10279
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 130 : طائر نقار الخشب.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1989-02-17
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

إليكم هذه الأجهزة المتينة في هذا الطير, وبيان وظيفتها :

أيها الأخوة المؤمنون, معلوماتٌ لا تصدق، طائرٌ من الطيور التي أبدعها الله سبحانه وتعالى، اسمه نقَّار الخشب، لا شكُّ أن أكثركم سمع به، ولكننا إذا دققنا في بنية هذا الطائر، نرى في صنعته إحكاماً يفوق حدَّ الخيالمنقار نقار الخشب مثقب صنعه الله لخرق الخشب
له منقارٌ قويٌ متين، ومعنى قوي أنه يقاوم قوى الضغط، ومعنى متين أنه يقاوم قوى الشد, يعمل تماماً كأداةٍ لخرق الخشب، إنه مثقب, صنعه الله من تركيبٍ عجيب؛ قوة، ومتانة، ومرونة, وعضلات رقبة هذا الطائر قويةٌ شديدة، لأنَّ قوة العضلات وشدتها ضروريتان، لتأمين ضرباتٍ إيقاعيةٍ قويةٍ للمنقار .
كيف يخرق هذا الطائر الخشب؟ يقف على شجرة ويخرق جذعها بمنقاره حتى يصل إلى لُبِّهَا، وقد يكون في اللُّب حشرة فيصل إليها ويأكلها. أمَّا كيف يعرف هذا الطائر أن هذه الحشرة في المكان الفلاني؟ فهذا شيءٌ لا يعلمه أحدٌ حتى الآن, يقف هذا الطائر على شجرة في مكانٍ ما، ويثقب جذعها الثخين إلى أن يصل إلى لبِّها، وفي لبِّ هذه الشجرة تكون هناك دودة يتغذَّى عليها

image

عضلات رقبة هذا الطائر قوية جدا مما يجعل المنقار يعمل كأنه إزميل

كيف عرف موقع الدودة؟ لا أحد يعلم إلا الله، فلا بدَّ له من منقارٍ متينٍ، قويٍ مرنٍ، يخرق هذه الشجرة، وقد يكون الشجرُّ من أقسى أنواع الخشب .
أما عضلات رقبته لا بدَّ من أن تكون قويةً شديدةً ضروريةً, لتأمين ضرباتٍ إيقاعية قوية للمنقار، الذي يعمل به كأنَّه أزميل، ولا بدَّ له من جمجمةٍ سميكة، ولكنها أعطيت مرونةً بأربطةً دقيقةً متعامدة، ولا بدَّ لهذا الطائر من مخمِّدٍ للصدمات, هذه المخمدات للصدمات نسيجٌ ثخينٌ جداً بين المنقار والجمجمة، ولا بدَّ له من لسانٍ رفيعٍ طويلٍ بطول المنقار، ينتهي بسطحٍ خشن، عليه مادةٌ لزجة كي يصطاد حشرته المفضلةأرجل نقار الخشب قصيرة وقوية وريش ذيله قاسي كي يستند به إلى جذع الشجرة
ولا بدَّ له من أرجلٍ قصيرةٍ قوية لا تشبه الأرجل النحيلة لمعظم الطيور، لأنه سيستند عليها وبحسب استناده عليها سيكون ضربه في الخشب قوياً، ولا بدَّ له من أصابع كالملزمة تماماً، اثنتان في المقدمة، واثنتان في المؤخِّرة، فهي كماشةٌ كاملة تعينه على التعلُّق المتين بلحاء الشجر، ولا بدَّ له في ذنبه من ريشٍ قاسي يستند به إلى جذع الشجرة، يستند بقائمتين قصيرتين قويتين، وبأربع كماشات على لحاء الشجرة، وبذنبٍ متينٍ يعينه على هذه، كي يوصل منقاره إلى لب الشجرة, قال تعالى:

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

[سورة النمل الآية: 88]

أيها الأخوة المؤمنون, يشبه هذا الطائر آلة معقدة جداً، آلة فيها كل إمكانات الثقب، استنادٌ قوي، مخمدٌ للضربات، للاهتزازات، منقارٌ متينٌ قوي، لسانٌ بطول المنقار ذو سطحٍ لزج، وعليه مادةٌ لزجة .



إبداع الخالق في صنعة الخلق :

يا أيها الأخوة المؤمنون, قال تعالى:

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾

[سورة طه الآية: 49-50]

يعني أعطاه كمال خلقه, قال تعالى:

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾

[سورة الأعلى الآية: 1-2]

أي سوى هذه الأجهزة متلائمةً مع وظيفة الطائر، هذا وظيفته أن يصل إلى لبَّ الشجرة ليأكل من الحشرات التي تؤذيها، فجُهزَّ بهذه الإمكانات، وهي لا تقلُّ عن أعقد آلات الثقب .

والحمد لله رب العالمين