9954
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 131 : معجزة الإسراء والمعراج ليست مستحيلة عقلاً.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1989-02-24
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

التفسير الشرعي لمعنى المعجزة :

أيها الأخوة المؤمنون, موضوعٌ دقيقٌ جداً متعلقٌ بالإسراء والمعراج, أَلِفَ الناس لكل شيءٍ خاصَّة أو طبيعة، أَلِفُوا القوانين التي قنن الله بها ملكوتَ السموات والأرض, للماء خواص، للنار خواص، هناك قوانين تضبط الانتقال من مكان إلى مكان، الجسم له ظروف تتوافق معه، وله ظروف تتناقض معه، أسوق لكم الحقائق التالية كي نفرِّق بين ما هو مستحيلٌ عادةً، وبين ما هو مستحيلٌ عقلاً:
إن الله سبحانه وتعالى حينما جعل النار تحرق بمشيئته، قادر في أية لحظة أن يجعلها لا تُحْرِق الله جعل في النار خاصية الحرق وقادر على جعلها لا تحرق
هناك طبيعةٌ خاصة لكل شيء، وأيُّ قانونٍ مادي، أيُّ علاقةٍ ثابتة بين شيئين، هذه من خلق الله عزَّ وجل، والله يخلق ما يشاء، فإذا خلقها على شاكلةٍ يمكن أن يخلقها على شاكلةٍ أخرى، فحينما تأتي في القرآن الكريم بعض خوارق العادات، كالإسراء والمعراج وهي معجزة, هذا لا ينبغي أن نفهمه في ضوء القوانين التي قننها الله سبحانه وتعالى, إن الإسراء والمعراج خرقٌ لهذه القوانين، لأن الإنسان أحياناً يتوهَّمُ أن السبب وحده هو الذي يخلق النتيجة، فإذا اعتقد ذلك اعتقاداً جازماً وقع في الشرك، إن الذي يخلق النتيجة ليس هو السبب، ولكنه الله سبحانه وتعالى، والسببُ في أيةِ لحظةٍ يعطَّل أو يلغى .
معجزة الإسراء والمعراج خرق لقوانين الكون
فحينما تأتي بعض المعجزات على يدِ الأنبياء صلوات الله عليهم، أو حينما تكون بعض المعجزات لنبينا عليه الصلاة والسلام، فهذه ليست مستحيلة عقلاً, ولكنها مستحيلة عادةً, فَرَّقَ علماء العقيدة بين ما هو مستحيلٌ عادةً، وبين ما هو مستحيلٌ عقلاً, مثلاً: جعل الله البحر الذي بين مصرَ و سيناء يبساً, قال تعالى:

﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾

[سورة الشعراء الآية: 61]

فرعون من ورائهم، والبحر من أمامهم، قال:

﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾

[سورة الشعراء الآية: 62]

حينما خلق الله سبحانه وتعالى طبيعة الماء سائلة بقدرته، هو قادرٌ في كل لحظةٍ أن يجعلها جامدة، فما هي إلا إشارة من سيدنا موسى بعصاه حتى أصبح البحر يبساً .
هذا إذا فكرت في آلاء الله، وعرفت عظمة الله سبحانه وتعالى، لا ترى في خوارق العادات شيئاً مستحيلاً عقلاً، بل ربما كان مستحيلاً عادةً كما أَلِفَ الناس، ألف الناس أن النار تُحرق، وأن الماء سائل, ولكن ربنا سبحانه وتعالى هو خالق القوانين، هو خالق طبائع الأشياء ، هو خالق العلاقات الثابتة التي تظنها ثابتة, إنها ليست ثابتة، ثابتة إذا شاءَّ لها الله أن تكون ثابتة، فإذا شاءَّ أن تكون غير ثابتة، تكون غير ثابتة، هو الذي خلق قوانين المكان، هو الذي خلق قوانين الزمان .

من دلائل صدق النبي حينما أسري إلى بيت المقدس :

وصف النبي الكريم المسجد الأقصى كأنه يشاهده
فإذا قرأت في كتب السيرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج من بيته في مكة إلى بيت المقدس وعاد إليه، فهذا من خرق الله سبحانه وتعالى لقوانين المكان .
كذَّبته قريش, ولكنهم حينما طالبوه أن يصف لهم المسجد الأقصى، وصفه وكأنه يشاهده, لعلهم ظنوا أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع هذا الوصف من غيره فنقله إليهم، طالبوه بأن يصف لهم ما رآه في الطريق، وصف لهم قافلةً، وسمَّى أسماء أصحابها، ولما جاءت القافلة إلى مكة, وسألوا: مَنْ أفرادها؟ جاءت إجابتهم مطابقةً تماماً لوصف النبي عليه الصلاة والسلام .
لذلك حدث الإسراء والمعراج نُصَّ عليه بآياتٍ محكمةٍ صريحةُ الدلالة، من أنكره فقد كفر, لأنه أنكر حقيقةً وردت في القرآن الكريم .


والحمد لله رب العالمين