34863
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 096 : الماء وخصيصة التمدد والانكماش.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1988-03-11
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ما هو القانون المطرد الذي وضعه الله في الماء, وما هو خطورة هذا القانون لو أنه انعكس ؟

تمدد الماء عند تجمده
أيها الأخوة المؤمنون, الآية الكريمة التي تقول:

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾

[سورة الأنبياء الآية: 30]

آيةٌ، لا تتسع المجلدات بتفسيرها، ولكن نأخذ اليوم جانباً يسيراً منها, الماء الذي جعله الله سبحانه وتعالى أساس الحياة، إن من العلماء من يقول: إن خصيصةً صغيرةً للماء، لو أنها فقدت, لانتهت الحياة من على سطح الأرض، ما هذه الخصيصة؟ .
إن الماء إذا بردَّته ينكمش، شأنه كشأن العناصر التي على وجه الأرض، ونقصد بالعناصر، الغازات، والسوائل، والمعادن، الأجسام الصُلبة، إن كل العناصر التي خلقها الله سبحانه وتعالى، تتمدد بالحرارة، وتنكمش بالبرودة، والماء منها، فإذا أردت أن تبرِّد الماء، وكان في درجة الغليان، وراقبت حجمه, بأجهزةٍ حساسة، فإنه ينكمش، إذا انخفضت الدرجة من مئة إلى ستين، إلى أربعين، إلى ثلاثين، إلى عشرين، إلى عشر، إلى خمس، فإذا وصل الماء إلى درجة (+4) عندئذٍ تنعكس الآية، يزداد حجمه ويتمدد, وهذا معاكس للقانون .
القانون المطَّرد الذي ينتظم كل العناصر على وجه الأرض فهو يتمدد، وهذا شيءٌ ترونه أنتم، ضعوا في الثلاجة سائلاً, وراقبوا حجمه، ترونه بعد التجمد يزداد حجمه، فإذا كان قارورةً محكمة السدّ، فإنها تنكسر، هذا شيءٌ معروفٌ لديكم، ولكن ما علاقة هذه الخصيصة بوجود الحياة على وجه الأرض؟ .
طفو الماء المتجمد على سطح البحار
قال: إذا تجمدت البحار، لو أن الماء إذا تجمَّد انكمش، أي قلَّ حجمه، فزادت كثافته، فغاص في أعماق البحار، يأتي يومٌ تصبح جميع البحار متجمدةً من سطحها إلى أعماقها، فإذا تجمدت البحار, انعدم التبخر، وإذا انعدم التبخر، انعدمت الأمطار، فماتت النباتات، فمات الحيوان، فمات الإنسان .
أيها الأخوة, لو أن الماء شأنه في التمدد والانكماش كشأن جميع العناصر التي خلقها الله عزَّ وجل، لكانت الحياة قد انتهت منذ ملايين السنين، ولكنَّ ازدياد حجم الماء وتمدده في هذه الدرجة الحرجة، في درجة (+4)، هذه الخصيصة التي أودعها الله في الماء، هي التي تجعل من الحياة مستمرةً على وجه الأرض، فإذا تجمَّدت المحيطات، كان التجمُّد باعثاً على ازدياد حجم الماء، وإذا ازداد حجمه، قلَّت كثافته، وإذا قلت كثافته، طفا على وجه الماء، فلو ذهبنا إلى المحيطات المتجمدة في القطبين، لرأينا التجُّمد في الطبقة السطحية، وأما في أعماق البحر فالمياه سائلة، تسبح فيها الكائنات الحية، كما لو أنها في أماكن أخرى .

هل هذه الآيات التي بثها الله في الكون تدل على العبث ؟

فيا أيها الأخوة المؤمنون, هل هذه الخصيصة التي أودعها الله في الماء, شيءٌ جاء صدفةً؟ لولا هذه الخصيصة لما كنا في هذا المسجد، لما تكلم أحدنا، لما كنا على وجه الأرض ، لما كانت الحياة على وجه الأرض .
أيها الأخوة المؤمنون, كلما تأملتم في آيات الله التي بثها الله في الأرض، عرفتم أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، ومدبراً حكيماَ، سميعاً بصيراً، قوياً، رحيماً، لطيفاً، هذا الكون هو الذي يدلُّ عليه .

والحمد لله رب العالمين