47912
العقيدة الإسلامية - الدرس (41-63) : الإيمان بالكتب السماوية 1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1987-07-19
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من أركان الإيمان بالله:

1- اﻹيمان بالكتب السماوية:

أنهينا في الدرس الماضي موضوع الإيمان بالرسل، وكلكم يعلم أن دروس العقيدة هي في الحقيقة أركان الإيمان، وأركان الإيمان هي الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى, واليوم ننتقل إلى موضوع جديد وهو الإيمان بالكتب، من أركان العقيدة الإسلامية الإيمانُ بالكتب السماوية التي أوحى الله بها إلى رسله، فإنّ الله سبحانه وتعالى يخاطب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ويأمره بأن يعلن إيمانه بجميع الكتب التي أنزلها الله، فيقول في سورة الشورى:

﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾

(سورة الشورى الآية: 15)

قل يا محمد صلى الله عليه وسلم: آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأيُّ كتاب من الكتب السماوية المنزّلة على أنبيائه فآمن به، قل: آمنت بها كلها.

خطاب الرسول يستلزم لكل من آمن برسالته:

قال علماء الأصول: إن خطاب الرسول خطابٌ لكل مَن آمن برسالته، قال الله تعالى يخاطب المؤمنين في سورة النساء:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾

(سورة النساء الآية: 136)

والآيات تجتمع على أن تقرِّر أنه يجب أن تؤمن بالكتب السماوية المنزّلة على أنبياء الله ورسله جميعاً، والله سبحانه وتعالى يبينّ عقيدة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعقيدة المؤمنين معه في سورة البقرة، قال تعالى:

﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾

(سورة البقرة الآية: 285)

الإيمان القلبي أن تنطلق في سلوكك في ضوء كتاب الله
والملاحظ أن الإيمان بالرسل، والإيمان بالكتب مِن العقائد التي يجب أن تُعْلَم بالضرورة، وأنّ مَن لم يؤمن بالكتب السماوية فقد ضلّ ضلالاً مبيناً، حينما تعلن بلسانك أنك مؤمن بهذا الكتاب, وتخالفه، ولا تطبق أحكامه، ولا تجعله حَكَماً بينك وبين الآخرين، ولا تعبأ بأوامره، ولا تنتهي عما نهى عنه، ولا تراه حاسماً في حياتك اليومية، ولا تأخذ به، فأي إيمان هذا؟ هذا إيمان باللسان، ولكن الإيمان في القلب، أي أن تنطلق في نشاطك وعملك وسلوكك في ضوء ما جاء في كتاب الله، فأنت حينما تشتري آلة غالية الثمن، ولا تستطيع أن تشتري غيرها، ويؤلمك ألماً شديداً حينما تعطب، وحينما يكون مع هذه الآلة المعقدة نشرة من المصنع الذي صنعها، وفي هذه النشرة تعليمات، وتوجيهات، وتوضيحات وطريقة استعمال، وتحذيرات من أجل سلامتها وسلامة العمل بها من أجل صيانتها, فتحرص حرصاً بالغاً لا حدود له على تطبيق هذه التعليمات, لأن الآلة غالية الثمن، لاحظ نفسك كيف أنك تسعى إلى تنفيذ التعليمات تنفيذاً دقيقاً لحرصك على هذه الآلة ولخوفك من أن تعطب؟ فكيف إذا علمتَ أن هذا الكتاب الذي أنزله الله عزّ وجل على رسوله فيه تعليمات دقيقة، وأوامر واضحة، ونواهٍ صريحة، ورسمٌ لطريق السعادة في الدنيا والآخرة، وتوضيح، وأنوار، وتوجيه، وتبشير، وبيان، و تفصيل، فما موقفك منه؟.
الحقيقة التي لا مراء فيها أنك إذا عرفت أنه من عند الله، وأن سعادتك في الدنيا والآخرة متوقفة على معرفته، والعمل به، لاشك أنك تطبق ما فيه, وأنا أريد أن أبتعد عما يتوهَّمه البعض، أنه بمجرد أن يقول: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى يتوهّم الإنسان حينئذٍ أنّ الأمر قد انتهى، ويكسب مالاً حراماً،، ونظرته إلى النساء تتجاوز الحدود التي أمر الله بها، وحياته في البيت حياة غير إسلامية، فأي إيمان هذا؟.

لا تكون مؤمناً إلا إذا شملت إيمانك أركان العقيدة كلها:

أركان الإيمان كل لا يتجزا ويجب الإيمان بها كلها
أركان العقيدة من إيمان بالله، وإيمان باليوم الآخر، وإيمان بالكتب، وإيمان بالرسل، وإيمان باليوم الآخر، وإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، هذا كلٌ لا يتجزأ، فالله عزّ وجل يقول لك في صريح القرآن الكريم:

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾

(سورة البقرة الآية: 221)

تزوج ابنتك للغني الفاجر مع علمك بأنه فاجر، وتُعرِض عن المؤمن لضيق ذاتِ يدِه, إذاً أنت لم تصدِّق كلام الله عزّ وجل، ولم تصدِّق أن الله عزّ وجل يقول لك: إن هذا العبدَ المؤمن خيرٌ من هذا الفاجر المشرك، ولذلك فالموضوعُ موضوعُ تصديقٍ بكتاب الله، وموضوعٌ يأخذ أبعاده العملية، والإيمانُ بالله مع الإيمان باليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والرسل، والقدر خيره وشره, كلٌ لا يتجزأ, ولو آمنتَ بالله، ولم تؤمن بكتابه فالمشكلة خطيرة، ولو آمنت بالله، ولم تؤمن باليوم الآخر فالمشكلة أخطر, وأركان الإيمان كلٌ لا يتجزأ، ولا يُقبل منك الإيمانُ بها مع الكفر بواحدةٍ منها.

إذا كفرت بركن من أركان العقيدة يستلزم نقض إيمانك كله:

إن الكفر بواحدة منها يستلزم نقضَ العقيدة الإسلامية من أساسها، واللهُ عزّ وجل من أسمائه الحق، والحقُّ يتحقَّق في اليوم الآخر، يوم الدين، يوم الدينونة، يوم الجزاء، فإنْ لم تؤمن باليوم الآخر فإيمانك بالله غير صحيح، وإن آمنتَ بالله واليوم الآخر، ولم تؤمن أن هذا الكتاب فيه طريق سعادتك فإيمانك غير صحيح، لأنّ أركان الإيمان كلٌ لا يتجزأ، ولا يُقبل إيمان عبدٍ إذا نقصت واحدةٌ من هذه الأركان, عقيدة الإيمان بالله لا تنفكُّ عن الإيمان بكتبه، لأنه من مقتضى الإيمان بالله الإيمانَ بالرسل، وما دمت أيها الرجل تقول: إن الله عليم ورحيم، فمِن دلائل رحمته أن أرسل إلى عباده رسلاً، ومن مقتضى الإيمان بالله الإيمانُ بالرسل المؤيَّدين من عنده بالمعجزات، ومن مقتضى الإيمان بالرسل تصديقُهم في كل ما يبلّغون عن الله تعالى, ومن أجل ذلك يعلن المسلم دائماً وَفق عقيدته التي متَّى أَخَلَّ بها كَفَرَ, أنه يؤمن بكتب الله كلها إجمالاً فيما يجهل منها، وتفصيلاً فيما يعلم ولو سألت أخ كريم: ما معلوماتك عن كتاب التوراة؟ يقول: واللهِ لا أعلم شيئاً عنها، لكنها كتاب من عند الله، ففيما تجهل تؤمن بها إجمالاً، وفيما تعلم تؤمن بها تفصيلاً، وهذه هي عقيدة المسلم.
معنى الكتاب لغة: مصدر فعْلِ كَتَب، وبالمناسبة فالفعل يدلُّ على حدوث عملٍ في زمن معين، كتب في الماضي، يكتب في الحال، اُكتب في المستقبل، وهناك كلمة اسمها المصدر، فهذه الكلمة تدل على حدوث عملٍ من دون زمن، فالكتاب لغة مصدر كتب، وهناك مصدر آخر هو كتابة وكتبٌ, وأصل الكتب في اللغة: ضم أديمٍ إلى أديمٍ بالخياطة, والأديمُ هو الجلد, فإذا ضممتَ الجلد إلى جلدٍ آخرَ بالخياطة فهذه العملية اسمُها عملية الكتاب، ولأن الإنسان يضمّ الحرفَ إلى الحرف، والكلمة إلى الكلمة، والجملة إلى الجملة، فهذه العملية العلمية تشبه إلى حد ما ضمَّ أديمٍ إلى أديم عن طريق الخياطة, ودائماً في كتب العقيدة والفقه أيضاً تعريف لغوي وتعريف اصطلاحي، فالتعريف اللغوي للكتاب: هو مصدر كتب، وأما التعريف الاصطلاحي فالكتاب شرعاً: كلام من كلام الله تعالى, لِما لم نَقُلْ: كلام الله تعالى، فالقرآن كلام الله تعالى، وكذلك التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف موسى، وصحف إبراهيم

القرآن كلام الله تعالى
كلهم كلام الله تعالى، ولذلك الكتاب الواحد كالقرآن كلامٌ من الله تعالى، فـ ( مِن) هنا للتبعيض، فيه هدى، ونور، يوحي الله به إلى رسول من رسله ليبلّغه الناس, يطلق اسم الكتاب شرعاً على ما يشمل الصحف, قال تعالى:

﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾

(سورة الأعلى الآية: 18-19)

وعلى ما يشمل الصحف والألواح, قال تعالى:

﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾

(سورة الأعراف الآية: 154)

والألواح وجميع أنواع الوحي اللفظي والكتابي التي ينزلها الله على أي رسول من رسله ليبلغها إلى الناس، وبأية لغة من اللغات نزلت، صغيرة كانت أم كبيرة، مدونة أو غير مدونة، فيها صفة الإعجاز اللفظي للناس، أو ليس فيها ذلك، فهذا كله يشمل كلمة الكتاب شرعاً، والذي يعنينا من هذا الموضوع حاجة الناس إلى الكتب السماوية, فكما أن الناس بحاجة ماسة إلى رسل يبلّغون الناس أحكام الله وشريعته لعباده، فإنّ الرسل بحاجة إلى كتب سماوية أيضاً.

ما هو الهدف من الكتاب السماوي ؟

1- الكتاب الرباني هو المرجعية للأمة:

أولاً: ليكون الكتابُ الرباني المنزّل على الرسول هو المرجعَ لأمته، فإذا كان المعلم يُعلّم من دون كتاب، سواء سمع الناس أم لم يسمعوا الدرس جيداً، وذهبوا إلى البيت، ولا يوجد عندهم كتاب، يقولون: ترى ماذا تكلّم المدرس؟ هل هناك خلافات، فيُقع في تأويلات، ومبالغات، وتزوير، وتحريف، وتقليل، وزيادة، والشيء الذي لا بد منه أن يكون هناك كتاب بين أيدي المتعلمين، يكون هو المرجعَ, فحاجة الناس إلى كتاب من عند الله عزّ وجل حاجةٌ ماسة بسبب أن هذا الكتاب يصبح مرجعاً للأمة مهما تعاقبت العصور، فيرجعون إليه في تحديد عقائد الدين وأسسه.
والآن: الكتاب هو القرآن الكريم من عظمته أن النبي عليه الصلاة والسلام الذي أنزل عليه توفاه الله عزّ وجل، ومضى على وفاته خمسة عشر قرناً، والكتاب بين أيدينا فيه آيات العقيدة، وآيات التشريع، وآيات الحلال والحرام، والأوامر والنواهي، والمواعظ، والعبر، والأمثال، والحِكَم، والقصص, نحن بحاجة ماسة إليه، لأنه مرجع لنا، ولاسيما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون من بعده يرجعون إليه في تحديد عقائد الدين، وأسسه، ومبادئه، وغاياته، فلا تقل: يا أخي، واللهِ الولي الفلاني يعلم الغيب، فأنت عندك كتاب، وعندك مرجع، وقد قال الله:

﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾

(سورة الأنعام الآية: 50)

لايعلم الغيب إلا الله
انتهى الأمر، فما دام النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق، وحبيب الحق لا يعلم الغيب، فأيّ إنسان يدعّي ذلك نقول له: كذبت, لا يعلم الغيب إلا الله، وقد يأتي إنسان دجّال فيقول لك: المعاصي لا تضرني، وقد تجاوزت هذه المرحلة, فنقول له: كذبت, يقول الله تعالى:

﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

(سورة الأنعام الآية: 15)

عندنا آيات في العقيدة, وهذا هو قدر النبي, لا يعلم الغيب، وليس بيده نفعنا ولا ضرنا، النفع المادي إلا أن يشاء الله عزّ وجل, وأنه يخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم, فمَن يدّعي خلاف ذلك نقول له: كذبت، ففي القرآن الكريم آيات توضح العقيدة، وإذا قال أحدهم لك: أنا أتوب عند الموت، فقل له: إنك مغرور, قال تعالى:

﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

(سورة النساء الآية: 18)

لاتقبل التوبة ساعة الموت
انتهى أمرك, فلا تُقبل التوبة في ساعة الموت، ولدينا أدلة واضحة، وقد يقول لك أحدهم: إن فلاناً لا يصلي، ويكفر بالله عزّ وجل، ويزداد إثماً، ويتحدّى الإله، ويزداد قوة، وشأناً، ومالاً, فما تفسير ذلك؟ إن تفسيره واضح، قال ربنا عزّ وجل في محكم تنزيله:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

(سورة الأنعام الآية: 44)

القرآن الكريم مرجع نستطيع من خلاله أن نعرف العقيدة الصحيحة, وقد يقول لك: واللهِ أنا شاهدت الجِنَّ البارحة، وهذا ليس بصحيح، قال تعالى:

﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ﴾

(سورة الأعراف الآية: 27)

هذه شطحة وخرافة لا نقبلها منك, وكلما كان الكلام خلاف الأصول، و خلاف العقيدة الصحيحة, ضُرِب به عرض الحائط، كقولهم: الجنة ليست بالعمل، نقول لهؤلاء:

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

(سورة النحل الآية: 32)

ادخلوها برحمتي، واقتسموها بأعمالكم، كما قال سيدنا جعفر, ويقول الجاهل: الله عزّ وجل لن يُدّقق، ولن يسألنا، فالآية هي:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

(سورة الحِجر الآية: 92-93)

أو يقول لك: لا تدقق، فالله عزّ وجل غفور رحيم, قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

(سورة الأعراف الآية: 153)

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾

(سورة الحِجر الآية: 49-50)

كلما سمعت فكرة غير صحيحة، فيها مبالغة شيطانية وزائغة، وعندك آيات, فعليك تصحيح هذه الأفكار من هذه الآيات, ولذلك كان الكتاب مرجعًا لنا في عقيدتنا، ويقول الجاهل: وهل بعد القبر عذاب؟ كيف يكون هناك عذاب؟ هو كائنٌ وربِّ الكعبة، قال ربنا عزّ وجل:

﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾

(سورة غافر الآية: 46)

أي عذاب جهنم, قال الله:

﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾

(سورة المؤمنون الآية: 104-105 )

إذا زاغـت عقيدة الإنسان وابتعد, كان القرآن هو المقياس، وأيّة فكرة يقولها الإنسان: تُعرض على كتاب الله، فإن وافقته فهي صحيحة, وإن خالفته فليست صحيحة, ويقول الجاهل: هناك ضرورات للفائدة (الربا)، واللهُ عزّ وجل قال:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

(سورة البقرة الآية: 276)

يمحق الله الربا
فالآية واضحة، في التعرف على أحكام شريعة الله، إن كان في الزواج، والطلاق، والمواريث، والوصية، والبيع، والشراء، وكل شؤون حياتنا، فالله عزّ وجل جعل في هذا القرآن الكريم أحكاماً دقيقة جداً، واستبانة الواجبات التي يأمرهم بها، والمحرمات التي ينهاهم عنها، والفضائل والكمالات التي يحثهم عليها، ويندبهم إليها، فالكتاب مرجع في العقائد، والأُسس، والمبادئ، والغايات، وأحكام الشريعة، والواجبات، والمحرمات، والفضائل، وهذه كلها في كتاب الله، كما يرجعون إليه ليطالعوا مواعظه، ونصائحه، وأمثاله، وآدابه، وما تضمّنه من بشائر ونُذُر، ووعدٍ ووعيد، وسائر الوسائل والأساليب التربوية المختلفة الهادية إلى صراط الله المستقيم, إنه مرجع، وإن الله عزّ وجل جعل هذه الدعوة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم مستمرة عن طريق هذا الكتاب، والعلماء والفقهاء يرجعون إليه ليستنبطوا من نصوصه الأحكام الشرعية المختلفة، والله عزّ وجل قال:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾

(سورة المائدة الآية: 3)

أي أن هذا الشرع فيه كل شيء، فنصوص الشرع كلية، ونصوص الكتاب كلية، لكن الله سبحانه وتعالى سخّر العلماء المجتهدين كي يستنبطوا من هذه الأحكام الكلية أحكاماً تفصيلية مما يحتاج إليه الناس, وهذا هو القياس، والقياس أن تقيس حالة لا نص لها في كتاب الله على حالة فيها نص من القرآن أو السنة، فالقرآن الكريم مصدر، والحديث الشريف مصدر، والقياس مصدر، والإجماع مصدر.

2- الكتاب الرباني المنزل على الرسول هو الحكم العدل لأمته بعد وفاته:

ثانياً: إن الإنسان لا يتهيأ له أن يرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة بعد أن قبضه الله عزّ وجل، إذاً من خلال هذا القرآن الكريم يستطيع العالم والمجتهد أن يرجع إلى كتاب الله، مع أن هناك بعداً كبيراً مكانياً وزمانياً بَعْد أن قبض الرسول صلى الله عليه وسلم، ومضى على قبضه خمسة عشر قرناً، وهذا الكتاب بين أيدينا, فحاجة الناس للإيمان بالكتب السماوية ليكون الكتاب الرباني المنزّل على الرسول هو الحَكَم العدلُ لأمته، إنه حَكَم عدْلٌ, قال الله:

﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾

(سورة الحجرات الآية: 9)

في كل حالة قد تبدو لك نادرة جدا إلاّ ولها حكم، فإن نشبَ خلاف زوجي, قال الله:

﴿ فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا ﴾

(سورة النساء الآية: 35)

القرآن هو الحكم في كل القضايا
ففي قضايا الزواج، والطلاق، والميراث، والبيع، والشراء، القرآن هو الحَكَمُ، إذًا الهدف الثاني ليكون الكتاب الرباني المنزل على الرسول هو الحكم العدل لأمته في كل ما يختلفون فيه مما تناولته أحكام شريعة الله لهم، فكتاب الله هو الحاكم بين الناس، ولذلك فالأمير ليست مهمته إلا أن يحكم وفق كتاب الله، والحاكم الحقيقي هو الله عزّ وجل، ولا حاكمية إلا لله، والناس يحكمون في ضوء ما جاء في كتاب الله، وعليه قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

(سورة المائدة الآية: 45)

فإذا حصل خلاف بين الزوج وزوجته، فالرجوع إلى كتاب الله، أو اختلف مع شريكه، وثمّة عقد موقَّع و مُصدّق عند كاتب العدل، ومُسجّلٌ في المحكمة الشرعية فموجود في كتاب الله حكمه, قال الله:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾

(سورة المائدة الآية: 1)

اختلفت مع زوجتك، قال تعالى:

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾

(سورة النساء الآية: 19)

القرآن يحكم علاقتك بزوجتك
وإذا حصل خلاف زوجي بينك وبين شريكك، أو بينك وبين جارك, قال الله:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

(سورة النحل الآية: 90)

فالإنسان يجب أن يحكم بما أنزل الله، فهو الذي أَمَرَنا أن نعدل بين أولادنا، فإذا أحد حرم ابناً من الميراث، وأعطى آخر، وكم مِن حالات كثيرة جداً أسمعها عن أب انحاز إلى أحد أولاده فأعطاه كل شيء، وحرم الآخر كل شيء، فهذا الأب لم يحكم بما أنزل الله، إذاً فهو ظالم، و مع أنه ظالم فهو فاسق، والكتاب هو الحَكَمُ، وإذا اختلف المسلمون فيما بينهم فقد قال تعالى:

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ﴾

(سورة البقرة الآية: 213)

قال العلماء في تفسير هذه الآية: إن الناس كانوا أمة واحدة، كانوا على الفطرة، عبدوا الله بدافع من فطرتهم، وأحسنوا إلى بعضهم بدافع من فطرتهم، فلما عمّ الجهل، وزاغت العقائد، واستعرت الشهوات، واستيقظت الفتن، أصبحوا بحاجة إلى كتاب يحكم بينهم, لو أن الإنسان عاد إلى فطرته لعَرَف الحق, لكن بعد أن تنطمس هذه الفطرة بفعل الشهوات، والطغيان، والجهل يأتي الكتاب ليحكم بين الناس بالعدل.

3- الكتاب الرباني يصون عقائد الدين وشرائعه وغاياته بعد عصر الرسول:

ثالثاً: يصون الكتابُ الربانيُّ بعد عصر الرسول عقائدَ الدين وشرائعَه وغاياتِه، بعد ما قُبِض النبي الكريم، وافترق المسلمون مِن بعده، فكفَّر بعضهم بعضاً، وبعضهم انحرف عن العقيدة الصحيحة, لا بد أن يكون هناك مقياس نقيس به كل إنسان، وكل جماعة، فهؤلاء الذين خرجوا عن قواعد الدين, فالكتاب هو المقياس لهم، فالكتاب السماوي، أو أي كتاب سماوي جعله الله عزّ وجل صوناً لعقائد الناس مِن أن يصيبها الانحرافُ والزللُ من الذين تسوِّل لهم أنفسهم أن يتلاعبوا بالدين، وينسبوا إليه ما ليس منه، وينحرفوا به عن الصراط المستقيم إرضاءً لشهواتهم وغرائزهم، فهؤلاء لا ينبغي أن يهجروا كتاب الله، فهو الذي يقيس عقائدَهم، فالله عزّ وجل جعل هذا الكتاب مقياساً للعقيدة.
كل إنسان زاغت عقيدُته، أو انحرف، أو بالغ، أو تلاعبت به الأهواء، أو أراد أن يسخّر الدين للدنيا، أو أراد أن يصل إلى الدنيا عن طريق الدين، يأتي الكتاب فيوقِفُه عند حده، ويعيده إلى جادة الصواب، وإنّ استمرار الكتاب الرباني في أمة الرسول من بعده بمنزلة استمرار وجود الرسول الذي بلّغه إليهم بين ظهرانيهم، ولولا استمرار الكتب الثابتة بنصوصها بعد الرسل لأسرعتْ دعواتهم إلى الاختلاف الواسع، والتغيير الكثير عَقِبَ وفاتهم، لأن من طبيعة البشر أن يختلفوا في الاجتهادات، وأن تتباين نظراتُهم إلى الأمور، وأن ينساقوا بسرعة وراء عوامل الشهوة، والهوى, والنفس، فْإن لاَمَهُمْ صاحبُ إيمانٍ على انحرافهم كذبوا على الله، فزعموا أنّ ما انحرفوا فيه هو من أحكام الله، ومراده في الدين، ومِن أجل هذا كان لا بد للبشر من ضابطٍ يضبطهم، ويُلزمهم بمدلولات النصوص الصريحة إلزاماً لا محيد عنه, ولولا القرآن الكريم لما كنّا الآن مسلمين، فما الذي حفظ الإسلام عقيدته وشريعته؟ إنه القرآن الكريم، فهو الضابط، و المقياس، والمرجع.

4- حفظ دعوة الرسول ورسالته:

كلما قرأ الإنسان كتاب الله ازداد معرفة بالله
رابعاً: حفظ الكتاب الربّاني لدعوة الرسول ولرسالته وسريانها بين الناس، وقابليتها للاتساع، والانتشار, فالقرآن موجود، وكلما قرأه الإنسان عرف الله عزّ وجل، وصار أداة اتساع وانتشار، والنبي الكريم قُبض, والمسلمون في الجزيرة، وبعد موته صلى الله عليه وسلم فتح المسلمون مصر، وشمال إفريقيا، والمغرب العربي، وإسبانيا، والشام، والعراق، وتركيا، والهند، والسند، والباكستان، والصين, فاتساع الدين بسبب أن هناك دستوراً، وكتاباً، وضابطاً، ومرجعاً، فمهما تباعدتِ الأمكنةُ والأزمنة فإنّ هذا الكتاب يٌعد وسيلة لاتساع الدعوة وانتشارها.

خلاصة الهدف من الكتاب السماوي:

وجود الكتاب المنزل من عند الله في الأمّة من بعد الرسول بمنزلة استمرار الرسول فينا، مِن حيث التعرُّفُ على أصول الدين، وأحكام الشريعة، وسائر المواعظ، والآداب، المسلمون بعد وفاة رسول الله فَقَدُوا القدوة الحسنة، والأسوة الصالحة، أما التشريع، والدستور، والمنهج فَبَيْنَ أيدينا، ومِن أجل كلِّ ما سبق، ولحِكَمٍ أخرى يعلمها الله تعالى، وهو العليم الخبير، أنزل الله على رسله كتبه، فنطقت كتبه بشريعته, تأمر، وتنهى، وتعظ، وترشد، وتبشر، وتنذر، وتهدي إلى الصراط المستقيم، وتحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وهذه الأفكار مهمة جداً في تعريف الناس بضرورة وجود الكتب السماوية، واللهُ سبحانه وتعالى برحمته وعلمه ورأفته وحرصه على هدايتنا أنزل الرسلَ، وأنزل معهم الكتابَ.
وسوف نتحدث عن الكتب السماوية التي يجب الإيمان بها، وفي مقدمتها القرآن الكريم في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين