6724
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 367: الصيام وآلية الهضم.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-12-18
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

إليكم نص هذا الموضوع:

شَهوة الطَّعام وسيلة، فإذا جعلها الإنسان غاية اضطرب الجِسم
أيها الأخوة الكرام، كنتُ قد أعْدَدْتُ لكم خطبةً عن الصِّيام، ولكنّ الأنباء المؤسِفَة التي سَمِعتموها جميعًا اضطرَّتني أن أُحَوِّل الموضوع إلى موضوع آخر، ولكنّ شطْر الخطبة الثاني هو هذا:
قال بعض العلماء المتخصِّصين في التَّغْذِيَة: ليس عِلمُ الإنسان بِوَظائف الطَّعام هو الذي يدْفعُهُ إلى تناول الطَّعام, ولكنّ الإحْساس بالجوع الضاغط وشَهوة الطَّعام الباعثة هما اللَّذان يُحَرِّكان الإنسان إلى الطَّعام، أما حاسَّة الجوع فَتَدْعو الإنسان إلى ما يسدّ حاجته من الطَّعام لِيَبقى حيًّا، وأما شَهوة الطَّعام الباعثة فهي وسيلة وليْسَت غاية، لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان مِن أدْعِيَتِهِ: الحمد لله الذي أذاقني لذَّته، وأبقى فيَّ قوَّته, وأذْهَب عنِّي أذاه، فمِن نِعَم الله عز وجل أنَّ هذا الذي هو سبب في بقاء حياتك طيِّب المذاق، ولكنّ الله عز وجل تفضّل علينا فجَعَل هذا الطَّعام ذا طَعمٍ لذيذ، فشَهوة الطَّعام وسيلة، فإذا جعلها الإنسان غاية اضطرب الجِسم .
أُناس كثيرون عن سوء تقْديرٍ منهم، أو عن ضَعف في إرادتهم يَجعلون شَهوة الطَّعام غاية، وإذا أصبح الطعام غاية يتعطَّل ما يُسَمِّيه العلماء بالجرس الخفي الذي يدقّ حين الجوع فقط, تتعطَّل وظيفة هذا الجرس، فالمعدة كما قال عنها العلماء: تتمدّد مراتٍ عديدة، فَمِن حجمٍ ابتِدائي مئتان وخمسون سنتيمتر مكعّب إلى ألفين وخمسمئة سنتيمتر مكعّب, فحينما تتمدّد المعدة يُصبحُ الطَّعام هدفًا؛ نعيشُ لِنَأكل .

المراحل التي يقوم بها جسد الإنسان في عملية تنظيم الطعام كما سخر له :

آليات تعامل الأبدان مع الطَّعام تسْتوْجِبُ الصِّيام
هناك حقيقة عجيبة جدًّا, ولكنَّها ثابتةٌ على نحْوٍ قاطِع، وهي أنَّ آليات تعامل الأبدان مع الطَّعام تسْتوْجِبُ الصِّيام، فقد صمَّم المولى جلّ وعلا الأبدان على نحْوٍ يهيئ التعامل مع مركبات الطعام وِفقًا لآليَةٍ تسير بانتظام, وتوافقٍ في ثلاث مراحل، وهذا بحثٌ مهمّ جدًّا .
المرحلة الأولى: مرحلة هضْم الطعام في المعدة والأمعاء، ثمّ الامتصاص والتَّمثيل، وتحويل الطعام إلى سكّر يسري في الدِّماء، وإلى مواد أخرى مُرَمِّمة يستخدمها الجسم لإطلاق الطاقة وبِناء الأنسِجَة .
المرحلة الثانية: مرحلة تخزين الفائض من الطاقة التي تزيدُ عن حاجة الجسم، فالسُّكَّر الفائض يُخَزَّن في الكبد والعضلات على نشاءٍ حيواني، ويُخَزَّن الفائض الدُّهني في معضم أنحاء الجسم .
المرحلة الثالثة: هي مرحلة فتْح مخازن الطاقة، وتحويل السكّر والدُّهون إلى سكّر وأحماض دُهْنيَّة, لإطلاق طاقتها في الجسم, المرحلة الثالثة لها ميزةٌ خاصَّة، وهي أنَّها لا تحدث مطلقًا إذا لم يمْتَنع الإنسان لِفتْرةٍ زمنيَّة محدَّدة عن تناول الطعام، فالمهمّة الثالثة معطَّلة ما لم يمْتَنِع الإنسان عن تناول الطَّعام ‍.

فوائد الصيام :

أيها الأخوة الكرام، قال العلماء: يبدأ مستوى السكّر في الدم من الثمانين إلى المئة والعشرون ملي غرام في كلّ سنتيمتر مكعَّب، وبعد صِيام سِتِّ ساعات تنخفض هذه النِّسبة، وهنا تتجلَّى عجيبة من عجائب الجسم البشري؛ مركز بالدِّماغ يُرْسِل إلى الغدد الصماء بِرسائل عاجلة يطلب منها العَون والمدد، فالكظر يفرزُ هرمونًا يحثّ على تَحويل النشاء الحيواني في العضلات والكبد إلى سكّر بِوَساطة هرمون, والغدَّة الدرقيَّة تفعل مثل ذلك عن طريق إفراز هرمونها، فهي تحُثّ سكَّر الدم المُخزَّن في العضلات والكبد على أن يُطْلق ويُسْتَهلك لأنَّ نسبة السكَّر في الدم انْخفضَتْ بعد سِتِّ ساعات من الصِّيام, والغدّة الأخرى هي البنكرياس، تفعَل مثل ذلك عن طريق هرمون يحثّ هذه المخزونات على الانطلاق كي تُسْتهلَكَ، فذا اسْتَهلك الإنسان ما هو مخزون عنده من السُّكر في عضلاته وكبده, يتحوَّل العمل إلى الدُّهون المخزَّنة فتَهْدِمها، وتحرِّر طاقتها، وقد أكدت الأبحاث العلميَّة ازدِياد احْتِراق الدُّهون طوال ساعات الصِّيام، واستهلاك الدهون المتراكمة في مناطق ترسُّبها على الجسم .
إنَّ فيزيولوجِيَّة خلق الأبدان تقتضي الامتِناع عن تناول الطَّعام
أيها الأخوة، حقيقة مذهلة، فكلّ كيلو غرام من الأنسجة الدهنيّة يحتاج إلى ثلاثة كيلو متر من الأوعيَّة الشَّعريَّة التي يسري خلالها الدم، وهذه عِبءٌ على القلب، فلو أنّ الإنسان زاد حجمه بِعشرة كيلو غرامات، فهذا دليل أنَّ به ثلاثمئة كيلو متر أوعيَة شَعْريَّة زائدة, وقال العلماء: إنَّ فيزيولوجِيَّة خلق الأبدان تقتضي الامتِناع عن تناول الطَّعام، لماذا؟ لإراحة الوظيفة الأولى والثانية، ولإتاحة الفرصة لِعَمل الوظيفة الثالثة، فالصِّيام ترتاح به وظيفة هضم الطعام وامتصاصه، وترتاح الوظيفة الثانية وهي تخزينه، وتبقى الوظيفة الثالثة وهي هدم المُدَّخرات الدهنيَّة, وإحراقها, واستهلاك المُدَّخرات الدهنيَّة في العضلات والدم، فَلِكون الصِّيام ضروريّ لكلّ إنسان كانت هذه الفريضة على كلّ الأُمم والشُّعوب، قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

[ سورة البقرة الآية: 183]

لكن هذا البحث العلمي يعني شيئًا دقيقًا، وهو أنَّ الصِّيام عِبادة، وقُرْبٌ من الله، ومزيدٌ من الاتِّصال بالله، فهذا البحث العلمي لا يخدش مهمَّة الصِّيام الأولى وهي العبادة والقرب، ولكنّ أمر الله متنوّع فهو عبادة، وهو قُرب، وهو تحجيم، وهو صِلَة وافتقار .
والحمد لله رب العالمين