

( سورة البقرة الآية:148 )

 هل هناك أوضح من هذه الآيات ؟

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

 هذه آيات قطعية الدلالة تؤكد أن الإنسان مخير، وأن أعماله سيحاسب عليها، فلو أنه كان مجبراً، أليس بإمكانه أن يقول:يارب أنت أجبرتني على ذلك .
لذلك العوام لهم كلمات مضحكة لا تجوز إطلاقاً تتناقض مع العقيدة .

الأستاذ معتز:

 ولكن هناك آياتٌ تشعر من خلالها بالإجبار، يذل من يشاء، يهدي من يشاء .

الآيات التالية قطعية الدلالة تؤكد أن الإنسان مخير وأن أعماله سيحاسب عليها:

الدكتور راتب:

 على من تعود يشاء ؟ أي يضل ما شاء الضلال، ويهدي من شاء الهداية، أنت مخير، إن شئت الهداية فالله يهديك، إن شئت الضلالة فالله يضلك، الآية لها تفسير آخر .

الأستاذ معتز:

 إذاً يشاء عائدة على الإنسان .

الدكتور راتب:

 على الإنسان، نعم، آيةٌ ثانية من هذا القبيل، أنا أقول لك:أية آيةٌ على الإطلاق يُشم منها رائحة الجبر:

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ﴾

( سورة النحل الآية:93 )

العلماء قالوا:هذا الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، كيف ؟
 لو أن طالباً في الجامعة، لم يداوم، ولم يتقدم للامتحان، أُرسل له الإنذار تلو الإنذار، بطاقة بريدية مسجلة، نحن ننتظرك، عندك امتحان، و دفع أقساط، ولم يستجب، بعد عشرين أو ثلاثين رسالة، لم يُجب، ولم يحضر، ولم يستجب، صدر قرار بترقيم قيده، هل يعد هذا القرار إجباراً له على ترك الجامعة ؟ هو تركها، هذا القرار تجسيدٌ لاختياره
 لذلك قالوا:إذا عُزي الإضلال إلى الله عز و جل، فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، كهذا المثل:طالب أخذ موقفاً، ترك الدراسة، قبع في بيته، لم يأتِ، لم يداوم، لم يقدم امتحاناً، جاءه إنذار تلو الإنذار، فأصر على موقفه، الآن تجسدت إرادته بترك الجامعة بصدور قرار بترقيم قيده، هل يعد هذا القرار جبراً ؟ هو الذي أجبر الجامعة على اتخاذ هذا القرار، هو الذي اختار هذا المصير، فهذا إضلال جزائي مبني على ضلال اختياري، وقد تسألني عن شاهد:

﴿ فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

( سورة الصف الآية:5 )

 هذا معنى بعض الآيات التي يُشم منها رائحة الجبر .

الأستاذ معتز:

 حتى نبقى في سياق الآيات الكريمة، ما معنى قوله:

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

( سورة التكوير الآية:29 )

الجنة محض فضلٍ والنار محض عدلٍ:

الدكتور راتب:

 هذا معنى دقيق جداً،

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

 أنتم حينما تستخدمون حريتكم في اختيار الخير، في اختيار الإيمان، في اختيار الجنة، وتنعمون بهذه الجنة، يجب أن تعرفوا فضل الله عليكم، لولا أن الله منحكم حرية المشيئة لما شئتم الجنة، لولا أن الله منحكم الحرية في الاختيار لما اخترتم الجنة، ما كان لكم أن تختاروا الجنة لولا أن الله شاء لكم أن تشاؤوا .
 عفواً، لو أن أباً أجبر أولاده على العمل في المعمل، فهذا مصيرهم، لكن لو أن الأب خيّر أحد الأولاد، أتحب أن تدرس وتنال الدكتوراه أم تحب أن تبقى في المعمل وتعمل منذ الآن ؟ فاختار أن ينال الدكتوراه، فمكافأة الأب لابنه تكون بإعطائه نصف المعمل، فالابن عندما اختار الدكتوراه، وعاد إلى البلد، سينفذ والده وعده ويعطيه نصف المعمل، يقول:أنا كسبت هذا المعمل بجهدي، نقول له:لولا أن أباك خيرك أن تذهب إلى بلادٍ بعيدة، وتأتي بالدكتوراه، لما نلت هذا المعمل، في الأصل ما كان لك أن تختار الدراسة، وأن تنال نصف المعمل، إلا لأن الأب خيرك، فالفضل عائدٌ إليه .
 لذلك قالوا:الجنة محض فضلٍ، والنار محض عدلٍ، إذاً

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

هذه ليست مشيئة جبر، بل بيان فضل .

الأستاذ معتز:

 نحب أن نبحث عن أصل الأشياء، لكل شيء أصلٌ في الاختيار، هل هناك أدلةٌ على ذلك في القرآن الكريم ؟.

الآية التالية تعد أصلاً في أن الإنسان مخير:

الدكتور راتب:

 الحقيقة، الآية التي تعد أصلاً في أنك مخير .

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

 هذه الآية، أستاذ معتز، تعد أصلاً في أن الإنسان مخير،

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾

 مقولة من ؟ مقولة المشركين،

﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾

 ترتيبه

﴿ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ﴾

 هل عندكم برهان ؟

﴿ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

 هذه الآية أصلٌ في أن الإنسان مخير، ولولا أنه مخير لما كان هناك من معنى إطلاقاً لمجيئنا إلى الدنيا، ولا كان هناك من معنى إطلاقاً للأمر والنهي، والثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والجنة والنار، شيء لا يحتمل .

الأستاذ معتز:

 دعونا نعد قليلاً إلى الوراء، ما موقف الصحابة الكرام من الاختيار ؟ .

الإنسان عندما يرفض الدين كلياً يكون قد سدّ الطريق على نفسه من الله عزّ و جل:

الدكتور راتب:

 قال سيدنا عمر ـ الرجل العظيم، الفاروق، ثاني الخلفاء الراشدين ـ مقولة رائعة عندما جاؤوا له بشارب خمر، فقال:أقيموا عليه الحد، قال:والله يا أمير المؤمنين، إن الله قدر عليّ ذلك، فقال:أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال:ويحك يا هذا ! إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار .
 أنت مخير، لذلك هناك بعض الأمثلة، تضرب في هذا المجال، أنت ذاهب من دمشق إلى حمص، ويفترض أن الطريق واضح، لكن لو رأيت طريقين، وليس هناك لافتة وهناك إنسان واقف، سألته من أين طريق حمص ؟ قال لك:من هنا، هذا الطريق سالك، وواضح، لكن هناك تحويلة بعد قليل، وهناك منعطف خطر، وجسر ضيق، أعطاك تفاصيل كثيرة، فلما قبلت منه إرشاده، قلت له:جزاك الله خيراً، بارك الله بك، قال لك:سأزيدك، هناك تحويلة، و منعطف خطر، و جسر ضيق، وانتبه، وانتبه، أعطاك مئات الملاحظات، لو أن إنساناً آخر يركب مركبته، واحتار عند هذا المفرق، وسأل إنساناً، قال له:من أين حمص ؟ قال له:من هذا الطريق الأيمن، قال له:أنت كذاب، هل يستطيع هذا الإنسان أن يعطيه التفاصيل ؟ لا يستطيع، لأنه رفض دعوته، هذا نوع من الإضلال .
 فالإنسان عندما يرفض الدين كلياً، يرفض التصور الديني للكون، والحياة، يرفض أن يسأل عن الخير والشر، يرفض أن يكون طائعاً لله عز و جل، استغنى عن طاعة الله، هل يمكن لإنسان أن يهديه ؟ لا يقبل، وهو أساساً سدّ الطريق على نفسه من الله عز و جل، فهذا إضلال جزائي مبني على ضلال اختياري .

الأستاذ معتز:

 على ماذا يعتمد الإنسان في اختياره، على عقله أم على قلبه ؟ .

من غلّب عاطفته على عقله اختار الشهوات ومن غلّب عقله على عاطفته اختار القُربات:

الدكتور راتب:

الإنسان عنده عقل، وعنده عاطفة، فإذا غلّب عاطفته على عقله، قد يختار الشهوات، وإذا غلّب عقله على عاطفته، قد يختار القُربات، أنا أقول دائماً:" اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القُربات
ما لم تكن مخيراً، لا شيء في هذا الدين له قيمة، أنت مخير، وأنت مسؤول، ولكن ـ سبحان الله ـ الإنسان لضعفه أحياناً، أو لأنانيته، إذا وقع له شيء لا يرضيه، يعزوه لغيره، أما إذا أنجز شيئاً، فيقول لك:أنا فعلت، أنا درست، ونلت الشهادة، أما إذا لم ينجح، فيقول لك:لا يوجد نصيب لأنجح، هذا كلام مضحك جداً .
فلذلك الإنسان لضعفه أحياناً، وضيق أفقه، إذا جاءه شيءٌ يكرهه، يعزوه لغيره، لذلك قال الله عز و جل في بعض الأحاديث القدسية:

(( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني وأعطيت كل إنسان منهم ما سأل، لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص البحر إن غمس فيه المخيط غمسة واحدة، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله تعالى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ))

[ أخرجه ابن حبان عن أبي ذر ]

كل أوامر الله التكليفية الإنسان مخيرٌ فيها فإن فعلها ارتقى وإن قصّر عنها أخطأ:

 الإنسان مخير، وفي اللحظة التي يتوهم أنه مسير، طبعاً الإنسان مسير، في أمه، وأبيه، سألوك من تحب أن يكون أباك ؟ مستحيل، مسير في بلدة ولادته، مسير في زمن ولادته، مسير في كونه ذكر أو أنثى، مسير في إمكاناته، لكن العلماء قالوا:هذا الذي لست مخيراً فيه هو محض خيرٍ لك، لصالحك، أنت مسير فيما لم تكلف، ومخير فيما كلفت، مسير في زمن ولادتك، وفي مكان ولادتك، وفي أمك، وأبيك، وفي كونك ذكر أو أنثى، وفي قدراتك، لكن هذا التسيير لصالحك، أما أنت مخير فيما كُلفت، كُلفت أن تصلي، أنت مخير، أن تكون صادقاً أميناً، أن تتقن عملك، أن ترحم من حولك، كل أوامر الله التكليفية أنت مخيرٌ فيها، فإن فعلتها ارتقيت، وإن قصرت عنها أخطأت

الأستاذ معتز:

 ومن هنا جاء الثواب والعقاب كنتيجة لهذا الاختيار

الدكتور راتب:

 طبعاً، لا معنى للثواب والعقاب من دون اختيار

الأستاذ معتز:

 وهذا ما ناقشناه في البداية، عندما قلنا:إذا ألغي الاختيار ألغي كل شيء

الدكتور راتب:

ألغي كل شيء، كلام سيدنا عمر واضح جداً

الأستاذ معتز:

 يبدو أننا وصلنا الآن إلى فقرتنا العلمية لهذا اليوم .

أسرار المخلوقات التي تعطف على صغارها:

الدكتور راتب:

لا زلنا في الوقوف عند أسرار هذه المخلوقات، التي تعطف على صغارها، وأنا أريد أن يكون هذا درسٌ بليغ للأمهات، والآباء .
 الحقيقة هنا سواحل أوروبا الشمالية، طيور البحر المسماة الكلموس، تبني أعشاشها هنا في الصخور العالية، على طول هذه السواحل، عند مجيء شهر آب، تقوم صغار الطيور بأول تجربة طيرانٍ لها، وتحاول الطيران باتجاه البحر، هذه تجربةٌ شاقة بالنسبة إليها، فالبحر بعيدٌ عن الصخور، ما يقارب كيلو متر واحد، والعش عالٍ جداً، وأخيراً يلقي أول الصغار نفسه من العش إلى الجو باتجاه الأسفل، يحلق نحو البحر، تحت إشراف الطيور الكبيرة، وبهذا يتم أول تجربة طيرانٍ بنجاح، ثم تليه بقية الصغار، ومع أن الطيران خطيرٌ جداً في البحر، ولكن لابد لها من التدرب على الطيران لتأمين حياة الصغار، فالثعالب المتربصة بها موجودةٌ في الساحل، في إحدى تجارب التدريب على الطيران، لم يصل هذا الصغير إلى البحر، اضطر للنزول الإجباري في الساحل، ولكن أمه لم تتركه وحده، تحاول الأم بكل قوتها أن توجه الصغير بسرعةٍ نحو البحر، لأن الثعالب قد رأتها تدفع الأم الصغير إلى البحر باستمرار، ومن جهةٍ أخرى ترفرف بجناحيها، لتشد انتباه الثعالب إليها، توشك الثعالب أن تصل إلى الصغير، تقوم الأم بتضحيةٍ مثاليةٍ نادرة، لا شبيه لها، لتكسب الصغير المزيد من الوقت وتنقذه، فتلقي بنفسها أمام الثعالب، تلقي بنفسها هذه الأم أمام الثعالب لتفتدي صغيرها بحياتها، علها تستطيع إنقاذه، الصغير الذي لا علم له بما جرى من الحوادث خلفه، ينجح في الوصول إلى البحر، وينجو من الثعالب، الطفل الصغير ينادي أمه، لأن بقاءه في الحياة وحده مستحيل، وتجيب أمه نداءه، وتجيب الطيور الأخرى نداءه، وتقبله بين صغارها، هناك تفسيرٌ واحدٌ فقط لقيام الحيوان بتصرفٍ عاطفيٍ وإيثارٍ بهذا الشكل، بل وتضحيةٍ بحياته لأجل صغاره، الله تعالى خلق هذا الكائن، وألهمه التضحية التي قام بها لحماية صغاره، هذه أسرةٌ تتكون من أفرادٍ متكافلين فيما بينهم، إلى حدٍّ كبير، هذا من آيات الله الدالة على عظمته

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا ﴾

( سورة فصلت الآية:53 )

 وهذه الآية أصلٌ في هذه اللقاءات الطيبة

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة فصلت الآية:53 )

الأستاذ معتز:

 بعد أن شاهدنا هذه المادة العلمية، وقبل أن ننهي حلقتنا، حبذا لو تُضيء لنا شيئاً من الفرق بين الفطرة عند الإنسان والغريزة عند الحيوان .

الفطرة عند الإنسان والغريزة عند الحيوان:

الدكتور راتب:

 الفطرة متعلقة بالنفس، والغريزة آليات معقدة جداً جاهزة عند الحيوان، معظم خبرات الحيوان ومهاراته غرائز، ليست كسبية، لكن معظم مهارات الإنسان كسبية، من اجتهاده، من صنعه، الإنسان من أرقى المخلوقات، فمنجزاته، خبراته، مهاراته، كسبية، من كسبه، بينما الحيوان ليس مخيراً، وليس متعلماً، وليس خاضعاً لدوراتٍ تثقيفية، إذاً آلياته كلها جاهزة، فكما قلنا:مهارات الحيوان غرائز مودعةٌ فيه، ويستخدمها فور الولادة، أما الإنسان إلى أن يصبح ناضجاً يحتاج إلى أربعين عاماً، أو إلى عشرين عاماً، الإنسان كل إمكاناته، وخبراته، وقدراته، ومهاراته، كسبية، عن طريق المحاولة والخطأ، عن طريق التجارب، عن طريق التعلم، عن طريق إغناء الثقافة، أما الحيوان كل خبراته الدقيقة جداً، غرائز جاهزة، ليس له فضل فيها، إنها من فعل الله التكويني وليست من فعله التكليفي .

خاتمة و توديع:

الأستاذ معتز:

لذلك كان على الإنسان أن يختار، ونتيجة خياره في النهاية الثواب والعقاب .
 في نهاية هذه الحلقة، أشكركم فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة، في كليات الشريعة وأصول الدين، شكراً جزيلاً لكم، مشاهدينا الكرام حتى نلتقي بكم في حلقةٍ مقبلة .

والحمد لله رب العالمين