26878
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 217 : علم النفس الإسلامي ( اليأس - النفاق - الإحباط..... ).
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-12-04
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

كلمة موجزة عن علم النفس الإسلامي:

أيها الأخوة الأكارم, بدأنا نسمع بشيءٍ اسمه: علم النفس الإسلامي, علمٌ بكل ما في هذه الكلمة من معنى، فهو يعني علاقات ثابتة، قواعد، قوانين، هذه التي بين جنبيك، هي ذاتك ، هي الخالدة التـي لا تموت، هي التي تسمو، وهي التي تفسد, علم النفس الإسـلامي، أي حقائق النفس المستنبطة من كتاب الله، وسنة رسوله، وما هذه الخطب الثلاث إلا من هذا القبيل.
أيها الأخوة الأكارم, إذا اتصل الإنسـان بالله عزَّ وجل حقق ذاته، وحقق فطرته، فإذا انقطع عنه أصيب بما يسميه علماء النفس، أو الأطباء النفسيين: بالاضطرابات نفسية.


من الاضطرابات النفسية في علم النفس الإسلامي:

1- اليأس:

اليأس بسبب الانقطاع عن الله
اليأس, قال تعالى:

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُور﴾



[سورة هود الآية: 9]


﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤوساً﴾



[سورة الإسراء الآية: 83]

فاليأس اضطرابٌ نفسي، سببه؛ الانقطاع عن الله عزَّ وجل, يؤدي عدم الإيمان بالله أو الانقطاع عنه إلى هذا الاضطراب النفسي.
لكن المؤمن يغلب عليه التفاؤل، يغلب عليه الثقة بما عند الله عزَّ وجل, إذا أردت أن تكون أقوى الناس، فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس، فكن بما في يد الله أوثق مما بين يديك، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس، فاتق الله.

2- النفاق:

النفاق سببه الشرك
يعدُّ علماء النفس الإسلامي النفاق اضطراباً نفسياً، سببه الشرك, إذا أشرك الإنسان بالله, ورأى مع الله آلهةً، بيدها أمره، وبيدها نفعه وضره، إن انطلق من هذه النظرة، من لوازم هذا الخطأ الإيماني: اضطراب نفسي, إنه النفاق, قال تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾


[سورة البقرة الآية: 8-9]


فالنفاق ظاهرةٌ مرضية، النفاق اضطرابٌ نفسي، سببه الشرك.


3- الإحباط:

الإحباط سببه التعلق بغير الله
الإحباط, حينما يعلق الإنسان آماله بغير الله، ثم يجد أن هذا الشيء لا قيمة له، لم يحقق هدفه، يصاب بحالةٍ نفسيةٍ مؤلمةٍ جداً, إنها الإحباط، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾

[سورة الزمر الآية: 65]

حالة الإحباط، أن تظن هذا الشيء عظيماً، تقبل عليه، تضيِّع من أجله شبابك وشيخوختك، ثم تكتشف بعد فوات الأوان، أنه لا شيء، وأنه ليس مسعداً.


4- الصراع وأمرض أخرى عديدة:

يا أيها الأخوة الأكارم, من أنواع الاضطراب النفسي الناتج عن ضعف الإيمان, وعن ضعف الصلة بالله، ما يسمى: بالصراع المستمر، الصراع إذا استمر انقلب إلى لا مبالاة، وهذا مرضٌ من أمراض العصر، صراعٌ بين الحق والباطل، صراعٌ بين الحاجة والقيم، صراعٌ بين الدنيا والآخرة، صراعٌ بين العقل والشـهوة، عدم قوة الإيمان، يصبح الإنسان ضحية هذا الصراع، قال تعالى:

﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾



[سورة النساء الآية: 143]

فالصراع، والإحباط، والنفاق، واليأس، وسوء الظن, يغلب على المنقطع عن الله سوء الظن بكل شيء، وسوء الظن، والبغضاء، والغضب، والسلبية، والاكتئاب، أمراض العصر، يبلغ مجموع اللذين يعالجون في العيادات النفسية، في مجتمعات الكفر، بالمئة مئة وخمسة وخمسين, أيْ بالمئة مئة نسبة مراجعي العيادات النفسية، وخمسة وخمسون بالمئة يعالجون مرتين، وبعض الأطباء النفسيين يعالجون عند زملائهم, فالاكتئاب مرض العصر, والاكتئاب لأن فطرتهم سليمة، فلما انحرفوا عذبتهم فطرتهم فاكتأبوا, هذا سماه العلماء: الشعور بالذنب، عقدة النقص أو الاكتئاب.

الخاتمة:

نفس المؤمن مطمئنة لأنه متصل بالله
فيا أيها الأخوة الأكارم، إذا آمنا بالله عزَّ وجل، عشنا حالةً اسمها: الصحة النفسية، نفسٌ رضية، نفسٌ مطمئنة، نفسٌ متفائلة، نفسٌ متوازنة، نفسٌ صادقة، نفسٌ صريحة, هذه الصفات الراقية هي من ثمار الإيمان، إن مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى، فإذا أحب الله عبدً منحه خلقاً حسناً.
والحمد لله رب العالمين