16689
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 153 : إنا كل شيء خلقناه بقدر . ( الحنجرة وعتبة الحواس ).
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1990-06-22
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

معاني الحق :

 أيها الأخوة المؤمنون، يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾

[سورة القمر الآية: 49]

 خلق الله عزَّ وجل كل شيءٍ في تقدير دقيق، يستنبط هذا المعنى أيضاً من قوله تعالى:

﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾

[سورة التغابن الآية: 3]

 إضافةً إلى معنى الحق الذي هو الشيء الثابت الذي لا يزول موازنةً له مع الباطل الذي يزول, قال تعالى:

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾

[ سورة الإسراء الآية: 81]

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾

[سورة ص الآية: 26]

 ومعنى آخر للحق هو الشيء الهادف الذي يتناقض مع العبث, قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾

[سورة الأنبياء الآية: 16]

 والمعنى الثالث الشيء الذي خُلق بالحق، أي قدِّر تقديراً دقيقاً من لدن حكيمٍ عليم خبيرٍ.

إليكم هذه الموازين الدقيقة في هذه الأشياء :

 يا أيها الأخوة المؤمنون، هذه الحنجرة التي هي جهاز الصوت عند الإنسان، ضبطها في اللغة حَنْجَرَة، لا حُنْجُرَة كما يلفظها عامة الناس، هذه الحنجرة التي خلقها الله عزَّ وجل، وصممها لتكون جهاز الصوت في الإنسان .

الحنجرة

هذه الصورة لمنظر أمامي للحنجرة


 يقول الأطباء: إن فتحة الحنجرة قد قدِّرت تقديراً دقيقاً جداً، بحيث لو اتسعت أكثر مما هي عليه لاختفى صوت الإنسان، ولو ضاقت أكثر مما هي لأصبح التنفُّس عسيراً, إما أن يكون التنفس مريحاً ويختفي الصوت، وإما أن يكون الصوت واضحاً ويصعب التنفس, من جعل هذه الفتحة بهذا القدر؟ إن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

[سورة النمل الآية: 88]

الحنجرة

هذه الصورة لمنظر خلفي للحنجرة


 هذا ينقلنا إلى عتبات الحواس، إن هذه العين ترى، لكنها ترى بين عتبتين، لو أن الرؤية زادت عن حدها الذي هي عليه لأصبحت حياتنا شقاءً، إنك إذا نظرت إلى كأس الماء الذي تشربه تجده عذبٌ، فراتٌ، رائق, لو أن عتبة البصر زادت قليلاً ودقَّت أكثر من ما هي عليه، لرأيت في هذا الكأس العجب العجاب؛ لرأيت الكائنات الحية، والجراثيم غير الضارة، والبكتريات بعددٍ لا تحصى, إنك لن تشرب الماء، ولرأيت هذا الطفل الصغير بخده الأثيل، كأنه مغاراتٌ ونتوءات، لذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾

[سورة لقمان الآية: 49]

 لو أن عتبة السمع ارتفع مستواها قليلاً، لما أمكنك أن تنام الليل، لأن تتلقَّف كل الأصوات، بل إن أصوات جهاز الهضم وحده، تكاد تكون كالمعمل الكبير, جعل الله لك عتبةً خاصةً في السمع لا تزيد عن هذا الحد .
 لو أن حاسة اللمس زادت، لشعرت بالكهرباء الساكنة التي تحيل حياتك جحيماً, لأن كل شيءٍ فيه كهرباءٍ ساكنة .
 لو أن حاسة الشم زادت لأصبحت الحياة شقاء, تزيد حاسة الشم عند بعض الحيوانات مليون ضعف عن حاسة الشم عند الإنسان .
 شقَّ الله سبحانه وتعالى لنا السمع، وأنشأ لنا الأبصار والأفئدة، وخلق حاسة اللمس، وحاسة البصر، وصمم كل هذه الحواس تصميماً دقيقاً جداً, ليناسب حياة الإنسان ومصلحته .

والحمد لله رب العالمين