13118
ندوات تلفزيونية - قناة الفجر - سنريهم آياتنا - الندوة 29-16 : معاملة الناس بالفطرة ـ هجرة اللقالق
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-09-06
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

 أخوة الإيمان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نستمر في هذه الحلقات من برنامج: "سنريهم آياتنا"، الذي يتناول الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة، ويسعدنا أن نستقبل فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة، في كليات الشريعة وأصول الدين، أهلاً بكم سيدي.

الدكتور راتب:

 بكم، جزاك الله خيراً.

الأستاذ معتز:

 وإياكم، في الحلقة الماضية تحدثنا عن الفطرة، وعرفناها بأنها اكتشاف الخطأ ذاتياً، وقلنا: إن الفطرة هي مقياسٌ للخطأ والصواب، وتحدثتم عن أن للفطرة دلائل كثيرة في القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي الشريف، اليوم وعدنا الأخوة المشاهدين أن نتحدث عن كيف يتعامل الناس بالفطرة ؟ تفضل سيدي.

الفطرة تقتضي أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك:

الدكتور راتب:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين.
 أستاذ معتز، أودع الله في الإنسان هذا المقياس الرائع، وقد يُستنبط مما ورد في بعض الأحاديث الشريفة أن: "عامل الناس كما تحب أن يعاملوك"، أودع الله معك مقياساً رائعاً ، أي أنت حينما تعامل إنساناً ويسيء إليك، هذا الذي يسيء لو كان مكانك لا يحتمل هذه الإساءة، فلو استخدم الإنسان هذا المقياس وهذا الضابط في كل شؤون حياته لكنا في خير، مثلاً: الأب حينما يعامل زوجة ابنه في البيت معاملةً لا يرضاها لابنته إذا عوملت مثل هذه المعاملة في بيت أهل زوجها، إذاً معه مقياس، أنت تعامل هذه الزوجة، زوجة الابن، هل ترضى لابنتك أن تعاملَ كهذه المعاملة ؟ لا ترضاها.
أنتَ كمواطن، حين تقف أمام موظف و يقول لكَ: تعالَ غداً، أو بعد غد و بإمكانه أن ينجز هذه المعاملة في دقائق، هل ترضى لو كنت مكانه أن تعامل بهذه المعاملة ؟.
 هذا مقياس رائع جداً، كل إنسان يعلم بفطرته، ما ينبغي أن يكون، وما لا ينبغي، فإذا وضع كل واحدٍ منا الآخر في مكانه لا يرضى، أو وضع نفسه مكان الآخر لا يرضى، إذاً أودع الله معك هذا المقياس، قد تستغني به عن آلاف الحقائق، والمحاضرات، هل ترضى لابنتك أن يكون الزواج مؤقتاً ؟ لا ترضى، كذلك الإنسان حينما لا يرضى لنفسه هذا لا يرضى للآخرين هذا، هذا هو من الحد الأدنى من سلوك المؤمن، فالذي لا يرضاه لنفسه لا يرضاه لغيره، بل إن الحديث الرائع.

(( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك]

 وهناك زيادة، ولا يؤمن أحدكم حتى يكره لأخيه ما يكره لنفسه، لذلك لو جئنا بمثل: التاجر المؤمن لا يبيع بضاعةً لا يرضاها لنفسه، أبداً، لا يبيع مادة غذائية ليست مفيدة، أنا أعرف أناساً كثيرين يستوردون مواد غذائية، لكنهم لا يأكلونها أبداً، الفطرة تقتضي أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك، تقتضي الفطرة أن ترضى للناس ما ترضاه لنفسك، أن تكره للناس ما تكرهه لنفسك، لعل هذا المقياس مقياس واضح شمولي مستمر عام، يدور مع الإنسان في كل شؤون حياته.

الأستاذ معتز:

 إذاً الفطرة نعمةٌ من نعم الله علينا.

بطولة الإنسان أن يكون إنسانياً وينطلق من مبادئ واحدة وقيم واحدة وتصرفات واحدة:

الدكتور راتب:

 من نعم الله الكبرى، دائماً ضع نفسك مكان هذا الذي تعامله، هل تحتمل ما تعامله به ؟ مثلاً: هل يرضى زوجٌ على زوجته أن تهين أمه ؟ لا يرضى، يقيم عليها الدنيا، فلماذا تُهين أنت أم زوجتك ؟ هل ترضى أن تأتي أمك إلى بيتك ولا تُكرم ؟ لا ترضى، فلماذا إذا استقبلت أم زوجتك لا تكرمها ؟.

الأستاذ معتز:

 والناس الذين يتصفون بالسوء في معاملة الناس هل هذا يعني أن فطرتهم غير سليمة ؟.

الدكتور راتب:

 فطرتهم منطمسة، ويكلون بمكيالين، مثلاً: هل ترضى لهذا الموظف الشاب الذي عندك أن تبقيه جاهلاً، وأن تمنعه أن يتابع دراسته، وأن تحرمه من حقوقه الأساسية، بينما تطمح لابنك أن يكون أعلى طبيب ؟ هذا سلوك عنصري، الذي ترضاه للناس ولا ترضاه لنفسك، أنا أسمي هذا السلوك عنصرياً، على مستوى أفراد، وجماعات، ودول، البلاد التي تعامل شعوباً أخرى معاملةً لا ترضى أن تعاملها لشعبها، هذا في تناقض، قد يكون الإنسان في بلده وطني، أما في مقياس الإنسانية، ليس وطنياً، ليس إنسانياً، فالبطولة أن أكون إنسانياً، أن أنطلق من مبادئ واحدة، ومن قيم واحدة، ومن تصرفات واحدة، هذا المبدأ الإنساني، الفطرة، والإسلام دين الفطرة، ونحن في الأصل هو:

﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

( سورة النساء الآية: 1 )

 فالذي لا ترضاه لأخيك، أو الذي لا ترضاه لنفسك، لا تفعله مع أخيك، والذي ترضاه لنفسك، افعله مع أخيك.

الأستاذ معتز:

 إذاً حُسن المعاملة مع الناس وسوءها تابعٌ للفطرة.

حُسن المعاملة مع الناس وسوءها تابعٌ للفطرة:

الدكتور راتب:

 كل إنسان معه مقياس للفطرة دقيق جداً، الذي يزعجك يزعج الآخرين، والذي يؤلمك يؤلم الآخرين، والذي يسخطك يسخط الآخرين، هذا هو المقياس، و قد استخدمه النبي عليه الصلاة والسلام عندما جاءه شاب قال له: ائذن لي بالزنا ؟ والحقيقة سؤال فيه وقاحة، يخاطب سيد الخلق، نبي الأمة، يطلب منه أن يأذن له بفاحشة ! فهب الصحابة عليه، قال النبي الكريم: دعوه، تعال يا عبد الله، قال له: هل ترضاه لابنتك ؟ فاحمر وجههُ قال: لا، قال: ولا الناس يرضونه لبناتهم، هل ترضاه لأختك ؟ قال: لا، هل ترضاه لأمك ؟ قال: لا، هل ترضاه لعمتك ؟ لخالتك ؟ هذا الشاب أدرك صواب المحاكمة بالمنطق، فقال: دخلت على النبي الكريم وما شيءٌ أحب إلي من الزنا، وخرجت من عنده وما شيءٌ أبغض إليّ من الزنا، فإن كنت لا ترضاه لابنتك، ينبغي ألا تفعله مع بنات الناس، إن كنت لا ترضاه لأختك لا تفعله مع أخوات الناس.
هذا مقياس، مقياس يغنيك عن مليون مقياس، عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، ضع نفسك مكان هذا الذي تعامله، هل ترضى أن تُعامَل كما تُعامِل ؟ لا ترضى.

الأستاذ معتز:

 كلامٌ طيب، لكن دعني أنتقل معك إلى نقطةٍ أخرى، الله عز و جل سمى الأعمال الطيبة بالمعروف، والأعمال السيئة بالمنكر.

التبدل الخطير في القيم أكبر طامَّةٍ تصيب الأمة:

الدكتور راتب:

 الحقيقة التسمية رائعة جداً، يبدو أن الإنسان هو الإنسان في كل زمانٍ ومكان، فقد سمى الله الأعمال الصالحة معروفاً، لِمَ ؟ قال: لأن الفِطر السليمة تعرفها بداهةً، وسمى الأعمال السيئة منكراً، لأن الفِطر السليمة تنكرها ابتداءً.
 فلذلك في بعض البلاد يستخدمون في القضاء المحلفون، المحلفون أناس يأخذونهم من الطريق، من عامة الناس، معهم فطرة سليمة، يعرضون عليهم تفاصيل الجريمة، هؤلاء بفطرتهم، ليس لهم مصلحة في الحكم، مع أو ضد، لكن بفطرتهم يكشفون الحقيقة ، فالقضاة يستخدمون هؤلاء المحلفين للتعبير عن فطرتهم في هذا الحكم، هذا شيءٌ أيضاً واردٌ في قضايا الفطرة.
لكن النبي عليه الصلاة والسلام، حذرنا من عصرٍ صعب قال:

(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا : يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر، ونهيُتم عن المعروف ؟ ))

 أول مرحلة لم تأمروا بالمعروف، المعروف عند كل الناس، ولم تنهوا عن المنكر عند كل الناس، المرحلة الثانية، المنكر منكر، والمعروف معروف.

(( قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم، وأَشدُّ كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكرا والمنكرَ معروفا ))

[أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]

 وهذا التبدل الخطير في القيم أكبر طامَّةٍ تصيب الأمة.
مثلاً أهجى بيتٍ قالته العرب على الإطلاق:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *

 من المصائب الكبرى أن يكون أهجى بيتٍ قالته العرب شعار معظم الناس، مادام دخلك كبيراً، بيتك رائعاً، مكتبتك فارهة، مصالحك محققة، دعك من الناس، ولا تعبأ بهم، ولا تحمل همومهم، ولا تسعى إلى تحسين أوضاعهم.

الأستاذ معتز:

 أليست هذه الفطرة المنطمسة ؟

اللذة و السعادة:

الدكتور راتب:

 هذه الفطرة المنطمسة.

الأستاذ معتز:

 في الفطرة السليمة اللذة والسعادة، هنا عندي سؤال عن اللذة والسعادة هل هناك فرقٌ بينهما ؟

الدكتور راتب:

 الحقيقة، اللذة حسية، والسعادة نفسية، وفرقٌ كبيرٌ بينهما، اللذة لا تنبع من الداخل، تأتي من الخارج، تحتاج إلى طعام طيب، هو شرطها، كل عواملها خارجية، اللذة تحتاج إلى طعام طيب، إلى بيت مريح، إلى مركبة فارهة، إلى امرأة جميلة، هذه اللذة، أما السعادة، تنبع من الداخل، لا تحتاج إلى أي شرط خارجي.

الأستاذ معتز:

 تحتاج السعادة إلى المال و إلى الوقت ؟.

السعادة مستمرة و اللذة متناقصة: ْ

الدكتور راتب:

 تلك اللذة، السعادة حينما تتصل بالله عز و جل، هذا الاتصال يملأ قلبك سعادةً، إن الله يعطي الصحة، والجمال، والمال، للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، هذه السكينة، والسعادة، وجدها سيدنا يونس وهو في بطن الحوت:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

 هذه السعادة وجدها النبي في الغار.

(( فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إِلى قَدَمْيه أبْصَرَنَا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]

 هذه السعادة وجدها شباب أهل الكهف في الكهف، كانوا في القصور.
لذلك السعادة تنبع من الداخل، لا تحتاج إلى أي شرط خارجي، تنبع من اتصالك بالله، من المطلق.

الأستاذ معتز:

 وأعتقد أن اللذة تتناقص أحياناً، وأن السعادة يجب أن تستمر.

الدكتور راتب:

 اللذة قطعاً لا تستمر، أي مستحيل وألفُ ألفِ مستحيل أن يكون شيءٌ في الدنيا يمنحك سعادة مستمرة بل متناقضة، أي تشتري بيتاً فخماً، بعد شهرين، أصبح شيئاً عادياً جداً، تقتني مركبة فارهة بعد شهر أصبحت عادية جداً، من نال دكتوراه بعد شهر، لقد أصبح بديهياً.

الأستاذ معتز:

 لكن ما الذي يبقى ؟

السعادة ذاتية وشروطها داخلية مستمرة واللذة شروطها خارجية ومتناقصة وقد تنتهي بالكآبة:

الدكتور راتب:

 الدنيا بكل ما فيها لا يمكن أن تمد الإنسان بسعادة مستمرة، أو بلذة مستمرة، بل لذة متناقضة، لذلك أخطر شيء في الإنسان عندما يختار هدفاً محدداً يصله فينتهي بريقه، ويحس بالفراغ، هذه اللذة، واللذة مشكلتها تحتاج إلى شروط ثلاثة، تحتاج إلى وقت، وإلى مال، وإلى صحة، ولحكمةٍ أرادها الله دائماً هناك شرطٌ ناقص، ففي البدايات الصحة موفورة، والوقت موفور، لكن لا يوجد مال، بمنتصف الرحلة الصحة موفورة، والمال موفور لكن لا يوجد وقت، في نهاية المطاف، المال موفور، والوقت موفور لكن لا يوجد صحة، أما السعادة لمجرد أن تعرف الله، وأن تستقيم على أمره، وأن تأتمر بأمره، وأن تنتهي عما عنه نهى، لمجرد أن تفعل ذلك انعقدت هذه الصلة مع الله، وامتلأ قلبك سكينة، فالسعادة ذاتية، وشروطها داخلية، ومستمرة، ومتنامية، وقد تتصل نعم الدنيا بنعم الآخرة.
 أما اللذة شروطها خارجية، ومتناقصة، وحسية، وقد تنتهي بالكآبة إن كانت في محرم، وقد تنتهي بجهنم إن كانت في معاص وآثام، فلذلك فرقٌ كبير بين اللذة والسعادة، اللذة متعلقة بالجسد، والسعادة متعلقة بالنفس، فنحن نهتم بأجسادنا، الغرب كله يهتم بالجسد، لا يهتم بهذه النفس، فالسعادة هي صفة النفس التي آمنت بربها.

الأستاذ معتز:

 جزاكم الله خيراً على طيب هذا الكلام، لدينا الآن الدليل العلمي، الذي أحضرته معك، أعتقد أنه عن الطيور مرةً أخرى.

هجرة اللقالق:

الدكتور راتب:

 لكن الآن هجرة اللقالق، تقطع اللقالق كل سنةٍ طُرقاً بآلاف الكيلو مترات، اللقالق المرتحلة من قارة إفريقية تصل إلى قارة أوروبا مروراً بالبحر المتوسط، إلا أنه بقدوم فصلٍ آخر، واخضرار النباتات، يتغير منظر الغطاء الأرضي لأوروبا تماماً، إذاً كيف تجد اللقالق طرقها في رحلتها التي تبلغ آلاف الكيلو مترات مع هذا التغيير ؟ اكتشفت البحوث وجود نظامٍ خاص في أجسام اللقالق، مدركٍ لجاذبية الأرض المغناطيسية، بهذه البوصلة العجيبة الطبيعية تتبع هذه اللقالق خطوط الجاذبية المغناطيسية، وتعين الجهة، وبفضل هذا تتم رحلتها التي تبلغ آلاف من الكيلو مترات، دون أي خطأ، وتجد مكان أعشاشها، التي كانت تقطنها قبل سنة، تستخدم الطائرة الحربية أجهزة الكترونية كثيرة، لتعيين خطوط الطول والعرض للطيران ووجهته، إلا أن إوزات الثلج التي تطير مسافاتٍ أطول بكثيرٍ من الطائرات الحربية، تعرف من بين السحاب إلى أي جهةٍ تطير دون أن تستخدم أية جهاز .
 الأوكسجين قليلُ جداً في علو آلاف الأمتار، لهذا السبب يستخدم الطيارون أقنعة الأوكسجين، لكن ليس للإوزات حاجةٌ بأقنعة الأوكسجين، فقد خُلقت رئتاها وخلايا الدم الخاصة بها بتصميمٍ خاص، تستطيع بفضلها التنفس حتى في مثل هذا العلو، إضافةً إلى أن بنية الأجسام المخلوقة بتنسيقٍ خاص، تحميها من برودةٍ تصل إلى خمسٍ وخمسين درجة تحت الصفر.
 التكنولوجيا والتصميم في أجسامها كاملة، إلى حدٍ يدعو للغيرة حتى من قبل طياري الطائرات الحربية، تقوم إوزات الثلج برحلةٍ طويلةٍ، تمتد آلاف الكيلو مترات، تبدأ من المناطق القريبة من القطب الشمالي إلى خليج المكسيك، وهي كاللقالق تماماً، جُهزت بأنظمة إيجاد الجهة بشكلٍ معجز نُسق في أجسامها ما يدرك الجاذبية المغناطيسية، بفضل هذا تجد جهتها بحسب جاذبية الأرض المغناطيسية، ولا تخطئ طوال رحلتها الممتدة آلاف الكيلو مترات.

تنسيق مدركات الجاذبية المغناطيسية في أجسام الطيور بقدرة الله تعالى:

 إذاً من نسق مدركات الجاذبية المغناطيسية في أجسام هذه الطيور ؟ بلا شك أنظمة إدراكٍ حساسةٍ كهذه ليست نتيجة المصادفات، هذه الخصائص موجودة في الطيور المهاجرة دليلٌ واضحٌ على خلق الله لها، أغرب الخصائص في الطيور المهاجرة أنها لا تظهر إلا بعد غروب الشمس، تجد الطيور المهاجرة التي تطير في الليل جهتها اهتداء بالنجوم، شيءٌ عجيب ! هذه معجزة كبيرة بلا شك، لأن هناك ملايين النجوم في السماء، وإيجاد الجهة بالنظر إلى النجوم عملٌ صعبٌ جداً.
 في الحقيقة هذا الأسلوب أستخدمه الناس أيضاً في التاريخ، حيث كان البحارون يهتدون إلى جهتهم بحساب زوايا ومواقع النجوم، حتى اخترعوا البوصلة، واستخدموا خرائط النجوم، إضافةً إلى ما يملكه الإنسان من عقلٍ وإدراك.
 أما الغريب في هذه الطيور الصغيرة فليس في أيديها، أي خرائط للنجوم، ولم تتعلم أماكن أبراجها، وعلى الرغم من ذلك تعرف هذه الطيور بشكلٍ معجز أماكن النجوم وتجد الجهة بحسبها، وتقطع طريقها في ظلمة الليل دون أن تضيع وجهتها.
 أوضحت البحوث الجارية أنه حتى الفراخ الخارجة من البيوض جديداً تعرف مكان النجوم، إذاً من علم هذه الفراخ الصغيرة التي لم تولد بعد أماكن النجوم ؟ هذا شيءٌ معجز، لا شك أن صدور قرارٍ من هذه الفراخ الصغيرة منذ ولادتها، أي واحدة من ملايين النجوم، يجب متابعتها، وأي النجوم ستختارها دليلاً، معجزةٌ كبيرةٌ جداً ! كل هذا يوضح أن الله تعالى خلق هذه الطيور، وألهمها أعمالها التي تقوم بها.

الله تعالى خلق الطيور وألهمها أعمالها التي تقوم بها:

 الله تعالى يخبرنا عن هذه الحقيقة في الطيور في القرآن الكريم، الذي فيه ما يزيد عن ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون، هذه الآيات ينبغي أن تكون، منهجاً لنا في التفكر، والآية التي أوردها الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق بهذه الآيات الدالة على عظمته بالطيور التي تطير في الجو، وتصل إلى أهدافها بطريقةٍ عجيبةٍ، لا يعلم الإنسان حقيقة هذه الطريقة إلا من بعض التخامين، إن هذه الآية الرائعة التي تتحدث عن الطيور.

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾

( سورة النور )

خاتمة و توديع:

الأستاذ معتز:

العبرة التي نأخذها من كل حلقة، ومع كل مادةٍ علمية تقدمونها هي أن هذا الكون بما فيه من تنظيمٍ وتصميم، لا بدّ له من خالق مبدع هو الله عز و جل.
 في نهاية هذه الحلقة أشكركم فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة، في كليات الشريعة وأصول الدين، مشاهدينا على أمل اللقاء بكم في حلقةٍ مقبلة.
والحمد لله رب العالمين