13941
العقيدة الإسلامية - الدرس (37-63) : صفات الرسل 1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1987-06-21
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

اختيار الرسل اصطفاء من الله لهم:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام، يا أيها الأخوة, بما أنَّ الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه مكلفون برسالة عليهم أن يُبلغوها, ولاسيما الرسل فلا بُدَّ من صفات تتوافر فيهم، فالرسل قبل كل شيء مصطفون من قِبل الله جلَّ وعلا بالوحي, أي الرسالة اصطفاء من الله سبحانه وتعالى لأهلية الرسل, وبما أنَّ الرسول مبلغّ عن الله علوم شريعته وأحكامه لخلقــه، وبما أنَّ الرسول قد حمل مهمة الدعوة إلى الله, وإلى صالح العلم بالأسلوب الحكيم، وبما أنَّ الرسول مصدّق من قِبل الله جلَّ وعلا بالمعجزة، والمعجزة تصديق من الله ورسوله، وبما أنَّ الرسول قدوة حسنة يتأسى بها في عمله, وفي خلقه, ويُهتدى بهديه، وبما أنَّ الرسول مُطاع بإذن الله متبع بأمر الله، وبما أنَّ الرسول قائد أمته ومدبّر سياستها الدينية والدنيوية, لهذه الأسباب كلها يجب أن تتوافر في الرسول صفات لا بد من توافرها.

صفات الرسل بالإجمال:

  من هذه الصفات, علّو الفطرة وصحة العقل والصدق في القول والأمانة في تبليغ ما عٌهد عليه تبليغه, والعصمة من كل ما يشوه السيرة البشرية, وسلامة البدن مما تنفر منه الأذواق السليمة، وقوة الروح بحيث لا تستطيع نفس إنسانية أو جنية أن تسطو عليه سطوة روحانية, لأن الله يُمده دائماً بمدد منه, وهذه الصفات إن شاء الله تعالى سوف نُفصّلها واحدةً واحدة، لكن فيما عدا ذلك فهو بشر, كيف؟ يقول عليه الصلاة والسلام:

" عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا رَجُلٍ آذَيْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَصَلاةً "

(أخرجه الإمام أحمد عن الأعرج عن أبي هريرة في مسنده)

 ومن صفات الأنبياء التي تمُت إلى البشر بصلة أنهم يأكلون ويشربون, وما أروع القرآن حينما وصف بشرية سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم كان يأكل الطعــام ويمشي في الأسواق, فالذي يأكل الطعام ليس إلهاً إنه مفتقر إلى تناول الطعـام، ونحن جميعاً مفتقرون إلى شرب كأس ماء، وإلى تناول الطعام، إنه مفتقر إلى كسب الطعام، فأنت مُفتقر إلى الطعام وإذا جلست في البيت سوف تجوع، ولا بُدَّ من أن تخرج لتكسب رزقاً تشتري به طعامك، وهاتان الصفتان كافيتان لأن تكون بشراً وليس فوق البشر، فالأنبياء بشر, قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾

(سورة الكهف الآية: 110)

 من علائم بشرية رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يأكل ويشرب وينام، فهو يحتاج إلى النوم، لماذا النوم؟ فأنا بشر أحتاج إلى النوم, كل إنسان يحتاج إلى النوم, لكن من قضى عمره بالنوم أتى يوم القيامة مفلساً، أمّا أن ينام ويتزوج إذ يوجد في نفسه حاجة إلى نصفه الآخر كما يقولون: هذه حاجة ثابتة في الأنبياء أيضاً، فالنكاح من سُنة النبي عليه الصلاة والسلام, وإنه يمرض، والمرض من صفات البشر, وقد ينسى

" اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر "

( ورد في الأثر )

 كما قال عليه الصلاة والسلام:

" عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا "

(أخرجه البخاري عن أم سلمة في الصحيح)

 أنه ينسى فيما لا علاقة له بتبليغ ما أمره الله أن يبلغه، ولا ينسى أوامر التبليغ فهذه تتناقض مع عصمته, قال الله:

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾

(سورة الأعلى الآية: 6)

 وقد تمتد إليه أيدي الظلمة, ألم يرد في القرآن الكريم أنّ الكفار قد اعتدوا على الأنبياء فقتلوهم, قال الله:

﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾

(سورة آل عمران الآية: 112)

 لأنهم بشر, إلا إذا عصمهم الله عزّ وجل من القتل بنص من القرآن الكريم, قال الله:

﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾

(سورة المائدة الآية: 67)

 أكثر المفسرين على أنه معصوم من أن يغتاله بشر, أي النبي محمد عليه الصلاة والسلام, وهذه الصفات التي تمتُّ إلى بشريته بصلة لا تنقص من قدره كنبي, ولا تقلل من مكانته عند الله عزّ وجل،

" إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ "

( ورد في الأثر)

 وهذه الصفات تؤكد في الأنبياء عبوديتهم لله عزّ وجل.

صفات المرسلين عليهم الصلاة والسلام بالتفصيل:

1- الفطانة:

 لو أردنا أن نأخذ الصفات التي يجب أن تتوافر في الرسل عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كان في مقدمة هذه الصفات:
 1- الفطانة: الفطانة بمعنى الذكاء، أي ما كان الله عزّ وجل ليرسل رسولاً إلى خلقه لا يتصف بالفطانة، فالفطانة صفة لازمة للأنبياء, مادام الله سبحانه وتعالى قد اصطفاهم، وما دام الله سبحانه وتعالى قد كلفهم تبليغ رسالاته, وبما أنَّ الله سبحانه وتعالى قد كلفهم بنشر دينه فلا بد من أن يعطيهم مع هذا التكليف ما يعينهم على نشر الرسالة, لا بد من أن يكون النبي الرسول أعلى كل أصحابه ذكاءً حتى يستوعبهـــم، وحتى يستطيع توجيههم، وحتى يعرف إمكاناتهم, ولذلك فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان يجمع كل صفات الكمال, فهذا سيدنا خالد كان شجاعاً, إذن هو سيف الله, وهذا سيدنا أبو عبيدة كان أميناً, إذن أبو عبيدة أمين هذه الأمة, وكان سيدنا علي مدينة العلم, وكان سيدنا معاذ, والله يا معاذ إني لأحبك كان محبوباً, وكل صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتصف بصفة يتميز بها, لكن النبي عليه الصلاة والسلام, جمع كل صفات الكمال, قال الشاعر:

و أحسن منك لم تر قط عيني   وأجمل منك لم تلد النسـاء
خٌلقت مبرءاً من كل عيــب   كأنك قد خُلقت كما تشــاء
محمدٌ بشرٌ وليس كالبشــر   لأنه ياقوتة والناس كالحجر

  لو أن هذا النبي العظيم عليه أتم الصلاة والتسليم قيست إمكاناته الفكرية بمقاييسنا المعاصرة, لكان من أعلى البشر إدراكاً وفطانة وحسن تصرف واستيعاباً وحفظاً ومحاكمة وقياساً وإلقاءً، و لا يوجد إنسان يستطيع أن يقود إلا أن يكون على مستوى عالٍ من الذكاء, ولو أن الإنسان محدود لا يستطيع أن يقود نفسه قبل أن يقود الآخرين, أي يكون له تأثير على الآخرين بإمكانات محدودة وهذا شيء مستحيل, وهذا مثل قريب: فمن منا يستطيع أن تُتلى عليه سورة البقرة فيحفظها من أول مرة؟ هذا فوق طاقة البشر، النبي عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحي يحفظه فوراً, وهذا أعلى مستوى في الذكاء، حَفَظَة القرآن يقول لكَ: يوجد متشابهات, والله احترت غفور رحيم أو رحيم ودود, تجده أثناء الحفظ أو أثناء القراءة أو أثناء الصلاة يقع في إشكالات، أمّا النبي عليه الصلاة والسلام لم ينس شيئاً من كتاب الله أبداً، هذه من فطانته عليه الصلاة والسلام، وبهذه الفطانة يعرف ما أنزل إليه، و يعرف المضمون، والنبي عليـه الصلاة والسلام بيّن للناس ما نُزل إليهم عن طريق السنّة المطهرة التي هي أصلٌ ثانٍ من أصول الشريعة الإسلامية, قال الله:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

(سورة النجم الآية: 3-4)

 السنّة المطهرة وحيّ غير متلو، فالنبي الكريم, يجب أن يعرف مدلولات الآيات الكريمة بشكل دقيق حتى يفسرها, فأحكام العدة، وأحكـام الطلاق، وأحكام الزواج، وأحكام الصلاة، و أحكام الصيام، وأحكــام الحج، وأحكام الزكاة، وأحكام البيوع، هذه التفصيلات الشديدة، يقول لك: 80 حديث في البيوع مأخوذة من آية واحدة, قال الله:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾

(سورة النساء الآية: 29)

  التراضي صار له أحكام: لا يكون فيه تدليس، ولا يكون فيه غش، ولا يكون فيه غبن بالسعر، ولا فيه غبن بأشياء أخرى، ولا جهالة في الثمن، وجهالة بالقيمة، والتسليم, وأحاديث كثيرة جداً في البيوع كُلُها مستنبطة من آية واحدة، أحاديث الصيام مستنبطة من آية الصيام, وأحكام المواريث.
 يجب أن تكون فطانته مُعينة له على فهم هذا الوحي الذي جاءه من عند الله، و حفظ ماأنزل إليه من كلام الله، ووسيلة لنقل هذه الرسالة, وهذا الكتاب الكريم إلى الناس، ووسيلة لإلقاء الحق بحكمةٍ بالغة، والآيات التي تشهد له بالفطانة، يقول الله عز وجل:

﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ ﴾

(سورة القيامة الآية: 16-17)

 فربنا سبحانه وتعالى وصف فطانته صلى الله عليه وسلم, قال الله:

﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾

(سورة القيامة الآية: 16-17)

 هذه إشارة من الله عزّ وجل إلى فطنته أو فطانته, وفي آية أخرى:

﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾

(سورة طه الآية: 114)

 و كأنه فَهِمَ على الله عزّ وجل كل ما يريد, ولذلك فربنا عزّ وجل قال له: انتظر, اصبر, حينما تنزل الآية.

مشاهد من فطنته مع أصحابه:

 سأله أحد أصحابه, ماذا ينجّي العبــد من النار؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الإيمان بالله, قال يا رسول الله: أَمع الإيمان عمل؟ قال: أن تعطي مما أعطاك الله, قال: فإن كان لا يجد ما يعطي؟ قال: أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر, الحديث طويل, وكأنّ النبي عليه الصلاة والسلام ضاق به ذرعاً, فقال له: أما تريد أن تترك لصاحبك من خير, ليكف أذاه عن الناس, فجاء السؤال إن فعل هذا دخل الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

" أّيما عبدٍ يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة "

( ورد في الأثر )

 يعني كل خصلة إذا طبقتها تنقلك إلى أعلى منهـــا, وهكذا إلى أن تدخل الجنة، ويوجد توجيهات نبوية دقيقة جداً، حينما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام أن الأنصار قد وجدوا عليه في أنفسهم, الآن هو قائد وعقب المعركة هناك أناس فُتنوا أي غضبوا، ووجدوا عليه في أنفسهم، فقال عليه الصلاة والسلام لزعيمهم سيدنا سعد بن عبادة, قال: يا سعد مقالة بلغتني عنكم, قال: نعم, قال يا سعد: أين أنت من قومك؟ " أراد أن يعرف موقف زعيم الأنصار " أهو معهم؟ موافق لهم أم منفصل عنهم؟ فقال: ما أنا إلا من قومي, أي معهم, فقال: اجمع لي قومك, فجمعهم له، ووقف النبي عليه الصلاة والسلام فيهم خطيباً, قال:

" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلالاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلاً فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ أَفلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الانْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا "

(أخرجه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري في مسنده)

  هذا موقف فيه منتهى الفطانة, كادت أن تحدث فتنة فطوّقها اللهم صلِ الله عليه وأنهاها، كان فطناً، أي كان إدراكه ومعالجته للأمر من أعلى مستوى،

" وكان أحدهم يقول له: عظني, فينظر إليه فيقول له: لا تغضب وكأنه أدرك أنه يعاني من الغضب الشديد، يقول له آخر عظني يقول له: قل آمنت بالله ثم استقم، فكل صحابي جليل أو كل رجل سأله يعطيه ما يناسبه "

( ورد في الأثر )

 وهذه من علائم الفطنة التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يتمتع بها.

صور من مواقف الأنبياء الفطنة أثناء حوارهم مع المعاندين للحق:

 الأنبياء أيضاً فطنون، فسيدنا إبراهيم, قال الله:

﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾

(سورة الأنعام الآية: 83)

 أوتي الحجة، أنت تقدر أن تناقش خصماً عنيداً؟ فهل تصمد في نقاش دقيق جداً من واحد مثقف ثقافة عالية يريد أن يُطفئ نور الله عزّ وجل؟ فإذا كان عندك حُجة قوية فهذه صفة طيبة في المؤمن, فإذا كنت مؤمناً صادقاً فيجب أن يكون معك شيءٌ من هذه الحُجة، أو معك حُجة قوية، فالنمرود مثلاً, قال له: من ربك يا إبراهيم؟

﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾

(سورة البقرة الآية: 258)

 أعطاه صفة دقيقة يُحيي ويُميت " فأجابه النمرود: أنا أحيي وأميت, فمن كان محكوماً بالإعدام أعفو عنه فقد أحييتهُ، وأُحضر إنساناً وأقوم بقتله، وكان من الممكن أن يقوم سيدنا إبراهيم بتفنيد هذه الحُجة، أي أنت لا تُحييه من العدم، فإذا عفوتَ عنه فليس هذا حياةً بالمعنى الدقيق، لكن من فطانته عليه الصلاة والسلام ما أراد أن يدخل مع النمرود في نقاش سفسطائي بل تركه, وقال له:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 258)

 وإذا أردت أن تُناقش إنساناً فلا تبدأ بحُجة ضعيفة مُركبة تحتاج إلى توضيح, وإلى شواهد.
 سيدنا نوح أيضاً, قال الله:

﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ﴾

(سورة هود الآية: 32)

 أي ضاقوا به ذرعاً, و كأنه غلبهم بالحجة فلم يتمكنوا, وليس من السهل أن تواجه قوماً بأكملهم بحجة ناصعة وتغلبهم بها, فهذه الصفة، صفة الفطنة أو الفطانة, وبالتعبير الحديث الذكاء أو سرعة الفهم، ودقة المحاكمة، وحسن التكيّف، أي أن تصـل إلى كل أهدافك بأيسر السبل، وأن تحقق أعلى مردود بأقل جهد، هذه من تعريفات الذكاء, و هذه كلها من لوازم أو من دلائل الذكاء والفطنة والفطانة, وهل يرسل الله عزّ وجل رسولاً أقل ذكاءً من أذكى رجل في الأمة؟ مستحيل, وبالمناسبة فصعب على إنسان أقل ذكاء أن يقود من هو أكثر ذكاء، إذ تجده دائماً يكشفه، وأحياناً يقوم بتفنيد أغلاطه، أو يُشوّه سمعته أمام الآخرين، أو يقوم بتحجيمه أمام الآخرين, فيطرح عليه سؤالاً لا يستطيع أن يجيب عليه فتجده أصبح صغيراً، فكيف يقود إنسان أمة, وهو قليل الذكاء؟ كان صلى الله عليه وسلم سيد العلماء وكان جميع أصحابه الكرام يطأطؤون له رؤوسهم في مجلسه تعظيماً له بالحق، وليس بالقهر لما عنده من صفات.

2- العصمة:

  2- العصمة: ثبت أن الرسول " أي رسول " هو المثل الأعلى لأمته, والذي يجب الاقتداء به في اعتقاداته وأفعاله وأقواله وأخلاقه, وهو الأسوة الحسنة بشهادة الله له, و لذلك وجب أن تكون اعتقاداته وأفعاله وأقواله وأخلاقه الاختيارية موافقة لطاعة الله عزّ وجل، ووجب ألا يدخل في شيء من اعتقاداته وأفعاله وأقواله وأخلاقه معصية لله تعالى, فالنبي قدوة حسنة، ومثل أعلى، وأسوة صالحة، فهل يكون في أقواله أو أفعاله أو أخلاقه خطأ أو معصية ؟ هذا مستحيل, لأنه قدوة, مكلّف برسالة, ومكلف أن يقتدي الناس به في أقواله وأفعاله وأخلاقه ومعتقداته, والله سبحانه وتعالى أمر الأمم بالاقتداء برسلهم, فإذا أمكن أن يفعل الرسل المعاصي, كان معنى الأمر أن يتخذوهم أسوة في المعاصي, وهذا مستحيل في حق الله سبحانه وتعالى، لأن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بالفحشاء، قال الله:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

(سورة الحشر الآية: 7)

 الأنبياء معصومون في معتقداتهم وأخلاقهم وأقوالهم وأفعالهم, فتعريف السنّة المطهرة: ما صح عنه من أقوال وأفعال وإقرار، يعني إذا كان واحد فعل أمامه شيئاً فسكت النبي عليه الصلاة والسلام فسكوتهُ يُعد إقراراً, وفِعلُ هذا الصحابي من السُنة المُطهرة لأنه سكتَ عنه النبي عليه الصلاة والسلام إذ لا يعقل أن يسكت عن خطأ، فالعصمةٌ إذاً في هذا المعنى حِفظُ أوامر الله تعالى من مخالفتها وحفظ نواهيه من الوقوع بها، لا يُعقل أن يعصي أمراً ولا أن يفعل معصيةً، فإذا قال الله لهُ افعل: فلا يُعقل أن لا يفعله، وإذا قال له لا تفعل: فلا يُعقل أن يفعله، وهذا معنى أولي مبسّط من معاني العصمة، والدليل:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

(سورة الأحزاب الآية: 21)

  أسوة حسنة في مطعمه، ومشربه، ومسكنه، وملبسه، وزواجه، وعلاقته بجيرانه، وفي سلمه، وحربه، و توجيهه، و في صلاته و صيامه، وأما في حق جميع الرسل, قال تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ﴾

(سورة الأحزاب الآية: 21)

 هذه " في " تعود على الرسل جميعاً.
 آية ثالثة, تأمرنا أن نتبع الرسل فهم الأسوة الحسنة:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

(سورة آل عمران الآية: 31)

 ومن الأدلة القاطعة على معنى العصمة التي هي صفة أساسية من صفات الأنبياء, قول الله عزّ وجل:

﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾

(سورة الفتح الآية:2 )

﴿مَا تَقَدَّمَ﴾

(سورة الفتح الآية:2 )

 بالعفو عنك, و" ما تأخر" بوقايتك من الوقوع به، فإذا أعطيت إنساناً مصباحاً, وأمرته أن يسير في طريق مظلم ذات حفر وعقبات, فإن هذا المصباح يقيه الوقوع في الحفر ويقيه الارتطام بالعقبات, فكأنك بهذا المصباح جعلته لا يقع, فهذا معنى قول الله عزّ وجل:

﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾

(سورة الفتح الآية:2 )

 لأنكَ مستنيرٌ بنور الله عزّ وجل فلن تقع في ذنبٍ في المستقبل.

من لوازم العصمة:

1- العصمة عن الكتمان والتحريف:

  من لوازم العصمة التي هي صفة أساسية بحق الأنبياء والرسل, العصمة عن الكتمان والتحريف: فكتمان الحق معصيةٌ في الدعوة إلى الله عزّ وجل، والتحريف أيضاً معصيةٌ في الدعوة إلى الله عزّ وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام معصوم عن الكتمان وعن التحريف وعن الخطأ والغلط والنسيان فيما أمره الله بتبليغه للناس، وهذه أيضاً من لوازم العصمة التي هي صفة أساسية, لأنه لو لم يكن معصوماً عن ذلك لم يكن أهلاً للاصطفاء بالرسالة, ولأثر ذلك في أصل مهمة البعثة, ولانعدمت الثقة بما يبلغه عن الله من شرائع وأحكام وأخبار وغيرها، وعلى مستوى اللغة العربية إذ كان الإنسان حُجة في اللغة, وكان من عادته الغلط في النحو والصرف، فلم يعد حُجّة, وصار كلامه غير حُجة, ونُفيت عنه أن يُحتجَّ بِهِ، فالنبي لا يمكن أن يعتقد عقيدة تُخالف الحق الذي أمرَ الله به، فهو في أحاديثه لا يكذب الله عزّ وجل, كيف؟ الله عزّ وجل أمر بشيء, فهل يُعقل أمرهُ أن يكون مخالفاً لأمر الله عزّ وجل؟ لأن هذا يتنافى مع أصل النبوة ومهمة الرسالة، والدليل أن الله عزّ وجل قد قيّض رجالاً، غيورين، ثقاة، عدولاً، أمضوا حياتهم كلها في تتبع الحديث الصحيح وتثبيته, ونفي وتجريح الحديث الموضوع وإبعاده, وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى.
 فصحيح " البخاري ومسلم " كتابان يعدّان من أصح الكتب بعد كتاب الله جلّ وعلا, ولا يمكن أن تتعرض أفعال الرسول وأقواله وسيرته للمعاصي سواءً أكانت كبيرة أم صغيرة, لأن هذا يتنافى مع كونه أسوة حسنة, ويتعارض هذا مع الأمر بالاقتداء به واتباعه, ولو كانت كذلك لما كانت أفعاله وأقواله حجة شرعية على أمته, وهناك أحاديث ضعيفة أنه حينما شاهد عمه الحمزة, وقد مُثّل به نوى أن ينكلّ بهم, والحديث الصحيح قوله:

" لا أمثّل بهم فيمثّل الله بي ولو كنت نبياً "

( ورد في الأثر )

 وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى صفات الصدق في الرسل عليهم الصلاة والسلام.

والحمد لله رب العالمين