12767
موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 089 : دورغازالفحم في عمليتي الشهيق والزفير.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1988-01-22
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

إليك هذه الآيات الصارخة في جسدك أيها الإنسان :

أيها الأخوة المؤمنون, يقول بعضهم: شدة القرب حجاب، هناك آيةَ صارخةٌ دالةٌ على عظمة الله عزَّ وجل، لشدة قربها منا فكأننا لا نراها، منها التنفس .
ينام الإنسان ملء عينيه، ورئتاه تخفقان بانتظام، ينام الإنسان ملء عينيه، وقلبه يضرب بانتظام، ينام الإنسان ملء عينيه، وجهازه الهضمي يعمل بإحكام، ينام الإنسان ملء عينيه، وجهاز التصفية يعمل بدقةٍ مذهلة .
لو أن جهاز التصفية، وجهاز الهضم، وجهاز الدوران، والقلب, والرئتين كان منوط إلينا، هل منا من يستطيع أن ينام لحظة, أو أن يعمل لحظة, أو أن يجلس مع أخيه لحظة؟ هذه الآية الكبيرة هي الأفعال اللاإرادية، إنها تعمل بشكلٍ مدهش، بدقةٍ ما بعدها دقة، بحكمةٍ ما بعدها حكمة، بتدبيرٍ ما بعده تدبير .
قال العلماء: هناك مراكز للأعمال اللا إرادية تتحكم في ضربات القلب، ووجيب الرئتين، وعملية الهضم، وعملية الإفراز، وأعمال كثيرة لا يعلمها إلا الله، أعمال الغدد الصمَّاء، البنكرياس، الكبد، الكظران، الدرقية، النخامية، وأجهزةٌ، وغددٌ، وأعمالٌ معقدةٌ، والتوازن الحراري، وتوازن السوائل، وتوازن ضربات القلب، وأعمال كثيرة أخرى تتم بشكل لا إرادي .

أين تقع عقدة الحياة في الإنسان , وهل لها أثر في حياة الإنسان ؟

قال العلماء : هناك في البصلة السيسائية التي هي في القسم السفلي من جذع الدماغ، عقدة الحياة، في هذه العقدة مركز تنظيم التنفُّس، ومركز تنظيم ضربات القلب، ومراكز الأوعية تتسع وتضيق من هنا، ومركز البلع، ومركز المضغ، ومركز التصويت، ومركز توازن السكري، ومركز العرق، ومركز اللعاب، ومركز النوم واليقظة، ومركز المشي، ودورة الحيض، وحرارة البدن، ومركز الغدد التناسلية في القسم الأسفل من جذع الدماغ، يسمَّى هذه المكان عقدة الحياة, وهو أخطر مكانٍ في الإنسان، لو أصيب بخلل مات الإنسان فوراً .

image

مراكز الأعمال اللا إرادية وتأثيرها

أين يقع غاز الفحم في جسد الإنسان, وما هو دوره, وهل له خطورة إذا اختل توازنه عن نظامه الطبيعي ؟
قال: في هذا الجذع بقعتان: بقعةٌ للشهيق، وبقعةٌ للزفير، إن غاز الفحم المتواجد في الدم ينبه الشهيق والزفير، إذا نُبِه مركز الشهيق ثبِّط مركز الزفير، وإذا نبه مركز الزفير ثبِّط مركز الشهيق، لو نبها معاً لاضطرب الأمر، تنبيه أحدهما تثبيطٌ للآخر، شيءٌ عجيبٌ، شيءٌ يأخذ بالألباب .
شيءٌ آخر، هناك تنفسٌ إرادي يستطيع الإنسان بإرادته أن يحدث شهيقاً إرادياً، أو زفيراً إرادياً، هناك مركزٌ يأتي من الدماغ للشهيق الإرادي، والزفير الإرادي، هذا المركز إن كنت غافلاً عنه، يعمل بشكلٍ ذاتي، ما الذي ينبِّه هذين المركزين؟ غاز الفحم الذي في الدم، فإذا تراكم غاز الفحم، وكثر في الدم، تضاعف الشهيق والزفير، لو أن الإنسان غطَّى رأسه بالغطاء، وقل الأوكسجين في الفراش، وكثر غاز الفحم، ليراقب نفسه، يزداد وجيب رئتيه من دون أن يشعر، هذا الشهيق والزفير السريع، بسبب ازدياد غاز الفحم، غاز الفحم الذي ازداد في الدم، نبَّه مراكز الشهيق والزفير، فضاعفت حركاتها، ونحن لا ندري، نحن غافلون، الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء .
يقول العلماء: لو زاد غاز الفحم اثنان بالعشرة عن كميته النظامية في الدم لتضاعف التنفس، ولو قلَّ غاز الفحم اثنان بالعشرة عن كميته النظامية في الدم، لتوقَّف التنفس، ما هذا التوازن؟ إذا ارتفع غاز الفحم في الدم من دون أن ينبه مراكز التنفس، دخل الإنسان في غيبوبةٍ ثم مات، وهؤلاء الذين يختنقون في الحمام أحياناً بسبب استخدام وقود غازي، ما السبب؟ ارتفاع نسبة غاز الفحم في الجو، وبالتالي في الدم، وبالتالي يتوقف التنفس, فيموت الإنسان .

إليكم وصية النبي محمد عليه الصلاة والسلام :

فيا أيها الأخوة المؤمنون, هذا النَفَس، وهاتان الرئتان، ننام ملء العيون، والرئتان تعملان بانتظام، ننام ملء العيون، والقلب يضرب بانتظام، ننام ملء العيون، والغدد الصمَّاء تقوم بأعمالٍ مدهشة بانتظام، ننام ملء العيون، وجهاز الهضم يتحرك، ويعمل، ويفرز بانتظام, قال تعالى:

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾

[سورة الطور الآية: 35]

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾

[سورة الذاريات الآية: 21]

﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾

[سورة فصلت الآية: 53]

هذه الفكرة مأخوذةٌ من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((لا عبادة كالتفكر))

والحمد لله رب العالمين