9945
ندوات تلفزيونية - قناة الفجر - سنريهم آياتنا - الندوة 29-12 : الطب النفسي ـ التمويه للأسماك
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-09-02
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

 بسم الله الرحمن الرحيم، مشاهدينا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقةٍ جديدة من برنامج:"سنريهم آياتنا"، الذي سيتناول الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة، يسعدني أن أرحب بفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين، أهلاً بكم.

الدكتور راتب:

بكم أستاذ معتز.

الأستاذ معتز:

 أستاذ راتب، تحدثنا في الحلقات الماضية عن الإعجاز العلمي في خلق الإنسان، وعن جهاز المناعة، وبعض الأمور الأخرى، وغدة التايموس، ووصلنا من خلال هذا الحديث إلى الحديث عن الطب في الإسلام، وتناولنا فيه أول قسم من أقسام الطب، الطب الطبيعي، وتحدثنا بعدها في نهاية الحلقة عن الطب النفسي، حبذا لو نستفيض أكثر في الطب النفسي.

الإنسان كلٌّ لا يتجزأ و فيه اتصالٌ وثيق بين الجسم والنفس:

الدكتور راتب:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أستاذ معتز، الإنسان كلٌّ لا يتجزأ، فيه جسمٌ، وفيه نفسٌ، وفيه اتصالٌ وثيق بين الجسم والنفس، فالخوف، والقلق، والحقد، والحسد، والإحباط، والإخفاق، هذه أمراض نفسية، حينما تضعف النفس ينعكس ضعفها على الجسد، ولاسيما كما قلت في حلقةٍ سابقة أن جهاز المناعة الذي أوكل إليه أمر مكافحة الأمراض الجرثومية والسرطانية هو يضعف نفسه بالخوف، والقلق ، والحقد، والإخفاق، والتشاؤم، والإرباك، وما شاكل ذلك، إذاً حينما يتمتع الإنسان بمعنويات عالية، بسبب إيمانه بالله، بسبب استقامته، بسبب توكله على الله، بسبب يقينه أن أمره بيد الله، وأن الله لا يُسلمه إلى غيره، بسبب ثقته أن الله يدافع عنه، بسبب أنه نقل اهتماماته الكبرى إلى الآخرة، وهذه الدنيا لا تعدل عنده جناح بعوضة، كل هذه المعطيات الفكرية والنفسية تجتمع وترفع معنويات الإنسان، فما دام الإنسان قريباً من الله، قوياً في معنوياته، يقوى جهاز مناعته، فإذا قوي جهاز مناعته فقد يحتمل ما لا يحتمله الآخرون.

معظم الأمراض تتولد من الشدة النفسية:

 لذلك الناجحون في الحياة، هم المؤمنون بالله، و جهاز مناعتهم قويٌ جداً، لذلك هذا الجهاز قد يقوى على معظم الأمراض، بينما إذا انتشر الحقد، والخوف، والقلق، والإحباط في مجتمعٍ ما، جهاز المناعة يضعف كثيراً، لذلك الأمراض القليلة والصغيرة تقوى عليه، الآن يقولون: إن معظم الأمراض في الحقيقة تتولد من الشدة النفسية، قال تعالى:

﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) ﴾

( سورة محمد )

 يصلح حالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم، صلاح البال من الأدعية الرائعة، اللهم أصلح بالنا، وبال جميع المسلمين، الشدة النفسية خطيرة جداً، والإنسان حينما يكون حاقداً، أو خائفاً، أو غاضباً، أو حانقاً، أو محتقناً، هذا ينعكس على قلبه، وعلى أوعيته، وعلى شرايينه، لذلك هناك في الشرايين تضيق، وتشنج، الشدة النفسية قد تجعل الشريان متشنجاً، يضيق لا بفعل ترسب المواد الدهنية بل بفعل اضطرابه، إذاً.

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

( سورة الشعراء )

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾

( سورة الأنعام )

 هذا هو الطب النفسي.

الطب النفسي قائم على الاستقامة والتوحيد:

 أستاذ معتز، التوحيد يعطي الإنسان قوة، يعطيه تفاؤلاً، يعطيه أملاً، يعطيه رغبة بما عند الله، يجعل الدنيا صغيرة عنده، سيدنا الصديق ـ كما يروى عنه ـ ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط، فأنا أرى أن الطب النفسي قائم على الاستقامة، والتوحيد، هذا شيء ملاحظ، وشيء منتشر في العالم كله، إن المؤمنون لهم صحةٌ متميزة، بل إن العلماء الكبار يعيشون سنوات طويلة، أذكر أنه في الشام عالم جليل عاش إلى الثامنة والتسعين، وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه بفمه، وما صلى قاعداً، فكان إذا سئل يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟ يقول: يا ولدي حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً، عاش قوياً، إذاً الطب النفسي، طب التوحيد، مثلاً أنت أمام وحوش مخيفة، قاتلة، مفترسة، لكنها مربوطة، بيد جهة رحيمة، عادلة، تحبك، أنت إذاً علاقتك ليست مع الوحوش، مع من يملكها فإن أرخى أزمتها، وصلت إليك، وإن شدّ هذه الأزمة، أبعدها عني، هذا معنى قوله تعالى

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾

( سورة هود )

الأستاذ معتز:

 إذاً أساس الطب التوحيد، والإيمان بالله عز وجل، وماذا عن الطب الوقائي ؟

المؤمن نظيف جداً في كل شؤون حياته:

الدكتور راتب:

 النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة أمرنا بالنظافة، والمؤمن نظيف، و يوجد العالم الآن ثلاثمئة مليون إنسان مصاب بأمراض القذارة، مثلاً أمرنا بالاغتسال كل أسبوع ، ولو كان الماء مداً بدينار، غُسل الجمعة واجبٌ ديني، الاغتسال، تقليم الأظافر، حلق الشعر، تنظيف الأسنان، تنظيف البيت، تنظيف الأثاث، النظافة من سمات المؤمن، والشيء المؤثر جداً أن يحتكرها أناسٌ آخرون، المؤمن نظيف جداً في كل شؤون حياته، ولو دققت في التفاصيل أي:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) ﴾

( سورة البقرة )

 المؤمن بدنه نظيف، ثوبه نظيف، بيته نظيف، مكان عمله نظيف، أخلاقه نظيفة، مثلاً النبي عليه الصلاة و السلام نهانا أن نشرب من كأسٍ مثلوم، الكأس المثلوم فيه جراثيم، فكان عليه الصلاة و السلام مثل هذا الإناء لا يستخدمه أبداً، فهذه نظافة، نظفوا أفنيتكم، مثلاً: كان عليه الصلاة و السلام إذا شرب الماء بين الشربتين يبعده عن فمه، لأنه ثبت الآن أن الزفير فيه جراثيم، و من أحد أسباب العدوى التنفُّس في الإناء.
أيضاً: أبن القدح عن فيك، في بعض الآثار، بركة الطعام الوضوء قبله، أن تغسل يديك، أنت تمشي في الطريق، أمسكت بأشياء غير نظيفة، صافحت إنساناً يده غير نظيفة مثلاً، فأنت حينما تغسل يديك قبل الطعام، هذه نظافة، حتى ورد ببعض الآثار، من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه، من يأكل التراب ؟ أي من أكل فاكهةً من دون أن يغسلها، كأنه أكل التراب، أعان على قتل نفسه، كان عليه الصلاة و السلام إذا أكل التمر يضع التمرة في فمه، ويلتقط النواة بظاهر إصبعيه، لماذا ؟ لتبقى باطن الأصابع جافة، لو أمسك تمرةً أخرى ووجدها قاسية فتركها لا ينتقل لعابه إليها، وهذه رقة بالغة جداً، نظافة رائعة جداً، كان يعرف بريح المسك، نظفوا أفنيتكم، و أصلحوا لباسكم، وحسنوا رحالكم، حتى تكونوا شامةً بين الناس، الإسلام نظيف، نظيف بكل المعاني، نظيف بعلاقاته، نظيف في الداخل، المؤمن نظيف في بدنه، نظيف في ثيابه، نظيف في مكانه، والنظافة من الإيمان.

الأستاذ معتز:

 في أي إطار جاء معنى اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم ؟

بطولة الإنسان أن يكون دخله حلالاً و أن يتعلم الخشونة في العيش من حين لآخر:

الدكتور راتب:

 الإنسان عندما يتبع النعي و يبالغ فيه، يعود نفسه على الترف، والانغماس في الملذات، معنى اخشوشنوا، أي ليكن الطعام من حينٍ لآخر خشناً، ليكن الثوب خشناً، عود نفسك على الدخل القليل أحياناً، لأن الإنسان عندما يتعود على الرفاه، وعلى البذخ والإنفاق، والانغماس في النعيم، يصبح عنده مشكلة، لو أن هذا الدخل توقف، كأن يتوقف العمل مثلاً، قد يبحث عن مالٍ حرام، وقد ينافق، إما أن ينافق، أو أن يبحث عن مالٍ حرام، لكن البطولة أن يكون الدخل حلالاً، وقد تضيق الأمور، لذلك من حين لآخر اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم.

الأستاذ معتز:

 بقي أن نتحدث عن الطب العلاجي.

الطب العلاجي أن تأخذ الدواء دون إرباك من حولك:

الدكتور راتب:

 الطب العلاجي أن تأخذ الدواء، أخذ الدواء جزءٌ من الدين، إلا أن هناك حالة، هذه المرأة التي جاءت النبي عليه الصلاة و السلام وهي مصابة بالصرع، قالت له يا رسول الله: ادعُ الله أن يشفيني، فقال: "إن شئتِ صبرتِ، وإن شئتِ دعوت لك ".
 إذاً أشار النبي إذا كان هناك مرض عضال، أنا لا أجبر ابنتي على أن تتبرع بكلية لأخيها، قد تكون متزوجة وزوجها رافض لهذا، فلما تبرعت بكليةٍ لأخيها طلقها زوجها، ثم مات أخوها، أحياناً تبديل كبد، زراعة كبد، هذه تحتاج ملايين مملينة، فهناك حالات نادرة جداً قد يكون علاجه مستحيلاً، أنا لست مضطراً أن أربك من حولي جميعاً، أو أن أجبر من حولي على التبرع بكلية أو بشيءٍ آخر، على كلٍ الموضوع طويل يحتاج إلى بحث، والمجامع العلمية بحثته، على كلٍ المعالجة واجبة، إذا كان هناك مرض مقبول، علاجه معروف وثابت، والإنسان يملك ثمن الدواء، أو ثمن العملية، أنا أرى أن المعالجة ترقى إلى مستوى الفرد.

الأستاذ معتز:

 ما رأيك في شخص يقول: أنا أريد فقط أن أتوكل على الله ؟

الطب العلاجي يقتضي أن آخذ الدواء ثم أتوكل على الله:

الدكتور راتب:

 هذا متواكل، والتواكل مرض خطير في الإنسان، لأن الله عز و جل ما أنزل داءً إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله، وأنت حينما تفهم أن لكل داءٍ دواء، تمتلئ ثقةً بالشفاء، وحينما يسمع الطبيب هذا الحديث يسعى جاهداً للبحث عن الدواء، في ديننا أشياء دقيقة جداً، وعلى كلٍ المنطلق الكبير:

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾

( سورة الشعراء )

 أي أصل المرض من خلل في سلوك الإنسان، أو خلل في العصر، أي متضاعفة، لأن العالم الغربي والشرقي يغيرون في خلق الإنسان، عندما أطعموا الأبقار لحم الجيف، جنت، ألم يقل بعضهم: جنون البقر من جنون البشر، لذلك الطب العلاجي يقتضي أن آخذ الدواء، ثم أتوكل على الله:

(( لكل داء دواء، فإذا أصاب الدواء الداء برئ بإذن الله ))

[حديث صحيح رواه مسلم والإمام أحمد عن جابر]

 ومن جملة الأدوية الصدقة، أنا في الموقف الكامل آخذ هذا المريض إلى أفضل طبيب، وأدقق في تناول الدواء، وأدفع صدقة، وأدعو الله، حزمة كاملة، أي معالجة، آخذٌ بالأسباب، ثم توكلٌ على رب الأرباب، آخذ بالأسباب، والمعالجة، ثم الصدقة، ثم التوكل على الله.

الأستاذ معتز:

 علنا في حلقة قادمة نناقش الآية الكريمة التي تقول:

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾

( سورة الشعراء )

 أعتقد أن الوقت حان للمادة العلمية ماذا لدينا لهذا اليوم ؟

تقنية التمويه التي ألهمها الله سبحانه للكائنات:

الدكتور راتب:

 هذه الحلقة فيها موضوع، لا زلنا في التمويه، ولكن هذا الموضوع دقيق جداً، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينتفع به الأخوة الكرام، تقنية التمويه التي ألهمها الله سبحانه للكائنات لا حدود لها، فبعض الكائنات تخفي نفسها باستخدام بعض المواد التي في بيئتها، فعلى سبيل المثال هذه السمكة الصغيرة تعمل على تجهيز مكانٍ آمنٍ لها بإفراغ الرمال من المحارة الفارغة، أما هذا الأخطبوط فيتبع الأسلوب نفسه في تمويهٍ ذكيٍ جداً، حيث يقوم هذا الأخطبوط بجمع الأصداف التي حوله في مكانٍ واحد، ثم يخبئ نفسه بينها، ينتظر فريسةً تبحث عن طعامٍ لها بين هذه الأصداف، بعد قليل سنشاهد حركة هذا السرطان المحيرة جداً، يقطع بدقةٍ أجزاء النباتات التي اختارها من سطح البحر، ماذا سيفعل بهذه الأجزاء ؟ الآن ندقق الجواب مدهش جداً، سيخفي نفسه، يضع على جسمه هذا الجزء من النبات الذي قطعه، ويحضر لنفسه ملابس من الطحالب، وهكذا يقوم بعملية تمويهٍ خارقة، كأنه نبات، قطّع الطحالب ووضعها على جسمه، سرطانٌ آخر، يضع الأغصان التي قطعها بدقةٍ على قشرة رأسه، وهكذا يُمكنه هذا العمل من الاختباء بسهولة بين النباتات، وهنا حقيقةٌ أخرى، وهي إفراز سائلٍ لاصقٍ ليتمكن من إلصاق هذه الأغصان عليه، عنده سائل لاصق، هذه الأغصان يلصقها على جسمه، أي خُلقت هذه الأنظمة في جسم الحيوان متناسبةً مع فطرتها التي فطرت عليها، أما هذا السرطان الذي نراه يقطع إسفنجةٍ ويبدو فعله بالنسبة لكم أيها الأخوة مستحيلاً، لكنه بذلك يخيط لنفسه ملابسه، ثم يلبسها، ودعنا نقف في هذه النقطة وقفةً متأملة، فالسرطان لم ير نفسه في المرآة ولا مرةً واحدة، وكذلك يفتقر إلى إمكانية التخطيط، والتفكير أيضاً، إذاً من أين عرف هذا السرطان ضرورة عمل التمويه بالنسبة إليه ؟ هذا الكلام جوابه قال:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه )

 إنه يستخدم تكتيك الجندي الذي يموه نفسه تماماً بإلصاق الأغصان والأوراق عليه، من أين تعلم السرطان التمويه بهذه الطريقة ؟

التمويه عند الحيوانات آيةٌ دالة على عظمة الله عز وجل الكبرى:

 واضحٌ جداً أن هذا العمل الذي قام به هو إلهامٌ، وبلا شك القدرة التي أعطت السرطان هذه الخصائص لحماية نفسه بهذا الشكل الذكي هي قدرة الله تعالى الذي أوجد الكائنات كلها من عدم، هناك كائناتٌ أخرى تخفي نفسها عن طريق صنع زيٍّ لها، الغريب في الأمر أن بينها يرقات، أي وجودها بين الحشرات التي خرجت تواً من بيوضها، هذه القطعة من الفسيفساء كما نرى المتحركة ليست سوى يرقةٍ صغيرة، أمنت لنفسها تمويهاً رائعاً بزيها المكون من قطع الحجر الصغيرة التي نسقتها على جسمها كما نرى بدقةٍ عاليةٍ جداً، أزياء اليرقة ليست نموذجاً واحداً فكما أن لها زي من قطع الحجر الصغيرة المستقيمة كما رأينا فبل قليل، صنعت لنفسها أيضاً زياً فضفاضاً من الأوراق، إما عيدان صغيرة، أو قطع أحجار، أو أوراق، هذه الكائنات دودةٌ صغيرة لا تملك أي عقلٍ، ولا وعيٍ، ولا تعرف شيئاً بالنسبة للعالم الخارجي، قد خرجت تواً من البيضة، رغم ذلك تحمل على ظهرها هذه الأثقال الكبيرة كما نرى، ترى لماذا تفعل هذا الشيء ؟ المدافعون عن النظرية ـ نظرية التطور ـ يقفون في تحير من أمرهم تجاه هذا السؤال، واحدٌ منهم وهو ألماني الجنسية يذكر في كتابه المسمى "ليلة الديناصورات الهادئة"، تفسيراً لهذه التصرفات الذكية التي تظهرها الدودة، من الأصل في هذا الإبداع الذي أوقع الإنسان في حيرة ؟ علينا أن نقبل أن هذه الأساليب كلها لا يسلكها إلا إنسانٌ ذكيٌ جداً للمحافظة على حياته، فليس للدودة الاستطاعة في تخطيط غايةٍ منشودةٍ كما قَبِل من آمن بالتطور، كما قبل تصرفات التمويه في الكائنات على أنها أسلوب عقلي، وليس صاحب هذا العقل الكائنات المتموههَ، بل القدرة الأخرى الحاكمة لها، ها هنا الحقيقة، لا يريد المكابرون الاعتراف بها، إنه الله جلّ جلاله خالق السماوات والأرض، مبدع الكون، وهي آيةٌ دالة على عظمته الكبرى.

خاتمة و توديع:

الأستاذ معتز:

 جزاكم الله خيراً، بهذا مشاهدينا نكون قد وصلنا إلى نهاية حلقتنا لهذا اليوم من برنامج سنريهم آياتنا، لا يسعني في النهاية إلا أن أتوجه بالشكر إلى فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين، شكراً جزيلاً لك، مشاهدينا إلى لقاءٍ متجدد في حلقة مقبلة.
والحمد لله رب العالمين