5203
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 177 : البذور وتحملها لعوامل التعرية.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-07-05
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

سؤال طرح :

أيها الأخوة الأكارم, من آيات الله الدالة على عظمته أنك ترى الأرض قاحلة، أنك ترى الأرض جرداء، أنك ترى الأرض تراباً ليس غير من آيات الله الدالة على عظمته أن تحيى الأرض الجرداء بعد هطل المطر
ويمضي على ما هي عليه سنوات تلو سنوات، سنوات سبع، أو سنوات عشر، ولا ترى في هذه الأرض إلا الرمال، ولا ترى في هذه الأرض إلا التراب, فإذا جاءتها الأمطار الغزيرة أنبتت النباتات، والأزهار، والأعشاب, وما تحار به العقول, ألم يخطر في بالك هذا السؤال؟ البذور لا تتأثر بعوامل التعرية فهي محفوظة
هذه السنوات العشر التي كانت فيها الأرض جرداء، من أين جاءتها البذور فأنبتت هذه النباتات؟ سؤالٌ وجيه، لم يلقِ أحد فيها البذور حتى أصبحت جنةً خضراء، من ألقى فيها البذور؟ وإذا كانت قد ألقيت فيها البذور من قبل، لماذا لم تمت البذور؟ هنا السؤال، وهنا الآية .
أيها الأخوة الأكارم, تتأثر الصخور الصلبة القاسية بعوامل التعرية من رياح، وأمطار، وحر, هذه تجعل الصخور تراباً, تفعل عوامل التعرية فعلها في الصخور، تفعل فعلها في الجبال، تفعل فعلها في مجاري الأنهار, وهذه البذور التي أودعها الله في الأرض ألا تؤثِّر فيها عوامل التعرية؟! .
قال العلماء: إن البذور قد صمِّمت تصميماً يجعلها في منجاةٍ من عوامل التعرية, تبقى مع التراب سنواتٍ تلو سنوات ولا تراها عينك، ويصيبها حرٌ وقر، رياحٌ شديدة، طقسٌ قاسي صقيعٌ شديد, تبقى هذه البذور محافظةٍ على حياة رُشيْمها، وعلى الغلاف الرقيق الذي يحيط بالرُشيم، وعلى الجُذير، وعلى السُويق، وعلى محفظة الغذاء سنواتٍ طويلة, تأتي الأمطار بعد هذه السنوات، فإذا الأرض خضراء، وإذا الأزهار فوَّاحة الرائحة، وإذا الألوان مشرقة ومتناسبة, أين كان كلُّ هذا؟ كان كل هذا في البذور التي جعلها الله في منجاةٍ من عوامل التعرية التي تؤثِّر في الصخور .

إليك بعض هذه الأمثلة حتى تزداد يقيناً بعظمة الخالق من خلال نعمائه :

مثلٌ قريب، جهَّز الله سبحانه وتعالى المعدة بحمضٍ من أشدِّ الحموض تأثيراً, إنه حمض كلور الماء، إذا تناولت لحماً قاسياً، هذا اللحم القاسي من أقسى اللحوم، هذا الحمض الذي في المعدة كفيلٌ بأن يجعله سائلاً كالحليب .
حتى حموضة المعدة لا تؤثر على البذور فتخرج من الجسم كما هي
هناك تجارب أجريت، وضعت قطعةٌ من اللحم القاسي في كرةٍ مثقَّبة، وأطعمت لبعض الحيوانات, وبعد أن ذبح الحيوان، والتقطت الكرة، لم يجد العلماء فيها اللحم الذي كان فيها, نفذت العصارات الهاضمة إلى الكرة الحديدية وأذابت اللحم، هل أساسها عملية الهضم حركةٌ ميكانيكية، أم أساسها عصاراتٌ كيماوية؟ كلاهما ذو دور, ولكن إذا استعصى طعامٌ على الهضم الميكانيكي تأتي العصارات الكيميائية فتجعله كيلوساً، والكيلوس هو السائل، فكل الأطعمة التي تأكلها مهما تكن صلبةً تغدو بفعل هذه الخمائر, وهذه الأحماض سائلاً سهلاً، صالحاً للامتصاص، ولكن أنواعاً كثيرةٌ من البذور التي تأكلها مع الفواكه تخرج كما دخلت، ولا تستطيع أنواع العوامل الميكانيكية في المعدة، ولا العوامل الكيماوية أن تؤثِّر فيها .
هذه آيةٌ من آيات الله عزَّ وجل، أن الله عزَّ وجل زوَّد البذور بحصانةٍ تجعلها في منجاةٍ من أي تأثيرٍ ميكانيكيٍّ، أو أي تأثيرٍ كيماوي، هذه آيةٌ من آيات الله عزَّ وجل, ولا تنسوا أن العلماء استخرجوا من الأهرامات المصرية قمحاً، خزن فيها قبل ستة آلاف عام، وزرع القمح، ونبت القمح .
فهذا الرُشيم الصغير الحسّاس أودع الله فيه الحياة، وزوَّده بقشرةٍ رقيقة فيها غذاؤه وزوَّده بسويقٍ وجُذير, بقيت هذه الحياة الدقيقة اللطيفة التي أودعها الله في الرُشيم ستة آلاف عام دون أن تمسَّ بأذى, قال تعالى:

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾

[سورة لقمان الآية: 11]

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 21]

والحمد لله رب العالمين